مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

5.2 الكفالة: التبعية والإقصاء في مجتمعات الخليج العربية

طباعة PDF

على الرغم من كونه تعبيرًا شائع الإستخدام منذ عقود، في كل من الخطاب العام والأبحاث العلمية، فإن مفهوم "الكفالة" لا يزال يكتنفه بعض الغموض والإبهام، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمحتواه الإجتماعي والإقتصادي والسياسي، والوظائف التي يؤديها في تشكيل علاقة المواطن بالعامل الوافد في مجتمعات الخليج العربي.


حتى نكون أكثر تحديدًا، فإن إستمرار حالة الإبهام تعود في أحد أسبابها إلى إختلاف الإجابات وتعدّدها على التساؤلات التالية: إلى أي درجة يمكننا إعتبار "الكفالة" مسألة تختص فقط بنوع محدد من علاقات العمل (سياق سوق العمل)؟ وإلى أي درجة يمكننا اعتبارها مسألة ذات أهمية أكبر من أن تنحصر فقط ضمن سياق سوق العمل (السياق الإجتماعي السياسي)؟ ولماذا يعتبر هذا التمييز أمرًا في غاية الأهمية لدى سعينا إلى فهم التأثير الواسع والعميق الذي تمارسه هذه العلاقة على كل من المواطنين والعمالة الوافدة في مجتمعات الخليج؟


نعتقد بأن الإجابة على هذه التساؤلات قد تساعدنا أفضل في إستكشاف مدى قابلية هذه العلاقة للإصلاح أو الإلغاء (كلا الخيارين سيتم أخذهما في الإعتبار نظريًا في ظل إستمرار هياكل السلطة السياسية والإجتماعية والإقتصادية على حالها الراهن).


لن يكون هدف الورقة الحالية تقديم إجابات شافية ووافية للأسئلة أعلاه. كل ما نرجوه هو تحفيز مواصلة النقاش والحوار حول هذه المسألة الشائكة. وبين تشخيص المشكلة وتوصيف الحل، سنركّز على الأول ونحاول إستكشاف معالم الثاني.


إعتمادًا على أبحاث سابقة في هذا الموضوع، سنركز إهتمامنا على تقصّي المسارات المختلفة لتشكّل علاقة الكفالة بوصفها علاقة قوة وسيطرة بين الكفيل والمكفول. فهم طبيعة هذه المسارات وإدراك ما هو مشترك بينها وما هو مختلف، قد يساعداننا في فهم أوضح للإشكالية ، وتلمّس نتائجها على كل من أسواق العمل والحراك السياسي والإجتماعي لمجتمعات الخليج.


 

لمحة موجزة عن نقد الكفالة


وفقًا للمعنى الإشتقاقي، فإن "كفالة" تعني شيئين متميزين في اللغة العربية: أن يضمن (الضمان) وأن يرعى (كفل).[1] وفي مجتمعات الخليج العربية، تعود جذور مصطلح "الكفالة" إلى تقليد بدوي قديم يتمّ بمقتضاه منح الحماية والرعاية لإنسان غريب عن القبيلة التي تكفله.[2]


ويتطلّب "الضمان" سلطة لدى الكفيل تفوق قوتها سلطة المكفول، بينما تعني "الرعاية" و"الحماية" مسؤولية يتحمّلها الكفيل مقابل المكفول. هذا الدمج والتقابل بين مبدأ السلطة غير المتساوية بين طرفين، ومبدأ مسؤولية الرعاية والحماية لطرف (يملك هذه السلطة) تجاه آخر (لا يملك هذه السلطة)، سيلعب دورًا هامًا للغاية في تشكيل إدراك ووعي مواطني الخليج في علاقتهم مع العمال الوافدين طيلة العقود الماضية وحتى الآن، إلى درجة جعلت من هذا الدمج بمثابة قاعدة بديهية يستند إليها أي تفكير في واقع هذه العلاقات ومصيرها.


منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تعرّضت علاقة "الكفالة" في الخليج إلى نقد حاد من العديد من الباحثين والمفكرين العرب، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، عالم الإجتماع باقر النجّار الذي وصفها بعبودية الأجر، مشبّهًا الكفالة بالظروف التي سادت في مهنة الغوص على اللؤلؤ في الخليج.[3] ولكن يمكن ملاحظة أنه على الرغم من حدّة النقد الذي وُجّه إلى علاقة الكفالة، إلا أنها لم تحظَ بأبحاث معمّقة، نظرية أو ميدانية، من قبل الباحثين في الخليج أو العالم العربي، واقتصر النقد الموجه إليها في الخطاب العام على كونها أسلوبًا لاستقدام العمالة الأجنبية غالبًا ما يُساء إستخدامه من قبل أصحاب الأعمال، والتعويل على أهمية الجدية في تنفيذ القوانين والرقابة على أسواق العمل بغية تلافي التداعيات السلبية لممارسات "الكفالة"، أي باختصار أن المشكلة لا تكمن في جوهر طبيعة العلاقة بل في إساءة تطبيقها على أرض الواقع.


بدأ الإهتمام بموضوع "الكفالة" يأخذ بعدًا جديدًا خلال العقد الأول من الألفية الجديدة نتيجة عوامل عدّة، أهمها تزايد الضغوط الدولية على دول الخليج في مجال حقوق العمالة الوافدة، والترابط بين مفاهيم مثل "العمل الجبري" و"الإتجار بالبشر" والأشكال المختلفة لتجليها في مختلف مناطق العالم[4]. وقد لعبت تقارير منظمات حقوق الانسان دورًا هامًا في هذا السياق عبر كشف العديد من الحقائق المستقاة من مقابلات ميدانية وأبحاث لأوضاع مختلف فئات العمالة الوافدة في الخليج.[5][6]


وبغية فهم محتوى "الكفالة" ووظائفها في مجتمعات الخليج، سنقترح السير في محطات "مفهومية" تبدأ من تحليل علاقة الدولة الريعية في الخليج بالمواطنين، وعلى وجه الخصوص أصحاب الأعمال منهم. وسيمكننا ذلك من فهم السبب الذي يمكن عبره تحويل "رخصة العمل" إلى أداة "سيطرة" و"إقصاء" للعمالة الوافدة. هذه الأداة ستمكن من تشكيل علاقة صاحب العمل في الخليج بالعامل الوافد وفق أربعة مسارات مختلفة، قد تتقاطع وتتداخل في ما بينها.

 


ولادة "الكفالة": الدولة الريعية والمواطنون


غالبًا ما يتم البدء بتحليل ظاهرة "الكفالة" ضمن سياق أسواق العمل في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وبالتحديد ضمن إطار علاقة صاحب العمل المواطن بالعامل الوافد. ولكن هذه العلاقة لم تنشأ بمحض الصدفة التاريخية العشوائية، أو في معزل عن علاقة أخرى أكثر أهمية، وقد تشكل الأساس الذي أصبحت بفضله علاقة الكفالة ممكنة في المقام الأول، ونقصد علاقة الدولة الريعية بالمواطن، وعلى وجه الخصوص بصاحب العمل.


عوضًا عن إستعراض شامل لمكوّنات ولآليات عمل الدولة الريعية في مجتمعات الخليج العربي، فإننا سنركّز على بعد ذي صلة مباشرة بموضوعنا: وظيفة توزيع الثروة لهذه الدولة وعلاقتها بتجديد شرعية هياكل السلطة السياسية والإقتصادية والإجتماعية في هذه المجتمعات.


السؤال الهام الذي يتعيّن علينا السعي إلى الإجابة عليه يتلخّص في التالي: ما هو الدور الذي تلعبه أسواق العمل ضمن إستراتيجيات توزيع الثروة للدولة الريعية؟


يمكن القول إنه في الإطار الواسع لآليات توزيع الثروة في الدولة الريعية، فإن أسواق العمل تلعب دورين مختلفين، ولكن هامين للغاية، في تحقيق غايات توزيع الثروة الناجمة من عوائد النفط المالية ضمن هياكل السلطة في مجتمعات الخليج: الدور الأول يكمن في توزيع جزء من الريع النفطي على شكل أجور يتم دفعها للمواطنين الذين يتم توظيفهم في القطاع العام. هنا الدولة تلعب دور صاحب العمل الرئيسي للمواطنين، إضافة إلى كونها جهاز السلطة السياسية الحاكم في هذه المجتمعات. الدور الثاني يكمن في توزيع الريع النفطي إلى القطاع الخاص عبر آلية الإنفاق العام. وتلعب المناقصات الحكومية دورًا مركزيًا في هذه الآلية ويزداد دورها في شكل ملحوظ في فترات الفورة النفطية كالتي شهدها الخليج في منتصف السبعينيات وتكررت لاحقًا (كانت الطفرة النفطية الثالثة 2004-2008 آخرها). وغالبًا ما تكون المناقصات الحكومية موجهة إلى مشاريع البنية التحتية والإنشائية، وهي مشاريع ذات عمالة كثيفة بطبيعتها، وينجم عن ذلك أن تحقيق هذه المشاريع وإنجازها يتطلب أعدادًا هائلة من العمال لا يمكن توفيرهم ضمن سوق العمل المحلية في هذه البلدان، ما يجعل من توفر العمالة الوافدة شرطًا ضروريًا لإستكمال وظيفة توزيع الريع النفطي للقطاع الخاص.


دور علاقة الدولة بالمواطنين في نشوء "الكفالة" يكمن في أن "الترتيبات الريعية تشكل الحيّز الذي تجري ضمن إطاره الخيارات السياسية للنخب الحاكمة، ولكنها في الوقت نفسه تضع الحدود والقيود لهذه الخيارات".[7] هذا الصراع بين القوى المتناقضة المحركة للدولة الريعية (توسيع الإمكانات وتضييق الخيارات) يعني أن حجم ونوعية "المستفيدين" من توزيع الريع النفطي مسألة لا يمكن أن تكون مفتوحة للجميع ومن دون حدود. ويمكن الإفتراض بأن قوة تأثير توزيع عوائد الريع النفطي ستكون أكثر "نجاعة" في حالة مجتمع عدد سكانه ضئيل الحجم بالمقارنة مع مجتمع آخر ذي قاعدة سكانية كبيرة الحجم. وحيث أن لتوزيع الريع النفطي دورًا بالغ الحساسية في تجديد شرعية هياكل السلطة السياسية، فإن عملية "الإقصاء" تصبح ضرورية لإحداث التأثير المنشود لتوزيع هذا الريع، وهو تأثير يمكن أن يكون عقيم الفائدة في ما لو تم إدماج الوافدين في المقام الأول.


على الرغم من وجود تباينات طفيفة في أشكال الكفالة بين مختلف دول مجلس التعاون، ناجمة بالتحديد عن إختلافات في طبيعة الإجراءات الإدارية لأنظمة تصاريح العمالة الوافدة، إلا أن هناك قاسمًا مشتركًا يجمع بين كافة دول الخليج في ما يتعلق بجوهر "الكفالة": إنها علاقة قوة وسيطرة غير متكافئة بين مواطن (صاحب عمل) وعامل مهاجر، يمتلك فيها الطرف الأول سلطات تفوق كثيرًا سلطاته التقليدية بوصفه صاحب عمل. وحيث أن هذه العلاقة أصبحت ممكنة في المقام الأول نتيجة لعلاقة قائمة بين الدولة والمواطن في الخليج، فإننا سنقترح التمييز بين نطاقين أساسيين تنشط في ظلهما علاقات السيطرة والقوة: الأول سنطلق عليه "نطاق الدولة" الذي تعمل في إطاره سلطة الدولة في تحديد من يمكنه الدخول إلى أراضيها السيادية بغرض العمل، والثاني "نطاق سوق العمل" الذي تنشط فيه سلطة صاحب العمل في إختيار وتحديد من سيتم تشغيله في منشآته (الرجاء الإطلاع على الرسم التوضيحي).


في أغلب بلدان العالم، فإن السلطات المختصة ضمن "نطاق الدولة" تدخل في علاقة تعامل مباشرة مع العامل الوافد، فيما يجري، في دول الخليج العربية، التعامل بالدرجة الأولى بين تلك السلطات وصاحب العمل المحلي، ويرتبط قرار دخول العامل الوافد من عدمه، في هذه الحالة، بطلب صاحب العمل وموافقة الدولة. وتتجسّد هذه العملية عبر آلية تقديم طلبات تصاريح العمل للعمالة الوافدة، حيث يصبح العامل الوافد "مادة" هذه التصاريح ويتحوّل صاحب العمل عبرها إلى مالك لها. رخصة العمل وفق هذا الترتيب تمنح صاحب العمل – الكفيل ثلاث سلطات: أولًا سلطته بوصفه صاحب العمل، ثانيًا السلطة الناجمة عن تخويل الدولة له إستقدام العامل الوافد، وثالثًا وأخيرًا السلطة التي يمنحها العامل الوافد له بغية إنجاز معاملاته والسماح له بدخول البلد والعمل لديه.[8] ويتم تكريس هذه السلطات الثلاث لصاحب العمل وتعزيزها عبر سلسلة من "المسؤوليات" التي تفرضها الدولة عليه في مقابل السماح له بإستقدام العامل الوافد: مسؤولية الدخول والخروج والإنتقال وتجديد رخصة العمل وإلغائها. هذه المسؤوليات المرتبطة برخصة العمل تتحكم في دورة حياة العامل الوافد في كافة مجتمعات الخليج، وهي مسؤوليات تُترجم على أرض الواقع الفعلي إلى سلطات لصاحب العمل في تحديد دخول العامل أو خروجه أو إنتقاله أو تجديد بقائه في البلد. ولا يمتلك أي صاحب عمل في أي منطقة في العالم مثل هذه السلطات الناجمة عن مسؤوليات تقع ضمن إختصاصات جهاز الدولة عادة وصلاحياته، حتى في البلدان التي تستخدم نظام تصاريح العمل المقدمة من أصحاب الأعمال (المملكة المتحدة – أستراليا). إذ أن دخول العمال الوافدين وخروجهم والتجديد لهم وإنتقالهم في هذه البلدان يتم بالتعامل المباشر بينهم وبين أجهزة الدولة المختصة (إدارات الهجرة). صحيح أن هناك أمثلة عديدة على إستغلال صاحب العمل للعامل الوافد في تلك البلدان، ولكن ذلك يتم عبر خرق القوانين أو التحايل عليها. وفي حالة "الكفيل" في دول الخليج، فإن السلطة المتضخّمة لديه تنشأ بفعل ما توفره الأطر التشريعية والإجرائية المنظّمة لعملية إستقدامه للعمالة الوافدة في الدرجة الأولى، ونتيجة لخرق هذه الأطر والتحايل عليها في الدرجة الثانية.


ولكن لماذا تقوم الدولة في الخليج بتوكيل صاحب العمل سلطات تُعتبر من ضمن إختصاصاتها؟


بعض الأبحاث المختصة بدراسة العمالة الوافدة في الخليج تشير إلى بعض التفسيرات المحتملة: فهناك من يرى في ضعف كفاءة أجهزة الدولة المستقلة حديثًا، دافعًا مهمًا في قيام السلطة بتخويل مهام مراقبة ورصد وجود الأجانب إلى المواطنين، وخاصة بعد الإرتفاع الحاد والمفاجئ على طلب العمالة الوافدة في أعقاب الطفرة النفطية عام 1973. آنا لونغوفا تشير إلى وجود "وجود وظيفة غير إقتصادية" تؤديها عملية تخويل سلطات الدولة إلى صاحب العمل المواطن. فعبر هذا التخويل، لن تكون علاقات الهيمنة والسيطرة محصورة فقط ضمن الإطار الواسع في علاقة الدولة بالأجانب الموجودين على أراضيها السيادية، بل ستتسع وتشمل علاقة الأفراد المواطنين بالأجانب أيضًا.[9] وربما هذا ما دفع لونغوفا إلى تكرار إستخدام تعبير علاقة السيطرة والقوة بين "المجتمع المدني" المواطن (أعضاء المجتمع من المواطنين) والأجانب الذين يتم كفالتهم من هذا المجتمع.


في المحصلة، أدّى تجميع السلطات الثلاث المذكورة أعلاه في رخصة العمل إلى تحويل الأخيرة أداة فريدة من نوعها، تمكن من يمتلكها من جني فوائد تتجاوز كثيرًا ما يمكن أن يحصل عليه صاحب عمل ضمن علاقة عمل رأسمالية تقليدية. إنها بالأحرى تساهم في إعادة إنتاج علاقات عمل ما قبل رأسمالية كتلك المشابهة لعلاقة الإقطاعي بالقن، وكما سنرى لاحقًا، فإن نسبة هامة من الطلب على العمالة الوافدة في الخليج مصدرها إنتشار أنشطة "ريعية" في علاقات المواطنين بالوافدين.


تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز بين "الإمكانات" التي توفرها علاقة "الكفالة" (ما الذي يمكن أن يحدث؟)، وبين "تطبيقاتها" الفعلية على أرض الواقع (ما الذي يحدث فعليًا؟). هناك صورة ذات تدرّجات متعددة لواقع إستغلال العمالة الوافدة، ولكن الحالات القصوى لهذا الإستغلال هي التي تعكس الحدود المتاحة لما هو ممكن. كمثال نظري، لو درسنا حالة مجتمع تسود فيه العبودية على سبيل المثال، فلن نجد بالضرورة أن كل مالك عبيد سيضرب عبده ويعامله بقسوة وحشية، ولكنه لو فعل فان ذلك ناجم عما تتيحه له علاقة العبودية من سلطات مطلقة. وفي المقابل، فإن سيدًا يحسن معاملة عبده في ذلك المجتمع لا تعني أنه ليس سيدًا وأن الآخر ليس عبدًا. هذا التمييز بين "إمكانات" علاقة الكفالة و"تطبيقاتها" الفعلية على أرض الواقع سيساهم في فهم أفضل للمسارات الأربعة التالية لهذه العلاقة.


 

الكفالة: المسارات الأربعة


بوصفها علاقة قوة وسيطرة بالأساس، فإن "الكفالة" تتشكّل ضمن مسارات أربعة أساسية، تختلف في جوانب منها وتتقاطع في شكل مشترك في جوانب أخرى. تتأثر طبيعة هذه المسارات بمجموعة من العناصر الإجتماعية والإقتصادية في كل من بلدي الإرسال والإستقبال للعمالة الوافدة. في كل مسار يمكن تمييز دوافع ومصالح توجد لدى كل من الكفيل المحلي والعامل الوافد. تحليل هذه المسارات يبين أن علاقة الكفالة قادرة على أن تشتمل على إمكانات لا توفرها علاقة العمل التقليدية المقنّنة بالأطر التشريعية المعروفة مثل قانون العمل، وأنها كعلاقة تمتلك من الإمكانات ما يمكنها من أن تشتمل على أنشطة شرعية وشبه قانونية ومخالفة للقانون أيضًا. إضافة إلى كل ذلك، فإن الصورة العامة لهذه المسارات ستوضح وجود مجموعتين من الأنشطة في سوق العمل: الأنشطة الريعية والأنشطة غير الريعية.

 


المسار الأول: الكفالة في القطاع الخاص


يمكن إعتبار هذا المسار أحد أقدم المسارات وأكثرها شيوعًا في علاقات الكفالة في مجتمعات الخليج. كما يمكن وصفه بأنه العملية التي يتم بمقتضاها حصول صاحب عمل محلي (كفيل) على تصريح عمل لإستقدام عامل مهاجر للعمل في منشأة يملكها الكفيل. ونتيجة لملكيته تصريح العمل والصلاحيات المتاحة له الناجمة من هذه الملكية فإن صاحب العمل يكتسب سلطة إضافية لا توجد ضمن سلطاته التقليدية كربّ عمل، مثل سلطة الموافقة على دخول العامل الوافد إلى البلد، وإقرار السماح – أو عدم السماح له – بالمغادرة، والموافقة – أو عدم الموافقة – على إنتقاله للعمل لدى صاحب عمل آخر، والقرار بتجديد أو عدم تجديد تصريح العمل له. كل هذه السلطات الخفية التي يتم إعتبارها "مسؤوليات" يتحملها الكفيل نتيجة موافقة الدولة على منحه تصريح العمل، تؤدي في نهاية المطاف إلى وضع تصبح فيه السلطة المتأتية من رخصة العمل أقوى من تلك التي يسمح بها قانون العمل. في البحرين، على سبيل المثال، من بين اثني عشر شرطًا للموافقة على تصريح العمل، تسعة منها تتعلّق بصاحب العمل وأربعة فقط للعامل الوافد.[10] ويمكن ملاحظة أن البنود المتعلقة بالواجبات والمسؤوليات المحددة في تصاريح العمل عبارة عن خليط من متطلبات إجرائية (بصمة الأصابع مثلًا)، وإلتزامات مالية (دفع الرسوم)، وبعض المواد ذات الصلة بقانون العمل (البند الخامس من المادة السابعة، والبند الثالث من المادة الثامنة من القرار الوزاري رقم 76 لعام 2008). كما يمكن ملاحظة مثل هذا التداخل والتمازج بين متطلبات تصريح العمل ومواد قانون العمل في الإجراءات المنظّمة لتصاريح العمل في مختلف دول المجلس بدرجات متفاوتة. إلا أن المحصّلة النهائية تكمن في أن قرارات تصاريح العمل وإجراءاتها ستصبح أكثر أهمية من عقد العمل وقانونه في تحديد مصير العامل الوافد وسلطات صاحب العمل. كمثال، تنص المادة 37 من قانون العمل السعودي لعام 2005 على ما يلي: "يجب أن يكون عقد عمل غير السعودي مكتوبًا ومحدّد المدة. وإذا خلا العقد من بيان مدته تعد مدة رخصة العمل هي مدة العقد".[11]


في هذا المسار يمكننا ملاحظة المفارقة بين ما تظهره علاقة الكفيل بالمكفول مع واقعها الفعلي. وكما أشار أحد الباحثين، فإن "الكفالة نظام يتم تشفيره جزئيًا عبر القوانين".[12] النتيجة أن كثيرًا من ممارسات الإستغلال الفعلي للعمالة الوافدة يمكن أن تكون مخفية تحت ستار إجراءات وأوضاع قانونية سليمة لرخصة العمل.


علينا أن نتصور الحالة التالية: صاحب عمل يمتلك سجلًا سليمًا خاليًا من أية مخالفات قانونية لكافة تصاريح العمل للعمال الوافدين الذين يعملون لديه. فهو، من جهة، يدفع إلتزاماته المالية بإنتظام ولا شكوى ضده من العمال المشتغلين لديه. ومن جهة أخرى يحتجز جوازات سفر عماله، ويجبرهم على العمل ساعات إضافية من دون مقابل، ويهمل شروط الصحة والسلامة المهنية في أماكن العمل، ويُسكن عماله في مساكن جماعية غير لائقة. العامل الوافد في هذه الحالة أمام خيارين: إما أن يستسلم ويرضخ لهذه الظروف، وعندها ستبقى المشكلة "صامتة"، أو يتقدم بشكوى ضد صاحب العمل لدى السلطات المختصة. ونظرًا إلى العوائق البيروقراطية الموجودة عادة في أجهزة الدول الخليجية، سواء في وزارات العمل أو العدل، والمخاطر المحتملة من "معاقبة" صاحب العمل له عبر تقديم بلاغ ضده بالهروب من العمل، فإن الخيار الثاني سيكون أقرب إلى العبء والمجازفة من كونه حلًا. لذلك يمكن القول إنه في مثل هذه الحالات، غالبًا ما تبقى المشكلة "صامتة" ومخفية وغير معروفة. وأحد الأسباب المهمة لرضوخ العمال الوافدين وإستسلامهم للأوضاع الصعبة التي يعانون منها في مثل هذه الحالات يكمن في عبء المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم، إذ أن قراراتهم الفردية مرتبطة بمسؤولياتهم تجاه عوائلهم وأسرهم في بلدانهم، وهو ما يجعلهم يفاضلون بين "مخاطر" المطالبة بحقوقهم و"منافع" رضوخهم للأمر الواقع.


نسبة كبيرة من المشاكل المتعلقة بسوء معاملة العمالة الوافدة وإستغلالها تأتي ضمن هذا المسار من الكفالة. بيد أنه يصعب تقييم مدى إنتشار هذه المشاكل وحدّتها بصورة دقيقة تخضع لمعايير علمية، نظرًا إلى شح المسوحات المنتظمة وندرتها في هذا المجال. التقارير الدولية لمنظمات حقوق الإنسان مهمة، لكنها غير كافية..والحساسية السياسية المفرطة تجعل التعامل معها مسألة مثيرة للجدل المستمر، خاصة على النطاق القطري والإقليمي. في المقابل، يكاد الإهتمام يكون معدومًا من قبل مراكز البحث العلمي المحلية بقياس العمالة الوافدة وتحليل أوضاعها، باستثناء تلك التي تنشط بوصفها فروعًا لمؤسسات أكاديمية غربية. وفي سابقة يتيمة من نوعها تم تنفيذ "مسح لأوضاع معيشة وعمل العمال ذوي العقود المؤقتة في دول مجلس التعاون الخليجي" عام 2010 بين منظمة العمل الدولية وجمعية الإقتصاديين الكويتية وجامعة الشارقة. وتوصّل المسح إلى تحديد أبرز خمس مشاكل يعاني منها العمال الوافدون: تراكم الديون على العامل، حجز جوازات السفر، المضايقات وسوء المعاملة النفسية، العمل لساعات طويلة، ومشاكل ناجمة عن عدم دفع الأجور أو التأخر في دفعها.[13] هذه المشاكل لا تقتصر على هذا المسار من الكفالة فقط، بل تشمل أيضًا المسارات الأخرى.

 


المسار الثاني: الكفالة في أنشطة توريد العمالة


يتطابق هذا المسار من الناحية الإجرائية مع المسار الأول، ولكنه يختلف عنه من ناحية جوهرية في غاية الأهمية. فالعامل الوافد هنا يتعامل مع صاحبي عمل: الأول هو الكفيل الذي إستقدمه، والثاني هو رب العمل الذي يعمل تحت إشرافه المباشر. ويمكن إعتبار هذا المسار أحد نتائج "الإبتكارات" الحديثة في قطاع الأعمال، حيث يقوم صاحب العمل بـ "توريد" العمال إلى صاحب عمل آخر بغية تنفيذ أنشطة معينة لديه، ويمكن أن يكون صاحب العمل الثاني مؤسسة حكومية أو منشأة خاصة. ولا يزال بعض الغموض يكتنف هذا المسار من ناحية حجمه الفعلي في سوق العمل، وطبيعة المشاكل المرتبطة به من ناحية المسؤولية، سواء تعلق الأمر بصاحب العمل الأول (الكفيل) أو الثاني (المستخدم للعمال)، أو كلاهما. غالبية المشاكل التي ذُكرت في المسار الأول توجد في هذا المسار أيضًا. وما نود الإشارة إليه هنا أن هذا النوع من علاقات العمل "الثلاثية" مسألة لا تزال موضع جدل محتدم على الصعيد الدولي، إلى درجة أن منظمة العمل الدولية لم تفلح في التوصل إلى إتفاق بين أطراف الإنتاج الثلاثة حول معايير تنظيم مثل هذا النوع من الأنشطة، على الرغم من أن الجهود المتكررة في هذا المجال بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي. بعض المؤشرات المتوفرة عن أهمية مثل هذا المسار يمكن إستشرافها من بيانات المناقصات الحكومية في بلدان مثل البحرين والكويت على سبيل المثال. فوفق بيانات مجلس المناقصات في البحرين، بلغت قيمة المناقصات المتعلقة بتوريد العمالة بين 2008 و2011 حوالي 67 مليون دينار بحريني.[14] وفي الكويت، على سبيل المثال، بلغت قيمة العقود المتعلقة بتوريد العمالة بين يناير ومنتصف سبتمبر 2012 حوالي 24 مليون دينار كويتي،[15] وهو مبلغ يعكس أهمية أنشطة توريد العمالة في فترة قصيرة نسبيًا (تسعة شهور). ويمكننا إعتبار هذه الأرقام بمثابة مؤشرات أولية على أهمية هذا السوق الذي نتوقع أن يكون حجمه الفعلي أكبر بكثير في ما لو أخذنا في إعتبارنا عقود توريد العمالة التي تتم بين مؤسسات القطاع الخاص مع بعضها البعض، وهي عقود تصعب للغاية حاليًا معرفة قيمتها أو قياس مدى إنتشارها.


 

المسار الثالث: الكفالة في مجال الخدمة المنزلية


على الرغم من أن هذا المسار يتشابه مع المسارين أعلاه من ناحية الإجراءات، إلا أن هناك أربعة أمور تميزه: الكفيل (صاحب العمل) هنا هو رب المنزل، مكان عمل وإقامة العامل/العاملة الوافد هو منزل الكفيل، الإطار التشريعي المعياري لتنظيم علاقة العمل هنا إما معدوم أو غير كافٍ، وغالبية العمالة هنا من فئة الإناث. تضافر هذه العوامل ربما يساهم في جعل حالة العمالة الوافدة في هذا المسار من أكثر الحالات إثارة للجدل والإنتقاد، خاصة أن نسبة كبيرة من تقارير سوء المعاملة وإستغلال العمالة الوافدة تقع ضمن هذا المسار. هذا المسار هو الأكثر تأثيرًا، في إعتقادنا، في تشكيل الصورة النمطية للمواطنين تجاه العمال الوافدين، والعكس أيضًا، نظرًا إلى التعامل المباشر والشخصي اليومي بين الجانبين. كما أنه المسار الأصعب على مؤسسات الدولة من ناحية الرقابة على إنفاذ القوانين. ولا يمكننا هنا الإقتصار على التفسير الإقتصادي البحت لأسباب إزدياد الإعتماد على العمالة الوافدة في هذا المسار، مثل رخص تكلفة هذه العمالة مقابل إرتفاع مستويات الدخل للمواطنين. وهناك أيضًا مجموعة مركّبة من التحوّلات العميقة التي طرأت على ثقافة المجتمع في الخليج، في أعقاب الطفرة النفطية الأولى في منتصف السبعينيات. ويمكننا، إلى حدّ ما، الإفتراض بأن تزايد الإعتماد على العمالة المنزلية وتكريس الحاجة إليها بوصفها من ضرورات الحياة الأسرية للمجتمع في الخليج، قام أساسًا بالإعتماد على نظام الكفالة وما يوفّره من سهولة في إستقدام العمالة الرخيصة من السوق العالمي. وقد أدّى تطبيق هذا النظام لاحقًا في كل من لبنان والأردن إلى إنتشار ظاهرة الإعتماد على خدم المنازل الوافدين بصورة غير مسبوقة، وإلى تكرار بروز مشاكل مقاربة للغاية لتلك الموجودة في الخليج.

 


المسار الرابع: الكفالة في الأنشطة الريعية


هذا المسار يعتبر من أكثر أنواع تشغيل العمالة الوافدة تعقيدًا وغرابة، وقلما يوجد له مثيل في باقي دول العالم. حيث المحرك الرئيسي لهذا المسار هو السعي إلى الكسب الريعي من عملية إستقدام العمالة الوافدة عبر التستر خلف إجراءات المسار الأول (التشغيل في القطاع الخاص). هذا المسار يبدأ وفق عملية إجرائية وقانونية سليمة يتم عبرها تقديم طلب تصريح عمل لعامل وافد للعمل في منشأة الكفيل، كغطاء لعلاقة متسترة يتم الإتفاق عليها بين الكفيل والعامل. هنا، إما أن ينشط العامل بوصفه صاحب عمل يدير منشأة الكفيل، والتي غالبًا ما تكون صغيرة الحجم (تعرف محليًا بعملية تأجير السجلات التجارية)، أو أن ينشط في سوق العمل بوصفه عاملًا غير نظامي (يطلق عليهم في التسميات المحلية "فري فيزا").[16][17] في كلا الحالتين يقوم العامل الوافد بدفع مبلغ محدّد للكفيل في مقابل سماح الأخير له بالبقاء والعمل في البلد. وقد يُدفع هذا المبلغ شهريًا في الحالة الأولى، أو غالبًا سنويًا في الحالة الثانية. ويمكن القول، إلى حد ما، إن هذا المسار بدأ بالإنتشار مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، بعد تكرس نظام الإستقدام عبر الكفيل المحلي، بالترافق مع التسهيلات المرنة للغاية لتمكين المواطنين من فتح السجلات التجارية تحت حجة أن ذلك سيؤدي إلى تقوية النشاط الإقتصادي المحلي وتعزيزه.


إستطاعت الكفالة عبر هذا المسار الرابع خلق قوى خفية في السوق تعتمد على وجود العمالة الوافدة، وتعمل إلى حدّ ما بعيدًا عن آليات العرض والطلب على العمالة بالمعنى التقليدي. هنا، العامل الوافد هو من يدفع للكفيل المحلي وفق الإتفاق المسبق بينهما، أي أنه لا يعمل هنا بوصفه عاملًا أجيرًا يستلم راتبًا شهريًا مثل بقية العمال في المسارات الثلاثة الأولى. الدخل الريعي الذي يكسبه الكفيل من هذه العلاقة أدى إلى إنتشار كبير لما يمكن أن نطلق عليه "صغار الريعيين" في أسواق العمل الخليجية. وساهم في إنتشار هذا المسار وجود بلدان أكثر "جاذبية" من غيرها من ناحية وجود بنى إجتماعية وإقتصادية فيها تحفز العمال الوافدين إليها على القبول والدخول في هذا المسار، ونقصد بالتحديد بلدان شبه القارة الهندية التي يتوفّر لديها عرض هائل من العمالة الرخيصة التكلفة، خاصة بين فقراء الأرياف. وسهّل انتشار ظاهرة عبودية الدين في تلك البلدان دخول هؤلاء إلى عوالم "الريع" في بلدان الخليج، وهو دخول لا يمكن له أن يكون وفق الشكل الراهن لولا وجود نظام الكفالة بالدرجة الأولى.


يصعب فهم حجم المشاكل الناجمة من الكفالة في دول مجلس التعاون الخليجي بمعزل عن إدراك طبيعة العلاقات في المسارات الأربعة المذكورة أعلاه، وهي مسارات، كما رأينا، قادرة على أن تضم ما هو قانوني وغير قانوني، وما هو ظاهر أو مخفي. وإحدى أهم نتائج وجود هذه المسارات ستكمن في كيفية قراءتنا لمعلومات أسواق العمل في المنطقة بصورة تعكس الواقع الفعلي للأمور. العامل الوافد الذي يصنف عادة في الإحصاءات الرسمية كعامل أجير، قد يكون صاحب عمل، وقد يكون عاملًا غير نظامي في الواقع. والكفيل قد يكون صاحب عمل في المسار الأول والثاني والرابع في الوقت نفسه. ولا غرابة إذا ما لاحظنا هذا الإعتماد الشديد على العمالة الوافدة من قبل أصحاب الأعمال والمجتمع المدني. كل رب أسرة يشغّل عاملة منزلية وافدة هو كفيل، وكل صاحب عمل يشغّل عاملًا وافدًا هو كفيل، والمحصلة أن المجتمع في الخليج تحوّل إلى مجتمع كفيل يسيطر على مكفولين ويتحكّم فيهم، والذهنية التي ربما باتت تسيطر على عقلية الكثير من أفراد هذا المجتمع ترتكز على أن "إقصاء" الأجنبي وخضوعه وطاعته "واجب".


في إعتقادنا أن أخطر آثار الكفالة على المجتمع في الخليج يكمن في الفعل "الإقصائي" الذي يؤدي إلى إعادة إنتاج علاقات عمل ما قبل رأسمالية وفق ثوب جديد ومصطلحات حديثة، مثل صاحب عمل وعامل. هذا "الإقصاء" يلعب دورًا مهمًا للغاية في ماكينة الدولة الريعية، وخاصة ضمن آليات توزيع الثروة، وأدى إلى إنتشار الإنتفاع عبر مبدأ "الريع" إلى أنشطة كثيرة في أسواق العمل.


"الإقصاء" يمكنه أن يكون "نشطًا" أو "سالبًا" حسب تعبير عالم الإقتصاد أمارتيا سن.[18] والمقصود بالإقصاء "النشط" هو تلك السياسات والأفعال الموجهة بقصد وعمد إلى إستبعاد فئة من البشر من المجتمع، فيما يُقصد بالإقصاء السلبي ما يحدث لفئات معينة من الناس من دون أن تكون هناك سياسات وأنشطة تهدف عمدًا إلى إقصائهم. مثال على النوع الثاني من الإقصاء ما يحدث للفقراء في ظروف الكساد الإقتصادي مثلًا، من تدهور في أوضاعهم المعيشية نظرًا إلى فقدانهم لمصدر الرزق. بالطبع لا توجد حدود فاصلة وواضحة بين نوعي الإقصاء المذكورين، إلا أن العبرة في التمييز بينهما تكمن في إدراك أن نتائج عملية الإقصاء الإجتماعي لفئات من البشر ذات تداعيات أكبر من أن تنحصر بهذه الفئة وحدها فقط. في حالة الخليج، فان إقصاء العمالة الوافدة وفق الكفالة (وهو إقصاء نشط) سيؤدي إلى إقصاء للمواطنين في خاتمة المطاف وخاصة الشباب منهم (إقصاء سلبي). وعندما تُخفّض مستويات ومعايير العمل إلى حدها الأدنى، كما هو حاصل حاليًا بالنسبة إلى العمالة الوافدة (الغالبية الساحقة من العمال في سوق العمل)، فإن آفاق تشغيل الشباب المواطن تصبح قاتمة بالفعل، لأن معايير العمل التي سيقبلون بها متدنية لا تضمن لهم أي سبيل للعيش الكريم واللائق، وإحجامهم عن القبول بهذه الظروف سيؤدي إلى تزايد الطلب والإعتماد من قبل أصحاب الأعمال على العمالة الوافدة.


"الإقصاء" أيضًا ذو تداعيات سلبية للغاية على الجسم الديمغرافي للمجتمع المحلي، حيث يبدأ تدريجيًا تهميش دور المتغيرات الديمغرافية التقليدية مثل "معدلات الخصوبة"، و"الهيكل العمري للسكان"، و"حجم ونوعية السكان في سن العمل"... الخ، ويصبح عرض العمالة الوافدة غير المحدود العنصر الأكثر تأثيرًا في نشاط المجتمع. في مجتمعات أخرى تلعب الهجرة دورًا مكملاً في سد أي عجز ديمغرافي محلي مثل تغطية النقص في حجم السكان في سن العمل، وعبر إدماج الوافدين تتم ضخ دماء جديدة في بنية الجسم الديمغرافي المحلي. في الخليج ديمغرافيا العمالة الوافدة تحولت إلى "بديل" أي إلى نقص أو عجز في البنية السكانية للمواطنين.


هناك بعد سياسي لا يحظى باهتمام يُذكر، في إعتقادنا، ونقصد به التأثير المهم لوجود مجموعتين من سكان المجتمع، إحداهما أقلية مواطنة ذات دور إقتصادي ضعيف، مقابل أغلبية من العمالة الوافدة ذات دور إقتصادي حاسم للغاية. هذا الوضع يؤثر بدرجات متفاوتة على الحراك السياسي للمواطنين، إذ يفقدهم الثقل الإقتصادي المكمل لهم ويمكن أن يضعف تأثيرهم إلى حد ما. هذا الإنفصام بين الثقل السياسي والإقتصادي للمواطنين سيضيف تعقيدات على الحراك المدني الشعبي في مجتمعات الخليج قد لا توجد في مجتمعات أخرى، سواء في العالم العربي أو في مناطق أخرى من العالم.


يصعب التكهن بما ستؤول إليه الأحوال في ما لو استمرت الكفالة كعلاقة قوة وسيطرة وإقصاء بالهيمنة على مسيرة مجتمعات الخليج العربي، فأمثلة التاريخ الحديث والقديم لا تقدم لنا قصص نجاح لإقصاء الآخرين، كما أنها لا تعلمنا أن ذلك قد ساعد يومًا على الحفاظ على "نقاء" الهوية مهما كانت طبيعتها. وإنطلاقًا من حقيقة أن علاقتنا مع الآخرين تتشكّل وفق علاقتنا مع بعضنا البعض، فإن مستقبلًا يضم مواطنين تحكمهم قيم ومبادئ المساواة والتكافؤ والمشاركة الشعبية في الحكم وإحترام حقوق الإنسان – بدلاً من متطلبات ومصالح الريع والتنفيع - قد يكون مستقبلًا قادرًا بصورة أفضل في التعامل مع الآخر بيننا وفي التطرق إلى مسألة الخلل السكاني المتفاقم في الخليج.

 

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار                                                                 

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf) 

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا



[1] Jamila Bargach (2007). "Study on abandonment and the practice of Kafala in Morocco for Amici Dei Bambini." >http://childout.org/web/wp-content/uploads/2012/04/A-study-on-abandonment-in-Morocco.pdf<

[2] Anh Nga Longva (1997). Walls Built on Sand (Migration, Exclusion, and Society in Kuwait). Westview Press, p.78.

[3] “Foreign labour in the countries of the Arabic Gulf.” Center of Arab Unity. August 1983., p. 96.

[4] Mohammed Dito. “Labor Migration in the GCC Countries: Some Reflections on a Chronic Dilemna.” The Middle East Institute. Washington DC, February 2010. >http://tinyurl.com/nf6b6p6<

[5] Human Rights Watch. “For a Better Life: Migrant Worker Abuse in Bahrain and the Government Reform Agenda.” October 1, 2012. >http://tinyurl.com/prrqeu7<

[6] Human Rights Watch. “Walls at Every Turn: Abuse of Migrant Domestic Workers through Kuwait’s Sponsorship System.” October 6, 2010. >http://tinyurl.com/qz58owb<

[7] Mehran Kamrava (2011). The Political Economy of the Persian Gulf (London: Hurst and Co, 2012), 62.

[8] Anh Nga Longva, (1997). Walls built on sand: Migration, exclusion, and society in Kuwait. WestviewPress.

[9] Anh Nga Longva (1997). Walls Built on Sand (Migration, Exclusion, and Society in Kuwait). Westview Press, p.109

[10] Article 2 Decision No. (76) (2008) with regard to regulations of work visas of foreign employees except the category of domestic servants. >http://portal.lmra.bh/english/legal/show/14<

[11] Article (37) –Part III “Employment of non-Saudis” LABOR LAW – Royal decree NO. M-51 as of 27th September 2005.

[12] Andrew Gardner (2010). City of strangers: Gulf migration and the Indian community in Bahrain. Cornell University Press.

[13] International Labor Organization; Kuwait Economic Society; University of Sharjah. 2011. Travels of hope, toils of despair: The lives of migrant workers in the Gulf States, Dec. (Geneva).

[14] Bahrain Tender Board site >http://www.tenderboard.gov.bh/<

[15] المناقصات المركزية في دولة الكويت، من تاريخ 1 يناير 2012 إلى 13 سبتمبر 2012. <http://www.ctc.gov.kw/module/tenders/jsp/details/tersyatmain.jsf>

[16] John Willoughby, (2006). Ambivalent Anxieties of the South Asian-Gulf Arab Labor Exchange. Revista de economía mundial, (14).

[17] John Fox, Nada Mourtada-Sabbah, and Mohammed Al Mutawa, (Eds.). (2013).Globalization and the Gulf. Routledge.

[18] Amartya Sen (2000). Social exclusion: Concept, application, and scrutiny (No. 1). Manila: Office of Environment and Social Development, Asian Development Bank.