مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

في الإصلاح..لا يكفي تغيير الصواميل الصدئة - د. عبدالمحسن هلال

طباعة PDF



لا جديد في أخبار السيول التي اجتاحت أكثر من مدينة بأكثر من منطقة على طول خارطة الوطن وعرضها خلال السبوع الماضي، مرة بعد أخرى يبرهن "الجنرال مطر" قدرته على كشف الفساد المستوطن داخل بعض الجهات الحكومية والخاصة على السواء، مرة بعد أخرى يثبت الجنرال أننا لسنا بحاجة لكل هيئات الرقابة والتحقيق ومكافحة الفساد، وهي هيئات مشكوك أصلا في فعاليتها للحد من الفساد بدليل تناميه وزيادته سنة بعد أخرى، كلفة تواجدها صوريا قد يعطي مبررا للفاسد وحاميه بأن هناك جهات رسمية ترصد الفساد، وهي كلفة زادت على خسارة عدم وجودها، فلم لا نوفر ميزانياتها الفلكية ونكتفي بالخدمة المجانية التي يقدمها لنا جنرال مطر.

لم يعد يجدي لوم ديوان المراقبة ولا عتاب هيئة مكافحة الفساد، صار ترفا فكريا وتضليلا شعبيا، بل إن الكتابة عن الفساد صارت عبئا على الكاتب والقارئ معا، الأول متهم بأنه مشارك في حملة تنفيس للاحتقان الشعبي، والثاني يزيد همه بمعرفة حجم وكم ونوع الفساد ولا يكاد يفعل شيئا سوى التحسر والحوقلة. أقصى ما يمكن أن تفعله هذه الجهات هو كتابة التقارير، وهي مهمة يمكن أن يقوم بها أي موظف أو هيئة سكرتاريا صغيرة، وإن اجتهدت جهاتنا الرقابية أكثر فسترفع للملك، كما صرح قبل يومين رئيس نزاهة، بالوزارات غير المتجاوبة، وهو جهد يشكر عليه ومعه رجال هيئته، ولا أظننا بحاجة لإعلان معاليه أنه بعد الوقوف على سيول الرياض سيتحري أسباب أضرارها، فقد وقف من قبل على سيول جدة وحائل وعسير وأنفاق الدمام ولم يحصل شيء، بل إن الأمر لا يحتاج تحريا البتة، رجل الشارع العادي يعرف أن هناك كراس مواصفات ومهندس منفذ ومهندس مستلم، وهي تكفيه عن معرفة شروط الضمان والصيانة والعمر الافتراضي للمنتج سواء كان بنية تحتية أم فوقية بعد أن وصل الفساد أسطح المشاريع المنفذة نتيجة طول الاعتماد على سياسة تسليم المفتاح لمشاريع متوسطة وكبيرة الحجم. القضية محصورة إما بفساد المواصفات أو فساد من نفذ أو فساد من استلم ولا رابع لهم، وهذه معرفة لا تتطلب تحريا ولا دراسة ولا تنظيرا، ولا كل هذه "الهيلمة" الإعلامية حولها. تتطلب تحقيقا إداريا وفنيا كخطوة أولى، لكن الخطوة الأهم تقديم الفاسد من الأضلاع الثلاثة للمحاكمة الفورية، حفاظا على هيبة الدولة وحماية لما تبقى من مشاريع.

أكثر من هذا لم نعد بحاجة لمعرفة درجة شفافية أو أداء الأجهزة الحكومية اضافة لهذا الكم من هيئات الرقابة، ما نحتاج حقا وفوريا هيئة واحدة وحيدة للمحاسبة تكون على درجة كبيرة من الكفاءة والصلاحية، فالفساد اصبح من الشيوع ـ حتى لو اكتفينا بما تعلنه رسميا هيئات الرقابة ومكافحة الفساد ـ بحيث لا يحتاج إلى تحري، يحتاج إلى محاسبة وحسب، وقد قيل الكثير عن الفساد واهدر من الحبر الكثير تنظيرا ودراسة وطرحا في كل وسائل الإعلام، والناس لن تقتنع بجدوى كل هذا ولا بجدوى جهود المكافحة إلا إذا قدم فاسد لمحاكمة، ولا يمكن أن يكون فردا ككبش فداء لأنهم كثيرون، موظفون عموميون ومقاولون وسماسرة ووسطاء، وكخطوة أولى يمكن البدء بخفايا مقاولات الباطن وعالم المقاولات عموما الذي توسع حتى ضم وزارات.

هذا ما نحتاج لحظيا لحفظ ماء وجه الدولة ككيان أمام المواطن، أما ما نحتاج على المدى المتوسط فهو إما تغيير جزئي أو كلي للوزراء، جميعهم أخذ فرصته انجز أو قصر أو عجز لم تعد القضية، فالسستم جميعه بحاجة لتغيير لا الأسماء وحسب، لا بد من دماء جديدة تأتي تحت تعهد واجراءات جديدة لعل أهمها تسجيل أملاكهم منعا للإثراء غير المشروع وخضوعهم جميعا لمبدأ من أين لك هذا.

تراجع سياستنا الخارجية وضعف موقفنا دوليا يتطلب سياسة داخلية أكثر انفتاحا على الشعب، كل الدول تفعل ذلك، أمريكا التي كانت دولة عظمى وفي عز مجدها كانت عندما تنتكس سياستها الخارجية لأمر ما تركز على الاقتصاد الداخلي لتعويض شعبها عن الخيبة الخارجية وكسب رضاه ( أزمة رهائن طهران أيام كارتر ونكسات كلينتون الخارجية، مجرد أمثلة). هذا الجمود الذي اصاب معظم الوزراء ومنهم شباب يعني أنهم وصلوا لطريق مسدود أو أنهم بذلوا قصارى جهدهم، هذا العجز الواضح على كل مفاصل الدولة يتطلب هزة موجبة على مستوى الحدث، يتطلب خطوة نحو تحقيق بعض المطالب الجماهيرية الملحة ولعله فرصة تاريخية لإضافة جديدة لنظام الحكم تسجل باسم الملك عبد الله كما سجلت سوابقها باسم الملك فيصل والملك فهد، الأمل، كل الأمل، أن يتم تفعيل ما اقترحه الملك عبد الله نفسه بتفعيل المشاركة الشعبية في صنع القرار، الوطن يذخر برجال متطلعين لخدمته بكفاءة أكبر واخلاص أكثر.

الإصلاح السياسي يبدو ملحا ومناسبا اليوم أكثر من أي يوم مضى، هو خير ضمان لتقوية تماسك جبهتنا الداخلية أمام ضراوة الهجمات التي تتعرض لها جبهتنا الخارجية، هو خير طريق لتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم لخير الاثنين وخير الوطن، المواطن الذي يرى الهبات توزع خارجيا يمينا وشمالا وهو محروم من بعضها ستتشوه صورة المواطنة لديه، المواطن الذي يرى الفساد يضرب اطنابه دونما رادع سيشتد شكه بقوة من يمنع حسابه وسيقل، تبعا لذلك، انتماؤه لوطنه، المواطن الذي يرى الانتهاكات الحقوقية تحدث كل يوم كأمر عادي سيرتاب في نظامه القضائي وقيم العدالة السائدة، كل هذه مجتمعة وغيرها من اوجاع لا تساعد في خلق مواطن ملتزم واع مسؤول، بل تخلق مواطنا غير صالح يظن أن وطنه بقرة حلوب لمتنفذين ولمن بيده سبق وسجن كبير لبقية المواطنين.


________
المصدر: التجديد العربي

22 نوفمبر 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها