مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أسئلة الاتحاد الخليجي والرأي العام المغيّب - مهنا الحبيل

طباعة PDF



اختفى عملياً مشروع الاتحاد الخليجي وإن بقي مواسم إعلامية كعلاقات عامة، وخلافا لاعتراضات بعض المثقفين الإصلاحية أو تدخلات دولية فالحقيقة أن رفض قيام الاتحاد الفعلي يصدر من حكومات لأسباب سياسية خاصة بها كأنظمة حكم أكثر من أي سبب آخر وهو كذلك لدى الراغبين بتحقيقه، وهذا الغياب لطرح مشروع الاتحاد يجري رغم ما صدر بصورة مباشرة من مواقف ايرانية تعلن عزمها لمواجهة الاتحاد بكل الوسائط وهو ما يؤكد ان كل ما قيل عن اطماع تنفيذية لإيران اضحت حقيقة تعلنها طهران صباح مساء.

الجانب الآخر أن مستوى الكونفدرالية التي نودي بها بحسب الإعلانات الاولية ثم خفتت هو في مستوى أولي وهو يغطي قانونياً بصورة حاسمة الدرع الاستراتيجية لأعضائه ويؤسس لتنسيق اكبر في السياسة الخارجية مع استمرار التمثيل الدبلوماسي للدول وتشكيل رافعة دعم اكثر حيوية للحراك الاقتصادي، وهذا يعني مستوى منخفضا لا يُغير من واقع قوانين أو دستور الدول أو حقها السيادي ولا يُشرع التدخل الأمني الداخلي إنما إقرار الدفاع الاستراتيجي، وبالتالي بعض ما ضُخ إعلامياً عن آثار هذا الاتحاد ليس صحيح وليس دقيقا بالنسبة لجسم الاتحاد المقترح، أما السلوك العملي في المدار الامني فهو رهن التوافق الثنائي بين أي دولتين وقد يعبر مدارات حساسة دون قيام الاتحاد في قضايا عديدة قد تتجاوز حق المواطنة كحالة عامة، وما ينشر من أخبار متواترة من إيران أو أنصارها أو المتقاطعين مصلحياً معها عن تورط قوات درع الجزيرة في المواجهات الامنية الداخلية للبحرين فلا يوجد أي دليل عملي واحد عليها، لكن اشكاليات البعض أنه يرفض منظومة الدفاع الخارجي المواجهة لإيران ويطرحها في مسار التأثير على توازنه الداخلي وهذه مشكلته حين يعتقد ان تأمين البحرين ضد الأطماع الايرانية المعلنة يؤثر على مشروعه السياسي !؟

ويبقى أن نؤكد على الخلل الكبير الذي ترتكبه دول الخليج العربي بعزل الرأي العام عن حق النقاشات المستحقة للمؤيدين والمتحفظين، وأنّ هذا العزل للرأي العام الخليجي مقدمة مغرقة في السلبية لمشروع الاتحاد، مع أن هذا التحفظ والمعارضة لن يُقللا من القناعة الشعبية الجارفة لدعم الدرع الاستراتيجية ضد التدخل الخارجي لمصلحة الأمن القومي للخليج العربي، مع بقاء الملف الاكبر الضامن للاتحاد وهو وحدة الشعوب والاطر الدستورية الحقوقية .

والإشكالية الرئيسية في حجب قضية الاتحاد الخليجي عن الرأي العام والنخبة الفكرية والمحللين السياسيين كنقاشات حرة تقييمية وليس عرضاً جزئياً للساحة الاعلامية بعد التوافق او التعثر حتى تشكل قناعة ثقافية قوية، ورغم كل مواسم الإطار الرسمي إلا ان القضية ستُدعم في مسارين من قبل الرأي العام الخليجي وهما خلاصة قراءتنا: الأول تحقيق الاتحاد ثنائياً أو رباعياً إن لم يكن شاملاً ينتظر المتبقين كطوق حماية للأمن القومي للخليج العربي وتحديداً حماية عاجلة للحدود الدولية للبحرين خاصة بعد تتابع التصريحات الايرانية بعد ثورة سوريا ووضوحها في ما يشبه اعلان حرب على المنطقة وما يعنيه من جزم لأطماع طهران الذي تحدثنا عنها منذ 1993، ومع تقديرنا للدوافع الإصلاحية المشروعة للرافضين للاتحاد إلاّ أننا ذكّرنا بأن بعض ما قيل ليس دقيقا وأن بُعد الامن القومي هو المركز في المشروع وليس التوافق الأمني المستمر قديما المواجه لحرية المواطن، وهو فهم مهم للفصل الدقيق، وأيضاً هناك حقيقة ستفرض ذاتها على الارض وهي أن الاتحاد لا يستطيع إيقاف المطالب الاصلاحية الشعبية المشروعة والتي لا تنطلق من أرضية طائفية اقليمية بل وطنية جامعة لكل الاتجاهات والجماعات البشرية بل قد تُعطيها مداراً جديداً لزخم متوقع بعد الاتحاد سواءً لدولتين أو أكثر.

أمّا المسار الثاني وهو المهم وهو رسالة الحركة الثقافية في الخليج العربي لكل العواصم فهي تتمحور بوضوح في تحقيق هذا الاتحاد في إطار دستوري حقوقي شامل يمنح الشعوب مساحة الإرادة والطموح لبناء هذا الاتحاد عبر قواعده الشعبية الفعلية للمنطقة وعلاقاته الوجودية، وهو في ذاته مسار أقوى بمراحل لتحقيق الامن القومي من مسار العلاقة الحكومية المنفصلة عن الوجدان الشعبي، فطبيعة تشكل الاتحاد بمساحة اكبر للدعم والقناعة الشعبية التي تَتداول يومياً حقوقه الدستورية وتقدمه المدني والاقتصادي تحت ثوابته العربية الاسلامية تجعل منه كتلة قوية في هذا الزمن العاصف .

لقد بدئت تجربة الاتحاد الاوروبي بعد سلسلة من التهيئة والشروط الموضوعية للتجانس القيمي الحقوقي بين شعوبه ومن المفارقات ان يستمر الاتحاد في رفض تركيا لأنها تنتمي للعالم الاسلامي في رسالة مهمة للتجانس المبدئي لأي اتحاد شعبي قيميا وفكرياً وهو التجانس الذي تعيشه منطقة الخليج العربي والجزيرة بما فيها اليمن، لكن في ذات الوقت فَرض الاتحاد الأوروبي مستوى محددا للمواطنة لتحقيق قوته الجماعية فلم يَقبل أن يضّم أي دولة لا تحترم الحد الأدنى لحرية شعبها او لا تُقّر تشريعات تحمي حقوق مواطنيها الدستورية وتضمن لهم مساحة وطمأنينة لحرية الكلمة والقضاء العادل والحراك المدني الشعبي لأجل تقدم شعوبها وخلاصها من أي مظلمة تقع على مواطنيها، وأُقرت معاييره رغم التباين الواسع في الخلفية الدينية بين الطوائف المسيحية والمذاهب اليسارية واليمينية للواقع الاوروبي المعاصر وإرثه التاريخي .

لذا فإن على دول المنطقة وتحديداً أُسر الحكم فيها ان تتخذ موقفا مركزيا يراجع ويستشير الصادق الامين في كيفية صياغة هذا الاتحاد ليس للسقف الدستوري في اوروبا فنحن نعرف الواقع ومستواه وايضاً طبيعة قيام الدولة القطرية في الخليج وعلاقتها بالأسر الحاكمة، لكن لتحقيق الحد الادنى من شروط قيام الاتحاد الخليجي المحتضن شعبياً بحقوق دستورية وتشريعية حقيقية .

ولن يُفيد الاتحاد القادم القفز على هذه المتطلبات الضرورية فبوصلة المنطقة وانفجار الزمن العربي الحديث لحالة متغيرة وتفكك المشهد الاقليمي سيُعطي بعداً جديداً لإعادة صناعة خرائط المنطقة عبر ايمان دول المحور العالمي أن البناء الاستراتيجي لهذه الدول غير قائم، ولقد قرأ المراقبون مؤخراً حجم اعادة التعاطي مع سيناريو خريطة المنطقة الجديدة من مراكز وشخصيات محافظة في واشنطن حُسبت تاريخياً بأنها الداعم الاستراتيجي للأسر الحاكمة وهي الآن منشغلة عمليا بمناقشة جغرافيا سياسة مختلفة في الخليج العربي يتوقعها باحثوها .

وليس هناك بعد رعاية الله اقوى لمواجهة كل هذه التحديات والرؤى الاحتياطية للمحور الدولي والاقليمي من الاحتضان الشعبي لاتحاد الخليج العربي من خلال صياغة مناسبة متوافقة سلمياً للعهد الدستوري الجمعي للخليج العربي، الذي أول خطواته اللازمة هو التقدم الشجاع لتحقيق مصالحات وطنية في كل الدول الست حسب مستويات الأزمة لديها واطلاق المعتقلين السياسيين وبدء حوار وطني مركزي حقوقي وتنموي بسقف تعبير محترم، يسحب السخينة الشعبية ذاتياً ويبني قاعدة استراتيجية وجودية لوحدة الخليج العربي الجديد .



__________
المصدر: صحيفة الوطن القطرية

04 يوليو 2013
 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها