مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

مهددات أمن مجلس التعاون - د . يوسف الحسن

طباعة PDF



مجلس التعاون الخليجي هو القضية المحورية التي تداعت إليها نخبة مميزة من المثقفين والمفكرين العرب والعرب الخليجيين، في مؤتمر جريدة الخليج قبل أسبوع .
وكان السؤال المحوري المطروح على جميع المشاركين هو: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل ستغير الأزمة الخليجية - الخليجية الأخيرة طبيعة مجلس التعاون، ونموذجه وسياساته؟ وما تأثيرات موجة ما سمي بالربيع العربي، في واقع مجتمعات الخليج العربية ونظمها؟ وكذلك تأثيرات المتغيرات الإقليمية والدولية، بما فيها اختلال موازين القوى العربية لمصلحة قوى إقليمية؟
اللافت للانتباه أن جميع المشاركين في المؤتمر لم ينجروا إلى دهاليز الأزمة الخليجية، إلا بقدر الحاجة إلى تأمل العبر والدروس، وتقديم رؤى للمستقبل، لتطوير عمل وطبيعة وآليات مجلس التعاون .
قلنا في محور "المائدة المستديرة" إننا في "الخليج" لسنا معنيين بتكرار الحديث عن ظروف الأزمة ومسبباتها، فقد قيل فيها الكثير، وقال فيها، من ظن أنه مستفيد من تفكك هذا المجلس، ومن في دواخله هواجس ساكنة، نابعة من مواريث تاريخية، تعرقل الحاضر، وآخرون نزقون في السياسة وفي الإعلام .
المهم، هو الإدراك الواعي لطبيعة المخاطر والتحديات التي تواجه مستقبل منظومة مجلس التعاون، وهي مخاطر وتحديات لا تواجه بقرارات انفرادية، ولا بتجاهل العمق العربي لهذه المنظومة، ولا بفقدان التجانس بين أعضاء هذه الكتلة الخليجية العربية، ولا بالاعتماد على الغير، ولا بتجاهل الإصلاح وتغييب المشاركة .
صحيح أن منظومة مجلس التعاون قد تعايشت على مدى ثلاثة عقود مع خصوصية كل دولة خليجية، وصمدت طوال أربع حروب مدمرة فيها وحولها، وتفاعلت مع قضايا إقليمية ودولية بهمة ونشاط، لكنها في علاقاتها البينية، كانت تجامل وتتجمل، بطيئة ومتعثرة، قراراتها في معظمها تسكن الملفات، لا أذن تسمع لمفكر أو باحث أو لرأي عام . ويبدو أن قمة الكويت الأخيرة أدركت هذه المعاني، ووجهت الأمانة العامة للمجلس للتواصل مع أهل الفكر والرأي العام، ولتنفيذ قرارات القمم والمجالس واللجان التي سبق اتخاذها في السنوات الماضية .
في مؤتمر "الخليج" تحدث بصراحة سياسيون ومفكرون من الكويت والإمارات والسعودية وقطر والبحرين وسلطنة عمان ومصر والمغرب والعراق وغيرها، وحللوا أوضاعنا السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، وحالة الارتباك والفوضى في عالمنا .
وحينما نتحدث عن فكرة اتحاد كونفدرالي، لا بد من وجود مؤشرات عملية له، تسبقه في التطبيق، لا يكفي إصدار التصريحات، والنوايا الطيبة، باعتبار أن الاتحاد الكونفدرالي هو تنازل كل عضو عن جزء من سيادته لمصلحة هذا الاتحاد، ومقاصده الرئيسية، هو الأمن والتنمية من ناحية، ومواجهة المخاطر والاستجابة للتحديات من ناحية أخرى .
إن إقليم الخليج، ليس محصناً، ولا بد من استيعاب طبيعة المتغيرات والتحديات، والتفكير الجاد في أهمية التلاحم الوطني أولاً، والتلاحم الخليجي بعمق عربي فاعل .
إن تنشيط الدور الخليجي في النظام الإقليمي العربي، يرسخ المناعة الذاتية لمنظومة مجلس التعاون، وبخاصة في ظل تنامي وصعود الدور المصري المأمول، ويوفر البديل عن منظومة خليجية أمنية، لإيران دور فيها، وفي فضاءات دولية متغيرة وملتبسة أو مرتبكة .
من ناحية أخرى، فإن مهددات أمن منظومة مجلس التعاون تستفحل يوماً بعد يوم، ولا أعني هنا، مهددات الإرهاب الداخلي أو العابر للحدود، على أهمية مواجهته، وإنما أعني مهددات استراتيجية ذات صلة بالأمن المائي والغذائي والديمغرافي، وتحديات الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، والانتقال إلى الشرعية الدستورية .
وقد كتب كثيرون حول الخلل السكاني، الذي صار مزمناً في دول منظومة المجلس، ومن الجدير بالذكر أن عدد سكان دول المجلس قبل 33 عاماً كان نحو 13 مليوناً، أما اليوم فقد وصل إلى نحو 47 مليوناً، نصفهم غير مواطنين .
كما كتب كثيرون حول هشاشة الأمن الغذائي في الخليج، حيث تستورد معظم غذائها من الخارج، ولا نكشف سراً إذا قلنا إن قطر تستورد 92 في المئة من احتياجاتها من الخارج، وبخاصة عبر حدودها مع السعودية .
صحيح أن معظم دول الخليج العربية تدعم أسعار مواد غذائية أساسية، لكن إلى متى سيستمر هذا الدعم؟ وبخاصة في ظل تقلبات قد تكون مفاجئة في أسعار النفط، وتقلبات سياسية في مناطق تصدير الغذاء، فضلاً عن أن الدول التي تستثمر فيها دول خليجية أراضي زراعية، معظمها دول غير مستقرة سياسياً، وتفرض ضرائب عالية على الصادرات الغذائية، ما يجعل هذه المواد غير منافسة في الأسواق الخليجية، ولنتذكر اليوم الأزمة الأوكرانية، وهي دولة مصدرة للقمح، وبخاصة إلى السعودية، التي تستورد 70 في المئة من احتياجاتها من الخارج .
إذاً، هناك كم هائل من المهددات والتحديات، وذكرنا نماذج قليلة منها بادية للعيان، وتستدعي استجابة فاعلة جماعية، تعلو على الهواجس والشخصنة والانفرادية والاستعلاء، وأخذ العزة بالإثم، وعقلنة الاختلاف، وصد كل المراهنين على تفكيك منظومة المجلس، وإبقائه معاقاً لا يتطور .
الجميع في مركب واحد، والسباحة المنفردة خطرة، حتى لو أجادها البعض في بعض الوقت، وأسماك القرش "الدولية" متربصة في أكثر من مكان في البحار القريبة والبعيدة .

هل استوعبنا دروس العقود الثلاثة الماضية؟


__________
المصدر: صحيفة الخليج الإماراتية
12 مايو 2014


 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها