مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الفوضى تخلق الفوضى - نبيلة مبارك العنجري

طباعة PDF




لجأت الحكومة الى فوضى الفتاوى الدستورية لحل المشاكل، فازدادت الفوضى لافتقادها الموضوعية.. مما اوقع البلاد في سلسلة اخطاء متكررة.

ظهر مصطلح الفوضى الخلاقة خلال أبريل من عام 2005 ضمن لقاء نشرته «الواشنطن بوست» مع كونداليزا رايس، وكان في عز الحرب الأهلية بالعراق وانتشار فرق الموت التي اتهم بها الجيش الأميركي والميليشيات المسلحة. وكان المقصود بذلك المصطلح تكوين حالة من التغييرات المحددة والمقننة لاحداث فوضى مقصودة ومصنوعة، لفرض ما يسمى بـ «شرق أوسط جديد».

وبعد سنوات انتقلت هذه الفوضى الخلاقة الى تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، ولا نعلم أين ستحط رحالها في المستقبل، المهم أن الواقع يؤكد أن هذه الفوضى لم تنجح في بلورة نظرية ذلك الشرق الأوسط الجديد.

واذا انتقلنا الى وضعنا الداخلي في الكويت فسنجد أننا، رغم يقيننا بعدم وجود أسباب جوهرية لحدوث فوضى تؤدي الى تعديل أو تغيير، فاننا نعيش في فوضى غير خلاقة نخلقها بأيدينا.

فعلى مدى الأعوام الماضية مررنا بتخبط حكومي لم يسبق أن مررنا به في تاريخ الكويت، وأكاد أجزم أنه لا توجد دولة في العالم تضع نفسها في مثل هذا التخبط المتتالي، فالحكومة كلما أرادت الهروب من أي استحقاق دستوري هربت من المواجهة وطالبت بحل المجلس، وظلت تكرر هذه الخطوة حتى باتت تتخذ قراراتها من دون دراسة حقيقية للواقع، أو قراءة سليمة للنتائج، ليكون المشهد في النهاية إبطال المجلس تلو الآخر.. وها نحن أمام انتخابات جديدة، ولا ندري ماذا سيكون مصير المجلس المقبل في ظل استمرار هذا التخبط ووصوله الى التراجع عن تحديد موعد الانتخابات والتردد في نشر مرسوم الدعوة.

وها هي أصوات الكثير من قوى المعارضة تتعالى رافضة الالتفاف الحكومي على الارادة الشعبية، وهذا بحد ذاته يعكس الى أي مدى سقطت الحكومة في احتواء الجميع بقرارات عادلة منصفة.

وبعيدا عن قبول حكم «الدستورية» أو رفضه من قبل الأطياف السياسية المختلفة، فان الأمر المؤكد هو أن الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة افتقدت أدنى درجات الوعي في تعاطيها مع الصدامات السياسية.

أين المستشارون السياسيون والدستوريون والقانونيون والاقتصاديون؟ وهل يقومون بعملهم وفق دراسات علمية مدروسة، أم أنهم يضعون ما يطلبه منهم المسؤولون خوفا على مناصبهم وامتيازاتهم؟

لقد اختارت الحكومة أسوأ الطرق في سعيها لحل مشاكلها، فلجأت الى تقسيم الشعب الى كتل وطوائف وفئات، ولم تكن النتيجة الا مزيدا من التخبط والفوضى والانحدار في مستوى الحوار، وتقهقرا في مستوى المعيشة، وتوقفا لعجلة التنمية، وتراجعا للخدمات الصحية والتعليمية، وفي المقابل تضخم الصراعات وتوغل الفساد في كل جوانب حياتنا، فالاقتصاد صار كالشيخ الكهل العاجز عن الحركة، أما الوحدة الوطنية فأصابها المرض وطغت عليها أصوات الجهل والفرقة، والأمن بات مهددا بالخطر، وتفاقمت حالة الشتات بين أطياف المجتمع، وللأسف لم تترك الفوضى مؤسسة ولا جهة الا وفرضت نفسها عليها.

الآن لم يعد هناك مجال لتغطية المثالب أو بالأحرى «الكوارث الادارية» مع وجود تكنولوجيا الاتصال الحديثة التي لم تترك حقيقة الا وكشفتها، ولم يعد هناك مجال للمماطلة في تنفيذ طموحات الشباب أو طمطمة صفقات الفساد، لذا فعلى حكومتنا أن تنظر بعين العقل لكل القضايا، وأن تخلع النظارة السوداء القاتمة عن عينيها لترى حقيقة سياستها العقيمة، وتعمل على تغيير نهجها وفق استراتيجيات مدروسة وخطط محكمة تتمكن بها من انتشال الدولة من حالة الركود التي هيمنت عليها، والانطلاق نحو مرحلة جديدة تحفظ هذا الوطن من المخاطر المحدقة به.

كفانا أخطاء اجرائية تكلف الدولة الملايين، وتضيع علينا الشهور والسنين.. كفانا اعتمادا على الترضيات والمحاصصات في اختيار المسؤولين.. كفانا متاجرة بأمن ووحدة المواطنين لمصالح رخيصة وتكسبات زائلة.. وكفانا تفويتا للفرصة تلو الأخرى.

باختصار لم يعد هناك مجال لمزيد من الهدر والفوضى.. اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.



__________
المصدر: صحيفة القبس الكويتية

28 يونيو 2013



 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها