مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخليج وأزمة التعامل مع الجيل الطامح الجديد - عبدالنبي العكري

طباعة PDF



في ظل البيئة الاقتصادية والسياسية الساكنة في الخليج، يعالج الباحثون الغربيون ظاهرة كبر سن القيادات الحاكمة، والذي يتجاوز معدله 80 عاماً، ما يجعلهم خارج نطاق العصر والقدرة على فهمه والتعاطي معه. من هنا كانت الإشادة بتسليم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم لابنه الشباب تميم والمجيء بحكومة فيها عدد من الشباب من الأسرة الحاكمة وخارجها، كخطوةٍ موفقةٍ لنقل السلطة سلمياً للجيل الجديد الأكثر قدرة على التعاطي مع الأوضاع الراهنة والمستقبلية، لكن قطر تظل استثناءً في هذا الخصوص.

والمفارقة أن المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بغالبيتهم من الشباب في سن يتراوح ما بين 18 – 35 سنة، وإذا ما أخذنا من هم دون الـ 18 فإنهم يتعدون 60 في المئة، وهم ينتمون إلى عصر تدفّق المعلومات وتكنولوجيا الإعلام الالكتروني ووسائط التواصل الاجتماعي، وكثير منهم يدرس في مدارس أجنبية أميركية وغربية في بلاده أو في الغرب، وهم على تواصل وثيق مع نظرائهم في بلدان العالم الأخرى. كما أنهم كثيرو الإقامة والسفر إلى الغرب، ويختلطون بمواطنيه، ويتعايشون معهم في الجامعات والعمل والمشاريع والسياحة وغيرها.

ولاشك أن الأنظمة الخليجية تواجه معضلات حقيقية في التعامل مع هذا الجيل الشاب الساخط على نمط الحياة التقليدي والحكم التسلطي، حيث الممنوعات الكثيرة. هذا الجيل يجيد الحصول على المعلومات وتبادلها الكترونياً، كاسراً حواجز الممنوعات والمحظورات، وهؤلاء الشباب منخرطون في تشكيل شبكات تواصل مع أقرانهم سواءً في بلدانهم أو عبر الحدود مع نظرائهم العرب وغيرهم. وبالفعل فكثير من النشطاء السياسيين والحقوقيين والمجتمعين الجدد، لم ينضموا إلى أحزاب أو تنظيمات سرية أو علنية، بل اكتسبوا آراءهم وأساليبهم ونشاطهم من خلال التواصل الالكتروني.

ولقد شهدت الأعوام الثلاثة للربيع العربي، قيام تحركات اجتماعية واسعة من قبل هؤلاء، منتقلين من الفضاء الافتراضي إلى الفضاء الواقعي على الأرض. وعلى رغم كل أساليب المنع الالكتروني وحجب المواقع الانتقادية، واختراق حسابات المشكوك بهم ورصدها واعتراض شبكات التواصل مستخدمين شركات غربية متخصّصة ومتقدمة، إلا أن ذلك لم يوقف سبل التواصل الالكتروني بين شباب وشابات الخليج في المجالات الاجتماعية أو الحقوقية أو السياسية أو غيرها. لذا لجأت الأنظمة الخليجية أخيراً إلى القمع باعتقال هؤلاء النشطاء، وتعريضهم للتعذيب والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، بشكل لا سابق له في الخليج على هذا النطاق الواسع، والتعاون الأمني الواضح وتبادل قوائم الممنوعين والاعتقال والتسليم والمراقبة المشتركة.

وطرح بعض الباحثين أن ذلك نتاجٌ لعدة عوامل، أهمها رهاب الأنظمة من السقوط بعد أن رأوا أنظمة عربية حليفة في مصر وتونس واليمن تتهاوى، كما أنه ناتجٌ عن الفجوة التي اتسعت بين الحكام وشعوبهم، خصوصاً أبناء الجيل الجديد. كما أنه ناتج عن خطأ في التقدير وقراءة الأوضاع بشكل علمي، فقد افترضت هذه الأنظمة أن إشباع رغبات المواطنين المادية بل أحياناً بشكل باذخ، مثل الوظائف الحكومية المريحة والعالية الدخول، والمساعدات السخية والخدمات المجانية الإسكانية والتعليمية والصحية والرياضية والاجتماعية وغيرها، يمكن أن تلهي المواطنين، وخصوصاً الشباب، عن حقوقهم السياسية والإنسانية والحقوقية. لكنهم لم يدركوا أنه في حين أن لا جوع للطعام في الخليج فإن هناك جوعاً للحرية والكرامة، خصوصاً لدى الجيل الشاب. ولم يدرك المسئولون أن شباب اليوم مندمجون أكثر في المنظومة البشرية العالمية، وهم واعون لحقوقهم الأساسية، بل والعديد منهم منخرطٌ في منظمات تطوعية وحقوقية عربية ودولية.

لقد أضحى العالم قرية واحدة، لكن الأنظمة الخليجية متمسكة بمقولة تميّز الخليج عن العالم. من هنا فعندما هبّت عاصفة التغيير، لم يدركوا مغزاها، وظلّوا يصرون على أنهم محصنون من تأثيراتها كما حدث في موجات تغيير سابقة، لكن الوضع يختلف هذه المرة، فالربيع العربي، ليس قادماً من الخارج، بل نابعٌ من الداخل، وما النسمة التونسية إلا عامل محفز، كما هواء المروحة لاتقاد الجمر.

__________
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

18 يوليو 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها