مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أزمة الأحزاب السياسية الإسلامية - د. علي فخرو

طباعة PDF



كتبت في الماضي، كما كتب غيري، مقالات بشأن حق الأحزاب السياسية الإسلامية، مثل غيرها، في تسلم الحكم طالما أن ذلك قد تم عن طريق انتخابات نزيهة وتنافس شريف مع الآخرين، وطالما أن تلك الأحزاب قبلت الالتزام بضوابط اللعبة

الديمقراطية من تعددية أيديولوجية سياسية وتبادل سلمي للسلطة واحترام لحقوق الإنسان .

لكن مع ذلك، لن يكفي التزام تلك الأحزاب بالدين الإسلامي، إيماناً وقيماً وممارسة للشعائر، حتى يرضى النّاخبون والمناصرون عن أدائها في الحكم . إذ إنها ستحتاج أيضاً إلى تحقيق إنجازات في الواقع المعيشي اليومي للمواطن، من عمل وسكن وصحة وتعليم وبنيات خدمية أساسية، مثل الطرق والكهرباء والماء .

ولكي أنقل الصورة إلى أعلى الوضوح ذكرت أنه حتى لو حملت تلك الأحزاب القرآن الكريم فوق أسنّة الرماح كدليل على التزامها بالدين وامتثالها للأوامر والنواهي الإلهية، فإن الناخبين والمناصرين سينفضون من حول تلك الأحزاب إذا فشلت في الاستجابة الكفؤة العادلة لمطالب حاجاتهم المعيشية الأساسية، أو تعثرت في إقامة حكم رشيد ديمقراطي عادل . في الماضي كتبت ذلك كدفاع عن القوى السياسية الإسلامية في الجزائر، عندما تدخل العسكر ومنعوا تلك القوى من الوصول إلى الحكم، بالرغم من نجاحهم في انتخابات نزيهة عادلة . وعندما قادت الانتخابات في مصر وتونس ما بعد الثورات المبهرة إلى تسلم السلطة من قبل الأحزاب السياسية الإسلامية كتبت أيضاً مسانداً حق الناس في الاختيار وحق الأحزاب في الحكم، طالما أن ذلك كله تم بصورة ديمقراطية معقولة وبإرادة الناس الحرة .

اليوم، كمثل صارخ، تثبت الأحداث الجارية في مصر الثورة تلك المقولة البسيطة: سيتمسك الناس بالأحزاب السياسية الإسلامية إذا نجحت في ممارسة الحكم بكفاءة ونزاهة وعدل، وتمسكت بالاستقلال الوطني والالتزامات القومية العربية العليا، وسينفضون من حولها إذا فشلت في ذلك . ولن تستطيع آثار السجود على الجباه ولا الأيادي الرافعة للقرآن الكريم أن تبطل تلك المقولة البسيطة التي حكمت كل ممارسات السياسة عبر التاريخ البشري .

دعنا هنا نطرح سؤالاً:

ما الذي يوصل الأحزاب السياسية الدينية إلى تلك المرحلة المحزنة المتمثلة في انفضاض الناخبين من حولها، مع أنه من المفروض أنها تمارس نشاطاً سياسياً ملتزماً بقيم وأخلاقيات الدين التي تسمو بالحياة، ومع أنه من المفروض أنها تمارس التقوى والخشية من الله المراقب المحاسب، مصدر القسط والحق والميزان في هذا الكون؟

قد توجد أسباب كثيرة، ولكني أعتقد أن من أهمها وأخطرها إسناد مسؤولية القيادة الروحية مع مسؤولية القيادة السياسية إلى فرد قائد واحد . وسواء سمّي هذا الفرد مرشداً أو رئيساً أو أمير مؤمنين أو إماماً فقيهاً، فإن نقطة الضعف تبقى واحدة . لأن الفرد الأتقى والأكثر إلماماً بعلوم الدين والأكثر قدسية واحتراماً لدى أعضاء الحزب ليس بالضرورة هو الأكثر فهماً لأسس ومتطلبات السياسة وقواعد ممارستها . إن عالمي الدين والسياسة هما عالمان مختلفان، وفنون التعامل مع كل منهما متباينة، حتى لو كانت المشاعر والقيم الدينية التي تحكمها واحدة .

إن من صفات القائد الروحي، عند أغلبهم وليس كلهم بالطبع، الإصرار على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة الكاملة من دون غيره، وبالتالي عدم القدرة على الأخذ والعطاء والتعامل مع الحياة السياسية بمرونة . كيف تستطيع شخصية منغلقة كهذه أن تكون مرجعية سياسية لحقل أبرز ما يتصف به هو المرونة والحلول المتوازنة وتغير السلطة الدوري وقبول الآخر، وعدم إقصائه والتعامل مع الحقائق النسبية الدنيوية؟

هل ستستطيع الأحزاب السياسية الإسلامية أن تعي دروس الحاضر وتكون لها قيادتان، روحية وسياسية، تتحاوران وتتفاعلان وتتناغمان، ولكن عندما تتخذ القرار السياسي فإن الكلمة الفاصلة تكون في يد القيادة السياسية؟ المطلوب هنا ليس الفصل الشكلي وإنما الحقيقي الذي من دونه ستبقى الأحزاب السياسية الإسلامية في أزمة خارج الحكم وداخله . إنها معادلة صعبة ولكن غير مستحيلة .

هل يعني ذلك تنازل هذه الأحزاب عن الأهداف الأيديولوجية الإسلامية التي تسعى إلى تحقيقها؟ أبداً وإطلاقاً لا . ذلك يتعارض مع المنطق والديمقراطية التعددية وحريّة الاعتقاد السياسي وتكوين الأحزاب .

إن القضية لا تكمن في الأهداف السياسية الإسلامية، ولا في الحقوق المدنية الكاملة للأحزاب التي تنادي بها . إنها تكمن في التجارب المريرة التي مورست خلال السنتين الماضيتين من عمر ثورات الربيع العربي . لقد تبين وجود خلل ما في تعامل الأحزاب السياسية الإسلامية مع الواقع العربي، على مستوى الوطن والأمّة . إن الانقسامات والصراعات في ما بينها، وإن عدم حسم موضوع الديمقراطية في عقيدة بعضها السياسية، والاضطراب والتناقضات في المواقف الناتجة من عدم حسم موضوع الخطوط الفاصلة والمتقاطعة بين القيادة الدينية والقيادة السياسية، وعدم القدرة على التعايش والتعاون مع القوى السياسية الأخرى (باستثناء المحاولة في تونس) لتعويض ضعف التجربة التاريخية في ممارسة السلطة عند هذه الأحزاب، كل ذلك وأكثر على الأغلب، يحتّم أن تجري الأحزاب السياسية الإسلامية مراجعة معمّقة لما واجهته خلال السنتين الماضيتين من عمر الثورات الربيعية العربية، هذا إذا كانت تريد أن تحجز لها مكاناً في المستقبل العربي السياسي .



__________
المصدر: التجديد العربي

04 يوليو 2013
 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها