مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الطائفية مجددا هل هي نبتة شيطانية؟ - عبدالنبي العكري

طباعة PDF



أجدني مضطرا إلى استخدام ذات العنوان الذي استخدمته في مقال كتبته قبل عام ونصف العام تقريبا في معالجة الحالة الطائفية في البحرين. وأتذكر أن الكثير من الأصدقاء قد لامني لأنني من وجهة نظرهم متشائم، وأنني أضخم الجوانب السلبية في العلاقة بين أبناء الطائفتين. ولا يعدم الطيبون من بلدنا الاستشهاد بالأيام الخوالي إذ كان أهل المحرق يقيضون على ساحل اليابور، وان «عيش الحسين» يوزع على بيوت أهل السنة كما الشيعة.
لقد حفزني لكتابة هذا المقال عدد من موضوعات نشرت خلال أيام قليلة منها مقال باقر النجار «المعارضة السياسية البحرينية: الوفاق نموذجا»، ومقال المحامي عبدالله هاشم «دولة بني أمية والاسقاط التاريخي»، ومقال يوسف البنخليل «الوحدة الوطنية البحرينية»، ومقال منصور الجمري اليومي «حركة أحرار البحرين انطلاقات متعددة».


ويبدو أن هذه المقالات قد جاءت على خلفية التوترات السياسية والتي تستبطن توترات طائفية شهدتها البحرين أخيرا، منذرة بانفلات دورة جديدة من العنف، قد تقودنا إلى مواجهة كتلك التي امتدت طوال خمس سنوات (1994 - 1999).

سأركز على مأسسة الطائفية في ظل الانفتاح الحالي والذي اتاح الفرصة لمختلف القوى السياسية والطائفية والاثنية والقبلية للتعبير عن نفسها سواء من خلال الجمعيات بمختلف أنواعها أو النشر أو الكتابات أو التجمعات أو المهرجانات أو المسرحيات وغيرها.

نحن نتعايش ولا نعيش مع بعض
لم يجانب الباحث الانثربولوجي فؤاد خوري وأستاذ علم الاجتماع عبدالهادي خلف الصواب في تحليلهما للمجتمع البحريني، على انه مجتمع يقوم على التعاضدات الطائفية والقبلية والاثنية، وان بنى المجتمع الحديث لم تفعل فعلها حتى الآن. وكرس عبدالهادي خلف لذلك كتابا بعنوان «البحرين، بناء دولة لم تكتمل» يكفينا قليل من التفكير في واقعنا لندرك أن المواطن البحريني مشتت الولاء، وان الولاء الأقوى لسواد الشعب وليس للنخبة المثقفة، هو للطائفة أو الطائفتين، ثم يأتي الولاء للوطن أو للتنظيم السياسي أو للجمعية التطوعية الخ.
وباستثناء مباريات كرة القدم، فان أكبر الحشود الجماهيرية هي ذات طابع طائفي، وأقوى الرموز هي الرموز الطائفية والقبلية، والعصب الطائفي والقبلي هما الأسرع استنفارا.
والمؤسسات الطائفية بأشكالها من جمعيات دينية وحسينيات وصناديق «خيرية» هي الأغنى والأكثر عضوية، وتأثيرا في الحياة الثقافة اليومية.
ومصادر الثقافة اليومية والتعبئة النفسية الرئيسية هي خطب الجمعة، المنبر الحسيني والاحتفالات والمسيرات الدينية، والكتب والنشرات الدينية الميسرة والمدعومة. لقد تجاوز الأمر الاجتهادات المذهبية الى التخندق الطائفي، بحيث لم تعد الطائفتان تتفقان حتى على غرة هلال رمضان،لا عيد الفطر أو العيد الكبير. وفي الثقافة الشعبية السائدة فان التضارب في التاريخ الاسلامي يصل إلى حد التناقض، فالابطال هنا أشرار هناك والعكس.
هل نخجل من الاقرار بذلك؟ لا يتوجب علينا أن نخجل، إذ الوضع المزري الذي تعيشه الأمة العربية، على رغم المكابرة بالتغني بالاتحاد والتطلع إلى أهداف عظيمة والاخفاق عن تشريح الواقع بمرارته وقذارته.

المشروع الاصلاحي

شكل الاستفتاء على الميثاق آملا كبيرا ببدء مسيرة إصلاح عميقة، وفرصة للتوافق الوطني، وتصالحا بين الحكومة والشعب. وفي حين ان الجميع رأي فيه خشية الخلاص كان كل فريق يضمر فهمه الخاص للميثاق وأجندته الخاصة لما بعد الميثاق.
هل كان يكفي أن تأتي وثيقة لتزين ماضي البحرين وكأنه تاريخ من الوئام والحب بين الطائفتين وبين الشعب والأسرة الحاكمة وترسم صورة المستقبل الباهر، لينسى أبناء الطائفتين تراث 1400 من الصراعات، ولينسى الشيعة بشكل خاص تاريخا من العسف والاضطهاد والتمييز؟ هل كان بالامكان المصالحة بين طرحين متناقضين تماما؟
كان يتوجب ألا نقول عفا الله عما سلف ولنبدأ صفحة جديدة فهذه مثاليات. كان يتوجب أن يدار حوار وطني واسع نشرح فيه تاريخيا علاقاتنا ورؤانا، ونضع فيه خطة محكمة لاصلاح عميق وجذري يؤسس لدولة عادلة، ومجتمع متسامح. ولكن ذلك لم يحدث وشرعت الدولة من خطواتها لتكييف جميع المؤسسات القادمة والمفترض أن لبنات الدولة الديمقراطية وتكييف الدستور والقوانين لافراغ النظام الديمقراطي المرتجى من محتواه، والتعامل مع الشعب كقاصر أو المحتاج الذي يتطلع الى المراقبة والاحسان.

التعاضديات التقليدية في صورة جديدة
اتاح هامش الحريات أثر الاستفتاء على الميثاق، من ضمن ما اتاح، الترخيص للكثير من الجمعيات بمختلف أنواعها سياسية وحقوقية ونسائية وشبابية وغيرها، وتشكيل لجان ومجموعات غير مرخصة متبنية قضايا معينة، مثل العاطلين، أو ضحايا التعذيب أو العائدين أو المفصولين من الدفاع، وبرزت عشرات المواقع الالكترونية، وصدرت عشرات النشرات المرخصة وغير المرخصة وأضحى عقد الندوات بشأن ما هو مألوف وغير مألوف شيئا اعتياديا حتى تحولت المجالس التقليدية إلى منتديات، كما أن عقد الاجتماعات الجماهيرية وتسيير المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات شيء اعتيادي.
اعتقد الكثيرون أن ربيع الديمقراطية قد حل، وفعلا فقد عبر الكثير من زائري البحرين العرب عن غبطتهم بذلك، وذكر احدهم انه يشارك لأول مرة في تظاهرة من دون خوف التعرض لهراوة الشرطة.
لكن ما كان يجري في العمق شيء آخر ولا يؤسس لمجتمع تعددي ديمقراطي متسامح ولا مجتمع مدني يعتبر قاعدة للنظام الديمقراطي. وبغض النظر عن سياسات الدولة وهو موضوع آخر، فان الاستقطاب الطائفي والتعاضديات الطائفية والقبلية والاثنية كانت تفعل فعلها. ونقدم بعض الشواهد على ذلك:
- جرى تشكيل معظم الجمعيات السياسية، وهي التي يفترض فيها أن تكون منظمات حديثة وركيزة المجتمع المدني، على ذات الخطوط الطائفية، والانقسامات داخل الطائفة الواحدة.
- عمدت هذه الجمعيات السياسية إلى تشكيل اذرع لها في العمل الشعبي، فقامت بتشكيل جمعيات نسائية وشبابية وطلابية وثقافية، بغض النظر عن تسمياتها وتمويهاتها وبرامجها.
- جرى توظيف الحوادث الوطنية التاريخية، وشهداء الوطن ورموزه لمصالح طائفية ضيقة، وجرى طمس المناسبات الوطنية والرموز الوطنية الموحدة للطائفتين واللاثنتين من قبل تيار الاسلام السياسي.
- بدل أن تتحول الجوامع والحسينيات والمساجد إلى منابر للتوعية الوطنية والديمقراطية والتسامح، فإن جزءا كبيرا منها وظف للشحن الطائفي، والدعاية لبرامج مختلف الجمعيات السياسية التي تسيطر على هذه المواقع.
في ظل هذه الأجواء فان الجمعيات الوطنية والشخصيات والنشرات والاحتفالات والوطنية تبدو نشازا أو جزرا معزولة تعاني الأمرين: عداء الدولة، وعداء التيار الطائفي الغالب.

هل نفقد الأمل، هل ننكفئ؟
لا، ففي الوقت الذي نحمِّل الدولة مسئولية أي تراجع عن المشروع الاصلاحي، فان هذا الشعب الذي صحا على خطورة الفتنة الطائفية في العام 1954م واجترح مشروع هيئة الاتحاد الوطني المضيئة في التاريخ الوطني، يتوجب عليه اليوم أن يتفكر في أمره والى أي مصير يقاد




__________
المصدر:  صحيفة الوسط البحرينية


الأربعاء 14 يناير 2004م
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها