مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

6. خاتمة: نحو بناء دولة قوامها المواطنة والتنمية والأمن والوحدة

طباعة PDF

 
ركّز هذا العمل على تبيان أوجه الخلل المُزمنة الرّئيسيّة في مجلس التّعاون لدول الخليج العربيّة، والتي رأينا تلخيصها في اوجه الخلل: السّياسي والاقتصادي والأمني والسّكاني. ووجّهنا طاقاتنا إلى رصْد وتحليل التّطوّرات في أوجه الخلل المُزمنة على مدى عامي 2011 و2012م، مدْعوماً بالإحصائيّات والمراجع والأرقام. وارتأينا، في هذا السّياق، العمل ضمن رؤية الثّابت والمُتحوّل، حيث بيّن هذا العمل أنّ أوجه الخلل المُزمنة لا زالت سمةً ثابتةً بين دول المجلس، ولا يوجدُ ما يُبشّر باصلاحها في المدى القريب على الأقل، بل إنّ تفاقم بعض أوجه هذه الخلل - كما هو الحال في الخلل الإنتاجي-الاقتصادي والخلل السكاني - يبدو بأنّه هو السّمة الطّاغية.
 

 في المقابل، أفرزت تراكماتُ أوجه الخلل المُزمنة على مدى العقود الماضية؛ بوادرَ تحوّلاتٍ عميقة، قد لا تكون بعيدة في أفقها. فعلى مستوى الخلل السياسي؛ ظهرت على مدى العامين الماضيين مطالباتُ تغييرٍ في كلّ دول المجلس، وبلا استثناء، تفاوتت في حجمها بين نقاشات دوريّة في الدّواوين، وصولاً إلى نزول عشرات الآلاف إلى الشّوارع، كما تفاوتت في مطالبها بين الإصلاح الدّستوري، وصولاً إلى اسقاط النّظام، وتفاوتت في أساليبها  بين المسيرات السّلميّة، إلى استعمال الزجاجات الحارقة والانفجارات. وإجمالاً، يُعتبر حجم ونوعيّة وأساليب هذه التحركات تطوّراً نوعيّاً غير مسبوق على مرّ العقود الثّلاثة الماضية في دول المجلس، فكان لها أن تتصّدر الحديث العام، وعناوين الأخبار على مدى السّنتين الأخيرتين.

 

العطايا الماديّة والحل الأمنيّ
 

 على المستوى الحكومي؛ تميّزت ردةّ الفعل بمزيجٍ من زيادة العطايا الماديّة، وإحْكام الاجراءات الأمنيّة. أمّا الإصلاح السّياسي الجذري؛ فيبدو أنّه لم يكن الخيار المُحبّذ لدى أيٍّ من الأنظمة، فيما عدا عُمان نسبيّاً في عام 2011م. في المقابل، إذا انتقلنا بناظرينا إلى التّيارات السّياسيّة النّشطة؛ فما ميّز ردّة فعلها هو معارضة الأنظمة الحاكمة، وطريقة تعاملها مع الأوضاع، في مقابل عدم وضوح مطالبها تحديداً. مع ملاحظة أنّ الفكرَ الحقوقي اللّيبرالي قد بدأ يُسيطر على طرْحها، والذي يصبُّ جُلّ تركيزه على مبادئ حقوق الإنسان، دون التّطرق إلى جوهر المطالبات السّياسيّة وطبيعتها. وقد بدأت تلوح بداياتُ احتفان إثني وطائفي ومناطقي في كثيرٍ من قطر من أقطار المنطقة، خاصة في البحرين والكويت والسعودية. إذن، يبدو أنّ السّمة الطّاغية على تحرّكات الأنظمة والتّيّارات السّياسيّة معاً هو "ردّة الفعل"، والتّأقلم في بيئةٍ غير مُعتادة وغير مستقرة، ولم تكن ضمن الخطّة ولا الحسبان؛ سمتُها الرّئيسة هو دخول "الشّارع"، وفي درجاتٍ مُتفرّقة من الغليان. وهذا الخروج عن المألوف يفتحُ المجال لتطوّراتٍ غير محسوبة، وغير متوقّعة، قد تكون بادرة خيرٍ، أو قد تأخذ منحىً غير حميد، مثل الاحتقان الطّائفي.
 

 ولا توجدُ حالياً أية بوادر تشير إلى أنّ الوضع السّياسي متوجّهٌ نحو التّهدئة، أو الحلحلة السّريعة في أيٍّ من دول المجلس، بل المتوقّع هو أن تتواصل هذه المطالب والتحرّكات، بشكلٍ أو بآخر، على المدى القصير على الأقل في كل دول المجلس قاطبةً، وسيبقى التّحدّي هو مدى إمكانيّة أن تُبلور هذه التّحرّكات السّياسيّة مطالبَ واضحةً، وذات نهجٍ ديمقراطي تنموي، تستطيعُ إيصالها بشكلٍ واضح وعمليّ إلى الجُمهور.

 

الخلل الإنتاجي/ الاقتصادي: التّحدي المزمن
 

 وعلى الرغم من افتقاده لنفس الحيّز والزّخم الإعلامي؛ إلاّ أن أهمية الخلل الإنتاجي- الاقتصادي بالتّأكيد لا تقلّ أهمية عن الخلل السّياسي، بل هناك الكثير من الخبراء منْ يرى بأنّه  قد يكون التّحدّي المُزمن والأكبر الذي يُواجه المنطقة. فلا زالت دول المنطقة تعتمد على بيع ثروةٍ نفطيّةٍ ناضبة في السّوق العالميّة، والتي تتميّز بالأسعار المُتقلّبة. ويُشكّل الرّيع المُحصّل من النفط؛ المُحرّك الرّئيسي للإنفاق والاقتصاد المحلي.   وعلى الرغم من تكاثر النّقاش والرّؤى والإستراتيجيّات على مدى العقد الماضي حول تنويع مصادر الدخل، والابتعاد عن الاقتصاد المُعتمد على النفط؛ يتبيّن لنا إجمالاً -  ورغم تواجد بعض الفروقات في التّفاصيل - إلاّ أنّ التّضارب في الرّؤى المرسومة ، في مقابل تطوّرات الأحداث الفعليّة؛ هي سمةٌ متشابهة في كلّ دول المجلس. وبشكلٍ عام، بالإمكان تلخيص أهداف الرّؤى الاقتصاديّة المرسومة  في: إنفاق العائدات النّفطيّة في تنمية قطاعات اقتصاديّة غير نفطيّة، أملا بأنْ يؤدّي هذا الإنفاق إلى تنويع مصادر الدّخل، والانتقال تدريجيّاً إلى اقتصادٍ لا يعتمد على الثّروة النّفطيّة. ولكن لا يوجد حالياً ما يُبشّر بأنّ هذا سيحدث على المستوى القريب أو المتوسط ، بل يبدو أنّ العكس هو الصّحيح، حيث زادت الاعتماديّة على النّفط في الإيرادات العامة، وارتفع سعر البرميل المطلوب لمعادلة الميزانياّت في كلّ دول المجلس.
 

 وكما تُبيّن تجارب وتاريخ أغلب الدّول النّفطيّة؛ فإنه من النّادر، إنْ لم يكن من المستحيل، تقليل الاعتماديّة على النّفط عن طريق زيادة النّفقات المُترتّبة من إيرادات النّفط. بل إنّ الدّولة النّفطية الوحيدة التي استطاعت فعلياً تقليل الاعتماد على النفط، ألا وهي النرويج، نجحت في ذلك عن طريق إستراتيجيّة مختلفة تماماً، حيث اعتمدت منذ انتاج النفط فيها على فصلَ القطاع النّفطي عن باقي الاقتصاد، ومنْع إنفاق إيرادات النّفط على المصروفات الجارية، في مقابل توجيهها، بنحوٍ أساس، إلى استثمارات سياديّة وبعيدة المدى وصناديق أجيال قادمة، وهو النقيضُ تماماً للإستراتيجيّات المُتّبعة في كلّ دول المجلس، والتي تعتمدُ بشكلٍ شبه كلّي على إنفاق إيرادات النّفط لتحريك اقتصاداتها.

 

الاعتماديّة النّفطيّة: الاقتصاد الرّيعي
 

 وقد يكون المتحوّل الرئيسي على مستوى الخلل الاقتصادي؛ هو بروزُ شبح مصاعب اقتصاديّة عميقة، قد لا تكون بعيدة عن المنطقة، تتمركزُ أساساً في عدم قدرة إيرادات النّفط المتقلّبة على تلبية الاتفاقات المتفاقمة في بعض دول المجلس، خاصة ذات الموارد النّفطيّة المتواضعة نسبيّاً. وقد يكون أفضل مثال على ذلك هو البحرين، حيث بدأت تلوحُ بوادرُ أزمة اقتصاديّة عميقة، تمثّلت في تفاقم الدّيْن العام إلى نسبة 40% من إجمالي النّاتج المحلي، وتواصل العجز السّنوي العالي في الميزانيّة، نظراً للمصروفات الجارية المتزايدة وعدم إمكانيّة إيرادات النفط من تلبيتها. وممّا يُفاقم من هذه الأزمة، هو تجذّر الاعتماديّة على النفط، بوصفه العنصر الرئيس في إيرادات الميزانيّة العامة، حتى بلغ سعر البرميل المطلوب لمعادلة الميزانية أكثر من 100 دولار. وتتزامن بوادر هذه الأزمة الاقتصاديّة مع ذروة الأزمة السّياسيّة الحادة التي تشهدها البلد منذ فبراير 2011م، وستكون جدليّة التحوّلات السّياسيّة والاقتصاديّة في البحرين؛ محطّ أنظار باقي دول المنطقة.
 

 على الرّغم من اختلاف حدة الوضع في باقي دول المجلس عند مقارنتها بالبحرين، فهذا لا يعني اختفاء بوادر الأزمة الاقتصاديّة كلّيّاً عنها. ففي أغنى الدّول النّفطيّة، وخصوصاً في قطر والإمارات؛ بدأت الدّيون الخارجيّة تتراكمُ بشكلٍ مُقلق جدّاً، خاصة في دبي وقطر (وتشير التّقديرات المتحفّظة بأنّ حصّة كلّ مواطن من الدّين الخارجي قد يزيد على 742 ألف دولار أمريكي و302 ألف دولار أمريكي في دبي وقطر على التّوالي)، ووصل إجمالي الدّيْن العام إلى أكثر من 30% من النّاتج المحلّي، وهذا رقمٌ مُقلق في دولٍ من المُفترض أن تكون مُصدِّرة لرأس المال. وقد وصل سعرُ البرميل المُتطّلب لموازنة الميزانيّة في الإمارات إلى 85 دولار أمريكي، وهو رقمٌ عالٍ نسبيّاً. وفي حين نجدُ أنّ الوضع قد لا يُعتبر كارثيّاً على المدى القصير؛ إلاّ أنّ هذه الوضعيّة لا يمكن لها أن تستمر على ما هو عليه على المدى البعيد، خصوصاً في ظلّ تفاقم الخلل الإنتاجي في دول المنطقة، والمُتمثّل في تواصل الاعتماديّة على الرّيع المُحصّل من بيع النّفط في أسواق خارجيّة ما انفكّت أسعارها تتقلّب، فتتقلب معها اقتصادياتُ المنطقة، صعوداً وهبوطاً. وفي هذا السّياق، تبيّن الحسابات بأنّ هناك فوارق بين إيرادات الصّادرات الفعليّة والإيرادات المُعلنة رسميّاً من الغاز والنّفط تتعدّى 750 مليار دولار على مدى الفترة من 2002 الى 2011، و هذه الفوارق الفلكيّة في الأرقام تحتاجُ إلى تفسير، خصوصاً في ظلّ انتشار الغطاء المالي النّفطي وانعدام الشّفافيّة والرّقابة عليه.
 

 

الخريطة الجيوسياسيّة: الهزّات الوجوديّة
 

 وليس بخافٍ بأنّ الخللَين السّياسي والاقتصادي مرتبطان بشكلٍ عضوي مُتماسك، حيث لا يُسمح بفصلهما وتحليلهما على حدة. فانعدام الشّفافيّة والرّقابة، والتّحكّم بالثّروة النّفطيّة؛ جزءٌ لا يتجزّأ من عملية احتكار السّلطة. بل إنّ أهمية تحليل أوجه الخلل بطريقةٍ "تكافليّة"؛ تظهرُ جليّاً عند التّطرّق إلى الخلل الأمني والإتّكاليّة على قوى أجنبيّة غربية لتأمين الحماية الدفاعيّة والعسكريّة لدول المنطقة، حيث إنّه يصْعبُ فهْم هذا التّواجد العسكري - والذي وصل في 2011 إلى حوالي 30 ألف عنصر أجنبي - من دون التّطرّق إلى النّظام السّياسي والاقتصادي المُهيمن.
 

 والتّحوّلاتُ الحديثة على الصّعيد الأمني؛ تضعُ المنطقة في عين العاصفة، خاصةً في ظلّ تصاعُد الثّورات العربيّة، ووصول التّغيير إلى مصر واليمن، بالإضافة إلى الوضع المُتأزّم في سوريا، وارتفاع نبرة الخلاف السّياسي بين أقطاب أنظمة الخليج وإيران، والتوقّعات بأن يدخلَ العراقُ بقوّةٍ إلى ساحة المُنتجين الرّئيسيين للنّفط على مدى السّنوات القليلة القادمة. كلّ هذه التّطوّرات تجعلُ الخريطة الجيوسياسية للمنطقة على صفيحةٍ مُتحرّكة مُعرَّضة ساخنة لهزّات "وجوديّة" قوية، ولا هرب من حقيقة أنّ الخليج يتمركز في عين هذه العاصفة. وأكثر ما قد يبعث القلق في هذا الاتجاه، هو أنّ القرار النّهائي المُتعلّق بالوضع الأمني في الخليج؛ ليس في يد حكّامه ولا شعوبه، بل يُرْسَم على بُعد آلاف الكيلومترات، ممّا يضع مبدأ السّيادة الفعليّة للمنطقة تحت المجهر.
 

 الخللُ السّكاني قد يكون العنصر المجهول، والمغفول عنه في المجتمع، على مدى العقد الماضي، فالأرقام تُبيّن تفاقم الخلل السّكاني بشكلٍ هائل في خضم الطّفرة النّفطيّة الثّالثة ، حتى وصلت نسبة الوافدين في 2011 إلى 48% من إجمالي السّكان، حسب الإحصاءات الرّسميّة، والتي عادة ما تُقلّل من أعداد الوافدين. وهذه النّسبة الصّادِمة تدلُّ على أنّ الوافدين قد أصبحوا، أو سيصبحون على مدى السّنوات القادمة، الأغلبية من سكّان المجلس، ولأوّل مرّة في تاريخه. وعلى الرغم من بدء بعض الدول، خصوصاً السّعوديّة، تنفيذ محاولاتٍ وخطواتٍ جدّيّة لتغيير هذه المعادلة، إلا أنّ هناك تساؤلاتٍ جذريّة حول المنهجيّة المُتّبعة، ومدى فاعليّتها وإنسانيّتها. أمّا في باقي الدول، ففي الوقت الذي يمكن أن نرصدَ الخطابَ الرَسمي الذي يعترف بالمشكلة؛ إلا أنّ الخلل السّكاني يبدو آخذاً في التّفاقم، بل إنّ أربع من دول المجلس (الإمارات، والبحرين، وعمان، وقطر) أخذت في تطبيق إستراتيجيّات تفاقم الخلل السّكاني بشكلٍ صريح، بل إنّ الخلل السّكاني تحوّلَ في إستراتيجيّاتها إلى مصدرِ طلبٍ اقتصادي، يكون على الدّول استقطابه، ورسْم رؤاها حوله، وتسخير مواردها له. لقد تبنّت هذه الدول بناء مشاريع عقاريّة، ومدن جديدة ضخّمة مُوجّهة في الأساس لاستقطاب المستثمر الأجنبي وتوطينه فيها، وتعِدُ هذه المشاريع بجلب أكثر من 4.3 مليون قاطن في هذه الوحدات، وهو عددٌ إنْ تمّ تمكينه فإنّه يتعدّى عدد المواطنين في هذه الدول مجتمعةً.

 

ملفات نموذجيّة
 

 يستعصى على أيّ عمل بحثي أن يتطرّق إلى كلّ الملفّات الشائكة، والزّوايا المتفرّقة ذات الأهمية الحيويّة في أوجه الخلل المزمنة في المنطقة. ولهذا، فقد اخترنا في هذا العمل التركيزَ على قضايا محدّدة، تسمحُ لنا بالتّعمّق في تحليلها وتبعاتها، حيث ركّزنا في جزء الخلل السياسي على ملف الدّساتير في دول المجلس، والقوانين النّقابية، وتطوّرات حقوق الإنسان. أمّا في الخلل الاقتصادي؛ فتمّ تكريس جزءٍ للعوائد النّفطية، وسُبل صرفها، في مقابل التّركيز على المشاريع والمُدن العقاريّة الضّخمة في الجزء الخالص بالخلل السّكاني. وأخيرا وليس آخرا، ركّز جزء الخلل الأمني على القوّات العسكريّة الأجنبيّة المتواجدة في المنطقة، والوضع الأمني المائي الحرِج فيها. هذا بالإضافة إلى  رصْد أهم التطوّرات في كلّ دولة في المجلس على مستوى كلّ وجه من أوجه الخلل المزمنة.
 

 لكن، تبقى الكثيرُ من القضايا الشّائكة التي لم يتطرّق إليها هذا العمل بشكلٍ مفصل. فإنْ كان هذا العمل قد ركّز على البنية الدّستوريّة للأنظمة الحاكمة؛ فلا زال من المهم التّطرّق إلى حالة التّيارات السّياسيّة النّاشطة في المنطقة، وتحليل رؤاها وتحرّكاتها ومطالبها، خاصة فيما يتعلّق بنظرتها حول سُبل مواجهة أوجه الخلل المزمنة الأربعة. ولا يمكن الإنكار بأنّ شبح الاحتقان والتّقسيم الطائفي والمناطقي أصبح خطراً رئيسيّاً، وبدأ يلوح برأسه في المنطقة، ممّا يدفع بالحاجة إلى التّحليل والرّصد والمتابعة الدّوريّة حتى نصل إلى فهمٍ أفضل حول طبيعة وتكوين هذه الظاهرة وسُبل مواجهتها.
 

 نفسُ الأمر ينطبق على مستوى الخلل الإنتاجي-الاقتصادي، فقائمة الملفات التي ينقصها  التّحليل المنهجي المُعمّق طويلة جداً، بما فيها تشخيص ونقد الرّؤى التّنمويّة في كلّ من دول المجلس، ونظام التّعليم على مراحله المُتفرّقة، وطبيعة النّظام المصرفي، وعملية الخصخصة وانفتاح السّوق التي طغت على المنطقة في السّنوات العشر الأخيرة، وغيرها العديد من المواضيع الاقتصاديّة الحيويّة التي تحتاج إلى منْ يدرسها بطريقةٍ منهجيّة. أمّا على المستوى الأمني، فتتعدّد القضايا الشّائكة، من وضعيّة الطاقة في المنطقة، إلى حالة الاكتفاء الذّاتي من تصنيع الأسلحة فيها. وتبرز في الخلل السّكاني عدّة قضايا مُلحّة، بما فيها سوق العمل، وتحليل نظام الكفالة. ويبيّن هذا النّقص الشّديد في التّحليل المستقل والمنهجي؛ الحاجة الماسة إلى جهودٍ مُكثّفة ودوريّة لتتبّع هذه المواضيع الجوهريّة، والتي لها تبعات جذريّة على مستقبل دول المنطقة ككلّ.
 

 

بوادر المعالجة
 

 ركّز هذا الاصدار على تقديم رصْدٍ وتحليل أوّلي لملامح أوجه الخلل المزمنة في دول المنطقة، وغنيٌّ عن القول أنّ الهدف النّهائي من هذا الرّصد، على الرّغم من صعوبة هذا الهدف، هو الوصولُ إلى حلولٍ واقعيّة وفعّالة ومُستدامة لأوجه الخلل المزمنة. ويطمحُ هذا الاصدار الدوري في أن يكون خطوة أوليّة في هذا الاتجاه، عن طريق التّشخيص المُعمّق والدّوري والعلمي لمكامن المشكلة. وهذه المنهجيّة بنفسها؛ تُعطي بوادر كيفيّة معالجة المشاكل في دول مجلس التعاون، فما بينه هذا العمل هو ان:
 

1.هناك على الأقل أربعة أوجه خللٍ مُزمنة يجب التّصدي لها، وهذا التّقسيم بنفسه مُهمٌّ لكي يُساعد في توضيح المشكلة ومقاربتها بشكلٍ يسير، ولكن غني في نظرته.

2. من الخطأ النّظر إلى كلٍّ من أوجه الخلل المزمنة؛ على أنها قضية مستقلّة، وإلى مجموعها على أنها مجرّد مجموعة من المشاكل المشتّتة وغير المترابطة جوهريّاً. بل إنّه يجب علينا أن نُحلّل أوجه الخلل جميعاً في إطار وحدةٍ عضويّة مُتماسكة، مُتقاطعة الأبعاد، ومتضافرة العناصر.

3. إنّ المفتاح لمعالجة أوجه الخلل المزمنة لابدّ وأن يكمن أولاً في مواجهة الخلل السّياسي، وبالأخص في المشاركة الفاعلة للمواطنين، وهم الأشخاص المعنيّون أساساً بما سيحصل في المنطقة، في رسْم وصنع واتّخاذ القرار.

 

بناء الدّولة الديمقراطيّة: الرّؤية البديلة
 

 وهنا يبرزُ السّؤالُ الجوهري: ما هي الرّؤية البديلة للواقع الحالي في دول المجلس، وما هي الأهداف التي نطمحُ إلى استبدال أوجه الخلل المزمنة بها؟ الجواب البديهي قد يكون في بناء دولةٍ ديمقراطيّة، تكفلُ لمواطنيها حقوق وواجبات المواطنة، وتوفّر لهم أسس الأمن والتّنمية المُستدامة.
 

 ومن باب الطّرح الأوّلي؛ من الممكن تلخيص مقوّمات هذه الدّولة في ثلاثة عناصر رئيسية: الديمقراطية والمواطنة، التّنمية المستدامة، والوحدة.
 

 فالدّيمقراطيّة المواطنة هي الحلّ والنّقيض للخلل السياسي، والمفتاح إلى حلّ باقي أوجه الخلل المزمنة عن طريق تحمّل المواطنين مسؤولية رسْم مصيرهم بأنفسهم. أمّا التّنمية المُستدامة، فهي السّبيل للتّغلب على الخلل الاقتصادي وتداعياته؛ من خللٍ سكاني، وخلل أمني في تذبذب أهم موارد الحياة من ماء وغذاء وطاقة. وأما الوحدة فهي الخيارُ الوحيد لمعالجة الإتكاليّة العسكريّة والأمنيّة على الخارج، وذلك من جانب دويلاتٍ صغيرة، ليس لها لا حول ولا قوة في تقرير مصيرها حالياً.
 

 لكن هذا الطّرح يستبطنُ تساؤلاتٍ أكثر ممّا يُجيبها، فما هو مفهوم الدّيمقراطيّة والمواطنة تحديداً، وما هي الآليّة لتطبيقها في كلّ من دول المجلس ذات التّراكم التّاريخي المختلف؟ وما هو السّبيل إلى التّنمية المُستدامة في ظلّ إدمانٍ مُتزايد على ريع النّفط؟ وهل الوحدة خيارٌ مرغوبٌ من شعوب المنطقة، وكيف سيتمّ تطبيقه في غضون الخلافات الحاليّة؟
 

 ليست هذه الخاتمة المكان المناسب للإجابة على هذه الاسئلة، والتي تحتاج إلى دراسةٍ مستفيضةٍ قد تكون مادةً لعمل آخر في هذه السّلسلة من الأعمال الدّوريّة. لكن، ممّا لا شك فيه أن المنطقة بحاجةٍ ملحّةٍ إلى منهج ورؤيةٍ جديدةٍ وشاملة، ترسمُ الطريق لإخراجها من أوجه الخلل التي تعيشها. وقد تكون المراقبة والفهم من "أعدائنا" خيرَ خطوة وبداية في هذا الطريق. مؤخّراً، قام الكيان الصهيوني بكتابة "اسرائيل 2020"[1]، وهي خطة تفصيليّة لاستشراف مستقبل إسرائيل، وضعها 250 خبيراً إسرائيليّا من مختلف المؤسّسات الرّسميّة والأكاديميّة في داخل إسرائيل والجاليات اليهوديّة في العالم، وهدف الخطة هو التّقابل ما بين مواردها وأصولها الاقتصاديّة، وموضعها الجغرافي، وأهدافها الوطنيّة.
 

 وما يُميّز هذه الخطة عن ما قامت به أغلب دول المنطقة من رؤى اقتصاديّة؛ هو أنّ هذه الخطة كُتبت بسواعد وطنيّة من إسرائيل في الأساس، ولم تعتمد على خبراء أجانب لكتابتها. وإنّه من "المضحك المبكي" أن يقوم أجانب  من غير مواطني الدّولة برسم الرّؤيّة الوطنيّة لدول الخليج، وأن يتمّ الدّفع إليهم سخيّاً في سبيل ذلك أيضاً. الميزة الثّانية في إسرائيل تتمثّل في المشاركة الواسعة من خبراءَ مثّلوا الاهتمامات الإسرائيليّة المتفرّقة كافة، وتمّ نشرها للعلن، على عكس الرّؤى في دولنا، والتي عادةً ما تبقى سرّيّة، ولا يتمّ النّشر منها إلى الملأ إلاّ المانشيتات الإعلاميّة التي تفتقرُ إلى التّفصيل.
 

 ولن يبدأ هذا العمل من عدم إنْ تمّ تطبيقه في الخليج، فسيكون من المهمّ استشفاء العِبر من التّجارب السّابقة. وثمّة إستراتيجيّة سابقة رسُمت بمنهجٍ مماثل، وتحمل عنوان "نحو إستراتيجية بديلة للتّنمية الشّاملة: الملامح العامة لإستراتيجيّة التّنمية في إطار اتحاد أقطار مجلس التعاون وتكاملها مع بقية الأقطار العربيّة". فقد طلبت الأمانة العامة لمجلس التّعاون في ندوةٍ عقدتها في الشّارقة العام 1983، من المشاركين في النّدوة إيجادَ إطار إستراتيجي تعملُ فيه خطط التنمية في إطار تكامل الدّول الأعضاء. وفي أواخر العام 1983 أقرّت النّدوة الثّانية في البحرين بعد المناقشة؛ الوثيقةَ التي قدّمها فريقُ العمل بعنوان «مشروع الملامح العامة لإستراتيجية التّنمية والتّكامل». كما نُشرّ النّص في المجلة الدّوريّة الصّادرة عن المجلس "لتعاون"، وقدّمت الأمانة العامة  بدورها, هذا المشروع إلى اجتماع وزراء التّخطيط في المجلس في مطلع العام 1984, حيث تمّ رفضه، وبذلك أُسدلَ السّتار على ذلك الجهد الأهلي- الرّسمي المُشترك، والذي مع الأسف لم تكن وراؤه جماعة أهليّة تدعو له، وتطالب به بعد إزاحته من التّداول الرّسمي .
 

 ربّما لو وُضِع هذا المشروع - أو غيره من مشاريع الإصلاح والوحدة والتّنمية - موْضع التّنفيذ، لمّا وجدنا دولنا تسير في مسار «نمط تنمية الضّياع»، حيث أوجه الخلل المزمنة - من خلل سكاني وخلل اقتصادي وخلل أمني وخلل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم- تتفاقمُ اليوم فيها، وتفرض على أهلها المُتضرّرين البحثَ من جديدٍ  - بعد ثلاثة عقود - عن مسارٍ يؤدّي إلى وحدة المنطقة من أجل مواجهة المخاطر المُحدقة بها. وقد يكون من المهم وضْع إستراتيجيّةٍ مماثلة على مدى السنوات القادمة لاستشفاء ما هي المتغيّرات والمتطلّبات التي تواجهها المنطقة على مدى السنوات القادمة، وكيفيّة مواجهتها، في سبيل إعادة بناء الدّولة على أسسٍ سليمة، على أن تتوافر الآليّات التي تضمن تفعيلها بشكلٍ سليم.
 

 و أملنا هو أن يكون جهدنا هذا وغيره من الجهود؛ قادرة على العمل من أجل الإصلاح الجذري، وصولا إلى الوحدة، وبدء عمليّة التّنمية المُنتظرة.