مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أزمة التيّار الوطني الكويتي - أحمد الديين

طباعة PDF

 

2/1
بدءا لابد من توضيح أنّه عندما يتم الحديث عن أطراف التيار الوطني من جماعات وعناصر ديمقراطية وتقدمية يسارية وليبرالية، فهذا لا يعني أنّ المنتمين إلى هذا التيار يحتكرون الوطنية لأنفسهم، وإنما المقصود هو نسبتهم إلى مرجعيتهم الوطنية في إطار اشتغالهم بالعمل السياسي، 

مثلما يوصف في المقابل المنتمون إلى التيار الإسلامي من إخوان مسلمين وسلفيين وناشطين إسلاميين شيعة استنادا إلى مرجعيتهم الإسلامية من دون احتكارهم الإسلام.

وبعد هذا التوضيح المستحق نأتي إلى الموضوع وهو أزمة التيار الوطني في الكويت، التي برزت على السطح خلال السنوات العشر الماضية، وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتكشف مدى عمق هذه الأزمة ومقدار اتساعها... فما هي طبيعة هذه الأزمة؟ وما هي أبعادها؟ وأين تكمن أسبابها؟ وكيف يمكن الخروج منها؟!

إنّ ازمة التيار الوطني في الكويت لا تنحصر في فقدانه التمثيل النيابي بعد الانتخابات الأخيرة، ولا هي أزمة تقلّص نفوذه الجماهيري وتراجع فعاليته السياسية، فهذه بالتأكيد وغيرها بعض مظاهر هذه الأزمة، ولكن الأزمة بالأساس هي أزمة الدور التاريخي لهذا التيار وطبيعة القوى الاجتماعية التي يمثلها وما يتصل بها من تناقضات.

فلقد كان التيار الوطني بتطلعاته التحديثية منذ ثلاثينيات القرن العشرين يمثّل القوة الرئيسية للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي في ظل غياب تام للتيار الإسلامي عن ساحة العمل السياسي وانحصار دوره في النطاقين الدعوي والخيري...

 هكذا كان الأمر في العامين 1938 و1939 مع “الكتلة الوطنية” التي كانت تمثّل التنظيم السياسي للنخبة التجارية المستنيرة؛ وكذلك “كتلة الشباب الوطني” التي كانت تنظيمها الشبابي، حيث قاد هذا التيار الحركة الديمقراطية المسماة 

“حركة المجلس” عبر إنشاء مجلسي الأمة التشريعي الأول والثاني وصياغة أول دستور ديمقراطي وإقامة حكومة برلمانية لم يمتد بها العمر طويلا، وأعقبها قمع شديد وتراجع مريع...وفي الخمسينيات مثّلت “حركة القوميين العرب” الحزب السياسي الحليف للبرجوازية الوطنية الناشئة، وهي التي أسست في العام 1958 بالتعاون مع شباب تلك الطبقةالاجتماعية الصاعدة حينذاك تنظيمها السياسي العلني “الرابطة الكويتية”...

 ولاحقا عندما انتقل مركز الثقل في الحراك السياسي ليس في الكويت فحسب؛ وإنما في معظم بلدان المشرق العربي، من البرجوازية الكبيرة إلى الطبقة الوسطى والفئات الشعبية أو البرجوازيتين المتوسطة والصغيرة فقد أصبحت “حركة القوميين العرب” ومن ثَمَّ التنظيمات الثلاثة المنبثقة عنها بعد انشقاقاتها في العام 1968 مثل “الحركة الثورية الشعبية” ذات الوجهة اليسارية؛

 و”حركة التقدميين الديمقراطيين” ذات الوجهة القومية التقدمية بقيادة الدكتور أحمد الخطيب، و”التجمع الوطني” بقيادة جاسم القطامي، هي التشكيلات الممثلة للتيار الوطني، وهي التي تصدّرت المعارضة الوطنية للسلطة في مجلس الأمة وخارجه، 

خصوصا على مستوى الدفاع عن المكتسبات الديمقراطية والتصدي للنهج السلطوي، وإليها يعود الفضل في تأسيس ثم قيادة الحركة النقابية العمالية والحركة الطلابية وتكوين معظم مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، واستمرت الحال كذلك إلى العام 1976 مع الانقلاب السلطوي الأول على الدستور،

 عندما شنّت السلطة أوسع حملة لتهميش التيار الوطني... وكان حلّ مركز تجمعها الجماهيري الرئيسي “نادي الاستقلال” هو الإجراء الرئيسي في هذا الاتجاه، في الوقت الذي عمدت فيه السلطة إلى دعم بعض أطراف التيار الإسلامي،

 وتحديدا “الإخوان” و”السلف”، وذلك بهدف محاصرة التيار الوطني وتقليص نفوذه... وكانت انتخابات 1981 بعد تفتيت الدوائر الانتخابية العشر إلى خمس وعشرين دائرة هي نقطة الانعطاف لإضعاف المعارضة الوطنية ومحاولة إقصائها عن التمثيل النيابي وبداية اقتحام التيار الإسلامي للساحة النيابية...

 وقد ترافق هذا مع ترتيبات مشابهة في عدد من البلدان العربية المشرقية وذلك في إطار الحرب الباردة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
ومع أنّ قوى التيار الوطني استعادت تمثيلها النيابي في انتخابات 1985 وكانت لها مساهمتها الواضحة في التصدي للانقلاب الثاني على النظام الدستوري،

 إلا أنّها لم تعد تمثّل مركز الثقل الرئيسي في الحياة السياسية، خصوصا في ظل حالة التراجع التي شهدتها قوى حركة التحرر الوطني العربية واشتداد أزمتها...

 وجاء الغزو والاحتلال، وكذلك ما شهده العالم من تحولات دراماتيكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لتعمّق هذه الأزمة وتزيدها تعقيدا... وبعد التحرير شهد المجتمع الكويتي حالة من الانكفاء على الذات والانعزال الوطني والارتباك في المواقف وتغيير الاصطفافات وتبدّل القناعات واختلاف المرجعيات، 

انعكست سلبا على التيار الوطني بمختلف تكويناته، على الرغم من محاولتها توحيد صفوفها عبر إقامة “المنبر الديمقراطي” في العام 1991 بعد التحرير مباشرة...

فقد أصبحت النزعة الليبرالية هي النزعة السائدة في صفوف القوميين والديمقراطيين والتقدميين، بل في صفوف كثير من اليساريين السابقين، ولاحقا انتشر الميل النيوليبرالي في صفوف هذا التيار، وتمّ التخلي عن منطلقاته السابقة وتوجهاته المعادية للإمبريالية، 

وانعكس هذا أيضا على طبيعة اهتمامات هذا التيار ونوعية خطابه السياسي وانعكس كذلك على القاعدة الاجتماعية الشعبية التي يمثّلها، وتحوّلت معظم قوى هذا التيار الوطني وتنظيماته السياسية إلى تجمعات انتخابية ذات تكوين مناطقي محدد قاد إلى حدوث أزمة عميقة في صفوف

 “المنبر الديمقراطي” في العام 2000، وفي هذا السياق تأسس “التجمع الوطني الديمقراطي” بتوجهاته الليبرالية البرجوازية، ثم أقيمت صيغة “التحالف الوطني الديمقراطي”،

 وما تبع ذلك من مواقف ملتبسة وخطاب مختلف... وفي المقابل احتلت الأطراف الشعبوية، وتحديدا “كتلة العمل الشعبي”

 موقع تمثيل الفئات الشعبية وتبني قضاياها، وتحوّلت إلى معارضة جديدة أو بديلة، وذلك كله في الوقت الذي شهد فيه المجتمع الكويتي تحوّلات اجتماعية واسعة نتج عنها تبدلات سياسية واضحة زادت من عمق أزمة قوى التيار الوطني... وللحديث صلة.

2/2

تعود أزمة التيار الوطني في الكويت، التي برزت قبل عقدين من الزمان وتفاقمت خلال السنوات العشر الماضية، إلى جملة من الأوضاع المعقّدة والعوامل المتداخلة، منها ما هو موضوعي؛ سواء كان خارجيا أو محليا؛

ومنها ما هو ذاتي متصل بالقوى التي يتكوّن منها التيار الوطني ونهجها وتحالفاتها وسياساتها وتشكيلاتها وأساليب عملها.

ففي بداية عقد تسعينيات القرن العشرين اشتدت أزمة قوى التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي في العالم أجمع، بما فيه المنطقة العربية والكويت، وذلك في أعقاب الهزتين الكبيرتين اللتين تعرّض لهما العالم والوطن العربي حينذاك، وهما انهيار الاتحاد السوفياتي وإحكام القبضة الأميركية على العالم وهيمنة القطب الواحد؛ 

وما جرى الترويج له حينذاك عن الانتصار النهائي الوهمي للرأسمالية وأفكارها وتوجهاتها الاقتصادية الاجتماعية الليبرالية والنيو ليبرالية؛ وما نجم عن ذلك من اشتداد أزمة التيارات الاشتراكية واليسارية...

 بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية لجريمة غزو صدام الكويت التي تمت تحت غطاء شعارات قومية ووحدوية وتحررية وما ترتب عليها من تفاقم أزمة حركة التحرر الوطني العربية، التي كانت تعاني أزمة القيادة وأزمة البديل...

 ولكن الأمر اختلف تماما بعد ذلك، وتحديدا بدءا من العام 2008 حيث اشتدت أزمة النظام الرأسمالي وانهار النمط النيوليبرالي بكل ادعاءاته عن حكمة اقتصاد السوق، وأعيد الاعتبار إلى الوظيفة الاقتصادية للدولة وإلى الاقتصاد ذي الوجهة الاجتماعية،

 وكذلك فقد شهدت المنطقة العربية مع بدايات العام 2011 تبدلات ثورية عاصفة وتغييرات ديمقراطية ملموسة، وإن لم تكن مكتملة.

وعلى الصعيد المحلي الكويتي حدثت تبدلات اجتماعية تمثّلت في ازدياد هوّة التفاوت الطبقي داخل المجتمع الكويتي من حيث اتساع حجم الطبقة العاملة والفئات الشعبية محدودة الدخول؛وبروز معاناتها جراء التضخم وارتفاع الأسعار والسكن والبطالة؛ وتنامي حركتها المطلبية،

 فيما تشابكت مصالح البرجوازية الكبيرة من طغمة مالية ورأس مال تجاري وعقاري مع مراكز النفوذ داخل السلطة؛وأخذت البرجوازية الكبيرة تنزع نحو المحافظة على الأوضاع المهترئة ومهادنة الممسكين بالسلطة للاستفادة منهم في تمرير مصالحها، 

وترافق هذا مع اشتداد الميل نحو التوجهات الليبرالية والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية داخل قوى التيار الوطني، ما عدا الطرف اليسار التقدمي الرافض لهذه التوجهات والسياسات، بحيث تماهت الليبرالية عند كثيرين مع الوطنية، 

فأخذت بعض هذه القوى تتبنى خطابا سياسيا متوافقا مع مصالح البرجوازية الكبيرة ومؤيدا لتوجهاتها في الخصخصة؛ وفي الدعوة إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد؛ وتخفيض بنود الانفاق الاجتماعي الضرورية؛ وتحميل الفئات الشعبية اعباء إضافية،

بينما أيّدت في المقابل تمرير مشروعات قوانين وإجراءات اقتصادية ومخصصات مالية وصناديق استثمارية وعقارية موجّهة لمصلحة البنوك والشركات الكبرى، وبذلك ابتعدت بعض هذه القوى شيئا فشيئا عن تبني قضايا ومطالب الطبقات الشعبية وهمومها، 

بل لقد تعامل نوابها وكتّابها وصحفها مع هذه القضايا والمطالب الشعبية من موقف التحفّظ والسلبية تحت ذريعة أنّها “توجهات شعبوية”... وهنا برزت منذ العام 2000 “كتلة العمل الشعبي”

 النيابية التي مثّلت بديلا لموقف التيار الوطني في صيغته الليبرالية، وسحبت البساط من تحت أقدامه، في وقت لم يكن فيه اليسار التقدمي حينذاك قادرا على ملء هذا الفراغ!



المصدر: جريدة كاظمة

 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها