مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الكويت.. صيف ساخن وانتخابات برلمانية هادئة - أحمد العيسى

طباعة PDF



اقتراع بلا حدود
يتجه الكويتيون يوم السابع والعشرين من يوليو (تموز) الحالي إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس الأمة مجددا للمرة الثالثة خلال عام ونصف. وبموجب الإعلان الرسمي لإدارة الانتخابات فإن عدد المرشحين المسجلين بلغ 418 مرشحا بينهم 8 مرشحات موزعين على الدوائر الانتخابية الخمس. ودعت الحكومة الناخبين للإدلاء بأصواتهم لاختيار البرلمان الجديد بعدما أبطلت المحكمة الدستورية منتصف شهر يونيو الماضي انتخابات مجلس الأمة، وهي المرة الثانية التي تبطل فيها أعلى جهة قضائية في الكويت انتخابات البرلمان خلال عام.

سبق للمحكمة الدستورية أن أبطلت انتخابات البرلمان التي أجريت في فبراير (شباط) 2012 لوجود خطأ شاب مرسوم حل البرلمان الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2011 الأمر الذي أبطل الانتخابات وأعاد البرلمان المنحل للعمل بقوة الدستور في يونيو (حزيران) 2012 إلا أن تعذر انعقاد جلساته لوجود أزمة سياسية حادة بين نوابه والحكومة دفع أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد إلى حله مجددا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لتعذر انعقاد جلساته، ودعت الحكومة لانتخابات برلمانية أجريت في ديسمبر الماضي، وهي ذات الانتخابات التي أبطلتها المحكمة الدستورية الشهر الماضي لانتفاء صفة الضرورة بمرسوم أميري أصدرته الحكومة لتشكيل لجنة قضائية عليا للإشراف على الانتخابات، باعتبار أن المرسوم الصادر بصفة ضرورة لا تنطبق عليه صفة الضرورة مما أدى إلى إبطال المرسوم وما ترتب عليه من آثار أهمها إعلان الفائزين بالانتخابات، الأمر الذي يلزم بإعادة الانتخابات مجددا.


تحديد موعد الانتخابات

وأدى إبطال المحكمة الدستورية للبرلمان مرتين متلاحقتين للإشارة إلى المجالس بتاريخ انتخابها، فأصبح هناك مجلس فبراير 2012 المبطل ومجلس ديسمبر 2012 المبطل، بعدما كان الكويتيون يصنفون المجالس بسنة انتخابها، ومنذ انتخابات أول برلمان كويتي عام 1963 مر على الكويت 15 برلمانا أبطلت المحكمة الدستورية انتخابات اثنين منهما وأبطلت ما ترتب عليها من آثار واعتبرتهما كأن لم يكونا، فيما تشكلت 32 حكومة منذ عام 1962 بعد وضع الدستور، منها ثلاث حكومات خلال عام 2012.
وعلى الأرض، ستكون المنافسة بين المرشحين هادئة نسبيا، لكون الانتخابات ستجرى في شهر رمضان يضاف إليها حرارة الطقس خلال شهر يوليو (تموز) المعروف بكونه أشد شهور السنة حرارة، الأمر الذي سينعكس على المجهود المبذول لكل مرشح مع فريقه الانتخابي، خاصة أن الانتخابات ستجرى بين الساعة الثامنة صباحا والثامنة مساء.

ومن المناسب الإشارة إلى أن تحديد موعد الانتخابات خلال شهر رمضان أربك حسابات الجميع بما فيهم السلطة القضائية التي يتعين عليها تسمية 700 قاض ومستشار ووكيل نيابة للإشراف على العملية الانتخابية يوم الاقتراع، إضافة إلى إرباكه جداول المرشحين ولجانهم الانتخابية، وضغط بشكل مفاجئ على وسائل الإعلام ومتعهدي الخدمات اللوجستية والصالات العامة والفنادق، على اعتبار أن شهر رمضان بحد ذاته موسم اجتماعي تنشط فيه اللقاءات وتحاول شركات كبرى ومؤسسات مالية الاستفادة منه لإقامة مآدب إفطار وسحور لموظفيها وعملائها، وكذلك تقيم فيه مستويات مختلفة مناسبات مماثلة لتسويق نفسها أمام المتعاملين معها، وهو ما سيشكل تنافسا حادا على الصالات التي تقام فيها عادة مثل هذه الأنشطة، إلى جانب ضغطه كذلك على وسائل الإعلام التي كانت تنتظر الشهر لتسويق دورة البرامج الدرامية والأعمال الرمضانية سواء في القنوات المحلية أو الصحف اليومية.

وسياسيا، سيخوض المرشحون الانتخابات المقبلة وفقا لنظام الصوت الواحد لكل ناخب، وهو النظام الذي عدله سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد خلال أكتوبر 2012 بموجب ما يملكه من صلاحيات دستورية، وأجريت الانتخابات الماضية بموجبه، وتسبب التعديل بأزمة سياسية دفعت قوى المعارضة التي يغلب عليها النواب القبليون والإخوان المسلمون وفصيل من التيار الليبرالي إلى مقاطعة الانتخابات الماضية، إلا أن إقرار المحكمة الدستورية بأحقية الأمير في إجراء التعديل على نظام الانتخاب وسلامة دوافعه، رفع الغطاء عن المقاطعين، فانسلخ فصيل الليبراليين المنضوي تحت لواء المعارضة القبلية – الإسلامية بإعلانه المشاركة بالانتخابات المقبلة خلافا لموقف المعارضة التي باتت اليوم تجمع فقط الإخوان المسلمين والنواب القبليين وبعض المقربين منهم.

أما بقية الأطراف التي شاركت في الانتخابات الماضية وأجريت في ديسمبر 2012 فستخوض الانتخابات المقبلة وعينها شاخصة على مقاعد البرلمان، حيث تنقسم الدوائر الانتخابية إلى خمس دوائر تنتخب كل منها عشرة نواب يمثلونها في البرلمان الذي يتألف من 50 نائبا بموجب الدستور الذي تسير البلاد بمقتضاه منذ عام 1962.


صلاحيات دستورية

يذكر أن الكويت تشهد منذ عامين أزمات سياسية متلاحقة دفعت بأمير البلاد الشيخ صباح الأحمد للتدخل مرارا بموجب ما يملكه من صلاحيات دستورية، حيث قبل استقالة أكثر من حكومة وحل أكثر من برلمان لنزع فتيل الأزمات المتلاحقة، وألقت الأزمة السياسية التي أججت الاحتقان بالبرلمان قبل عامين بين نواب المعارضة ورئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد بثقلها على الوضع السياسي مما أدى إلى قبول الأمير استقالة الشيخ ناصر المحمد من منصبه رئيسا للوزراء على خلفية تهم ساقتها بحقه المعارضة من بينها تقديم أموال لنواب في البرلمان، إلا أن محكمة الوزراء برأته من تلك التهم وقضت بانتفاء وجود جريمة.

وزاد من حدة الأزمة اقتحام عدد من النواب مع مواطنين مبنى البرلمان مما أدى إلى ملاحقتهم جنائيا، لتزيد تلك الحادثة من عمق الأزمة السياسية التي أربكت الحكومة في ديسمبر 2011 فدفعت بعد ذلك بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في فبراير 2012، إلا أن أجواء الارتباك أدت إلى صدور مرسوم حل البرلمان بشكل غير سليم مما أدى إلى إبطال المرسوم وما ترتب عليه من آثار بعد طعن نظرته المحكمة الدستورية في يونيو 2012، لتعيد إحياء البرلمان المنحل إلا أن جلساته لم تنعقد بسبب الهوة بين أعضائه وعدم انسجامهم وتعمق الأزمة بينهم مما أدى إلى حل البرلمان للمرة الثانية في أكتوبر 2012 والدعوة لانتخابات بديلة أجريت في ديسمبر 2012، وهي ذات الانتخابات التي أبطلتها المحكمة الدستورية الشهر الماضي ودفعت الحكومة لإعادة العملية الانتخابية يوم الخامس والعشرين من شهر يونيو الحالي بعدما قضت بإبطال مرسوم تشكيل اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات، وما ترتب على المرسوم من آثار أخصها إجراء الانتخابات وإعلان فوز المرشحين بعضوية مجلس الأمة.

وارتفع معدل القضايا الجنائية المنظورة أمام القضاء التي يواجهها سياسيون وناشطون معارضون، حيث يواجهون تهما تتعدد بين المساس بالذات الأميرية المصانة دستوريا والمشاركة في تجمعات غير مرخصة وغيرها من تهم نجمت عن مخالفة القانون كإذاعة أخبار كاذبة بالخارج والمساس بالوحدة الوطنية، وأدين عدد منهم بالسجن فيما اكتفت المحكمة بالامتناع عن النطق بالعقاب في بعض الحالات مع كتابة تعهد بحسن السير والسلوك ودفع كفالات مالية لإيقاف نفاذ الأحكام، وحصل البعض الآخر على أحكام بالبراءة وانتفاء وقوع الجريمة، كما لا تزال هناك قضايا منظورة أمام القضاء ولم تستوف جميع درجات التقاضي الثلاث الابتدائية والاستئناف والتمييز.


رغبة في الاستقرار

ويشير عدد القضايا المرفوع على السياسيين إلى حقيقة وحيدة مفادها أن أفق السياسيين ضاق وخرجوا عن القانون بداعي الدفاع عن عدالة قضيتهم، فتغير موقع المواجهة من البرلمان إلى ساحات المحاكم، وحوّلت مخالفة السياسيين للقانون إلى متهمين، وانحسرت شعبيتهم شيئا فشيئا حتى فقدوا بريقهم وقل تدريجيا العدد المشارك في اجتماعاتهم، وهو الأمر الذي استفاد منه خصومهم بالدرجة الأولى بعدما تنازل المعارضون عن المنافسة وقرروا مقاطعة الانتخابات والجلوس في البيت والاعتراض في الشارع بدلا من قاعة البرلمان.

وخلق قرار مقاطعة المعارضة للانتخابات المقبلة حالة فريدة في النظام الديمقراطي، حيث ستكون المعارضة الكويتية هي أول قوى معارضة في العالم تمتنع عن المشاركة بالانتخابات ولا تعترف بالبرلمان ومع ذلك تصنف نفسها بأنها قوى معارضة، مثل أي قوى معارضة تفرزها الانتخابات البرلمانية رغم عدم مشاركتها في الانتخابات.
وعلى صعيد الخطاب الانتخابي المرتقب، من المتوقع أن تسيطر الرغبة بالاستقرار وتقديم برامج انتخابية تدفع بعجلة التنمية على التصريحات الانتخابية، حيث سيستفيد المرشحون من غياب المعارضة لتقديم أنفسهم بديلا يدعم الاستقرار ويرغب بالإنجاز مستفيدين من تغيير قواعد اللعبة وأوزان المعادلة السياسية.

كما سيستفيد المرشحون من أجواء شهر رمضان كإطار للتواصل الاجتماعي الذي سيغلب على الجانب السياسي، وهذا لا يعني أن يغيب الخطاب السياسي نهائيا، إلا أن وتيرته ستقل تدريجيا في الانتخابات المقبلة على حساب التواصل الاجتماعي.
وسيفرض الناخبون الكويتيون ذكورا وإناثا كلمتهم يوم الخامس والعشرين من يونيو الحالي، ليتبين بعدها شكل البرلمان المقبل الذي تفيد جميع المؤشرات إلى رغبة المتنافسين على عضويته بطي صفحة الماضي وتجاوز أزمات العامين الأخيرين السياسية وفتح صفحة جديدة تعيد ثقة المواطنين بالبرلمان والحكومة التي اهتزت في الفترة الأخيرة.

__________
المصدر: مجلة المجلة

11 يوليو 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها