مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أوهن البيوت - أحمد الشيزاوي

طباعة PDF




في كل اجتماع يعقده قادة البيت الخليجي تبقى ورقة منسية في جميع قرارات وأمزجة الحكومات الخليجية هو ما يسمى  "المواطن  الخليجي"، الذي يقال إنهم يجتمعون لأجله، فالمواطن الخليجي كعادته لا  ناقة له ولا جمل ولا حتى أمل، مع أن الطاولة التي يجتمعون عليها مستديرة جدا جدا، فهي بدون رأس وجوانب،  ولم يكن يعلم الملك "آرثر"  أن فرسان أسطورة الطاولة المستديرة التي أتى بها في زمن ما، و قصد منها ان يتساوى الجميع بالجلوس عليها دون تمييز، متساوون متكافئون فيما بينهم، انحرفت هذه الطاولة خليجيًا وعربيًا عن مرادها، فأصبحت منهمكة بفخامتها المستديرة  وتحولت الى تعبير رمزي اصطلاحي لا تصالحي،  ومن فرط فخامتها لا يمكن لفخامتهم أن يستمعوا لسموهم في آخر الطاولة دون تدخل تقني، ومن شدة حرصهم يستخدمون مكبرات الصوت -مايكرفون- ربما حرصا منهم على إيصال  أصواتهم وبياناتهم الى آخر مواطن خليجي،  وكيف  لهم أن يشاهدوا  إنجازات فخامتهم أمام الطاولة الكبيرة المستديرة  دون أن يستخدموا مكبرات الصورة  ليتمتعوا برؤية إنجازهم العظيم  وانتاجهم اليتيم (أفتح يا سمسم).
المسافـة بيـن قُطْرِ الطاولة المستديرة لا ترحم، والشعوب بطبيعتها دهماء تتأثر ولا تفهم -كما وصفها ناعوم تشومسكي في كتابه السيطرة على الاعلام-  فبعد كل قرار يَعْوَجُّ جذع النخل الخليجي في قلب الصحراء، جذعها معوج كراقصة مأجورة بدأت تلوي خصرها لتغري ضب الجزيرة العربية، معتذرة لمريم العذراء وللرب على انحطاط سلوكها وقدسية تمرها،  ونخلة البيت الخليجي جيناتها وأصالتها لم تكن كما كانت من قبل،  فغذاؤها سماد كيماوي، وماؤها ملح أجاج من مصانع التحلية.
البيت الخليجي سكانه يفكرون ويؤثرون ويتأثرون، فمرة "يُخَلجنوه" بأغنيته الشهيرة (...وافتخر إني خليجي) غناء وغزل دبلوماسي خليجي بامتياز، لم يتأثر به إلا الحالمون من الخليجيين، ومرة يعربوه في مناهجهم (بلاد العرب أوطاني..) وهذا نوع من  إجازة الترحم على قبر جمال عبدالناصر في المناسبات العروبية فقط إذا استدعت ظروف السياسة.. ومرة يُؤَمْرِكوه (الشيطان الأكبر)  فلا بد من التودد للصديقة المتشيطنة المدللة،  ومرة يحزبوه (فإن حزب الله هم الغالبون) واختلطت الغلبة فأصبحوا لا يفرقون بين حلاوة "الآشار" مع حموضة "الحلوى"..  ومرة يؤخونوه (الله غايتنا..) ربما هروبا من هشاشة أخوتهم وضياع غاياتهم وأهدافهم، ومرة يمركسوه (الدين أفيون الشعوب)  بينما الإعلام الرسمي يتحول إلى حشيش مضروب  للشعوب في أحيان كثيرة.. كل هؤلاء وهذه الأطياف وان اختلفت مسمياتهم هم أناس خليجيون مواطنون بامتياز، لا شيء سوى أنهم فكروا  يوما بأن يستفسروا عن مستقبل ناقتهم في الصحراء وقاربهم المركون على شاطئ الخليج المالح.
الذي يعود للتاريخ سيجد أن ولادة  فكرة البيت الخليجي  تمخضت بمسببات خارج جغرافيا الخليج، عندما شبت نار الحرب بين إيران و العراق كان لزاما أن  تمارس حكومات البيت الخليجي عشقها، وتتغنى بوحدتها كجسر حمام يمتد من الجهراء الى صلالة، نجحت في تشكيل رأي موحد عاطفي ممزوج باتفاقيات نفطية لإدارة المرحلة وتداعيات الماردين الإيراني والعراقي.
والغريب في الأمر بعد أكثر من ثلاثة عقود يبدأ الخلاف بين دول البيت الخليجي  قطر من جهة والسعودية والبحرين والإمارات من جهة أخرى  بمسببات وخلافات سياسية خارج جغرافيا الخليج  بامتياز، وكأن التصويت للانتخابات المصرية تدار  في أبوظبي وصناديق الاقتراع في الدوحة وتشميع الصناديق في البحرين والفرز  في الرياض لاختيار رئيس جمهورية -بين قوسين- (ديمقراطي) للقاهرة، وتحول البيت الخليجي إلى قاعة "بنكنوت" كبير للأحزاب والتيارات الفكرية والعسكرية المصرية ، لينهض بعدها المواطن المصري البسيط هاتفا مصر حره حره . . ولم يبق من حريتها الا إيصال دفع الفواتير من بنكنوت الخليجي وسجون طره.
وحدة البيت الخليجي مطلب شعبي خالص لا يمكن تجاهله، لكن ما يحدث هو نوع من الهرج الحكومي، فمن الطبيعي أن يختنق محار اللؤلؤ الخليجي فلا يجد "أكسجينا" يتنفس منه  تحت الماء، وفوق الماء كعادته مخنوق بأكسجين انبعاثات سفن النفط، والبارجات الحربية المتبرجة على شواطئنا أمام محارنا الوطني المحافظ نوعا ما.
أما قطر فلديها عدة خيارات، أولها أن ترضخ للأمر الواقع وتعود للحضيرة بلا سيادة، والثاني أن تعزز علاقتها مع إيران كما فعلت عُمان لتشكل مثلثا موازيا تخرس به المثلث السعودي الإماراتي البحريني، والخيار الثالث أن تقدم من نفسها نموذجا ديمقراطيا حرا وتكون أول دولة عربية ديمقراطية من خلاله ستُخرس جميع الأنظمة العربية يقابله شعبية كبيرة من الشعوب العربية وتكون بمثابة رسالة تطبيقية عملية أمام دعمها للربيع العربي.
البيت الخليجي يعيش مرحلة إرهاق حكومي شعبي، و "البشت" لم يعد محمولا على اكتافهم، فهو معلق على "خازوق" فولاذي تستخدمه حكومات الخليج لحافا قوميا لتغطية صياغة عقود الذهب الأسود المستخرج من دبر الأرض العذراء، وأحيانا على "خازوق" لمكافحة شيء ما..
والعنكبوت استبدلت خيوطها فهي لم تعد هشة وهنة كما كانت، لقد أصبحت خيوطها صلبة تتكسر السيوف عليها، ولا يخترقها الهواء الملوث ، أما البيت الخليجي يوما بعد يوم يصبح أكثر هشاشة ووهنا، حتى أصبح من أوهن البيوت.




 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها