مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

قراءة في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية عام 2013 - طوني بدران

طباعة PDF



مواقف رائدة
في مطلع الشهر الماضي، بدأ جون كيري وزير الخارجية الأميركي جولة سريعة في الشرق الأوسط، توقف خلالها في مصر والسعودية وإسرائيل. جاءت زيارة كيري في وقت تعاني فيه علاقات واشنطن مع هؤلاء الشركاء التقليديين الثلاثة – الذين يمثلون أعمدة نظام التحالف الأميركي في الشرق الأوسط – من تدهور كبير. فقد الحلفاء الثقة في الإدارة الأميركية ورؤيتها بالنسبة للمنطقة. كما وجد شركاء أميركا القدامى أسبابا قوية للشعور بالقلق، حيث بدا أن إدارة أوباما غافلة عن مصالحهم، بل وأيضا من خلال سعيها إلى عقد اتفاق مع إيران، بدا أنها عازمة على قلب البنية الأمنية في المنطقة والتي حافظت عليها على مدار عقود.


كانت الانتقادات العلنية ضد السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارة أوباما غير مسبوقة. في الشهر السابق على زيارة كيري، كانت السعودية على وجه التحديد تعرب علنا عن استيائها من واشنطن. وبعيدا عن التعليقات الحادة التي صدرت عن الأمير تركي الفيصل التي هاجم فيها أداء الإدارة الأميركية، اتخذت الرياض خطوة غير معتادة لفتت كثيرا من الأنظار برفض مقعد غير دائم في مجلس الأمن في الأمم المتحدة. لم تكن رسالة السعوديين خفية. وفقا لتصريحات أحد المسؤولين السعوديين، لم تكن الرسالة موجهة إلى الأمم المتحدة ولكن إلى الولايات المتحدة. كذلك كانت وزارة الخارجية السعودية واضحة في ذكر السبب الذي دفع إلى اتخاذ هذا القرار: غضبا من فشل التعامل مع الأزمة السورية.


سياسة واشنطن تجاه مصر

بالإضافة إلى ذلك، انزعج السعوديون من سياسة واشنطن تجاه مصر. في حين كانت إدارة أوباما مصممة على وقف مساعدات معينة، تحركت السعودية وحلفاؤها في الخليج إلى دعم القاهرة ماليا. وعلى هذه الخلفية، جاءت زيارة كيري إلى مصر والتصريحات البرغماتية التي أدلى بها هناك فيما يبدو محاولة للتصالح مع السعوديين.
ولكن حتى مع محاولة إزالة فكرة وجود خلاف مع السعودية، اعترف كيري في القاهرة بأن الدولتين مختلفتان بشأن سوريا. وصرح كيري قائلا: «هناك بعض الدول في المنطقة أرادت أن تفعل الولايات المتحدة شيئا ما يتعلق بسوريا، ولكننا فعلنا شيئا آخر». ولكنه حاول الحد من الخلاف بوصفه اختلافا حول «التكتيكات» وليس حول «الهدف الأساسي للسياسة».

وبعد ذلك في مؤتمر صحافي في الرياض، سعى كيري مرة أخرى إلى طمأنة مضيفيه، مؤكدا على العلاقات الدائمة بين الولايات المتحدة والمملكة.أكد كيري قائلا: «إن هذه العلاقة العميقة التي مضى عليها حتى الآن أكثر من 70 عاما ستستمر في المستقبل».

تكمن المشكلة في أن وراء كل هذه الجماليات الدبلوماسية، كانت رسالة كيري في الواقع مجرد تأكيد على خطاب الرئيس أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2013. في هذا الخطاب، أوضح الرئيس الأميركي رؤيته للدور الأميركي و«مصالحه الرئيسة» في الشرق الأوسط. إحدى هذه المصالح الرئيسة، التي كررها كيري في مصر والسعودية، هي التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها في الخليج ضد أي هجوم خارجي.

ربما ظن كيري أن موقفه يجب أن يبعث على تهدئة أي مخاوف قد يشعر بها حلفاؤه الإقليميون بشأن اتجاه السياسة الأميركية، إلا أن مذهب أوباما الجديد أكد في الواقع شكوك الحلفاء. إذا توقفت الضمانات الأمنية الأميركية عند مواجهة هجوم خارجي تقليدي، ستكون قيمتها محدودة. على سبيل المثال، قليلون في منطقة الخليج يخشون من غزو إيراني تقليدي. تعتمد طهران على أرصدة أخرى في توسعة نفوذها وفي تخريب أمن الدول العربية. أحد الأمثلة على ذلك التدخل الإيراني في سوريا باستخدام حزب الله والميليشيات العراقية، ناهيك عن دورها في اليمن.

 

إعادة تشكيل البنية الأمنية الأميركية

لا يتفق ذلك مع معيار «المصالح الرئيسة» للرئيس أوباما، كما يتضح مرة أخرى من موقف الإدارة من سوريا، ولكن يتنافى أيضا منطق رؤية أوباما مع منطق توازن القوى. أعلن الرئيس الأميركي أن مساعي سوريا لن يكون «مجموعها صفر». بالإضافة إلى ذلك، رحب أوباما بـ«جميع البلدان» ذات التأثير في سوريا بصفتها أطرافا معنية في عملية البحث عن حل سياسي يحافظ على مصالحها. بمعنى آخر، تسعى رؤية أوباما إلى الاعتراف بمصالح إيران وتوفيقها في المنطقة.

    يسعى أوباما إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية الأميركية القائمة في المنطقة. أشار إلى ذلك ديفيد إغناتيوس، الصحافي الذي يجتمع بانتظام مع الرئيس أوباما، وأحيانا ما يكون الصوت الناقل لأفكار أوباما. بعد أيام من خطاب أوباما في الجمعية العامة، قدم إغناتيوس ما يرجح أن يكون التفسير الرسمي للمذهب الجديد للرئيس الأميركي حيث كتب: «سوف تكون الولايات المتحدة أقوى، إذا استطاعت إقامة إطار عمل جديد للأمن في الشرق الأوسط يضم إيران وينزع فتيل الصراع الطائفي السني والشيعي الذي يهدد المنطقة.. ما سيحدث قريبا هو إطار عمل يوفق بين الاحتياجات الأمنية للإيرانيين والسعوديين والإسرائيليين والروس والأميركيين».

إذا كانت هذه هي رؤية البيت الأبيض، ستكون العقبة أمام تنفيذه هي تضارب المصالح بين الحلفاء الإقليميين الذين يعارضون إضفاء شرعية على اتجاه إيران التوسعي وتدخلها في الشؤون السياسية والأمنية العربية. ربما لا يعتقد أوباما أن الصراع الإقليمي محصلته صفر، ولكن لا يعني ذلك أن الإيرانيين يشاركونه رأيه. ومرة أخرى، يمكن رؤية الدليل على ذلك في السياسة التي تنتهجها إيران تجاه سوريا.

يفسر ذلك تنامي الخلاف بين واشنطن وحلفائها التقليديين، الذي كان على كيري أيضا أن يعترف به عندما أكد وجود اختلاف مع السعودية بشأن «التكتيكات». جدير بالاهتمام أن الإدارة الأميركية استخدمت العبارة ذاتها لوصف خلافها مع إسرائيل بشأن أسلوبها مع إيران. تأكد ذلك في الأسابيع الأخيرة عندما أعرب الإسرائيليون عن معارضتهم العلنية لشروط كانت أميركا على استعداد للموافقة عليها في المباحثات حول برنامج إيران النووي في جنيف.


سوء إدارة أوباما للتحالف

ولكن الخلاف بين الحليفتين أكبر من أن يكون تكتيكيا. يتعلق صميم الأزمة بأن البيت الأبيض، كما حدث مع السعودية، في دفعه لقبول إيران، يقلب تفاهمات مستمرة منذ عقود دون التشاور كما ينبغي مع الحلفاء التقليديين أو أخذ مخاوفهم على محمل الجد. الأكثر من ذلك أنه يضغط علنا على حلفائه ويتجاوزهم لضمان عدم وجود ما يعرقل طريق عقد صفقة مع طهران، وهو اتفاق بدأ بالفعل في هدم العلاقات مع الشركاء التقليديين. تتفهم السعودية وإسرائيل أن تخريب هذه العلاقات يكمن في صميم الاستراتيجية الإيرانية.
ولكن فيما يبدو يشير أسلوب البيت الأبيض إلى أن حلفاءه ليس لديهم خيار آخر سوى الوقوف في الصف وقبول الاتفاق الجديد. في الواقع، يبدو موقف واشنطن، كما أوضحه إغناتيوس، هو أن إعادة أوباما لبناء إطار العمل الإقليمي واتفاقه مع إيران أفضل لهولاء الحلفاء، ولكنهم لا يعلمون ذلك.

من الطبيعي أن يكون لسوء إدارة أوباما للتحالف تبعات. كما يقول الخبير في شؤون الإقليم لي سميث: «الحلفاء ليسوا مجرد منتجات للسلطة؛ ولكنهم أيضا يحملون توقيعها.. إذا عاملتهم كما تعامل أعداءك، فربما يتخذون خيارات مختلفة». وفي مثال على ذلك، نرى سعي مصر إلى عقد صفقة عسكرية مع موسكو مؤخرا. استنتج كثير من المحللين أن هذا يشير إلى رغبة القاهرة في استبدال المساعدات الروسية بالمساعدات الأميركية.
ومن المؤكد أن في ذلك مبالغة. فلا تملك أي من روسيا أو مصر القدرة على تحقيق مثل هذا التحول من الولايات المتحدة إلى منصة روسية. وفي حين لا تتطلع مصر إلى الانتقال إلى المدار الروسي، فإنها بعثت برسالة إلى البيت الأبيض مفادها: في تناقض صارخ مع واشنطن، أظهر الروس في سوريا أنهم يقفون إلى جانب أصدقائهم في السراء والضراء.
ولكن بعيدا عن الرسائل السياسية، يحمل مذهب أوباما تأثيرا فعليا ومباشرا على موقف أميركا. إذا افترضت رؤية الرئيس الأميركي إدراج إيران وروسيا كطرفين معنيين في الإطار الأمني الجديد، مع معرفة أن الولايات المتحدة ترغب في الحد من ظهورها الإقليمي، إن لم يكن الخروج كلية من الشرق الأوسط، فسوف تحاول الأطراف الإقليمية حماية ذاتها وتبحث عن ترتيبات بديلة. ونرى بالفعل بلدانا مثل السعودية وإسرائيل تبحث عن خيارات أخرى.
ومن المرجح أن يتسع نطاق ذلك. وبالطبع لن يحل أحد محل الولايات المتحدة، ولكنهم سيتوسعون. لن تتخلى الأطراف الإقليمية عن العلاقات مع واشنطن، ولكنها سوف تؤكد على استقلال خياراتها بصورة أكبر. بطريقة أخرى، سوف تتغير القواعد القديمة.

ومع اقتراب عام 2013 من نهايته، على الأرجح أن يكون عام التغيير التاريخي في العلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط. وفي ظل مُضي البيت الأبيض عازما في محاولته لإعادة تنظيم ووضع إطار أمني جديد في المنطقة، يجد كل من الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين أنفسهم في وضع مجهول.



__________
المصدر: مجلة المجلة
3 ديسمبر 2013

 

 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها