مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

النظرة المتعالية - د . يوسف الحسن

طباعة PDF



* تذكرت الدكتور إدوارد سعيد، أثناء قراءتي لخطاب اللورد كيرزون نائب ملك إنجلترا في الهند الذي ألقاه من على متن إحدى السفن البريطانية الحربية، الراسية في ميناء الشارقة يوم 21 نوفمبر ،1903 وفي حضور شيوخ إمارات الساحل المتصالحة (وفق التسمية البريطانية في ذلك الوقت) .

* تذكرت أطروحة إدوارد سعيد حول المركزية الأوروبية، وكيف مثَّل الاستشراق فيها كبُنية أيديولوجية وثقافية، في مرحلة التنافس الإمبريالي الكثيف، للهيمنة والسيطرة على حضارات وشعوب الشرق، وعلى موارده .

* تذكرت نظرية التفوق المحتوم، والخطاب الثقافي الفوقي المركزي والمتعالي، لمستعمرين متعجرفين، من أمثال اللورد كريمر وآرثر بلفور، واللورد كيرزون، والذي خاطب شيوخ الساحل قائلاً: “لقد نجَّيناكم من الهلاك على أيدي جيرانكم، وإن كل رجل تقريباً منكم، ما كان له شغل سوى القتل والسرقة، أنا هنا المسؤول عن صلاح أموركم”، وبعده بربع قرن، كتب المقيم السياسي البريطاني في الخليج (الكولونيل باريت) إلى وزير خارجيته يقول: “الشيوخ ليسوا أوروبيين، ولا هم نتاج حضارة عصرية، وبالتالي لا يمكننا تطبيق مقاييسنا عليهم” . لكنه اعترف بأن “أهل الساحل وشيوخهم، في صدورهم روح استقلالية قوية، تتأجج حين يمس الأمر عزمهم على إدارة شؤونهم بأنفسهم” .

* وتحضرني هنا، بعض صور حديثة مماثلة، مازالت معششة في ثقافة بعض أحفاد هذه المركزية الأوروبية، فرغم أن هذا البعض عاش في شرقنا العربي الخليجي لأكثر من أربعة عقود، فإنه مازال يعيش في ذهنية و”أمجاد” شركة الهند الشرقية، ويدافع عن إمبريالية، عطَّلت شعوباً وجماعات إنسانية عن تحقيق استقلالها وتنميتها، ويتداعى إلى الخاطر، مثالاً على ذلك، ما ينشره من مؤلفات في العقد الأخير .

* مستشرقون جدد عملوا في شركات نفط غربية في دول خليجية، ويرددون مقولة اللورد كيرزون: “نحن كُنّا هنا لصلاح أموركم”، وفي مؤتمر انقعد قبل عام في أبوظبي، تملكني وفاطمة الصايغ التي كانت تجلس بجواري غيظ كبير، حينما قام صحافي من أحفاد “شركة الهند الشرقية”، مدافعاً عن تركتها وذيولها وأسيادها ومصالحها، وبرؤى استشراقية متعالية، تلوي الحقائق وتزوِّر تاريخ المنطقة . وتصور الاستعمار البريطاني، في صورة الحمل الوديع أو القديسة ماري تريزا .

* في منتصف الثمانينات، التقيت إدوارد سعيد في واشنطن، وضمتنا جلسة حوارية حول الجاليات العربية في أمريكا، وكيفية تصحيح الصور النمطية السلبية عن العرب، وسمعت إدوارد سعيد، وهو يتحدث عن ثقافة مازالت سائدة في الغرب، تختزل العالم غير الأوروبي، في وضعية ثانوية أدنى مرتبة، وتنطوي على علاقات الهيمنة واللامساواة بصورة مركزية، وشهدنا وقتها كيف قادت جريدة “نيويورك تايمز” هجمة عاتية، على الدكتور علي مزروعي، لتجرئه كإفريقي، على صناعة مسلسل سينمائي حول الأفارقة، وكيف أن إفريقيا مازالت تعاني إرث الاستعمار الأوروبي .

وسمعت من صديق مطلع ومثقف وقارئ نهم، أنه سمع من مسؤول كبير بريطاني، ما يشبه “الغيرة والحسد”، من تفوق مطار دبي على مطار هيثرو، وأنه لا يصدق حدوث ذلك، لأن بلاده، هي الأعمق حضارة وتقدماً . . وسمع تلميحات تشي بغريزة التعالي والمركزية الفوقية .

* ورغم أن العالم يعيش في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وفي مرحلة ما بعد الحداثة، فإن بقايا من ثقافة المركزية الأوروبية مازالت ترشح في خطابات ومواقف سياسيين وباحثين، فالغرب مازال كما عيّن نفسه سيداً للعالم، وأستاذاً ومرشداً ومصلحاً .

* في القمة الإسبانية  الأمريكية اللاتينية في العام ،2007 وجَّه ملك إسبانيا، المعروف بهدوئه ودماثة خلقه، شتيمة غاضبة إلى شافيز الرئيس الفنزويلي في ذلك الوقت، قائلاً له: “لماذا لا تخرس”؟! وكان رد شافيز: “عندما ينتاب الغضب الملك الإسباني، بسبب أقوال يدلي بها شخص من أصل هندي أحمر مثلي، فإن لسانه ينفجر غضباً، تعبيراً عن غطرسة دفينة عمرها 500 عام”، وهي إشارة إلى مرحلة الاستعمار الإسباني لأمريكا اللاتينية، حينما كانت الدول الأوروبية في ذروة صعودها التاريخي، على الصعد المختلفة - صناعة وتقانة وفلسفة .

* قامت حضارات الجرمان وبلاد الفايكنغ، تدك أسوار الحضارات القديمة في آسيا وأمريكا اللاتينية، وتبيد مواريثها، بالأسلحة المادية والثقافية كافة كحضارة الإنكا وغيرها .

* وهكذا، كان من الصعب على حفيد أشرس استعمار أوروبي في أمريكا اللاتينية، أن يقبل الجلوس مع زعيم لاتيني، من أصل هندي أحمر، على طاولة واحدة، وعلى قدم المساواة .

* في إحدى الحفلات الدبلوماسية التي حضرها جمال عبدالناصر في منتصف الخمسينات، شكا السفير الأمريكي أمام جمال عبدالناصر، من قيام مصريين في منطقة قناة السويس بضرب شخص أمريكي، ظنوا أنه جاسوس، وقال السفير: “للأسف، كنت أتصور أنني في بلد متحضر”، وعندها نهض جمال عبدالناصر غاضباً، وغادر الحفل .

أما آن لهذه “الفجوة” أن تنكسر؟

أما آن لأسطورة اللص الإغريقي الخرافي، أن تختفي، وهي الأسطورة التي تتحدث عن لص كان “يمط” (الأطراف) أو أرجل ضحاياه أو يقطعها، لكي يجعلها منسجمة مع طول فراشه؟

هل بمقدور “العولمة الثقافية” الجديدة أن تنهي دراما المراكز والأطراف في حياة البشرية؟ أم أنها ستتحول إلى “دكتاتورية ثقافية” وإلى مزيد من الهيمنة النمطية لمراكز العولمة على “الأطراف” المختلفة؟ إنها لحظات تاريخية مائعة . . ليس من السهل القبض عليها، حتى لو أصبح كل من “يسوس” خيولنا وينظفها، من أحفاد المركزية الأوروبية .





__________
المصدر: دار الخليج

23 يوليو 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها