مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

سلطنة المؤسسات - أحمد الشيزاوي

طباعة PDF



  ندرك جيداً أن الطريق نحو قيام سلطنة المؤسسات ليس بالسهل ، ولا تخلو دولة نامية في مشروعها وخططها التنموية من استعراض الأشواط التي قطعتها لتعزيز دولة المؤسسات ، وربما يكون الاستبداد وطبائع الاستبداد هو النقيض لتعزيز قيامها في الدول النامية ، وربما يكون هو المتهم محلياً في تشويه أصول مفاهيم وقيم ومهن ثقافتنا العمانية ، والمتهم أيضاً في تهميش النخب الناجحة والمتميزة في كل قطاع ، فالطبيب والمعلم والشاعر والمهندس والمبدع والموظف ورائد الأعمال والمبتكر معطلون جميعهم أمام إرادة خفية مجهولة متخفية ،  وكذلك مؤسسات الدولة فهي متعثرة إن لم تكن معطلة كتعطل أبناءها وموظفيها ، ديكورية الشكل ، ناعمة الملمس والظاهر ، لا تخدم الا أجندة الاستبداد وأهله ، وما تبقى منها سيُحَوّل للوطن والمواطن ترافقه حملة إعلامية مسعورة تتغنى وتدعي أن الوطن للمواطن والمواطن هو الوطن.

كما أن غياب العدالة والفاعلية والمصداقية في مؤسسات السلطنة تؤدي الى انتشار المحسوبية وتراجع الاستقرار ، ويتلاشى فيه رصيد المجتمع من رأس المال الإجتماعي ، فلا يثق أبناء الوطن ببعضهم متحاملين ومتشاحنين فيما بينهم ، متذمرين وشامتين سلباً ، فاقدين الإنتماء والتعاون مع هذه المؤسسات ، مما سيؤدي الى مزيد من التكاليف في القيام بأي نشاط أو استثمار اقتصادي أو حتى اجتماعي ، وهذا ما نلمسه حاليا في اضراب المعلمين الذي يجلدهم المجتمع أكثر من جلد مؤسسات الدولة ، وتحويلهم من أصحاب حقوق الى مغتصبين لحقوق الطالب ، وفي ميناء صحار مع أزمة التلوث مثالاً حياً للإرتدادات الشعبية المرافقة له ، فأساس المشكلة هي انعدام الثقة بين سكان منطقة الميناء وبين مؤسسات الميناء ، فغياب الفاعلية والمصداقية والبطء الزمني في الوعود أثر سلباً على الإيجابيات التي أتت من مؤسسة الدولة والتي قُدّمت كحلول لاحتواء الأزمة.

فاذا ما أردنا أن نصنع من المجتمع العماني أفراداً متعاونين مثمرين وايجابيين خلقنا لسلطنتنا العمانية ولمؤسساتها فاعلية تتصف بالمصداقية والعدل ، وسيكون نتاجها مجتمعاً متماسكاً مترابطاً داعماً لأي نشاط اقتصادي أو اجتماعي ولنا في أزمة إعصار "جونو" تجربة إيجابية.

والمتلمس لواقع القيادات في مؤسسات السلطنة يستنتج أنها مبنية على تبعية وولاء ورضى للإرادة  المجمهولة المتخفية ، فهذه القيادات التي كلفت بإدارة مؤسسات السلطنة تعاني من غياب معاييرالأمانة والكفاءة ، المعيارين الذَين اُتفق عليه من أهل الأرض أجمعين ، أنهما أساسيين لعمارة الأرض وما على الأرض في أي بقعه كانت.

والمتأمل لطبيعة تكوين مؤسسات السلطنة يجد أنها لا تسعى الى التعبير عن إرادة الشعب بأكمله فسلوكها يدل على أن إرادة الشعب ليست أولوية بالنسبة لها ، فهي تتحسس في كل شي حتى في اختيار الموظفين والعاملين فيها ، وطبيعة الدور المنوط إليها ، وهاجس الرقابة المفرط عليها ، وصولاً الى آليه استخدام مواردها ، فهي مأسورة خاضعة لنظرة ضيقة وتبعية مطلقة لإرضاء الإرادة المجهولة والمتخفية.

بعيداً عن تفاصيل مؤسسات السلطنة التفصيلية كما يفهما العامة كالتعليم والصحة والإسكان وهمومهم الادارية والمالية والعمالية فيها ،  فنحن هنا في صدد التعامل مع شمولية المؤسسات المحورية وكل مؤسسة تعتبر سلطة مستقلة في ذاتها كالمؤسسة التنفيذية والمؤسسة القضائية والمؤسسة التشريعية وأخيراً المؤسسة الإعلامية والتي من المفترض أن تتمتع بسلطة معنوية رابعة.

جميع هذه المؤسسات اذا لم تقم بوظائفها في بناء المجتمع العماني من توفير للمعلومات ورفع للكفاءات وتحديد حقوق الملكية أيا كان نوعها فكرياً او أصولاً مادية او أي عمل كان ، فغيابها يجعل المجتمع العماني أقرب الى الغابة ، وكذلك منع ممارسة آفة الاحتكار والتي من نتائجها انخفاظ الجودة وزيادة الكلفة ، وما ينطبق على الاحتكار الاقتصادي يمتد كذلك الى الاحتكار السياسي الذي يُنتج لنا قيادات مُسيّرة أو متخلفة أو فاسدة هادرة للثروات مستحوذة على العقود والمناقصات الحكومية تهتم في تنمية أرصدتهاعلى حساب تنمية أوطانها.

أما الغنى الحقيقي لأي دولة يقاس بجودة مؤسساتها ، وكم قدم لنا التاريخ دولاً كانت غنية الموارد لكنها فقيرة في جودة مؤسساتها ، فما كان مصيرها إلا استنزاف مواردها ، مما أدى الى خلق صراعات داخليه وفتح ثغرات للاطماع الخارجية وتآكل مؤسساتها الأمنية ، وذلك يعود كالعادة الى ضيق أفق وضياع أولويات أصحاب القرار فيها..

ويبقى الطريق واضحاً سهلاً لتعزيز دولة مؤسساتية قوية ، اذا ما آمنا أن الانسان العماني (الطاقة المعطلة)  هو المحرك والمغير والطاقة البديلة بعد غياب النفط لادارة مؤسسات الدولة ، تكون فيه معايير الكفاءة والأمانة طريقاً مقدساً للوصول الى وطن مؤسساتي ، محصناً بقضائة ، واثقاً بمُشرّعيه ومُنفّذية ، ومُراقباً ومقيَّماً من قبل إعلامه الوطني الحر.





 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها