مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخروج من النفق المظلم – الملكية الممكنة (1) - عبدالعزيز الحصان

طباعة PDF



الواقع

أثبتت السنوات الأخيرة أن وضع (المؤسسة الملكية) كجهاز الحكم لدينا أصبح حرجاً، وأن مستوى الصراع على السلطة داخل هذه المؤسسة وصل إلى أفق مسدد، بعد فشل هيئة البيعة، وإيجاد منصب فردي جديد، وذلك لأن الهيئة صممت لمصالح خاصة داخل الكيان الخاص للأسرة الحاكمة وليست لمصالح البلد والشعب، ومن ضمن الشعب الأسرة الحاكمة ككيان عام.

وأكثر مايقلق المراقبين وعديد من الناس هو التشكيلات التي تحدث مؤخرًا بين فترة وأخرى. ومنها التشكيلات العسكرية، يضاف إلى ذلك وضع الكيانات العسكرية، والمسميات الجديدة كمسمى رئاسة الحرس الملكي، وتعيين رئيس الديوان الملكي رئيساً للحرس الملكي في استثناء تاريخي مثير للاهتمام والتعجب، بالإضافة إلى صفقات الأسلحة من عدة جهات مختلفة (وزارة الدفاع، الحرس الوطني، الداخلية، الحرس الملكي) وقيام بعض الدول الأوربية بإلغاء بعض صفقات الأسلحة تحت دواعي انتهاك حقوق الإنسان، يضاف إلى ذلك تغير في العلاقات الدولية وأسس المجتمع الدولي.

وإن كان البعض يصور أنه سيتكرر التاريخ كما حدث مابين الملك سعود والأمير فيصل-آنذاك- والتحالفات التي حدثت وتحولت من طرف إلى آخر، ولكن يغيب عنهم العديد من العوامل التي قد تعد جذرية في هذا السياق الجديد، وهذا ما سيبعد مسألة تكرار التاريخ بانتصار نهائي لأي من الأطراف.. ومن أهم هذه العوامل، أولاً: هي المطالب الشعبية التي تنبئ عن غضب شعبي عارم لم تستطع القبضة الأمنية إخفاءه، وإن كانت هذه المطالب مختلفة ومتنوعة، ولكن يوحدها الاحتجاج والاستنكار من الأداء الحكومي.

ثانياً: عدم وجود شخصية محايدة أو على الأقل تكون قوية جداً وتحظى باحترام كافة أطياف الأسرة الحاكمة، كما كان في السابق مع عدة شخصيات في مراحل تاريخية مختلفة.

ثالثاً: وهي أطراف الصراع والمكونات الداعمة له، فهنالك اختلاف جذري في نوعية الأطراف المتصارعة وعددها، بالإضافة إلى الداعم الأكبر في الصراع السابق وهو المؤسسة الدينية، التي تم إضعافها من قبل الطرف المنتصر في الصراع السابق بوسائل تمكيات شكلية، بدءاً من تأسيس هيئة كبار العلماء وتعينهم من قبل المؤسسة السياسية، مما أدى إلى إضعاف هذه المؤسسة بشكل كبير ولكن هذا الضعف تحول إلى قوة العلماء المستقلين والمجموعة المستقلة شعبياً.

مع كل هذا تظل القوى الشعبية غير منظمة أو غير قادرة على الوصول للإصلاح المطلوب، ويظل الصراع مما ينذر في أي لحظة بتطوره لحالات لا تحمد عقباها، هل هنالك من مخرج يكون حافظاً للمكتسبات وفي نفس الوقت يحافظ على توزان القوى بين مقومات المجتمع والأسرة الحاكمة في وطن يحترم فيه الجميع؟

هنالك العديد من التصورات المبنية على أسس دستورية للخروج من هذه الأزمة، بغض النظر عن نوعية وخصوصية هذا التصور أو ذاك، المهم إيجاد توافق شعبي حكومي عليه، هذا التوافق من المستحيل أن يكون بالإجماع، بل توافق يمثل أكبر عدد ممكن من الرؤى المجتمعية والرؤى داخل الأسرة الحاكمة.

إن أي جهود تستثني أي طرف شعبي أو داخل المؤسسة الملكية ستكوّن عملاً تراكمياً لإضعاف البلد، ولا يوجد مخرج حقيقي سوى التوافق الشعبي الملكي، وهذا التوافق لا يمكن أن يصنع ضمن دائرة أوهام إعلامية، وإنما ضمن وجود فعلي لهذا التوافق.

من هذه الرؤى التي نتداولها اليوم هي (الملكية الممكنة)، والتي تحتاج أبحاثاً ودراسات إضافية، ولكن بحكم العامل الزمني المهم فمن المفيد طرحها لنقاش واسع بين المختصين والمهتمين، وهي مبنية وفق مواضيع للقانون الدستوري، منها مسائل تصميم الدساتير  (Constitutional Design) والنظريات الدستورية (Constitutional  Theories)  والمبادئ الدستورية (Constitutionalism).

تصميم الدساتير هو عمل تخصصي يتطلب فهم العوامل الموضوعية لأي بلد ما، ومن أهم هذه العوامل هي مجموع القيم والمبادئ التي يؤمن بها المجتمع، وإن كان هنالك أغلبية وأقلية، أو أقليات، فهي كيفية خلق التوزان بينهما مع الحفاظ على حق الجميع.

أما تبني مفاهيم غربية في صياغة الدساتير كمفهوم الدستور الليبرالي أو الديمقراطية الليبرالية، فهذه ربما قد تؤدي إلى تعميق الشرخ بين فئات وتيارات المجتمع، دون إيجاد حلول واقعية تتوافق مع طبيعة البلد ومجتمعه، فلكل دولة في العالم سمات خاصة يجب مراعاتها عند صناعة إصلاح دستوري، كما أن إسقاط وتعطيل مفاهيم من تراثنا العظيم دون وعي بمسألة الدولة الحديثة وإشكاليتها ومفاهيمها وأسس المؤسسات الدستورية، يعد خروجاً من التاريخ، فالمطلوب فهم الجغرافيا، واستيعاب التاريخ، مع الحفاظ على المبادئ والقيم الثابتة للمجتمع دون تقديس للتاريخ.


__________
المصدر: موقع التقرير
21 مايو 2014


 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها