مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الطائفية مكوِّن للأزمة البحرينية - عبدالنبي العكري

طباعة PDF



أثار خطاب أوباما في الأمم المتحدة، والذي قال فيه: «إن الولايات الأميركية تحاول الإسهام في حل التوترات الطائفية في سورية والبحرين والعراق...»، الكثير من الجدل المستمر حتى الآن، وكأن أوباما كشف سراً من الأسرار أو أنه افتعل مشكلة غير موجودة.

الحقيقة أن التمييز الطائفي والقبلي واقع معاش، واستخدام الطائفية كسلاح لتمزيق صفوف الشعب، هو تقليد للسياسة البريطانية القديمة «فرِّق تسد»، ولا حاجة لنا للتذكير باستمالة الزعماء الشيعة في حركة المجلس التشريعي 1938، لفك تلاحمهم عن الزعماء السنة، الذين جرى التنكيل بهم، لتفكيك الحركة الوطنية. وكذلك حركة هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات، التي انبثقت لمعالجة الانقسام الطائفي الذي أثاره الحكم حينها؛ وخيار الشعب لدولة مستقلة وليس الالتحاق بإيران من خلال قرار لمجلس الأمن في العام 1970، اشترط وضع حدٍّ للتمييز الطائفي والقبلي، وإقامة دولة المواطنة المتساوية؛ وحركة التسعينيات طرحت ذات الأطروحات.

إن من أهم دوافع نضال شعب البحريني منذ العشرينيات حتى اليوم، هو التصدّي للتمييز ضد الأغلبية والامتيازات للأقلية، والهدف المشترك لكل انتفاضات وحراك شعب البحرين من العشرينيات حتى 2011، هو تحقيق نظام سياسي يضع حداً لنظام التمييز والامتيازات، وتُضمن فيه المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، ويتمتع الشعب بثرواته، مع التقاسم العادل للثروة والسلطة، في ظلّ حكم العائلة الكريمة.

واتساقاً مع ذلك فإن المجتمع الدولي، وإن تجاهل ذلك لانشغاله بقضايا أهم، أو هدوء الأوضاع النسبي، فإنه أكد ذلك في مناسبات عديدة.

إن أول قرار صادر عن لجنة الخبراء لمجلس حقوق الإنسان في أغسطس/ آب 2005 أكد على ضرورة وضع حدٍّ للتمييز ضد أية فئة من السكان، وإدماج كافة مكونات المجتمع في قوى الأمن. وسبق ذلك قرار للبرلمان الأوروبي في يوليو/ تموز 2005. كما أن المناقشات غير المسبوقة في البرلمان البريطاني لدى وصول حزب العمال إلى الحكم في 1996، من قبل مجموعة من النواب يقودهم جورج جالاوي، مع وزير الدولة لشئون الشرق الأوسط ديريك فشت، تناولت الأوضاع المتردية في البحرين، ومن أهم عواملها التمييز الطائفي.

ونستطيع أن نعدِّد الكثير من التقارير، التي تتفق على تشخيص هذه الحالة مثل المقرّرين الخاصين، ولجان الاتفاقيات التعاقدية، والمفوضين الساميين لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وعشرات التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، مثل «هيومان رايتس ووتش» (HRW)، والعفو الدولية (AI)، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، والمنظمة الدولية لحرية التعبير (IREX)، ومراسلون بلا حدود (Medicine Sans Frontier)، وشبكة المدافعين عن نشطاء حقوق الإنسان (Frontline)، وحقوق الإنسان أولاً، وأطباء لحقوق الإنسان، ورابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية، ومركز الحقوقيين الدولي، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في عهدها المستقل وغيرها، إلى جانب المنظمات الحقوقية البحرينية.

كما نستطيع الاستشهاد بمراكز البحوث الدولية، مثل مجموعة الأزمات (Crises Group)، وكارنيجي (Carnigie)، وتشاتهام هاوس (Chatham house)، ومبادرة الشرق الأوسط (POMED)، والعشرات من الأكاديميين، وهم متفقون على أن استراتيجية التمييز والامتيازات هي السبب الرئيسي لعدم استقرار الأوضاع في البحرين، وتفجرها كل عقد تقريباً منذ الخمسينيات حتى الآن.

إذاً، نحن لا نخترع البارود عندما نقول إن استراتيجية «التمييز» و»الامتيازات»، هي السبب الرئيسي لما يعانيه شعب البحرين. وليست اختراع أوباما أو أميركا أو الغرب الحليف الاستراتيجي، والذي يصنّف حالياً من قبل أبواق التأزيم ونواب وقوى الصدفة بأنه العدو اللدود.

وإنه لا يُعقل لشعب، أو لنقل أغلبية شعب، أن يخترع مشكلةً غير موجودة ويتخيّل ظلامة تاريخية، لأنها تخدم أجندات خارجية، وليس من المعقول لشعب أو أغلبية شعب أن تكون عميلةً لدولة خارجية، سبق أن رفض ذات الشعب الانضمام إليها باختياره الحر في 1970، رغم مكابداته لعقود، مع أمل بوضع حدٍّ لهذه المكابدة في عقد جديد لدولة الاستقلال ضمنته الأمم المتحدة والدولة الحامية، وهي بريطانيا، والدول الكبرى والإقليمية.

ليست البحرين وحدها المبتلاة بالتمييز بكافة أشكاله الطائفي والقبلي والجندري والعرقي، بل إن أعرق الأمم الديمقراطية والمتحضرة تعاني من هذه الظاهرة الملازمة للبشرية منذ نشأتها، ومستمرة معها بتجليات مختلفة. والمسألة هي: هل تعترف هذه الدول وهذه المجتمعات بهذه المشكلات، وتعمل على حلها كما تفعل الدول الديمقراطية، أم تستمر في الإنكار والمكابرة كما هو حال الدول الاستبدادية؟

لقد استغرق الأمر من أميركا مئتين وثلاثين عاماً منذ الاستقلال مع الحرية الموجودة في الدستور الأميركي والحقوق المتقدمة، حتى يصل أول رئيس أسود للبيت الأبيض. واستغرق الأمر من فرنسا رائدة الثورات والتنوير، والحقوق والمساواة حتى العشرينيات من القرن الماضي، لتعطي المرأة حقوقها السياسية، هذا على سبيل المثال لا الحصر.

ولذا، فإن الدول ليست هي المعنية وحدها بمكافحة التمييز بكافة أشكاله، بل المجتمع الدولي بأسره، ومكافحة التمييز والامتيازات غير المشروعة من صلب اهتمامات المنظمات الدولية للحكومات والمنظمات الأهلية والمختلطة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، والتي نصَّ ميثاق تأسيسها في 1945 على مناهضة التمييز وتحريمه بكل أشكاله، واستتبع ذلك إصدار العشرات من المواثيق والاتفاقيات، وإنشاء الآليات والأجهزة واللجان والمقررين الخاصين ولجان الخبراء، لرصد هذه الظاهرة الكونية، واقتراح الاستراتيجيات والسياسات والاتفاقيات، وتفعيل الآليات لتنفيذها.

لقد أكد تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق بقيادة البروفسور بسيوني بكل جلاء التمييز والتهميش بحق مكوِّن أساسي من الشعب، وأكّدت ذلك توصيات مجلس حقوق الإنسان في مراجعته الدورية لحقوق الإنسان في البحرين (سبتمبر/ أيلول 2012)، والبيان المشترك لـ 47 دولة ديمقراطية في دورة المجلس في يونيو/ حزيران 2013، وبيان البرلمان الأوروبي في يونيو 2013، والحبل على الجرار.

إنها مكابرة وإنكار لواقع التمييز، الذي تكتوي بناره الأكثرية، ويضرّ بشعب البحرين كله، وواقع الامتيازات غير المشروعة المناقضة لمصلحة الشعب والبحرين كوطن لكل أبنائه.

لن نخرج من هذه الأزمة المستحكمة منذ عقود، إلا بالاعتراف أولاً بهذه الحقيقة المرّة... ثم العمل الجدي للتخلص منها.

__________
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
7 ديسمبر 2013
 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها