مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أنا لست خليجيًا - د .سيف بن ناصر المعمري

طباعة PDF



يقال بأنّي خليجي، وأن بلدي خليجي،... وأن شعبي أيضًا شعب من الشعوب الخليجية، وأن لي مصير واحد مع من هو خليجي، وما تزال مثل هذه الكلمات تتردد على مسمعي منذ أن كنت صغيراً... ولكن يبدو أنها خرافة... ما عاد أحد في الخليج يصدقها... فلا شيء لي من الخليج إلا اللقب الذي لا يمثل علامة تجارية ذات قيمة وإلا لما أطلق عليّ ... ولا أحظى بأيّ امتيازات من وراء هذا اللقب...باستثناء التنقل بالبطاقة الشخصية... وأرفض أن اعتبر هذا امتيازا ....لذا أبرز دائمًا جواز سفري...وبالذات عندما أتنقل بين الدول الخليجية.

أنا لست خليجياً ...لأني لا أملك حرية التنقل بين مختلف الدول الخليجية... فأنا أقف في مراكز الحدود مع الآخرين لساعات طويلة... وهو حالي نفسه إن تنقلت بالطائرة حيث لا يمنحنا لقبنا الخليجي –إلا في بلدي- ممر خاص يعكس امتيازات هذا اللقب... أنشأنا طيراناً خاصًا يحمل اسم الخليج... فانسحب جميع أهل الخليج منه ... وبقي اسمه مجرد علامة تجارية.. لكي يثبت أنّه لا نجاح لمشروع إن حمل علامة خليجية ... واليوم يخططون لقطار خليجي... وهكذا لكل عقد موضته التي يثبت العقد التالي أنها ليست أكثر من فكرة وهمية.

أنا لست خليجياً لأنّي لا استطيع أن أتعلم في أي جامعة خليجية... بتكاليف خاصة.. مع أن خليجي يضم عشرات الجامعات التي تفتح عشرات الآلاف من فرص العمل للآخرين... لكنها لا تقدم فرصا تعليمية خليجية... ولا استطيع التنقل للعمل في أية جامعة خليجية.....كان يمكن أن تكون لنا جامعات خليجية... تذيب في الطلبة هذه الفوارق الوهمية... لكنها أفكار تظل بحاجة إلى دراسة قمة خليجية.

أنا لست خليجيًا ...لأني لا أملك حق العمل في أيّ دولة خليجية.. أو أن يكون لي أولوية في الحصول على وظيفة في أي دولة خليجية منها، ولذا ترتفع نسبة البطالة بين أبناء خليجي ...في الوقت الذي ترتفع فيه فرص العمل للآخرين ...ألم يكن من الأولى أن يوظف الخليجي أولاً.. في المؤسسة الحكومية، والمدرسة، والجامعة، والشركة، وغيرها من أماكن العمل؟ ألم يكن ممكناً أن تكون هناك وزارة العمل الخليجية؟ ووزير العمل الخليجي؟

أنا لست خليجيًا... لأني لا أعرف عن الخليج إلا أسماء دوله...وقادته.. لكني أجهل أهل الخليج وهم يجهلون من أنا، نحن غرباء لا يجمعنا إلا هذا اللقب...ولغة عربية لكنها استعلائية على بعضنا البعض، ودين استخدم ليفتتنا إلى طوائف...تتربص كل واحدة منها بالأخرى داخل الدولة الواحدة... فكيف أكون خليجياً؟ إذا كنت أنكر على أخي أن يكون خليجيًا.

أنا لست خليجيًا ولا يوجد موقف واحد لدول خليجي... فكل دولة لها موقفها الخاص من القضايا الإقليمية والدولية التي تهددني وأخواني من أبناء الخليج.. وليس لنا وزير خارجية... يعبر عما يسمونه الموقف الخليجي الواحد...كما هو الحال عند الأوروبيين، مما يجعل دول العالم تتعامل معنا منفردين.. وتدعونا إلى مؤتمراتها منفردين...فهل نصر على أن نكون خليجيين؟ وهل نصر أن نقول إن تحدياتنا تحتاج إلى وقفة جماعية.

أنا لست خليجيًا لأني لا أملك عملة واحدة أتعامل بها. في الأسواق الخليجية.وسيظل الريال والدرهم والدينار شواهد على أني لا يمكن أن أكون خليجيًا....ولا استطيع أن أتخلص من الرسوم الجمركية التي تفرض عليّ.. ولا من تعقد شروط الاستثمار التجارية.. ولذا فحدود استثماري هي شراء أرض... أو شقة أو فيلا في مشروع سياحي.. إذن أنا مجرد سائح... لكني لست خليجياً...

أنا لست خليجيًا ..لأني لا أملك قناة تليفزيونية واحدة تعبر عن هذه القواسم المشتركة التي تجمعني مع غيري من أبناء الخليج، وتبرز أبرز التحديات التي تواجهنا..وتنتج أعمالا وبرامج مشتركة بكوادر خليجية.. نحن لا نملك إلا جريدة تحمل هذا الاسم.. لكنها لا تعبر عنه بشكل رسمي.. وما أكثر القنوات الخليجية التي تثير الحساسيات بين أبناء الخليج.. نحن نتكلم بلسان واحد...لكننا عجزنا بالرغم من أموالنا وبترولنا..عن أن نوجد وسيلة واحدة تعبر عنّا أمام العالم.

أنا لست خليجيًا.. لأني لم أنجح في أن أضع مناهج موحدة... تعبر عن القواسم المشتركة بيننا...وتساعد على بناء أجيال خليجية واعية... بمعنى أن تكون خليجية..لكن عزاءنا أننا أنشأنا مكتبًا يتيمًا تحت مسمى "مكتب التربية لدول الخليج العربي"... الذي لا يعرفه إلا وزراء التربية الخليجية... لارتباط بعض خطط وزاراتهم به، كنّا سنوفر أموالنا...لو وحدنا جهود تطوير التعليم في بلداننا..بدلاً من أن تنفرد كل دولة بمبادرتها المستقلة.. لكن ما يهم في ذلك؟!!.. فأنا لست خليجيًا ...ولا حق لي في الحديث عن هدر الثروات الخليجية ..

أنا لست خليجياً..لأن الوحدة التي يحدثونني عنها... لا أجدها إلا في اجتماع صوري يعقد في ديسمبر من كل عام...ويوثق ما جاء فيه في وثائق منسية ...لا أحد يعرف أين هي؟ وماذا كتب فيها؟ وبعد الاجتماع أرى ما يثير عجبي من تمزق ...وتنافس...لا يساعد على بناء أي وحدة خليجية... فأصول دولنا كانت قبائل بدوية لا يمكن أن تنضوي تحت إمرة مؤسسة وحدودية.

أنا لست خليجيًا ......وأعجب من المعلم الذي لقنني كلمات وهمية... عندما كنت طالبًا بالمدرسة الابتدائية.. خليجنا واحد والخير والمردود.. خليجنا واحد وشعبنا واحد والخير والمردود.. وما عدت قادرًا على الاستمتاع بكلمات أغنية أنا الخليجي وأفتخر أني خليجي ..فليس هناك ما يدعو إلى الفخر بعد 33 عاماً من إنشاء مجلس التعاون الخليجي،

إذن أنا لست خليجيًا ...وأرفض أن يقال لي إنك خليجي...أنا مواطن عماني...أحمل حلمًا كما يحلم إخواني في الدول الخليجية بأن يكون لنا مؤسسات خليجية ... وحقوق خليجية... وامتيازات خليجية، وجيش خليجي،...وقوة نووية خليجية، وأن نوحد جهودنا في مواجهة التحديات المختلفة مما يشعرنا بأن مصيرنا واحد ..وشعبنا واحد.. ولكن كل الأشياء يمكن أن تتحقق في الخليج... إلا صناعة وحدة خليجية، وكل الأبراج يمكن أن تبنى في الخليج.. لكن لا يمكن أن تبنى مؤسسات خليجية حقيقية،...وكل العملات يمكن أن تتوحد... إلا العملات الخليجية،...وكل الحدود يمكن أن تفتح لأهلها بحرّية إلا الحدود الخليجية.

أنا لست خليجيًا ....لأني لا حق لي في تقرير الشؤون الخليجية... فلا برلمان خليجي انتخب أعضاءه...ولا محكمة خليجية...ألجا إليها إذا لم تسرني السياسات الخليجية... ولا أملك أن أشكل جمعية مدنية خليجية...لا تحد عملها الحدود الخليجية ...أنا لست خليجيًا...ولن أتابع كل هذا الهراء الذي يصاحب كل قمة خليجية ....وأقول إنّ كان هناك أمل .. فالأمل في الشعوب الخليجية....التي يجب أن تضغط لأن يكون لها وجود...وحق... وقرار...في تقرير مصير الوحدة الخليجية، وإعادة ضبط بوصلة التاريخ التي تنحرف... بالخليج ...إلى المجهول.




__________
المصدر: صحيفة الرؤية العمانية

07 ديسمبر 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها