مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

التحويلات المالية للعمالة الوافدة في السعودية وأثرها على الدول النامية - فضل البوعينين

طباعة PDF



تدفقات المغتربين


احتلت السعودية المركز الثاني عالميا في حجم تحويلات العمالة، التي ربما تجاوزت 135 مليار ريال، بحسب التقديرات المتحفظة. الإنفاق الحكومي التوسعي للثماني سنوات الأخيرة أسهم بشكل كبير في زيادة حجم العمالة الأجنبية، مما أدى بالتبعية إلى ارتفاع مجمل تحويلاتها المالية. تشير بيانات البنك الدولي الخاصة بالهجرة والتحويلات في العالم إلى أن تدفقات التحويلات المالية إلى البلدان النامية بلغت 414 مليار دولار، بزيادة قدرها 6.3 في المائة، ومرجحا تجاوز التحويلات النقدية 540 مليار دولار بحلول عام 2016.

في الوقت الذي تعتمد فيه الدول الصناعية على الإنتاج والتصدير كمصدر للتدفقات النقدية، نجد أن الدول النامية تعتمد على عمالتها الموجودة في أسواق الدول الغنية كمصدر رئيس للدخل، فالحصول على العملات الصعبة لتمويل تكلفة وارداتها الأساسية ليس بالأمر الهَيِّن، مع انعدام مصادر الدخل المهمة، مما يجعلها أكثر اعتمادا على تدفقات المغتربين التي تشكل لبعض تلك الدول، المصدر الرئيس للدخل.

يجري التركيز في السعودية، على حجم التحويلات النقدية، ويُنظر إليها كفاقد مالي مؤثر، وهو أمر منطقي، فتدوير الأموال في الاقتصاد، لتنمية قطاعات الإنتاج، وتوسيع الاستثمارات، أكثر نفعا وكفاءة من تسريبها للخارج، إلا أن عولمة الاقتصاد فرضت معايير جديدة لتقييم الكفاءة، إضافة إلى التداخلات التجارية والتعقيدات المالية التي لم تعد تؤمن بالانغلاق، مما أدى إلى تحول التدفقات النقدية الصادرة إلى أدوات مهمة لتحقيق التنمية المتبادلة، الداعمة لكفاءة الاقتصادات العالمية. فدعم التنمية في بلد ما، وتطوير اقتصاده قد يؤثران إيجابا على اقتصادات الدول المنتجة التي تبحث دائما عن أسواق جديدة وزيادة الطلب على منتجاتها. تعتمد تلك الفلسفة على المنفعة المتبادلة، التي تحقق الفائدة للجميع.

 

البنوك المتحركة

يبدو أن هناك ربطا مباشرا في السعودية بين حجم الأجور المدفوعة للعمالة الأجنبية، وحجم التحويلات النقدية، وهو ربط قد لا أتفق معه لأسباب مرتبطة بحجم التحويلات الحالية التي تفوق بكثير حجم ما يفترض أن تتقاضاه العمالة الأجنبية في السوق السعودية! هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك عدد كبير من العمالة الوافدة لا تعتمد قنوات التحويل الرسمية، لتنفيذ عملياتها النقدية، بل تعتمد نظام تحويل موازٍ مرتبط بالأفراد الجائلين الذين يقومون بإجراء تحويلات نقدية مباشرة من خلال تسلم الأموال محليا وتسليمها في البلد الأم، في مخالفة صريحة للأنظمة والقوانين. هؤلاء الوسطاء أشبه بـ«البنوك المتحركة» التي تبحث عن عملائها في أماكن تجمعهم. تتسبب «البنوك المتحركة» في تشويه بيانات التحويلات النقدية الرسمية، من جهتين؛ الأولى: أنها تقلل حجم التحويلات في البيانات الرسمية على أساس أن ما يقرب من 25 في المائة من التحويلات الفعلية لا تمر من خلال المؤسسات المصرفية، وبالتالي لا تحتسب ضمن البيانات الرسمية. والثاني أنها تؤثر في تحديد العلاقة الفعلية بين حجم التحويلات ومجمل ما تتقاضاه العمالة الوافدة محليا.

غض النظر عن شمولية البيانات الرسمية، من عدمها، تبقى التحويلات النقدية المرتبطة بالعمالة الأجنبية مرتفعة جدا في السوق السعودية، ولا خلاف على تأثيرها السلبي على الاقتصاد، إلا أن منفعتها التنموية يمكن أن تكون أكبر من سلبياتها، في حال استثمار العمالة الأجنبية في تحقيق هدف التنمية المستدامة التي لا يمكن تحقيق قاعدتها الواسعة دون الحصول على عمالة متخصصة قادرة على تحقيق الأهداف بكفاءة وفي فترة زمنية قصيرة.
بعيدا عن الآثار السلبية، أعتقد أن لتحويلات العمالة الأجنبية العاملة في السوق السعودية، انعكاسات إيجابية على الدول النامية، العربية والإسلامية منها على وجه الخصوص. فمن حيث المبدأ تسهم تحويلات المغتربين في تنمية مجتمعاتهم، واقتصادات دولهم التي يمكن أن تكون في أمسّ الحاجة لتدفقاتهم النقدية بالعملات الأجنبية. يمكن أن تسهم تحويلات المغتربين في تحقيق هدفين رئيسين؛ الأول تنمية الأسر المرتبطة بأبنائها في الخارج، وزيادة دخلهم وتوفير الحياة الكريمة لهم، والثاني توفير عملات صعبة للدول النامية التي تحتاجها بشكل كبير لتأمين متطلباتها وتحقيق التنمية ودعم الاقتصاد. فالأثر المزدوج لتحويلات المغتربين يجعلها أكثر انعكاسا على المجتمع والاقتصاد بشكل عام.

المنفعة المتبادلة بين الدول المصدِّرة للعمالة والمستقبلة لها قد لا تكون واضحة للرأي العام الذي يخطئ كثيرا في تقديم العواطف على المصالح، مما قد يتسبب في قطع العلاقات العمالية، وبالتالي التدفقات النقدية المهمة. أخطاء الرأي العام العاطفية يمكن تفهمها، إلا أن أخطاء الحكومات ورجال الفكر والاقتصاد لا يمكن القبول بها البتة، لأنها تتسبب في ردود فعل مؤثرة قد تحمل الدول والشعوب خسائر فادحة.

 

الاحتلال العراقي للكويت

عام 1990 انقسمت الدول العربية حيال الاحتلال العراقي للكويت، إلى معسكرين متضادين؛ وقف المعسكر الأول بحزم أمام الأطماع العراقية، في الوقت الذي سارع فيه المعسكر الثاني لتأييد العراق. لم تحسب «دول الضد» مخاطر مواقفها السياسية المؤيدة، وانعكاساتها على اقتصاداتها التي كانت تعتمد في الأساس على المعونات الخليجية، وتدفقات تحويلات المغتربين.

انعكست مواقف الدول العربية المؤيدة للاجتياح، بشكل مباشر، على مغتربيها العاملين في السعودية ودول الخليج الأخرى. فعلى سبيل المثال، كانت العمالة اليمنية تتمتع باستثناءات خاصة تعفيها من بعض أنظمة الإقامة والعمل المطبقة على الجنسيات الأخرى في السعودية، وتحظى، في الوقت نفسه، بحرية تامة لمزاولة بعض الأنشطة التجارية. أصبحت تحويلات المغتربين اليمنيين العاملين في السوق السعودية أحد أهم مصادر الدخل القومي، والداعم الأكبر للاقتصاد اليمني، ووفرت الغطاء النقدي للعملة المحلية التي كانت تتمتع باستقرار جيد أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى. أصدرت السعودية، بعد انضمام اليمن لمعسكر العراق، قرارا يقضي بتطبيق أنظمة الإقامة والعمل على جميع الأجانب دون استثناء، بمن فيهم العمالة اليمنية التي أدركت أنها المستهدفة بذلك القرار السيادي. مارست وسائل الإعلام اليمنية ضغوطا مباشرة على المغتربين اليمنيين لحملهم على العودة، وهو انعكاس لتوجهات النظام. انسحبت العمالة اليمنية بشكل مفاجئ من السوق السعودية، عائدة إلى اليمن الذي كان مستقرا اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، آنذاك.

 بعد عودة المغتربين بدأت المشكلات الاقتصادية في الظهور، وفي مقدمها شح الفرص الوظيفية والاستثمارية والتجارية، ثم جاء دور الانخفاض الحاد للريال اليمني الذي تأثر كثيرا بسبب توقف تدفق العملات الأجنبية المتأتية من السعودية، ثم ظهرت مشكلات شح السلع لأسباب مرتبطة بعدم قدرة الحكومة على تمويل وارداتها الأساسية لنضوب مخزون النقد الأجنبي. أحدثت الأزمة المالية خللا كبيرا في الاقتصاد، وتسببت في مشكلات سياسية، وأمنية، واجتماعية. أيقنت الحكومة اليمنية من خطئها الاستراتيجي المدمر، وأدركت العمالة اليمنية فداحة قرارها المتسرع بالعودة، الذي اتخذته لأسباب عاطفية صرفة.

الأضرار الفادحة التي لحقت بالاقتصاد اليمني جراء عودة المغتربين الذين كانوا يشكلون مصدرا رئيسا للدخل القومي، لحقت أيضا بدول عربية أخرى، وتسببت في تدمير اقتصاداتها من الداخل، وتعريضها لمشكلات سياسية وأمنية حادة. حقبة التسعينات الميلادية تسببت في إنهاك الدول العربية اقتصاديا، وأحدثت مشكلات متراكمة ما زالت تداعياتها قائمة حتى اليوم.
يشكل المغتربون مصدرا مهما لتدفقات النقد الأجنبي، ويسهمون بشكل مباشر في دعم اقتصادات دولهم الفقيرة، وتنميتها، الأمر الذي يفرض على الحكومات مراعاة مصالحها الوطنية في علاقاتها الدولية، وبما يضمن فتح مزيد من الأسواق أمام عمالتها الباحثة عن فرص عمل كريمة.
تعاني بعض الدول العربية الغنية من شح كبير في الأيدي العاملة الفنية، في الوقت الذي تواجه فيه دول أخرى تكدسا للعمالة الباحثة عن الفرص. أجزم بأن العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الدول يمكن أن تسهم في معالجة تلك المشكلة من خلال استثمار العمالة في تحقيق التنمية المزدوجة، شريطة أن تعي الحكومات والشعوب أهمية العلاقات العمالية في دعم الاقتصاد، خاصة الدول المحتاجة التي يُفترض أن تكون أكثر حرصا على علاقاتها الجيدة والمتميزة مع الدول الغنية القادرة على استيعاب عدد أكبر من عمالتها المهاجرة.

للتحويلات النقدية قوة مؤثرة في غالبية الدول النامية التي باتت تعتمد عليها بشكل رئيس في التنمية ودعم الاقتصاد وتمويل الواردات. فعلى سبيل المثال تسهم تحويلات المغتربين بشكل رئيس في مكافحة الفقر في بنغلاديش التي تعاني من انفجار سكاني وندرة في فرص العمل، وتقلص في المساحة. كما أنها تمثل ما يقرب من 50 في المائة من مجمل الناتج المحلي في طاجيكستان، أما في الهند فهي تفوق بكثير دخل القطاعات التقنية وما تحققه تدفقات الاستثمار الأجنبي هناك.

وبحسب تقرير البنك الدولي، نجد أن مصر كانت ضمن الدول التي تلقت أكبر قدر من التحويلات المسجّلة رسميا عام 2013، بما يقرب من 20 مليار دولار، مما يعني أن تدفقات المغتربين تشكل المصدر الرئيس للنقد الأجنبي في مصر، وهو أمر ينبغي إظهاره والتركيز عليه.
تحويلات المغتربين المالية تشكل مصدرا رئيسا للدخل في الدول النامية، وتسهم بشكل مباشر في دعم اقتصاداتها، واستقرار عملاتها المحلية، وتوفير مخزون من النقد الأجنبي الذي يعطي الحكومات قدرة أكبر على توفير الواردات الرئيسة، ودفع الأجور والرواتب، وتنفيذ مشاريع تنموية، ودعم ميزان المدفوعات، إضافة إلى ما تحققه من زيادة في دخل الأسر المتلقية لها، وبالتالي تحسين معيشتها وفرصها التعليمية. قد تكون تلك التحويلات مؤثرة في الدول المصدرة لها، إلا أن منفعتها في تنمية بعض الدول العربية والإسلامية تفوق بكثير انعكاساتها السلبية المحدودة على الدول الغنية.


__________
المصدر: مجلة المجلة
11 مارس 2014



 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها