مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

المخاطر الاجتماعية والتحديات التي تواجه الأسرة البحرينية - د. عبدالله جناحي

طباعة PDF



تواجه الأسرة البحرينية مخاطر اجتماعية عديدة، بعضها يعود إلى منتصف السبعينات ويرتبط بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي حدثت بعد الطفرة النفطية التي أحدثتها حرب أكتوبر 1973، والتي أدت إلى انفتاح المجتمع على العالم الخارجي، وبالأخص سوق العمل فيه، وتدفق الآلاف من العمالة المهاجرة التي وصل عددها في نوفمبر 2012 إلى (369936) عاملاً، أي أكثر من نصف السكان حسب تقرير سوق العمل.

فضلاً عن اضمحلال الأسر الكبيرة وزيادة عدد الأسر النووية وما تلاها من اعتماد هذه الأسر على الخادمات والمربيات الأجنبيات، حيث تشير التقديرات إلى أن 6.5 بحرينيات من أصل 10 يجلبن خادمات إلى منزلهن. وبحسب آخر إحصائية للجهاز المركزي للمعلومات وهيئة تنظيم سوق العمل حتى 2010، فإن عدد البحرينيات المتزوجات والأرامل والمطلقات (وهي الفئة التي تعتمد عادةً على عاملات المنازل) يصل إلى (128367)، فيما يبلغ عدد الخادمات (83439)، وتنفق الأسرة البحرينية أكثر من 50 مليون دينار سنوياً على الخادمات إذا ما احتسب فقط الراتب الشهري لهؤلاء الخادمات، فيما يرصد بالمتوسط (600) دينار سنوياً من ميزانية الأسرة الواحدة منهن كأجر.

إلا أن ظاهرة الرجوع للأسر الكبيرة قد بدأت تعود، نظراً لزيادة البطالة وضعف الأجور، حيث يلجأ الشاب لبناء شقته فوق منزل والديه توفيراً لدخله، ولصعوبة حصوله على منزل مستقل.

ومن المخاطر الاجتماعية جراء هذه التحولات زيادة نسبة الطلاق حيث شكلت خلال 2011 نحو 23 في المئة من حالات الزواج، وتشير الإحصاءات إلى أن المحاكم الشرعية أصدرت 5706 وثيقة زواج، و1361 وثيقة طلاق في الفترة ذاتها، وتحتل البحرين المرتبة الرابعة خليجياً.

ونظراً لتطوير خدمات الصحة، وزيادة الوعي الصحي، برزت ظاهرة زيادة عدد كبار السن التي أدت إلى إعلان الحكومة منذ 2002، وجود عجز اكتواري في صندوق التأمينات الاجتماعية، وتشير التقديرات الإحصائية لنسبة كبار السن مقارنةً ببقية الفئات العمرية، عن منحنى تصاعدي عاماً بعد عام، فيما بلغت نسبة المسنين 3.7 في المئة عام 2010، وهذه النسبة مرشحة للزيادة إلى 4.2 في المئة في 2025، وفقاً لوكالة أنباء الخليج.

ورغم أن البحرين تمكنت من تخفيض نسبة الأمية بشكل كبير، إذ تقدر بحوالي 2.46 في المئة من إجمالي المواطنين، وفقاً للتقرير العالمي الجديد لرصد التعليم للجميع الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لعام 2011، وكذلك النجاح الملموس في المساواة بين الجنسين في التعليم، حيث أشار التقرير بأن نسبة المساواة بلغت 98 في المئة، إضافةً إلى وجود عدد معقول من المدارس، حيث تشير الإحصاءات أن عدد المدارس الحكومية بلغ 203 مدارس في 2007، منها 102 للبنين و101 للبنات، إضافة إلى 67 مدرسة خاصة و50 معهداً خاصاً، وأكثر من 15 مؤسسة للتعليم العالي. إلا أن نوعية التعليم مازالت تواجه صعوبات وتراجعات، وخصوصاً بالمدارس الحكومية، ما أدى إلى عدم جاذبية القطاع الخاص لمخرجات التعليم العام، ولذلك توجهت كثير من الأسر لتحويل أبنائها للمدارس الخاصة ذات الكلفة الكبيرة في رسومها. وهذا الأمر بحاجة إلى دراسة ميدانية لمعرفة مدى تأثير هذه المدارس الأجنبية الخاصة على الثقافة الوطنية واللغة العربية والقيم الاجتماعية المحلية.

الجانب الأخطر في موضوع التعليم، مساهمة التعليم الديني في تعزيز الطائفية، حيث قامت وزارة التربية بإنشاء معهدين دينيين منفصلين، الأول لدراسة المذاهب السنية والآخر للمذهب الشيعي، وهو الأمر الذي يخلق انفصالاً بين أبناء الشعب الواحد، سواءً في علاقات الزمالة والصداقة، أو فهم المذاهب الأخرى وخلق التسامح وقبول التنوع والتعددية.

من جانب آخر تأثرت الأسر من ظاهرة هيمنة العمالة المهاجرة على سوق العمل، حيث تشير إحصاءات هيئة سوق العمل، أنها وصلت إلى 369936 عاملاً مهاجراً في نوفمبر 2012، وهو عدد يفوق عدد المواطنين. وأمام هذه الظاهرة التي تنبأ كثيرٌ من الباحثين بخطورتها منذ السبعينات، برزت ظاهرة البطالة بين المواطنين واستفحلت في التسعينات، وأدت إلى احتجاجات شعبية كبيرة ما لبثت أن تحوّلت إلى مطالبات سياسية للمزيد من المشاركة الشعبية في صناعة واتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ضرورة تقليل الاعتماد على العمالة المهاجرة

ساهمت القوى العاملة المهاجرة ذات الأجور المنخفضة في التنمية الاقتصادية خلال العقد الماضي، حيث استفادت منها البحرين في تشييد عدد كبير من المشروعات العقارية والعمرانية وتحسين البنية التحتية.

فمن العام 2003 ولغاية 2009، استحوذ البحرينيون على أقل من 50 ألف وظيفة من إجمالي نمو الوظائف الذي بلغ 250 ألف وظيفة، في حين استحوذت العمالة المهاجرة على أكثر من 200 ألف وظيفة (الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي). وتم خلق معدل وظيفة واحدة فقط للبحرينيين من بين كل ثمانية وظائف جدد. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة توظيف العمالة البحرينية خلال العقد الماضي، إلا أنها نمت بنحو ربع نسبة النمو في وظائف العمالة المهاجرة، وفي قطاعي البناء والتشييد والصناعات التحويلية بالتحديد شهد إجمالي عدد العمالة البحرينية انخفاضاً ملحوظاً.

وفي دراسة أعدتها «مؤسسة الخليج للاستثمار»، عن التوظيف والبطالة في دول مجلس التعاون الخليجي، بلغت نسبة البطالة في البحرين 8 في المئة، و28 في المئة منهم من الشباب أعمارهم ما بين 19- 25 عاماً، غير أن تصريح وزير العمل البحريني للصحف المحلية يفيد بأن تدفق أمواج جديدة وبنسب كبيرة لسوق العمل يعد أبرز الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة في البحرين من 3.4 في المئة في الربع الأول من 2012 إلى 3.8 في المئة في الربع الثاني من ذات العام. وتشير أرقام الوزارة في تقريرها الفصلي للربع الأول من 2011، أن مجموع العاطلين يساوي 5347 شخصاً، أي ما يمثل 3.7 في المئة من إجمالي القوى العاملة البحرينية (حوالي 141000 عامل باحث عن عمل)، وهذا يعني أن إجمالي عدد البطالة لديها يشمل أولئك الذين لا يمكنهم الحصول على إعانة البطالة، أو الذين يمكنهم الحصول على تعويض التعطل، وأولئك الذين يأتون للتسجيل ولكن مدة إعانة البطالة قد انتهت، وبالتالي يمكن أن تكون هذه النسبة أقل من الواقع، ومن شأنها ألا تشمل جميع من يعتبرون ضمن الفئة العمرية التي يمكن رصدها والذين يبحثون عن عمل.

هيئة تنظيم سوق العمل

سمح وجود العمالة المهاجرة ذات الأجور المنخفضة لأصحاب العمل بالتوسع في أنشطة ذات إنتاجية منخفضة، ما أدى إلى انخفاض الإنتاجية وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وتم توظيف العديد من هذه العمالة بعد الانتهاء من المشاريع العقارية في قطاعات الخدمات ذات الإنتاجية المنخفضة مثل تجارة الجملة والتجزئة والفنادق. ورغم تعدد أسباب زيادة نسبة البطالة، إلا أن أهمها هو هيمنة ومنافسة العمالة المهاجرة، فحوالي 77 في المئة من إجمالي القوة العاملة هم من العمالة المهاجرة في القطاعين العام والخاص، ويعمل معظمهم في وظائف منخفضة المهارة والأجور. وتشير بيانات هيئة تنظيم سوق العمل لعام 2011 أن نحو 453.661 عاملاً مهاجراً متواجدون في سوق العمل البحريني، بينما يبلغ عدد العمالة الوطنية نحو 141.263 عاملاً، وهو ما يشكل 24 في المئة من إجمالي التوظيف في البحرين.

وفي ظل الحراك الشعبي الكبير الذي بدأ في 14 فبراير، فقد نفذت السلطة سياسات انتقامية كبيرة، حيث تم فصل الآلاف من المواطنين عن أعمالهم، من أساتذة الجامعات ومعلمي المدارس والأطباء والممرضين والعمال والموظفين، وهو ما وثقه تقرير بسيوني. وحيث بدأت الضغوطات الدولية من المنظمات الحقوقية والعمالية والنقابية العالمية، تم إرجاع معظم هؤلاء المفصولين إلى أعمالهم، ومازال الخلاف مستمراً حول العدد الباقي من المفصولين الذين لم يتم إرجاعهم أو حقوق العائدين للعمل، ولذا فإن الاختلافات في نسب البطالة ستستمر حسب رؤية كل طرف، إذ يحاول الطرف الحكومي تقليل هذه النسب.

وقد أصدرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريراً بعنوان « البحرين ـ انتهاك حقوق العمال المهاجرين رغم الإصلاحات»، في الأول من أكتوبر 2012 (نشر في «الوسط»، 2 أكتوبر 2012)، أشارت فيه إلى مختلف أشكال انتهاك حقوق العمالة المهاجرة والاستغلال الذي يعانون منه، كما يشير التقرير إلى الجهود الحكومية المبذولة لتقديم الإنصاف والتعويض ودعم وحماية هؤلاء العمال.

وتشمل الإصلاحات الحكومية أنظمة وإجراءات تستهدف محاربة الاتجار في البشر، وحملات توعية بحقوق العمال وقواعد تمنح المهاجرين قدرة أكبر على ترك صاحب العمل إذا شاءوا، وفرض بعض الضمانات مثل حظر أعمال البناء في وقت الظهيرة في شهور الصيف الحارة. غير أن التقرير يشير أيضاً إلى أن السلطات لم تنفذ العديد من الضمانات العمالية الأخرى على الوجه الكافي، مثل حجز أجور ورواتب العمال والتحفظ على جواز السفر، والتمييز والانتهاكات التي تمارس بحقهم. كما كشف التقرير أن أصحاب العمل الذين ينتهكون حقوق العمال المهاجرين لا يواجهون في المعتاد العقوبات المنصوص عليها في القانون البحريني، ويندر أن يواجهوا العواقب الجنائية المبينة في قانون العقوبات والقوانين المضادة للاتجار في البشر.

لقد أشار التقرير إلى أن أهم الانتهاكات تتمثل في انخفاض الأجور وزيادة ساعات العمل والانتهاك البدني والنفسي، وفي حالة العاملات المنزليات الانتهاك الجنسي، فيما أثار عمال البناء مشكلةً مستمرةً، هي معسكرات العمل المزدحمة وغير الآمنة. وأردف التقرير أن معدل الانتحار يرتفع وسط العمال المهاجرين إلى حدودٍ تثير القلق، وفي حالات قليلة كانت ظروف العمل ترقى إلى مستوى السخرة.

أما بالنسبة للخادمات والعاملات في المنازل، فيكشف التقرير بأنهن يعمل حتى 19 ساعة يومياً دون إجازات، وكثير من الخادمات قلن بأنهن يمنعن من مغادرة بيوت أصحاب عملهن. وأشار التقرير أن قانوناً عمالياً جديداً بدأ العمل به في يوليو 2012، أضفى بعض الضمانات على العاملات المنزليات بما فيها الإجازة السنوية مدفوعة الأجر، غير أن هذا القانون أخفق في فرض بعض الإصلاحات الضرورية مثل إقرار حد أقصى لساعات العمل اليومية وأيام العطلة الأسبوعية.

ويشيد التقرير ببعض التحسينات في البحرين، فقد تمكنت هيئة تنظيم سوق العمل (تأسست 2008) من تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرة الدخول للعمل، كما تدير حملات لتوعية العمال وتوفر معلومات عن حقوق العمال والتعويض، وأن قانوناً صدر عام 2009، أدى إلى خفض كبير في نقل العمال بالشاحنات المكشوفة التي كانت تؤدي إلى كثير من الإصابات والوفيات، كما تم توفير مأوى حكومي عام 2006 لاستقبال النساء المهاجرات الهاربات من أصحاب العمل المسيئين.

وتوجد في البحرين جمعية لحماية العمال الوافدين إلا أن دورها وتأثيرها محدود في ظل بيروقراطية حكومية لا تشجع على حل القضايا والمشكلات بالشكل المطلوب.

إن القصد من إبراز تفاصيل ظاهرة العمالة المهاجرة، تبيان إشكالية مزدوجة تخلق مخاطر اجتماعية مستمرة، فمن جهة تؤدي هيمنة العمالة المهاجرة على سوق العمل إلى زيادة البطالة في صفوف المواطنين، وما ينتج عنها من مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية معروفة، ومن جهة ثانية فإن لهذه العمالة المهاجرة حقوقاً مهنية أصيلة غير متوافرة بالشكل المطلوب، الأمر الذي يؤدي أيضاً إلى مشكلات اجتماعية وأمنية، كزيادة الجريمة والانتحار والاعتداءات الجنسية أو البدنية والإدمان وانتشار المخدرات.


__________
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية
 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها