مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ماذا سيكتب مؤرخ المستقبل؟ - د. يوسف الحسن

طباعة PDF

* تُرى ماذا سيكتب مؤرخ المستقبل عن هذه المرحلة التي يعيشها الإنسان العربي، وهو يؤرخ “للمسألة” السورية، والصراع على سوريا؟

 

* ماذا سيقول عن أمة استشعرت العجز، واشتدت على مفاصلها (مصر والعراق وسوريا) وطأة الفتنة ومخاطر التذرر وقضم السيادة والاستقلال، وتعثر مسعى الإصلاح والنهوض، وتفاقم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وتغوّله؟

 

* ماذا سيقول عن أوطان حاولت إنقاذ نفسها من الإحباط والتفكك، ومن احتمالات تغيّر خرائطها وحدودها وهويتها؟ ماذا سيقول عن “نظام إقليمي عربي”، توفّي، بعد أن فقد أهم سمة من خصائصه (الأمن القومي العربي)، وتضعضعت لحمة روابطه الوطنية، وزاد حجم الاختراق الخارجي لجزئياته ووحداته، وهُدرت موارده وإمكانياته واستعصت عليه التنمية والتقدم والمشاركة؟

 

* ماذا سيقول مؤرخ المستقبل، عن عرس (الربيع العربي)، وهو ينقلب إلى كوابيس، تخنق النسيج الوطني، وتُصلب شرايين المجتمع، وتستدعي “التدخل الخارجي المسلّح” بأي ثمن؟

 

* من المؤكد أن المؤرخ، سيكون أمام عملية تاريخية جديدة، يمكن أن يسميها حقبة ما بعد (سايكس - بيكو)، وهي حقبة صعبة ومعقدة، تآكلت فيها سيادة دول، وتغيرت خرائط، وتبدلّت مراكز الثقل، وانقلبت مفاهيم سياسية، ومعايير حكم، وعلاقات جدلية بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمواطنين، وسادت نزاعات اجتماعية مديدة، وتدويل للنزاعات الأهلية، وهشاشة داخلية بددت ما بنته عقود الاستقلال من مؤسسات وخدمات ونماء في حده الأدنى .

 

* سيجيب مؤرخ المستقبل، على الأرجح، رداً على أسئلة، لماذا؟ وكيف؟ بالقول، إن القوى المجتمعية (والدول أيضاً) واجهت بعضها بعضاً بشكل عارٍ، فليس ثمة مؤسسات راسخة، ولا قادة تاريخيين حكماء ومحترفين، ومعترف بشرعيتهم في الوساطة والنزاهة، قادرة على عقلنة النزاعات، ولا منظمة إقليمية صلبة ومبادرة طورت وسائل شرعية ومسؤولة لحل الصراعات 

 

* الطريق كانت صعبة، ولا أحد تجنّب تكرار أخطاء الماضي، حسناً، إلى أين من هنا؟

 

* في سوريا تبدو الصورة أكثر وضوحاً .

 

* الاقتتال يواصل الازدهار . . والأمر ليس محسوماً بعد أن خرج عن الإطار العربي العربي، وصار برسم القوى الخارجية غير العربية، فلا وقت للعرب لالتقاط أنفاسهم، ولا للقبض على اللحظة المائعة التي صارت في حالة سيولة دموية كاملة . . الكل في حالة عصبية نفسية بائسة .

 

* مَنْ مِنَ النخب السياسية في الوطن العربي، وفي خارجه، قادر على تقديم تصور لسوريا ما بعد ضربة عسكرية غربية، بترتيباته الأمنية والسياسية والعسكرية؟

 

* مَنْ مِنَ الخبراء، وما أكثرهم في هذه الأيام، خبراء المحطات التلفزيونية، من يستطيع، بعيداً عن هواه وموقفه السياسي بجانب هذا الفريق أو ضد هذا الفريق، أن يتلمّس أفقاً لليوم التالي، وسط هذا الكمّ الهائل والمخيف، من الظلام والهمس والصمت والكلام المجنون هنا وهناك؟

 

* مَنْ مِنَ النخب المؤدلجة، هنا وفي الغرب في آن، يستطيع أن يجترح حلولاً منطقية تنقذ سوريا من نفسها، ومن قوى التدمير الذاتي فيها، وفي بعض جنبات وطنها العربي، الذي كان كبيراً، وينجيها شر ضربة حتى ولو كانت “ذكية ومحدودة” . . وما قد يقابلها من ضربات ذكية مثلها؟

 

* الرأي أو التحليل (وما أقلّه) ليس ترفاً، ولا موقفاً فكرياً، باعتبار أنه متعلّق بوضع كارثي بامتياز، وبلعبة أمم جديدة، أدواتها الابتزاز والضغط وتنافس على المصالح ومواقع النفوذ والتأثير، ومناورات وصفقات، ومعايير أخلاقية دولية، فضفاضة، وصالحة للكيل بأكثر من مكيالين .

 

* الرأي أو التحليل، الذي لم يخدش ضميره الوطني موت أكثر من مئة ألف قتيل (معارض وموالٍ ومدني بريء من الطرفين المتقاتلين)، طوال أكثر من عامين، يستعجل الآن ضربة عسكرية قيل إنها “رمزية” ومحسوبة بميزان الذهب، و”تأديبية وموضعية”، بهدف دفع الجميع للذهاب إلى “جنيف 2”، لحل الأزمة عبر التفاوض، وقيل إنها لا بد أن تؤدي لإنهاء النظام، وقيل إنها لا تسعى لموت الذئب ولا لإفناء الغنم، بل أيضاً لتمديد أمد الحرب في سوريا . لوحة مرعبة . . أليس كذلك؟

 

* في كل الأحوال، لا بد أن يفهم الجميع، أن المنطقة تقف فوق برميل بارود قابل للانفجار، ويخبرنا التاريخ، أن الحرب على “القاعدة” مستمرة منذ عام ،2001 وبعد أن كانت موجودة في أفغانستان فقط، تضاعف أعداد أتباعها وأنصارها ممن يحاكيها، وانتشرت الآن في مصر وسوريا والعراق واليمن وتونس والجزائر ولبنان، وشمال وجنوب الصحراء الإفريقية الكبرى وغيرها .

 

* من ناحية أخرى، ستقول الأمم المتحدة بعد أيام، إن هناك “جريمة ما حدثت في غوطتي دمشق”، وربما سيُغلق المشهد الأممي، لكن الحديث سيتواصل حول “من استخدم غاز السارين”؟ هل كان قراراً مشتركاً من المتحاربين والوكلاء؟ سؤال غريب . . أليس كذلك؟ هل استخدم النظام السوري هذا الغاز، استعجالاً لنهايته؟ أم أنه أراد قتل عدة مئات من المقاتلين النخبة في المعارضة، الذين تم إعدادهم وتدريبهم ليكونوا نواة “الجيش الجديد”؟ لكن ماذا عن الأطفال؟

 

* هل استخدمت “معارضات ما” هذا الغاز ضد أنصارها، من أجل “إدانة النظام السوري، وإنهاء النزاع دولياً”؟

 

* هل سيكون التدخل العسكري الخارجي، هذه المرّة ناجحاً، وذكياً ومحسوباً، ولا يعيد تكرار كل نماذج التدخلات العسكرية الخارجية الفاشلة، في إنقاذ الشعوب من مستبديها، وبخاصة حينما تكون هذه الشعوب وقياداتها غير جاهزة لمهام الانتقال إلى حكم ديمقراطي تعددي؟

 

* مخترعو النووي والنابالم واليورانيوم المخصّب والفوسفور الحارق والسارين، وتجاربهم في أكثر من مكان، وتطبيقات هذه الأسلحة البشعة في الوطن العربي والعالم، لم تعزز سوى لعبة تعميم القتل والخوف والفوضى .

 

* “السعار السياسي”، كما يقول ميشيل كيلو، أسقط الحراك الشعبي في سوريا، والمعارضات (القاعدية) أسقطت ثورة الحرية، ونقول معه أيضاً، الشعب السوري هو الخاسر الأول والأكبر . لا . . بل أكثر .

 

__________
المصدر: دار الخليج

4 سبتمبر 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها