مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

نظرات مواطن في خطاب سمو الأمير - لحدان بن عيسى المهندي

طباعة PDF



نظراتي هذه نظرات مواطن يستشعر مسؤوليته تجاه وطنه وولاة أمره فيبدي ما يراه صائبا بموضوعية دون مواربة أو تزييف تجاه ثاني خطاب لسمو الأمير وأول خطاب له أمام السلطة التشريعية. في تويتر جعلت اتابع واشارك في الحديث حول الخطاب فرأيت بونا شاسعا بين ما يراه الإعلام في خطاب الأمير وبين ما يراه المواطن في نفس الخطاب، كل من الإعلام والمواطن يستمع الى الخطاب يريد معرفة ماذا سيقدم له الخطاب من مادة؟ لكن المادة المطلوبة من الخطاب للطرفين مختلفة تماما حت أنها لتصل الى حد التناقض، وتشبه وصف المتنبي: أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه​​حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان النفس أورده التقى​وحب الشجاع النفس أورده الحربا المبتغى واحد لكن التناول مختلف، فالمواطن يريد ان يسمع هل سيأتي ما يحل مشاكله الخاصة في الخدمات والتعليم والصحة وغيرها، أما الإعلام فهو يريد أن يسمع فقط العبارات التي تجعله يصفق بحرارة، فهذا ينتظر فاتح أذنيه للاستماع وذاك ينتظر فاتح يديه للتصفيق. مر بي في تويتر مقالان للاستاذين أحمد الرميحي وعبدالله العذبه من جريدة العرب، فقررت ان أقرأهما لأرى هل هما على مستوى الحدث والتغيرات الدولية أم أن طريقة تناولها الخطاب لن تتجاوز طريقة إعلام الستينيات و السبعينيات، فتجشمت ركاكة الأسلوب وثقل الطرح وقرأتهما فوجدت الليلة أشبه بالبارحة وجدتهما كما حذر سمو الأمير في خطابه قائلا (لا يجوز أن نخدع أنفسنا لأن من يخدع نفسه يسد أمام نفسه الطريق للإصلاح) وجدت المقالين خداع للنفس وللوطن بعيدين كل البعد عن الوطن والمواطن، ولا أريد أن اضيع وقت القاريء في تفنيد ما قالاه لكنهما صورة مصغرة للإعلام القطري وليست فقط خاص بحالة أحمد وعبدالله. حينما تناقش بموضوعية شيء يتعلق برأس الدولة فأنت تدخل في منطقة محرمة وحقل الغام قد ينفجر بك لغم يقتلك او يطير أحد أعضائك، لكنني آمن لأنني أدخل منطقة تميم بن حمد ففيها أسوارا تحميني بعد الله من الأذى، وقد دخلت منطقة أبيه من قبله وظن الكثير بأنني أوذى لكن أسوار حمد بن خليفة حمتني بعد الله فقد كان يعتبرني "راعي مكان". ولأبدأ النظرات في الخطاب في لمحات سريعة وليست تحاليل تفصيلية. الخطاب استغرق حوالي 23 دقيقة تحدث فيها سموه عن 3 مواضيع الاقتصاد، المواطن، والعلاقات الدولية، حديث الاقتصاد استغرق 11 دقيقة 50% والحديث عن المواطن استغرق 6 دقائق 25% والحديث عن العلاقات الدولية استغرق 6 دقائق 25%، وهذا التوزيع يعكس فعلا الواقع في الوطن، فالوطن في السابق ركز على الاستثمارات بشكل كبير وجعلها أولوية جاءت على حساب المواطن. قد يقول قائل ان هذه الاستثمارات هي من أجل رخاء المواطن، والحقيقة التي يعلمها الكل أن الرخاء ليس كله رخاء ماليا، فالمال هو أحد أسباب الرخاء وليس كلها، فكيف يتنعم بالمال من كان مريضا لا يستطيع ان يهتنئ بوجبة طعام رغم مقدرته على شرائها. لخص سموه أهداف التنمية في ثلاث كلمات (بناء الوطن والمواطن) هذه العبارة تقتضي الترتيب، بمعنى بناء الوطن ثم بناء المواطن، والترتيب هنا لا يستقيم فلا يمكن ان يُبنى الوطن قبل بناء المواطن لأنه لن يبني الوطن غير المواطن، ويخطيء من يظن غير ذلك. وهب أن الوطن بني بغير المواطن فهذا أيضا فيه قتل للمواطن فمن أين سيعرف هذا المواطن كيفية الحفاض على وطن بناه له غيره. واقع حالنا السابق كان متناسقا مع هذه العبارة فقد كانت الجهود منصبة أولا على بناء الوطن وحده واستهلك ذلك جل التركيز، فجيء بالأجنبي ليبني واستبعد المواطن على أساس انه سيبُنى لاحقا عند استكمال بناء الوطن، فتعذر هذا وتعذر ذاك وانزوت كفاءات قطرية كبيرة كانت ستبني الوطن بفاعلية في مختلف المجالات أفضل بكثير من الأجنبي الذي فشل في تحقيق المراد. وودت ان سموه أعادة صياغة العبارة كي تكون "بناء المواطن الذي يبني الوطن" فلن يبني الوطن غير أبناءه والفترة السابقة خير دليل ولا تحتاج مني الى كثير شرح وتفصيل. تحدث سموه بادراك عن مشاكل يعاني منها الوطن منذ مدة مثل ضغوط التضخم وتأخير المشاريع بسبب سوء الإدارة التي ترفع التكاليف على الدولة، وكيف انه يتم تنفيذها على عجل وبشروط أسوأ تزيد من التكلفة، وفعلا هذا هو الواقع المشاهد، ثم عرض سموه بعض الحلول للعلاج ومنها (شكلت لجنة حكومية لغرض اقتراح الحلول للسيطرة على أية ضغوط تضخمية داخلية وخارجية). هناك مقولة مشهورة هي "إذا اردت قتل موضوع فشكل له لجنة"، إلا ان المشكلة ليست في تشكيل اللجنة فقد تُشكل لجنة كفوءة تفي بالغرض، لكن المشكلة هي ان اللجنة المراد تشكيلها هي لجنة حكومية! كيف والحكومة هي أساس هذه المشكلات؟ مشاكل التضخم وارتفاع أسعار العقارات وتأخير المشاريع كلها نتاج قرارات وإجراءات حكومية فهي الجهاز التنفيذي الوحيد في البلد، فكيف لمن صنع المشكلة ولم يستطع حلها حتى اليوم ان تشكل منه لجنة تأتي بالحلول؟ الحلول هنا مستبعدة تماما. في الخطاب ذُكرت أمورا لم يحسب حسابها في السابق وهي تنم عن إدراك سموه لها، مثال ذلك: بعد ان ذكر سموه حجم الانفاق على الخدمات عقب بقوله ( سبق وان قلت في خطابي لإخواني القطريين عند تولي مقاليد الحكم ان العبرة تبقى في النتائج) وهنا يكمن الوعي والادراك لهذه المسألة، فقد كان الاتجاه سابقا وفي كثير من الأحيان هو انفق بسخاء تتحقق النتائج، وهذا غير صحيح، فلن تتحقق النتائج فقط بالإنفاق وانما النتائج ترتبط بعوامل كثيرة قد يكون الانفاق اقلها أهمية. أمر أخر ذكره سموه أيضا يدعو للتفائل، لكنه يصطدم بعائق غياب الية التنفيذ، هذا الأمر هو تدعيم الصحة الأولية وزيادة عدد المراكز الصحية. والذي يدعوا للتشائم في هذا الأمر التفائلي هو مبدأ (بناء الوطن ثم المواطن) فهذه المؤسسة الصحية منوط ببنائها أجنبي دون المواطن وهنا يتأتى الخوف من "إنفاق دون نتائج". أختم هنا بعبارتين لسموه تلازم احداهما الأخرى اسوقهما لا حسب ترتيبهما في الخطاب وانما حسب الواقع، الأولى (لقد حققنا الكثير في السنوات الماضية على صعيد التنمية وبناء المؤسساـت) والثانية (لا يجوز ان نخدع أنفسنا فهذا أسوأ من خداع الآخرين لأن من يخدع نفسه يسد أمام نفسه الطريق لإصلاح الأخطاء). من منطلق عدم خداع أنفسنا ينبغي أن نقر بأنه لا توجد لدينا مؤسسات سوى المؤسسات الحكومية أما مؤسسات المجتمع المدني التي قال عنها سموه في الخطاب (لابد لأفراد ومنظمات المجتمع المدني وغرفة التجارة القيام بدورها) فهي غائبة، هذا الغياب يجعل الوطن يتراجع في تحقيق أهدافه لأنه غياب لعنصر رئيس في البناء وهو العنصر المجتمعي الغير رسمي. لقد أثبت العالم المتحضر عبر خبرات تاريخية متراكمة جدوى وجود مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، لكننا في قطر نضع العراقيل نحو انشاء جمعيات أهلية فعالة تخدم المجتمع والدولة. لا تستطيع أي مجموعة اليوم في قطر، تحمل مهنية معينة أو فكرة مفيدة، أن تشكل جمعية أو نقابة وتساهم من خلالها في (بناء الوطن). الأمر الآخر هو غياب البرلمان، وهو المؤسسة الدستورية الرئيسة وأحد الأركان الثلاثة في بناء الدولة والمجتمع والذي لا نعلم أحي هو أم ميت، وهذه عقبة كؤود تجعل من الصعب تحقيق الأهداف والطموحات التي ذكرها سمو الأمير في خطابه. كل هذا الغياب لمؤسسات المجتمع المدني يجعل المسؤولية بالكامل، واقعا وتاريخيا، تقع على السلطة وحدها فيتعذر عليها تحمل كل ذلك. مع الأسف يحاول الكثير خداعنا، شعبا وسلطة، سواء كان ذلك من الداخل كاإعلامنا المهووس بالتصفيق، حتى للأخطاء يسد بذلك الطريق لإصلاحها، أو من الخارج من بعض المفكرين والكتاب الذين يمدحوننا كي يصلوا الى موائدنا العامرة، لكننا على أمل ان السلطة تدرك هذا فلا تستكين لتصفيق باطل او تهليل كاذب. هذا ما اقتضى المقام لذكره، ولم يبق الا موضوع واحد تطرق له سموه في الخطاب واخرته للنهاية الا وهو حديثه عن الأخلاق وذكره حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذا الموضوع شخصيا لم اسمع قائدا لا في خطاب خاص ولا عام يتحدث عنه، وظني أنه ذكره لأنها مزية في "تميم" لمسناها منه من قبل وهي التي نعول عليها في الإصلاح وإعطاء المواطن حريته في المشاركة الرسمية في (بناء الوطن).



________

المصدر

 

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها