مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

إسلام القيم أم إسلام المصالح - د. علي فخرو

طباعة PDF



عبر القرون، وإلى يومنا هذا، والمجتمعات في كل بقاع الدنيا تحاول حل إشكالية العلاقة المعقدة المبهمة بين الدين والسياسة. من بين تلك المحاولات مدرسة فكرية سياسية تفرق بين دخول الدين في حقل السياسة كقيم أخلاقية وسلوكية لكي تسمو بالممارسة السياسية

وتبعدها عن قبول الماكيافيلية التي تجيز ممارسة الكذب والخداع والفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين دخول الدين في حقل السياسة من خلال رجال دين مهيمنين على مجريات الحياة السياسية أو من خلال مؤسسات دينية تدعى قربها من وتحدثها باسم الذات الإلهية، وبأن ذلك القرب يعطيها الحق في امتلاك السطوة والنفوذ لتوجيه أمور الحكم وقيادة مؤسسات السلطة.

ممارسة الشق الثاني من المعادلة في مجتمعات الغرب، من خلال التدخلات السافرة الانتهازية من قبل الكنيسة في شئون الحكم والسياسة، هو الذي أدى إلى طرح مفهوم العلمانية الكاملة الشاملة التي قادت إلى الفصل الكامل المبالغ فيه أحيانا بين كل تمظهر للدين، خصوصا مؤسساته ورجالاته وبين الحقل السياسي. وعندما صرخ دنيس ديدور صرخته الشهيرة: «دعنا نخنق آخر ملك بمصارين آخر قس»، فإنه عبر عن أقصى درجات الانتقام من ثنائي مؤسسة الحكم الاستبدادي ومؤسسة التنظيم الديني. لقد كانت تجربة الغرب مع الكنيسة صاخبة ومفجعة.

في بلاد العرب والمسلمين الآن ينطق بعض رجالات الدين الإسلامي بأقوال، وتتصرف بعض مؤسساته بقرارات وأفعال تذكر الإنسان بالحماقات التي ارتكبتها الكنيسة وبعض رجالاتها في غرب العصور الوسطى التي لم تؤد فقط إلى فقدان الكنيسة مكانتها ونفوذها وتواجدها الدنيوى وإنما أيضا إلى أفولها الروحي والرمزي. وهكذا فقدت مجتمعات الغرب مصدرا قيميا روحيا كان بإمكانه المساهمة في تخفيف حدة توحش وأنانية بعض أنظمتها وممارساتها السياسية والاقتصادية.

من هذا المنطلق نطرح الملاحظات والأسئلة التالية بعد أن تشوهت مؤخرا في بلاد العرب والمسلمين العلاقة بين الدين والسياسة وأصبحت إشكالية كبرى تحتاج إلى مواجهة صريحة وصادقة.

أولا: لقد قيل وكتب الكثير عن الظاهرة الجهادية العنيفة الإرهابية التي تجذرت في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، وامتدت إلى أصقاع الأرض، لتصبح منهجا له فكره وتبريراته وأساليبه الدموية. إنه منهج يستعمل يوميا بتعسف وبقلة مروءة في صراعات ومواجهات سياسية لا تمت بأية صلة لمقاصد الدين الإسلامي ولسمو قيمه. لقد دبس على قيم العدل والقسط والرحمة والسلام، وكل القيم الإسلامية الإنسانية الأخرى المبهرة، باسم الجهاد والمقاومة وحقوق هذه الجماعة أو تلك. وهكذا أدخل الدين في لجج السياسة في الداخل والخارج لا كمرجعية قيمة وأخلاقية ضابطة للممارسة السياسية وإنما كمصدر للانتقام المبتذل وللصراع العبثي وللتخلف المفجع في فهم مقاصد الدين الكبرى.

ثانيا: لقد أفرزت حقبة ما بعد ثورات وحركات الربيع العربي في بعض الأقطار العربية وصول بعض الأحزاب التي ترفع شعارات الإسلام السياسي، وذلك من خلال انتخابات نزيهة شفافة، وصولها إلى مراكز قيادات الحكم والسلطة. غير أن رجالات تلك الأحزاب لم يتصرفوا باسم الدولة التي يقودون ويحكمون وإنما باسم الأحزاب التي ينتمون لها، أي باسم الدين الذي تدعى تلك الأحزاب أنها تدافع عنه. ومع الأسف فقد أظهرت الأيام والأحداث أن فهم تلك الأحزاب لذلك الدين لم يزد على كونه فهما مذهبيا طائفيا لا دخل له بدين الإسلام الجامع المتسامح.

لقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى في التعامل مع الوضع المأساوي الحزين في سوريا، فنظر إليه لا كحراك شعبي ثوري من أجل حكم ديموقراطى وإنما كصراع طائفي بين مذهبين إسلاميين. والنتيجة كانت أنواعا من الأخطاء غير المبررة التي ارتكبتها أنظمة الحكم الإسلامية في دول من مثل تركيا ومصر وتونس. لقد تغلبت مصالح والتزامات الحزب على مصالح والتزامات الدولة باسم زج خفي مذهبي للإسلام في حلبة صراع سياسي. ومرة أخرى لم يلعب الإسلام دورا من خلال قيمه وسمو أخلاق رسالته، وإنما من خلال مصالح رجال ومؤسسات تدعى النطق باسم هذا الدين المبتلى.

ثالثا: دعنا نضيف إلى ذلك تدخل بعض السلفيين المتزمتين، و بعضهم في مؤسسات الحكم في حياة الأفراد لا من خلال الوعظ الحسن وإنما من خلال الضغوط والعنف، ونضيف وجود عشرات المحطات الفضائية الدينية الناطقة باسم هذه الجماعة أو تلك والتي تسمم الأجواء السياسية وتبث سموم الفرقة والتخاصم وترفع شعارات العنف والتصلب، ونضيف خطابات الكراهية والتحقير والتشويه التي تتبناها بعض وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية ضد مطالب سياسية بحتة يرفعها المنتمون لهذا المذهب أو ذاك، ونضيف الجنون الجديد الذي ابتدع ونقل جهاد المسلم من دار الحرب إلى دار المسلمين، جهاد المسلم ضد أخيه المسلم، وذلك كله باسم أجندة طائفية متخفية مقنعة، إذا أضفنا ذلك وأكثر أدركنا المحنة التي وصلت إليها مجتمعاتنا باسم زج خاطئ أو غير منضبط أو انتهازي للدين الإسلامي في أتون السياسة، زج لا دخل له بالقيم وإنما مغموس بمصالح الرجال والمؤسسات المدعين النطق باسم الإسلام.

والسؤال: هل يا ترى سيستطيع مناضلو الربيع العربي حماية الدين وحماية السياسة من جنون العابثين؟



__________
المصدر: التجديد العربي
21 يونيو 2013

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها