مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مصاعب القمة ! - د. محمد الرميحي

طباعة PDF




تعودنا في الكتابة العربية الميل للمبالغة، وقد توصف القمة الحالية المنعقدة في الكويت بمواصفات مبالغ فيها أيضا، كالقول إنها قمة «الأزمة» أو قمة «التوافق».. الا أن الواقع ينبئنا بحقيقة أن الخلافات العربية لم تكن قد وصلت حد التشنج، كما وصلت إليه اليوم. أي توصيف سيكون عاجزاً عن شرح الجهد المطلوب من المضيف (الكويت)، لمحاولة رأب الصدع، والخروج بالحد الأدنى، وهو صدع يجب عدم الاستهانة به أو التقليل من آثاره في السنوات القليلة القادمة، حيث قراءة أحداث اليوم تنبئ عن شرور يجب ألا نتعامى عنها.
الإقليم العربي مأزوم في داخل – تقريبا – كل دولة من دوله، والحقيقة العلمية أن اجتماع القمة هو اجتماع لتدارس الشؤون الخارجية (أي السياسة الخارجية لكل دولة وعلاقتها بالجوار أو المحيط)، وإذا بنينا على الشيء مقتضاه، فإن السياسة الخارجية في أي دولة هي انعكاس للسياسة الداخلية، ولأن السياسة الداخلية لمعظم الدول العربية إما مرتبكة وإما مأزومة، فإن النتيجة الطبيعية أن تأتي السياسة الخارجية تابعة لها.
دُعي إلى القمم العربية منذ البداية قبل أكثر من نصف قرن، للنظر في ما كان يسمى «القضية المركزية» أي فلسطين، ثم توارى الموضوع الفلسطيني ليصل إلى «خلاف فلسطيني داخلي، شخصي وتنظيمي» يحتاج إلى أن يوحَّد! وهكذا تراجع الملف، وبرزت ملفات وصلت إلى العظم في معظم الدول العربية.
 في الموضوع السوري، أُعطي المقعد السوري في آخر قمة عربية في الدوحة العام الماضي للمعارضة السورية، ويبدو أنه سُحب منها، والمقعد السوري في القمة الحالية بقي فارغاً غير مشغول، وهو إشارة معنوية لانشقاق عربي تجاه ما يحدث في سوريا، وما يحدث هناك ضخم وبالغ الأهمية، ليس على سوريا وشعبها المنكوب ولكن حتى على الجوار وجوار الجوار، وعدم التوافق عليه أو التردد تجاهه، يضيف عنواناً آخر على الانشقاق العربي المشاهد.
 من جهة أخرى، تطفح على سطح العلاقات العربية- العربية سياسات النكايات، فنجد أن دولاً عربية تسعى للإعاقة والخلاف من دون مبرر عقلاني واضح يستطيع المراقب أن يتفهمه حتى بعد بذل الجهد، بعض سياسات الحكومات العربية في هذه الآونة، غير مفهوم، حتى لو أخذنا مؤشراً صارماَ في قياس السياسات الخارجية وهو «إن كل سياسة خارجية انعكاس لواقع داخلي»! فمثلا غير مفهوم أن تأتي العراق، قبل فترة وجيزة من انعقاد القمة لتتهم «السعودية وقطر» بدعم «الإرهاب» في العراق، وفي الوقت نفسه لا تنظر الحكومة العراقية لعدد من القوى في الداخل العراقي وهي تقوم عمليا بالحرب في سوريا، ذلك ليس سرا بل متاحا للجميع.
من جانب آخر تتدخل القوى العسكرية السورية في الأرض اللبنانية، كما يتدخل حزب الله، الممثل في الحكومة اللبنانية في حرب ضد شعب سوري يطلب الانعتاق من الاستبداد! أي أن الحكومة اللبنانية تعمل « براسين» رأس يطل على العرب ليقول إنه «ينأى بنفسه» وفي  الوقت نفسه يشارك فصيل في الحكم يتخذ قرارات الحرب بعيداً عن آلية الدولة!
هذا الأمر يأخذنا إلى ملف شائك وهو «الإرهاب» فإن كان الاتفاق العام على محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه أمراً يهم الجميع، إلا أن الدخول في تعريف الإرهاب سوف يجعل الأمر موضوع خلاف  حاد فالبعض يرى مثلا أن تدخل حزب الله في الشأن السوري «إرهاب» وآخرون يرونه «تحالفاً»، كما يرى البعض أن قوى تحارب في سوريا هي قوى إرهابية، في حين يرى البعض الآخر أنها ردات فعل طبيعية لهجمة غير مبررة من الآخر، بل أن البعض يرى أن تنظيمات بعينها (دينوسياسية)، (هذا التعبير من عندياتي) هي تنظيمات إرهابية، في حين يرى آخرون، حتى في البيت الواحد، أنها ليست كذلك! فإذاً حتى هذا الملف ليس هناك توافق عليه. ما نشاهد على الساحة العربية من توتر هو النتائج والإفرازات الجانبية المتوقعة لما عرف اليوم بربيع العرب، الذي تسير معطياته شيئا فشيئا لتُزيغ وحدة النظر إلى الملفات العربية، ثم تطور ليضع ضغوطاً هائلة على الدول العربية فرادى، حتى وصل بضغوط على منظومة ظن كثيرون أنها ذات مناعة وتخضع إلى آلية توافق مرنة وغير قابلة للانشقاق، وأعني بها منظومة مجلس التعاون الخليجي.
ورقة الاختبار الصعب في هذه القمة هي كيف يمكن تخفيف الضغوط والبحث عن جوامع وربما تكوين نُوَيَّات لتحالفات تسعى إلى تخفيف تلك الضغوط إلى حدها الأدنى. العقل يقول إن أول ما يجب التفكير فيه هو «البحث عن المصالح».. وهي مصالح سواء في الإقليم الأصغر أو الأكبر تعتمد على نظرية «ننقسم فنسقط، أو نتوحد فننجوا»!!

__________
المصدر: جريدة الكويتية
 

 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها