مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ممارسة السياسة من خلال الفتن - د. علي فخرو

طباعة PDF




هل نحن العرب متخصّصون في ممارسة الخلافات العبثية فيما بين مكوناتنا حتى إبّان المحن الكبرى التي تطال وتسحق الجميع، ولا تستثنى أحدا؟

في تاريخنا هناك الفتنة الكبرى، من معركة الجمل إلى مقتل عثمان المأساوي، إلى حرب صفين الكارثة، إلى جريمة الخوارج بحق الإمام على إلى الاغتيال

المفجع للإمام الحسين بن على في كربلاء، إلى الانقسام المميت بين الأمويين والعباسيين إلى.. إلى.. بلا نهاية، والتي نذوق مرارتها ونحصد ثمارها الفاسدة إلى يومنا هذا، وإلى سنين طويلة قادمة. أهناك أشدُّ مرارة من حصاد تلك الفتنة متمثلة في المشاحنات الطائفية السنيّة ــ الشيعية في أيامنا التي نعيش بينما يعود الاستعمار إلى أرضنا ويتمدَّد النفوذ الصهيوني في كل أرجاء وطننا ونحمل سبّة وعار التجزئة والتخلف أمام كل العالم الذي يتفرَّج ويعجب من استمرار عجز هذه الأمة وقلّة حيلتها؟


ليس أفدح من سوءات ممارسات ذلك التاريخ إلا مسلسل الفتنة الكبرى في عصر الأمة الحديث. إنها فتنة حلقات من الانقسامات المفجعة السُريالية. هل نذكر انقسام الحركة القومية، ذات الشعارات الواحدة، إلى بعث وقوميين عرب وناصريين في الوقت الذي كان فيه مدٌ وعنفوان الاستعمار ــ الصهيونية ــ الرجعية العربية موحد الأهداف والرُؤى والفعل؟

هل نذكر الانقسام الفلسطيني، فكرا ونضالا وعلاقات داخلية وخارجية متناقضة، بينما الوجود الصهيوني يتمدَّد ويأكل على مائدة الغنائم ثمُ يبصق الفتات للمتناحرين الساهين عنه وعن الوطن الذي يضيع؟

هل نذكر الانقسام البعثى - البعثى المجنون الذي أضاع في النهاية الفرصة التاريخية لعراق ـ سوري قوى شامخ يهابه الأعداء ويجرُ قاطرة الوحدة العربية إلى برِّ الأمان؟

هل نذكر الانقسام القومي العربي ـ الإسلامي العبثى الطفولى الذي أنهك قوى الأمة وأضاع فرص الوطن، حتى إذا بذلت جهود كبيرة عبر ثلاثين سنة لإيجاد أرضية مشتركة فيما بين التيارين، ونجحت تلك الجهود إلى حدود معقولة، انهارت علاقة القربى أمام أطماع وسلطة الانتهازية التي رأت في الربيع العربي فرصة القفز على الحكم وسرقة منجزات شباب ضحوا بأرواحهم وبهروا العالم بحيوية إبداعاتهم؟

هل نذكر انقسام الحركة الإسلامية السياسية نفسها إلى إخوان مسلمين وسلفيين وجهاديين متناحرين وذلك في أحرج فترة انتقالية لثورات وحركات الربيع العربي الواعد؟

هل نذكر انقسام المعارضة السورية إلى قوى ديمقراطية سلمية قلبها على وحدة سوريا وتناغم مكونات شعبها، وفي المقابل إلى قوى عنف تحركها أموال وتدخُلات المغامرين والطائفيين، لتصبح الحركة الشعبية الديمقراطية في سوريا أمثولة للكثير من الخزي والألم والخجل وقلُة المروءة؟

هل نذكر أصوات الانفصالات والتجزئة والإضعاف في اليمن والسودان والعراق وسوريا وغيرهم كثير؟

هل نذكر المرَات الكثيرة التي شعَ ألق البطولات في الأرض العربية وأيقظ الآمال والفرح، حتى إذا ما دخل أصحاب البطولات في دهاليز السياسة والمماحكات الطائفية أو القبلية انطفأ ذلك الألق ودخلت الأمة في ظلمات اليأس والقنوط؟

قصص وأمثلة الفتن الكبرى في عصرنا الذي نعيش تحتاج إلى مجلدات.

لقد أصبحت الفتن ظاهرة ملازمة لمسيرة العرب في التاريخ، ولم نتعلم من تكرارها شيئا. وها أن الفترة الانتقالية لما بعد ثورات وحركات الربيع العربي المبهرة الساطعة في سماء العالم تبتلى بكثير منها، بل لم تبق فتنة في قاموس الفتن إلا وتم إشعالها. لقد استعمل حطب التاريخ والجغرافيا والعرق والدين والمذهب والجنس لإشعال فتن لم تخطر قط على البال السوي.


الأسئلة العربية الأبدية تطرح نفسها في كل منعطف من تاريخنا القديم والحديث: لماذا لا نقتنع بأن التنازلات المتبادلة بين الأطراف المختلفة فيما بينها هي أحد الأسس التي تقوم عليها كل فائدة إنسانية، كل فضيلة وكل عمل معقول، كما جاء على لسان ادموند بيرك، السياسي والكاتب الإيرلندى الشهير؟ لماذا لا نفق بين الأيام العادية وبين أيام تكالب الأعداء على هذه الأمة المبتلاة ؟لماذا لا نعطى حيزا كبيرا لممارسة الأولويات في حياتنا السياسية؟

هل نريد لثقافتنا السياسية أن يحكمها منطق أننا «قوم لا توسط بيننا»، أم منطق «وكذلك جعلناكم أمُة وسطا»؟ ممارسة السياسة من خلال منطق الفتن أصبحت إشكالية عربية كبرى. إنها تقوض كل محاولة للنهوض، للخروج من تحت عباءة الاستعمار، لالتقاط الأنفاس لمواجهة البربرية الصهيونية، لتأجيل الاختلافات الأيديولوجية إلى ما بعد انقشاع محن الأمة وتراجع أعدائها.

للمرة الألف نقولها لشباب الثورات والحركات المباركة في الوطن العربي الكبير: احذروا فخ الفتن الذي ينصب لكم وخنجرها الذي يقطر دما، إنها دماء أمتكم.

ما نقوله لكم كصرخة مستجدية هو صدى لما تقوله بحسرة وألم الملايين من أبناء أمتكم يوميا في كل أصقاع الوطن الكبير المنكوب.

__________
المصدر: التجديد العربي

8 يونيو 2013




 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها