مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

قطر والطريق نحو الدستورية - وليد الخضيري

طباعة PDF


سنحاول في الصحفات القادمة تتبع مسيرة التحول الديمقراطي في قطر تاريخيا، ثم نتبعه بنقد لهذه المسيرة وأبرز الإشكالات الداعية للإصلاح في الوقت الحالي إلى هذا اليوم.
مسيرة تاريخية

يرجع تأسيس دولة قطر تاريخيا إلى الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني الذي قام بتثبيت ركائز الدولة بين عامي 1878 و 1912، حيث قام بتوحيد قبائل البلاد، ورفض منح العثمانيين مراكز نفوذ في البلاد، وعزز مركز تجار اللؤلؤ القطريين في مواجهة نظرائهم البريطانيين والهنود.[1]

وقد صدر أول دستور نظام أساسي للبلاد في عام 1953 ويعرف بـ “دستور قطر لعام 1953″[2]. وقد شهدت مرحلة الخمسينات هذه حراكا متنوعا من فئات عدة في المجتمع القطري، وكانت مسألة المشاركة في إدارة الشأن العام مطروحة، إلا أن حكومة قطر استمرت في تجنب تلبية هذه المطالب الشعبية[3] .

ولكن ترجع إرهاصات التحول الديمقراطي في قطر إلى عام 1963 الذي شهد تأسيس مجلس بلدية قطر على إثر مظاهرات شعبية في البلاد خلال تلك السنة وقُدمت عريضة الحركة الوطنية والتي ترتب عليها اعتقال العشرات من أهل قطر وإبعاد بعضهم من البلاد، إلا أن هذا المجلس البلدي لم يُنتخب بالرغم من تحديد الدوائر الانتخابية ومواعيد الانتخاب[4].

ثم شهدت قطر تأسيس المجلس الاستشاري عام 1964 الذي كان قائما على التعيين من أعضاء الأسرة الحاكمة. وفي عام 1970 شهدت قطر صدور النظام الأساسي المؤقت قبيل استقلالها، وقد جاء النظام كأول دستور مدون في قطر ليرسي القواعد الأساسية التي يقوم عليها نظام الحكم، ولينظم السلطات العامة والعلاقة فيما بينها. ويلاحظ أن هذا النظام صدر عن طريق المنحة ولم يكن للشعب دور في وضعه، وجاء في هذا النظام أن قطر دولة نظامها ديمقراطي[5]، ونص على أن تشكيل مجلس الشورى قائم على الانتخاب ومنهم الوزراء، وللحاكم أن يعين ثلاثة فقط إذا كان ذلك للصالح العام.[6] والجدير بالذكر أن مجلس الشورى هذا لم ينتخب ولم يعين طوال السنتين التي استمر فيهما العمل بالنظام[7].

وبعد الاستقلال شهدت قطر على يد الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في عام 1972 أمرين هامين[8]، الأول: الحركة التصحيحية وكانت تضمنت نتائج مهمة، منها تعريب قيادة الجيش والشرطة، وعودة جميع المنفيين إلى أرض الوطن، وتحويل ربع الدخل القومي الذي كان يتقاضاه الحاكم السابق إلى الموازنة العامة للدولة. الثاني: تعديل النظام الأساسي المؤقت الذي نص كذلك على أن قطر دولة نظامها ديمقراطي[9]، وتضمن إحياء مجلس الشورى.

ونص النظام الأساسي المؤقت المعدل على أن مجلس الشورى يقوم على التعيين في أول مرة، وصلاحيتة لمدة سنة فقط، ونص النظام على إنشاء مجلس شورى جديد عند انتهاء مدة المجلس الأول يتم تشكيله بالنتخاب السري المباشر، وأن يصدر قانون خاص بالانتخاب خلال ثلاثين يوما من انتهائه وأن تجرى الانتخابات خلال ستين يوما من صدوره.[10] ولكن لم يتم إجراء أية انتخابات لذلك المجلس وظل تجديد التعيين له حتى إلغاء النظام الأساسي المؤقت المعدل في عام 2004[11].

ومع أن النظام الأساسي المؤقت أقر حرية الصحافة والنشر إلا أنه في عام 1979 تم إصدار قانون المطبوعات الذي فرض قيودًا عديدة على حرية الصحافة.[12]

وفي مطلع التسعينات من القرن المنصرم شهدت قطر مطالبات شعبية بتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في السلطة، ففي ديسمبر 1991 قامت نحو 50 شخصية بارزة برفع عريضة إلى أمير البلاد آنذاك الشيخ خليفة طالبوا فيها بضرورة إحداث انفتاح سياسي، مقترحة تشكيل مجلس شورى بالانتخاب تكون له صلاحيات تشريعية ورقابية تحقق المشاركة السياسية الفعالة، وأن يقوم هذا المجلس بوضع دستور دائم يكفل تحقيق الديمقراطية.[13]

وفي عام 1995 تولى الشيخ حمد بن خليفة مقاليد الحكم بعد انقلاب على والده، وحاول تحديث مؤسسات الدولة وتطويرها، وقد أصدر في ذلك تعديلا على النظام الأساسي تضمن حسم مشكلة تعيين ولي العهد، ونص على أن يكن حكم الدولة وراثي في أسرة آل ثاني ينتقل من الأب إلى أحد أبنائه، فإن لم يوجد فإلى من يختاره من أسرة آل ثاني. وبالإضافة إلى ذلك فقد قام الشيخ حمد بإيجاد منصب رئيس للوزراء منفصلا عن الأمير.[14]

وفي عام 1996 أجرى الشيخ حمد تعديلا وزاريا ثانيا في عهده تضمن إلغاء وزارة الإعلام[15]، وتم كذلك رفع الرقابة المباشرة التي كانت مفروضة على الصحف[16].

وفي عام 1998 صدر أمر أميري بتنظيم المجلس البلدي، ثم صدر قانون آخر خاص بانتخاب أعضاء المجلس البلدي، وأعطي حق الانتخاب للمواطنين ذكورا وإناثا ممن بلغوا سن الثامنة عشرة[17]، وأجريت أول انتخابات في ذات العام[18]، ثم أجريت الانتخابات الثانية في عام 2003. [19]

وفي عام 1999 صدر القرار الأميري بتشكيل لجنة لإعداد دستور دائم للبلاد، وتم إجراء استفتاء عام عليه في 2003 وأقر بأغلبية كاسحة فاقت 97%، وتم إصدار الدستور والعمل به عام 2004.[20]

تضمن الدستور الدائم لدولة قطر عدة أسس يمكن ملاحظتها[21]:

-       إعلان دستور دائم للبلاد باستفتاء شعبي.

-       تضمنت مواد الدستور أن قطر دولة نظامها “ديمقراطي”.

-       أعلن الدستور أن الشعب هو مصدر السلطات.

-       حفظ الدستور الحريات الأساسية للأفراد.

-       نص الدستور على حق الانتخاب.

-       حفظ الدستور حرية الرأي والصحافة والإبداع والفكر.

-       يكفل الدستور حق التجمع.

-       كما يكفل حق إنشاء جمعيات.

ويلحظ غياب ما يتعلق بالمرأة في الدستور إلا أنه نص على أن المساواة بين المواطنين جميعا. ولكن يجدر التأكيد والتنبيه على أن نصوص الدستور لا تكفي لوحدها في الحكم على دولة ما بأنها ديمقراطية أو مدى معرفة تحقيقها لشروط الديمقراطية، فإنه قد يكون البون شاسعا بين ما تنص عليه الدساتير وبين ما هو على أرض الواقع من ممارسات السلطة، ولذا فإننا ستناول لاحقا ما يتعلق بتقييم الوضع الديمقراطي في قطر من ناحية الممارسات وآراء المعارضة فيها.

قام الأمير في عام 2003 بتعيين السيدة شيخة المحمود وزيرة للتربية والتعليم لتكون أول وزيرة قطرية وأول وزيرة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي.[22]

وفي عام 2000 أصدر الشيخ حمد قرارا بالعفو شمل 42 مسجونا سياسيا، وفي عام 2003 تأسست أو لجنة وطنية لحقوق الإنسان باسم “اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان”.[23]

وفي عام 2008 تبنى مجلس الشورى المعين قرارا بتنظيم الانتخابات التشريعية تشمل ثلثي أعضاء المجلس، وأعلن الشيخ حمد في عام 2011 تنظيم انتخابات ثلثي أعضاء مجلس الشورى على أن تعقد الانتخابات في عام 2013.[24]

في يوم 24 يونيو 2013 أُعلن في قطر من خلال قناة الجزيرة عن عزم الأمير حمد بن خليفة على نقل السلطة لابنه وولي عهده تميم بن حمد بعد اجتماعه مع أهل الحل والعقد، ونشر الديوان الأميري عبر وكالة الأنباء القطرية عن أن يوم الثلاثاء 25 يونيو 2013 هو يوم إجازة في قطر وأن الأمير حمد سيلقي خطابا في تمام الساعة الثامنة. وقد كانت وكالة رويترز قد نشرت في 10 يونيو أنباء عن تغيير سياسي في قطر يشمل تنحي الأمير ورئيس الوزراء عن مناصبهم وانتقال السلطة إلى ولي العهد تميم بن حمد.

في 25 يونيو 2013 أعلن أمير قطر حمد بن خليفة تنحيه عن منصبه كأمير للبلاد لصالح ابنه تميم بن حمد.
الحاجة للإصلاح السياسي في قطر

بحسب دار الحرية (Freedom House) تصنف قطر على أنها دول ليس فيها حرية[25]. وبحسب تقرير منظمة الشفافية فإن قطر تحتل المرتبة 27 من 176 في معدل الشفافية[26]. أما منظمة حقوق الإنسان فأصدرت عداد من التقارير فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في قطر[27]. وأصدرت منظمة العفو الدولية عددا من التقارير بشأن انتهاكات قطر لحقوق الإنسان[28]. وسنتناول بقدر من التفصيل ما يراه النُقاد على جوانب القصور في عملية التحول الديقراطي في قطر.

يذكر علي خليفة الكواري[29] أن الخلل السياسي في قطر يتمثل في غياب الديمقراطية وعدم مراعاة مبدأ المواطنة وانعدام المشاركة السياسية الشعبية الفعالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة. ويذكر أن رؤية قطر الوطنية التي أعلنتها الأمانة العامة للتخطيط التنموي في عام 2008 قد تجنبت ذكر التنمية السياسية كركيزة رئيسة من ركائز الرؤية. وأنه عند قراءة الاستراتيجية التنموية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 نجدها تهمل ذكر التنمية السياسية.

وعند نقده للدستور الحالي يرى الكواري أن دستور قطر الدائم لعام 2004 يقترب من حيث النص في بعض مواده إلى مقومات نظام الحكم الديمقراطي، ولكن الإحالة على مواد أخرى في الدستور أو الإحالة على القوانين قد عطلت ذلك الاقتراب.[30]

ففي حقوق المواطنة يرى أن قانون الجنسية لعام 2005 وعدد من الاجراءات والأوامر الإدارية والأعراف المشيخية قد تعطل المواطنة المتساوية. وفي باب الحريات وتكوين الجمعيات يرى أن القوانين السارية من المحتمل أن تعطل ما جاء في الدستور من حريات، ويتجاهل الدستور حرية التنظيم ولا يتيح حق التعبير السلمي، وفي ذلك انتقاص لضمانات الحكم الديمقراطي.

ويرى كذلك الكواري وبعض الباحثين[31] أن الدستور بمضمون مواده يجعل الأمير هو مصدر السلطات وليس الشعب، وأنه هو المرجع الأخير لتحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة والتشريع. وأن معيار الديمقراطية أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب وإنما باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات بشكل حقيقي.

كما أن الصلاحيات التشريعية تظل منقوصة في دولة قطر، كما أنه في شأن المشاركة الشعبية يُمنع تشكيل الأحزاب السياسي، وما يتعلق بالحريات تظل القيود كبيرة على حرية الرأي والتعبير، وأما حق التجمع السلمي والتنظيم فإن القانون يقيد عمل الجمعيات.[32]

أما الإعلام فبالرغم من حضور قناة الجزيرة الطاغي على المستوى العربي، فإن الكواري يعتبرها منبر من لا منبر له سوى القطريين، ولا زالت المنظمات الحقوقية تطالب قطر بالحريات الإعلامية ورفع التقييد، ومن ذلك إلغاء المواد الفضفاضة التي تمنع من انتقاد الحكومة، كما استنكرت المنظمات بعض الممارسات وأشهرها سجن الشاعر القطري محمد بن الذيب العجمي الذي صدر بحقه حكم قضائي بالسجن بسبب قصيدة كتبها قيل أنها تؤيد الثورة التونسية.

 

الهوامش
[1] أحمد منيسي، التحول الديمقراطي لمجلس التعاون في دول الخليج العربية، ص 47.
[2] حسن السيد، بوابة الشرق: http://www.al-sharq.com/ArticleDetails.aspx?AID=240145&CatID=82&Title=%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D9%82%D8%B7%D8%B1%20%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%201953&type=articles
[3] علي خليفة الكواري، حالة الديمقراطية في قطر: http://www.arabsfordemocracy.org/democracy/pages/view/pageId/460
[4] المصدر نفسه.
[5] موقع الميزان: http://www.almeezan.qa/LawArticles.aspx?LawTreeSectionID=14174&lawId=4360&language=ar
[6] أحمد منيسي، مصدر سابق، ص 59-62.
[7] علي خليفة الكواري، حالة الديمقراطية في قطر، مصدر سابق.
[8] أحمد منيسي، مصدر سابق، ص 75-76.
[9] موقع الميزان: http://www.almeezan.qa/LawArticles.aspx?LawTreeSectionID=14174&lawId=4360&language=ar
[10] المصدر نفسه: http://www.almeezan.qa/LawArticles.aspx?LawTreeSectionID=14181&lawId=4360&language=ar
[11] علي خليفة الكواري، حالة الديمقراطية في قطر، مصدر سابق.
[12] أحمد منيسي، مصدر سابق، ص 110.
[13] المصدر نفسه، ص 109.
[14] المصدر نفسه، ص 111.
[15] المصدر نفسه، ص 128.
[16] المصدر نفسه، ص 130.
[17] المصدر نفسه، ص 132.
[18] المصدر نفسه، ص 179.
[19] المصدر نفسه، ص 129.
[20] المصدر نفسه، ص 130.
[21] موقع وزارة الخارجية القطرية: http://www.mofa.gov.qa/details.cfm?id=206
[22] المصدرنفسه، ص 128.
[23] المصدر نفسه، ص 130.
[24] موقع العربية نت: http://www.alarabiya.net/articles/2011/11/01/174840.html
[25] موقع بيت الحرية على الإنترنت: http://www.freedomhouse.org
[26] تقرير منظمة الشفافية لعام 2012 على الإنترنت: http://www.transparency.org
[27] موقع منظمة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش): http://www.hrw.org
[28] موقع منظمة العفو الدولية: http://www.amnesty.org
[29] علي خليفة الكواري (محرر)، السياسات العامة والحاجة إلى الإصلاح في دول مجلس التعاون (بيروت: منتدى المعارف، 2013)، ص 338.
[30] علي خليفة الكواري، حالة الديمقراطية في قطر، مصدر سابق.
[31] أحمد منيسي، مصدر سابق، ص 148.
[32] المصدر نفسه، ص 150.






__________
المصدر: موقع المقال

25 يونيو 2013



 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها