مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

المستقبل المنظور - إبراهيم سعيد

طباعة PDF



في السنوات القليلة القادمة ستواصل منظومة الخدمات الصحية (المجانية) المدعومة من الحكومة هبوط مستواها إلى الدرجة التي سيصبح فيها مراجعة أي مركز صحي أو مستشفى في أذهان الناس وخبراتهم نوعاً من أنواع المعاناة الشديدة والضيق وتصير الموافقة على العمليات بها نوعاً من الانتحار، في الوقت الذي سترتفع فيه أسهم الخدمات الصحية (الخاصة) إلى الدرجة التي ستستقطب مراجعين أكثر (كما لو كانت مجانية) في نفس الوقت سيزداد الاتجاه لما صار يعرف ب(السياحة الطبية للعلاج)، وفي الحقيقة كل مريض عماني يسافر إلى الخارج أو يتجه للعلاج في المستشفيات الخاصة بمثابة صفعة على وجه كل راسمي السياسات الصحية في عمان.

في السنوات القليلة القادمة ستزداد رداءة المنظومة التعليمية للتعليم (العام) في نفس الوقت الذي ستشهد فيه المدن والمناطق والمراكز افتتاح مدارس خاصة أكثر، مع تفاوت المستويات والأسعار طبعاً، وسيهرب القادرون بأبنائهم من المدارس العامة ومشاكلها المتفاقمة، والتي ستظل مستعصية على الحل، نحو المدارس الخاصة، إلى الدرجة التي سيصبح فيها حامل الشهادة العامة مرفوضاً وغير مقبول أو كمن لا يحمل شهادة من أساسه، ناهيك بزيادة التسرب من الدراسة الذي سيزداد ويتفاقم، وفي حين الحقيقة هي أن كل طالب فاشل و كل هبوط في مستوى المدارس العامة هو صفعة على وجه كل راسمي سياسات التعليم في عمان.

في السنوات القليلة القادمة سيزداد حجم البطالة بما في ذلك البطالة المقنعة، وخاصة في أوساط الشباب، في نفس الوقت الذي سيزداد فيه حجم العمالة الوافدة في البلاد، وسيتم التنافس على عدد قليل من الوظائف المتاحة القليلة الدخل، وستتقارب تبعاً لذلك الرواتب المعروضة على المواطنين والوافدين لتكون أقل فأقل، وسيتزامن ذلك مع عمليات تسريح كبيرة ستقوم بها الشركات، خاصة الكبرى بسبب حجج واهية تتعلق بالخسائر والأرباح. وإعادة الهيكلة. وغني عن القول أن الحقيقة هي أن كل عاطل (باحث عن العمل) بمثابة صفعة في وجه كل راسمي سياسات التشغيل والعمل في عمان.

في السنوات القليلة القادمة ستزداد الأسعار ارتفاعاً، وسيرتفع غلاء المعيشة مما سيضطر رب الأسرة إلى البحث عن مصادر رزق إضافية سواءاً بالانخراط في مشاريع تجارية بالاتفاق مع العمالة الوافدة، أو بالقيام بعملين في نفس الوقت، أو بأي ثغرة متاحة لزيادة الدخل، في نفس الوقت الذي ستتضاءل فيه قيمة النقود التي يحصل عليها من عمله ذلك أمام ارتفاع أسعار المعيشة والغلاء المتفاقم، والضرائب المخبأة، وستخرج الأسعار من سيطرة الحكومة، بما أنها لا تستطيع التحكم في الأسعار العالمية، في الوقت الذي سيزداد فيه الاستيراد أكثر فأكثر، كما ستفتتح مراكز تسوق فاحشة الضخامة، ومولات وسنترات جديدة تشجيعاً لعدوى مرض الاستهلاك المستشري.

في السنوات القليلة القادمة ستظل الصناعة المحلية تدور خارج فلك الصناعات الحقيقية التي تتعلق باحتياجات البلاد نفسها، وستبقى كما هي متخصصة في الصناعات الهامشية التي تتضمن أكبر قدر من الأخطار البيئية كالمنظفات والبطاريات، ليست مشغولة  أبداً بتحقيق الاكتفاء الداخلي وكبح رفع الأسعار العالمية، بل ستدور في فلك الاحتياجات العالمية، ما يعني أن ما سيتم صناعته في البلاد لن تراه أعين الناس في الأسواق بل سيذهب مباشرة للأسواق الخارجية، لمشترين يقطنون عادة غرب الكرة الأرضية، وأحياناً شرقها.

في السنوات القليلة القادمة سيزداد تصدير الأسماك من البحر، بالتزامن مع ارتفاع اسعار الأسماك في السوق المحلية، أو الملاعبة بينهما لحين تحطيم ما تبقى من صغار الصيادين، أو ايقاعهم في قبضة الشركات التي تدينهم لشراء المستلزمات وتتحكم بالتالي بأسعار ما يصيدونه، أو ينتجونه، وتصادره لصالحها، دون أن تستفيد البلد المنتجة نفسها من ذلك، بل سيتواصل شح وندرة الأسماك وارتفاع اسعارها. في نفس الوقت الذي سيتضاءل فيه عدد الصيادين المواطنين الأفراد، ويزداد نظام العمالة الوافدة التي بدأت السيطرة على صيد الأسماك. لصالح شركات عالمية.

في السنوات القليلة القادمة ستواصل الزراعة تخبطها بين شح المياه في الزراعة التقليدية للنخيل والأشجار المثمرة كالليمون وتواصل الآفات، وإهدار المياه في زراعات المحاصيل الموسمية في البيوت الزجاجية التي ترفع من درجات الحرارة، في بلاد حارة أصلاً، وسيحدث ذلك بالتزامن مع ما يحدث اليوم من نزول الأسعار لأدنى مستوياتها كلما حان موعد حصاد الثمار المحلية، وارتفاعها كلما انتهى الحصاد، وستظل الزراعة التي تهدر المياه بعيدة عن المزروعات الحقيقية متعلقة على الزراعات الهامشية كالخضار وبعض الفواكه. مع التأكيد على أقل هامش ممكن من الربحية للمزارعين، وتحطيم ما تبقى من آمالهم بالتشافي، وسينقطع سيل الخبرات الزراعية المتراكمة عبر القرون عبر إحلال العمالة الوافدة محل الأبناء والأجيال الجديدة، الذين يتجهون بدورهم لأعمال أكثر دخلاً من أعمال الزراعة التقليدية القليلة الربح؛ وباختصار قطع نسل الفلاح. مثلما انقطع نسل البحارة من قبله. لصالح الشركات العالمية.

ونفس ما سبق سينطبق على أوضاع الرعاة التقليديين الذين سينقطع نسلهم في السنوات القليلة القادمة وسيتم استبدالهم بعمالة وافدة، والتي ستختفي بالتدريج لصالح استيراد اللحوم من قبل شركات عالمية، أو مع الإبقاء على بعض نماذج الفلاحة والزراعة والصيد والرعي من باب حفظ التراث.

إضافة لكل ما سبق ستشهد الخدمات العامة في السنوات القليلة القادمة تردياً أكثر فأكثر في جودة الأداء والانتاج، وربما تتردى النظافة العامة، وتسوء حالة الطرقات العامة بسبب عدم الصيانة، وكذلك المرافق العامة، وهي المرافق التي ستتقلص أكثر فأكثر مع مرور الأعوام، وستستبدل بمرافق عامة من القطاع الخاص، بدل القطاع العام، كذلك بالنسبة لخدمات المراجعين التي سيتراكم فيها المراجعون على عدد قليل من الموظفين وتزداد فيها مدة إنجاز المعاملات من ساعات انتظار إلى أيام إلى شهور إلى أعوام.

مع ذلك، بل ورغم ذلك، ستبقى الندوات الدولية التي يستضاف فيها الخبراء العالميون تعقد وتقام في أفخم الفنادق في السنوات القليلة القادمة لمناقشة الرؤى المستقبلية ووضع الحلول للخدمات الصحية والتعليم والزراعة والثروة السمكية والحيوانية، وسيخرج الخبراء بدراسة ممتازة وتوصيات تفرد لها صفحات الجرائد ونشرات الأخبار وتنال حماسة المسئولين وراسمي السياسات الذين لن تبدو عليهم أي آثار الصفعات الافتراضية، بل سينالون تصفيق الحضور الرسمي لكل تلك المؤتمرات الشديدة الأهمية والحساسية. لمستقبل عمان. وعمان 3030 و 6060 وهلم جرّا.

ليس ما سبق نوعاً من قراءة الأبراج، ولا حساب رمل، ولا هو من وحي جن الحضرات المبخرة، ولا نبوءة شعرية، ولا يتعلق الأمر بضعف أو قوة القائمين على رأس الوحدات الحكومية، ولا حتى الجهاز الحكومي، بقدر ما هو سياسات مرسومة تنفذ هذه الأثناء بواسطة حشد من المنظمات الدولية والشركات العالمية العابرة للقارات، لا يحمينا منها إلا عددنا الصغير مقارنة بشهيتها المفتوحة الباحثة عن أكبر قدر من الربح. وبواسطة منظمات من مثل منظمات التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي سيء الذكر، وبدعم حاسم من تشكيلات الأساطيل البحرية التي تجوب حولنا، لحمايتنا كما تزعم، حتى من أنفسنا.

هذا هو السيناريو المرسوم والمطبق للدول النامية وتلك هي السياسات التي طبقت عليها ونجحت نجاحاً مضموناً في إفساد الحكومات، وتخريب القطاع الخاص، وإرهاق المجتمعات، واستنزاف ميزانياتها السنوية حتى تبديد ثرواتها تماماً، ثم جعل الأفراد عبيداً لدى الاقتصاد العالمي وبلادهم قطعة أرض مرهونة لتشكيلات بنوك عالمية تفرض سياساتها، تصدر أفضل خيراتها لغرب العالم، تحت رحمة الاستثمارات العالمية وأهواء المستثمرين الذين هم أنفسهم هم في أصقاع العالم الأربعة، بنفس سحنة القراصنة ونفس الغرائز المنحطة. والنفاق والكذب والغش والانحطاط من أجل عبادة المال.

لا يحتاج الأمر كي يتحقق إلا تلك الشعرة القريبة المتمثلة في زيادة الانفاق العام عن الدخل، ذلك الدخل النفطي الهائل الذي يتم اليوم تبديده وتبخيره في مشاريع تتضاعف تكلفتها كل عام، لخدمة الفساد الهائل، ثم لتركها تفسد وتتعفن في المخازن، أو بسبب رداءة الاستخدام. أو انعدامه. وسيستمر الإسراف في الإنفاق الهائل من المال العام ليكون في مشاريع ذات قيمة اقتصادية معدومة أو ضئيلة أو مهزوزة لا تدر أية مداخيل مستقبلية إلا على طبقة المستثمرين العالميين والطبقة المحيطة بهم من المستثمرين المحليين. وبالتالي تبديد المال العام إلى آخره، وزيادة الثروات الخاصة إلى أكبر قدر ممكن.

وفي السنوات القليلة القادمة سيقع اللوم على المواطن بوصفه السبب في ما آلت إليه البلاد من تردي الأوضاع، وسيتم اتهامه نهاراً جهاراً بأنه السبب الرئيسي في كل الأزمات الاقتصادية والصناعية وسوء التعليم وسوء الخدمات وأية أخطاء أخرى، وسيتم تقديم الرأي العام نفسه بوصفه هو ذاته سبب الكوارث ولن يكون لدى المواطن وقت للرد على الاتهامات فيما هو مشغول طوال اليوم بتدبير لقمة عيشه وبمحاولة التسلي ونسيان ما فيه من ضيق بأية وسيلة.

 إذا بدا لكم هذا السيناريو الافتراضي المعتمد عالمياً لبلدان بحجمنا وموقعنا موحشاً وكئيباً ومتشائماً فاعملوا منذ الآن على تغييره وتجاوزه، وإلا فاستسلموا لاستعمار العالم الجديد المخصص لامتصاص دماء وحياة الشعوب طوعاً وكرهاً.


__________
المصدر: مجلة الفلق الإلكترونية

19 يناير 2014

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها