مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحزب الشيوعي السعودي - نايف الهنداس

طباعة PDF




“ إن هذا الحزب بطبيعته وُلد ليعيش .. و ليس بمقدور أي كان تغيير ذلك ”

- الجريدة المركزية للحزب الشيوعي السعودي

ارتبطت نشأة الأفكار اليسارية في المنطقة بالحداثة النفطية التي كسرت هذه العزلة التي كانت تعيشها المنطقة في منتصف القرن العشرين و بالأخص في مناطق اكتشاف النفط في السواحل الشرقية للجزيرة العربية. و كانت أولى المحاولات لنشر الماركسية هي عندما حاول الاتحاد السوفييتي التقرب من المك عبدالعزيز عام 1925 و كانوا السوفييت أول الدول المعترفة بالملك عبدالعزيز ملكا على الحجاز و نجد و ملحقاتها ، و لكن هذا التقارب لم يدم طويلا ففي عام 1932 سنة الإعلان عن تأسيس المملكة العربية السعودية أعلنت الأخيرة قطع علاقتها  مع الاتحاد السوفييتي واصفة اياه بـ”الدولة الشيوعية ” الملحدة و المحاربة للإسلام. و برغم هذه القطيعة و حظر تشكيل الأحزاب الشيوعية و حُرمة تبادل المؤلفات الشيوعية إلا أن وصول الأفكار اليسارية للمملكة كان مستمرا عن طريق الموظفين العرب الموجودون بكثرة آنذاك في مجالات التعليم و الصحة و شركات الزيت و غيرها من فلسطينيين و مصريين ولبنانيين و الذين كانوا يجلبون معهم اعداد من مجلات و صحف شيوعية مثل صحيفة ” النداء ” و “الصرخة ” التي كان يصدرها الحزب الشيوعي اللبناني و مؤلفات جورج حنا الشيوعي المعروف. و من ظواهر هذه الأفكار مثلاً الإضراب الأول عام 1945 لعمال أرامكو و أيضاً مشاركة وفد مكون من مجموعة شيوعية سعودية في مؤتمر للشيوعيين في الشرق الأوسط و الأدنى عام 1950 في جورجيا بهدف تقوية العلاقة بين الشيوعيين في المنطقة. كان الإضراب الشهير عام 1953 لعمال أرامكو حدثا مفصليا في الحياة السياسية و النضالية في المنطقة و مؤشرا إلى تبلور هذه الأفكار اليسارية لتشارك هذه العناصر لاحقا في إضرابات أعوام 1956 ، 1961 ، 1963 و لتزيد هذه الأحداث من المهارات التنظيمية للأفراد و بنيتهم الفكرية و ليصبح بإمكانهم إنشاء تنظيم موحد باسم ” جبهة التحرير الوطني ” في عام 1958 و التي تم تغيير مسماها في عام 1975 إلى ” الحزب الشيوعي السعودي “. و قبل الخوض في هاتين المنظمتين تجب الإشارة إلى العوامل التي ساعدت في ترسيخ الأفكار اليسارية كمفاهيم و تحويلها لمطالب على أرض الواقع ، من هذه الأسباب هي وجود عناصر بحرينية يسارية هربت من الملاحقة الأمنية لها في البحرين إلى المناطق القريبة منها في المنطقة الشرقية في السعودية، وقد أسهمت في تشكيل بعض المنظمات، و وجود بعض الشيوعيين العراقيين الذين خرجوا من العراق بعد إعدام يوسف سلمان (فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي في 1948 و مطاردة الشيوعيين في العراق. سببٌ آخر هو نشوء ” جبهة الإصلاح الوطني “، هذه الجبهة التي تشكلت من مجموعة شاركت أغلبيتها في إضراب 1953 و الذي كان له برنامج واضح و محدد استفادت منه التنظيمات اللاحقة بعد حل التنظيم من قبل السلطات في 1956.

مرحلة جبهة التحرير الوطني (1958 – 1975):

لا يعتبر هذا التنظيم المنبثق عام 1958 مختلفاً كثيراً عن جبهة الإصلاح الوطني من حيث التكوين و الأهداف ، حيث كانت تركيبته ذات طابع وطني، وكان يغلب عليه العنصر الشيوعي حتى عُرف التنظيم بانه تنظيم الشيوعيين ، ويفصح الأمين العام للتنظيم محمد عبدالله عن توجه المنظمة في كتابه ” قضية الشعب قضية الحزب ” الصادر في المنفى : ” .. كوننا فصيل من الحركة الشيوعية العالمية التي يتقدمها الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفييتي ، تحتم علينا أن ندرك مسؤوليتنا التاريخية و الأممية ليس تجاه الطبقة العاملة في بلادنا و إنما تجاه الطبقة العاملة العالمية بأسرها ، و تجاه مناضلي الطليعة لهذا الكون”.

 ضمت هذه الجبهة مثقفين و عمال و منتمين لطبقة البرجوازيات الصغيرة،  وكانت مطالب الجبهة اجراء تغييرات كبيرة في البلاد و النضال من أجل نظام يعبر عن مصالح الشعب و يعادي الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية، وطالبت الجبهة  بالديمقراطية و حق إنشاء الأحزاب السياسية و النقابات العمالية و إلغاء الرق و تطوير التعليم و مكافحة الأمية وتحسين المستوى الصحي و وضع المرأة و إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية و العديد من الإصلاحات الاقتصادية مثل : الإصلاح الزراعي و الإهتمام بالتصنيع و غيرها. و مرت هذه المنظمة في مرحلتين ، المرحلة الأولى : كانت مرحلة العمل السري و الالتزام بالمبادئ الماركسية اللينينية و المساهمة مع الجبهات الأخرى في النضال الوطني. أما المرحلة الثانية مرحلة عام 1961 وما بعدها كانت مرحلة العمل السياسي المنظم والذي ارتبط ببروز تنظيم الأمراء الأحرار المعروف حيث حدث لقاء بين التنظيمين و تم الاتفاق من خلال تقييم المصالح المشتركة على توحيد الجبهتين في جبهة واحدة حملت اسم ” جبهة التحرر الوطني العربية ” لكنها لم تستمر طويلا بعد انسحاب الأمراء الأحرار حيث عادت لمسماها ” جبهة التحرير الوطني” ، وغادر الجبهة الأعضاء القوميين و بعض الماركسيين ليشكلوا تنظيمات أخرى مستقلة. من رجالات هذه المرحلة بعض الشخصيات المعروفة مثل عبدالعزيز أبو سنيد  و عبدالعزيز بن معمر و اسحاق الشيخ يعقوب و محمد السعيد حيث ارتبط بعضهم بتنظيمات شيوعية اخرى عربية في المنفى مثل الحزب الشيوعي اللبناني و تمت لقاءات بينهم خاصة في عام  1963 لبحث مسائل الساحة العربية.

مرحلة الحزب الشيوعي السعودي (1975 – 1994):

أعلن الحزب عن ظهوره في آب / أغسطس في 1975 بهذا البيان الذي أعلن فيه عن برنامجه و نظامه الداخلي :” لم يعد سرا بأن جبهة التحرير الوطني تنظيم للشيوعيين في السعودية. إننا نحن الشيوعيون في السعودية مناضلو الطليعة على يقين تام بأن طريق خلاص الطبقة العاملة و الجماهير الكادحة لا يتم إلا بتنظيمها و حشدها و توحيدها بقيادة حزبها الطليعي. و من هنا ظهور حزبنا الشيوعي في السعودية الذي هو في الواقع امتداد لجبهة الإصلاح الوطني ثم جبهة التحرير الوطني. وهو ضرورة طبقية و وطنية و أممية اقتضتها الظروف الموضوعية و الذاتية التي تمر بها بلادنا ، و انعكاساً لواقع ملموس أمْلته المرحلة التاريخية للتطور الإجتماعي الذي يتمثل في حاجة الطبقة العاملة إلى حزبها السياسي المعبر بإخلاص و امانة عن مصالحها الأساسية الحيوية و آفاق طموحاتها التاريخية الذي ينظم و يوحد و يقود نضالها ضد مستغليها و مستعبديها ، و يصون نقاوة أيدولوجيتها ( الماركسية اللينينية ) و يجمع الفكر العلمي و العمل الثوري لكي يحرر المجتمع و يعيد بناءه على أسس جديدة ، من أجل غد مشرق سعيد “. وكان الحزب قد أصدر برنامجاً اشتمل على 11 فصلاً تسعة منها معنية بالشؤون الداخلية و فصل معني بالشؤون العربية و الفصل الأخير معني بالشؤون الدولية ، ويمكن تلخيصها كالآتي:

الفصل الأول - التاسع : المطالبة بالديموقراطية و دستور يضمن الحريات السياسية و حريات التعبير و وجود ضمانات قضائية و حل المؤسسات ” القمعية ” مثل هيئة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر. و القيام بإصلاحات اقتصادية على مستوى الزراعة و الصناعة و التجارة و البنوك و غيرها ، و تحسين وضع المرأة و إتاحة الفرصة لها للمساهمة في الحياة العامة و مساواتها مع الرجل ، و تحسين النظام التعليمي ،ضمان حرية الصحافة في التعبير تنظيم الدوائر الحكومية و المؤسسات العسكرية و حالة الضباط ، و إتاحة الفرصة للشيعة للانخراط في السلك العسكري ، وتحسين الخدمات العامة.

الفصل العاشر : يقف الحزب ضد الدول الإمبريالية العدوة و يدعم نضال الشعب الفلسطيني بمختلف الوسائل و ويطالب بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية و حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

الفصل الحادي عشر : يرى الحزب بأن هناك أهمية كبيرة للعلاقة مع الاتحاد السوفيتي حيث ينص البرنامج على أن ” الصداقة العربية السوفييتية هي حجر الزاوية في انتصارات شعوبنا العربية ” و أهمية الوقوف ضد المعسكر الرأسمالي بقيادة الإمبريالية الأمريكية. و يرى الحزب أن  شرط النجاحات و الانتصارات على القوى الإمبريالية العالمية هي تَوحد الفصائل الثلاث المكونة للعملية الثورية المعاصرة  وهي : المعسكر الاشتراكي متمثلاً بالاتحاد السوفييتي، و حركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية، و حركة التحرر الوطني العالمية. و تجسيداً لهذا الخطاب الأممي أصدر الحزب خطاباً مشتركاً مع حزب توده الشيوعي الإيراني في عام 1985 بعد اتفاقيات بين الحزبين، و ندد هذا الخطاب بالحركة القمعية الشديدة التي شنتها حكومة الجمهورية الاسلامية على حزب توده.

و برغم ان الحزب كان مطاردا من قبل الحكومة السعودية ، فقد أصدر العديد من البيانات و أقام العديد من المؤتمرات و الاجتماعات الدورية بالإضافة لنشرة ” طريق الكادحين” التي تعتبر الجريدة المركزية للحزب و نشرة أخرى بعنوان ” حياة الحزب ” توقفت عن الصدور في عام 1990.

في العام العاشر للحزب اصدر بياناً مطولاً يحتفل به بذكرى التأسيس، وجاء في هذا البيان : يحتفل الشوعيون و أصدقاؤهم و أنصارهم في الحادي و الثلاثين من أغسطس بالذكرى العاشرة للإعلان عن الحزب الشيوعي في السعودية .. إن الشيوعيين هم ملح هذه الأرض ، إنهم من إفرازاتها الاجتماعية و السياسية .. هي أنجبتهم لأنهم لا بد أن يكونوا .. فهذا هو قدر الإنسانية .. لا بد للشيوعية أن تكون”. في أواخر الثمانينات بدأ نشاط الحزب يقل تدريجياً بسبب تدهور أوضاع المنطقة و الاتحاد السوفييتي، و تصاعد التيار الإسلامي، و حرب الخليج، و تحول الخطاب الدارج إلى خطاب حقوق الإنسان مقابل خفوت بريق الخطاب اليساري.

تحول الخطاب و التسوية مع الدولة (1991-1994):

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1990 و تحول الخطاب الماركسي عند اغلب الأحزاب الشيوعية العربية إلى الخطاب الإصلاحي و التغيير السلمي أصبح الحزب مهدداً بسبب الظروف العالمية و كان يعي ذلك حيث جاء في مؤتمر عقد في منتصف 1989 ” ان مؤتمرنا قد انعقد في ظروف بالغة الحساسية و الدقة بالنسبة لمجمل الأحزاب الشيوعية و العمالية و العملية الثورية العالمية و للتطور العالمي بوجه عام .. حيث دخل العالم في ظل البيروستوريكا و الغلاسنوست و التفكير السياسي الجديد مرحلة جديدة من تطوره .. ” ، اضطر الحزب الى مسايرة رياح التغيير ليعتمد الحزب واجهة جديدة بشكل غير رسمي باسم ” التجمع الوطني الديموقراطي”  في مارس 1991 وهو تجمع ذو خطاب جديد معني غالباً بالديموقراطية و حقوق الإنسان و يبدو كخطاب أقل راديكالية و يتضح هذا جلياً في أهداف التنظيم فمن الأهداف الواردة في بيان التجمع :” وضع قوانين حديثة مستمدة من روح الشريعة الإسلامية السمحاء .. ” و أصبح هذا الخطاب متبنى من قبل العديد من أعضاء الحزب الشيوعي. وفي النصف الثاني من عام 1994 و في خضم سطوع نجم الحركة الإصلاحية و المعارضة الإسلامية الموجودة في الداخل و الخارج جرت مفاوضات جمعت قياديي الحركات المعارضة مع الملك فهد و الأمير عبدالله و الأمير نايف و كان من هذه الحركات الحزب الشيوعي و ترتب على هذه المفاوضات الإفراج عن جميع المعتقلين و السماح للمنفيين بالعودة و هنا نقطة تهم الحزب كثيرا حيث أغلبية أعضاء الحزب موجودون في المنفى و كل ذلك في مقابل حل الحزب. و منذ ذلك التاريخ توقف نشاط الحزب و توقف التجمع الوطني الديموقراطي الواجهة الجديدة للحزب و توقفت البيانات و المنشورات في الخارج و الداخل معلنة عن نهاية الحزب و حلّه كتنظيم سياسي و بقائه كأفراد.


__________
المصدر: موقع المقال
9 أبريل 2014

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها