مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أزمة ثقافة - د . يوسف الحسن

طباعة PDF



* في أيام العرب الجديدة الراهنة، وهي بمثابة ليلة طويلة مكرسة للحزن والاقتتال والتراشق بالهجاء السياسي والمذهبي، لا وقت للتأمل في الحياة والسماحة والحب . بعد أن ساد النبذ والكراهية، وصارت الحرية بعيدة، والعدو أصبح ملتبساً، والغزاة على وشك الزحف نحو أسوار الأبناء والأحفاد والغد .

* نحتاج في أيام العرب الجديدة، إلى لحظة تأمل في هذا الزمان، وفي الروح الخفية، والحفيف الخاص والنكهة والثقافة الوجدانية لشعوبنا العربية، نحتاج إلى منبهات توقف هذه الحالة العصبية التي يربكها التوتر والإحباط والكدر .

* في القرن التاسع عشر، أفرزت البشرية نظريات كبرى وأفكاراً إنسانية عظمى، لكنها تذررت وضاعت تحت أقدام وجثث عشرات الملايين من البشر، في حربين عالميتين، ولدتا من رحم حضارة غربية، لم يستو عودها القيمي، ولم تتخلص وقتها من أمراض العنصرية والمركزية والهيمنة .

* في العقود القليلة التالية بعد الحربين، استيقظ العرب على استقلالهم، وقدموا إبداعات في الفكر والفن، وولدوا حراكاً وطنياً، بحثاً عن هوية وتحرر، واكتشاف الذات . إلا أن هذه اليقظة، لم تطل، وسرعان ما بدأ التراجع وباتجاه الاشتباك بين بعضهم بعضاً، في طريق طويل تجاوز عقوداً أربعة . انقطع أو كاد، خلالها تيار الوعي، وفقدنا الرشد، وسلمنا أمرنا للمصادفات حيناً، ولفاقدي العقل والضمير والأفق معظم الأحيان .

* وجاءت لحظات تاريخية، انفجر فيها الواقع العرب بعد أن عانى فائضاً في الظلم والبطالة والفساد والأمية، وخرج إلى السطح ما تم تأجيله أو التواطؤ عليه .

* جاء الربيع، بقوة عاصفة إعلامية غير مسبوقة، وسقط الخوف إلى حين، لكن سرعان ما تحول “الربيع” إلى فخ، ونُزع منه الورد والدسم . . وتكسرت أمواجه قبل بلوغ الشاطئ .

* تتكرر الحكاية . . وتُجهض مشروعات النهوض والتقدم، تحت ضربات التخلف الفكري والاستعصاء الديمقراطي، والغلاة والطغاة والغزاة .

* تخللت المعايير، وعدنا إلى المربع الأول . حتى إنه لم يعد كافياً صراع اليد اليمنى مع اليسرى، وإنما تشتبك الآن أصابع اليد الواحدة .

* سمعت مثقفاً أحترم فكره ونتاجه يتحدث عن “دور المؤامرة”، وقد يكون صحيحاً في بعض المراحل، إلا أن ضحية “المؤامرة” لا بد أن لديها خللاً بنيوياً، أو أنها مصابة بهشاشة العظام ولين الإرادة وانعطاب طال أوانه في البوصلة .

* إن هذا التآكل والتراجع وقضم الذات، تجاوز كل الحدود والتوقعات .

* تحضرني الآن، مناقشات مفكرين ومثقفين عرب، في مؤتمرات وندوات لا تخلو منها مدينة عربية، ومن هؤلاء قادة منظمات غير حكومية وحزبية ونقابية، وفي حقبات ما قبل ما سمي الربع العربي .

كان السجال، وفي معظمه، ينأى عن الواقع، ويحلق دائماً خارج جاذبيته، تطرح الأفكار بتأنق نظري ممنوع من الصرف . يبشرون بالتغير وبالحداثة والديمقراطية والدفاع عن الحقوق، ويطالبون بتداول السلطة والتعددية . . إلخ .

* وكان لدى الجميع فائض من الوقت، ورفاهية التندر بذكر زعماء عرب، كالقذافي ومبارك والبشير وصدام والأسد الأب وزين العابدين وعلي عبدالله صالح وغيرهم، وكيف قبضوا على السلطة، بأسنانهم ومخارزهم لعقود طويلة جاوزت في أقلها ربع قرن .

* تذكرت مرة، حينما كسرت هذه الأسطوانة، في ندوة عقدت في بيروت، وتساءلت عن مقارنة بين عدد سنين حكم مثل هؤلاء الزعماء، وبين عدد سنين سيطرة قادة أحراب ونقابات ومجتمع مدني، على مؤسساتهم ومنظماتهم، وقدمت كشفاً طويلاً، بأسماء هؤلاء القادة، وبعدد السنوات أو العقود التي تربعوا فيها على “سدة الحكم” وهم لا يملُّون الحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة، وكان على رأس قائمة هؤلاء أمين عام اتحاد المحامين العرب (فاروق أبو عيسى - 20 عاماً)، رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء العرب (علي عقلة عرسان - 25 عاماً)، رئيس اتحاد الصحفيين العرب (صلاح الدين حافظ - 13 عاماً)، الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة (برهان الدجاني - ربع قرن)، المنظمة العربية لحقوق الإنسان (الأمين العام محمد فايق - 20 عاماً)، الجبهة الشعبية الديمقراطية (نايف حواتمة - 45 عاماً)، الأحزاب السياسية العربية (في عمومها، يبقى الرئيس مدى الحياة، وقد ترثه زوجته كما حدث مع الحزب الشيوعي السوري) وكذلك الأمر مع جمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني، والتي صار عددها ينافس عدد الصيدليات ومحطات البنزين في الوطن العربي، وكثير منها أنشئ لكسب الرزق من منظمات حكومية وغير حكومية في أوروبا وأمريكا،  . .والقائمة تطول، وقد أنزعج أحد الأصدقاء اللبنانيين، حينما ورد اسم الصديق خير الدين حسيب في القائمة، كرئيس لمركز دراسات الوحدة العربية، على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عاماً .

* لم يذهب الشاعر العربي، بعيداً عن واقعنا العربي، الرسمي والشعبي، حينما قال “قومي رؤوس كلهم، أرأيت مزرعة البصل؟” ولعل ذلك أحد عناصر أزمة التخلف الديمقراطي في مجتمعاتنا وإشكاليات النهضة على وجه العموم .

الوعد الديمقراطي أمام أزمة وفكر من فوق ومن تحت .





__________
المصدر: دار الخليج

20 يوليو 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها