مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

نحو رؤية نقدية لأزمة الخليج العربي - كرم الحلو

طباعة PDF




قد يعتقد البعض أن أقطار الخليج العربي في مأمن من الحراك السياسي الذي يعصف بالعالم العربي منذ سنوات نظراً للموارد النفطية الضخمة التي تتمتع بها هذه الأقطار، إلا أن ثمة بوادر تحوّلات عميقة ظهرت على مدى العامين الماضيين، حيث ارتفعت المطالبات بالتغيير في كل دول «المجلس»، تفاوتت في حجمها بين نقاشات دورية في الدواوين، ونزول عشرات الآلاف الى الشوارع، كما تفاوتت في مطالبها من الإصلاح الدستوري الى الدعوة لإسقاط النظام. ويعتبر هذا تطوراً نوعياً غير مسبوق في دول «المجلس»، فاتحاً المجال لمستجدات غير محسوبة وغير متوقعة، قد تكون بادرة خير، وقد تأخذ منحى غير حميد. اذ بدأت تلوح بدايات احتقان إثني وطائفي ومناطقي في أكثر من قطر من أقطار المنطقة، خصوصاً في البحرين والكويت والسعودية. وليس هناك أي بوادر تشير الى ان الوضع السياسي يتجه نحو التهدئة. بل يتوقع ان تتواصل التحركات، على المدى القصير على الأقل، في دول «المجلس» قاطبة. اذ ثمة أسئلة إشكالية في حاجة الى مقاربات جدية تخرج عن المألوف. فكيف يقارن مثلاً، المخزون الاستراتيجي للمياه في البحرين ـ الذي لا يتعدى يوماً واحداً ـ مع باقي دول المنطقة؟ ولماذا فاق سعر برميل النفط الذي تحتاجه الإمارات لموازنة ميزانيتها الـ85 دولاراً؟ وما هي تبعات نسبة المواطنين المتدنية بالمقارنة مع الأجانب في قطر والتي تقل عن 15 في المئة؟ وكم عدد القوات الأجنبية التي تتخذ من دول الخليج مقراً لها؟ وما آخر تطورات ملف السجناء السياسيين في المنطقة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي هدف تقرير «الخليج بين الثابت والمتحول» تحرير وتنسيق عمر هيشام الشهابي، «منتدى المعارف» و«مركز الخليج لسياسات التنمية 2014». وقد ذهب التقرير الى ان ثمة أوجه خلل في كل أقطار «المجلس»، وتمثل حالات فريدة من نوعها عالمياً، وهو ما يتطلّب وقفة جادة وصريحة بغرض مقاربتها ومعالجتها في أسرع وقت ممكن. فلا يمكن إلا أن يساورنا القلق عندما تشكل إيرادات النفط أكثر من 80 في المئة من ميزانية كل دول «المجلس»، وعندما يشكل الوافدون في بعض دوله أكثر من 80 في المئة من السكان، أو عندما يسجن عدد متنام من المواطنين بسبب تغريدة على «تويتر».
يلخص التقرير أوجه الخلل المزمنة التي تطغى على دول المنطقة في أربعة. أولها سياسي ويتمثل في غياب نظم حكم ديموقراطية، وعدم مراعاة مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية، وضعف المشاركة السياسية الشعبية الفعالة في تحديد الخيارات. وهو الامر الذي أدى الى استمرار الخلل في علاقة السلطة بالمجتمع، والذي نتجت منه سلطة أكثر من مطلقة ومجتمع أقل من عاجز. ان نظرة مقارنة بين طبيعة أنظمة الحكم المعاصرة في الخليج، ومقوّمات الحكم الديموقراطي تكشف أن أكثر هذه الأنظمة لم تنتقل الى نظم ديموقراطية، فالحاكم إما أن يكون منفرداً بالسلطة أو متحايلاً على المواد الدستورية، في حين ان مجالس النواب ومجالس البلدية تهندس على نحو تبدو معه إما غير مؤثرة أو منصاعة لإرادة الحاكم. وعموماً، تسعى دساتير دول «مجلس التعاون» الى تعزيز شرعية الأسر الحاكمة بشرعية مؤسسية دستورية. ففي كل من البحرين والإمارات العربية مجالس نصفها منتخب والآخر معين، وفي السعودية مجلس معين فقط تقتصر صلاحياته على إبداء الرأي والمشورة. واذا كانت جميع دساتير دول «المجلس»، باستثناء السعودية، تضم موادَّ تضمن الحريات العامة وحقوق المواطنين، إلا ان صوغ هذه المواد يُقيّد بشكل يُفرغها من مضمونها الديموقراطي. ففي الكويت، الدستور يحصّن الأمير من المساءلة. وفي البحرين يعطي الدستور صلاحيات واسعة للملك ويحصنه من المساءلة. وفي قطر كذلك، يمنح الدستور سلطات واسعة للأمير. أما النظام الأساسي في عمان فيعطي صلاحيات شبه مطلقة للسلطان ولا يفصل بين السلطات، بينما نظام الحكم في السعودية نظام وراثي لا ينص على حرية الاعتقاد أو حرية التعبير أو المساواة، كما لا يبيح حرية العمل السياسي أو تشكيل النقابات، ولا يحتوي على ضمانات بشأن منع التعذيب.
أما الخلل الاقتصادي الإنتاجي، ثاني أوجه الخلل المزمنة في «دول مجلس التعاون»، فيتمثل في الاعتماد المطلق على ريع صادرات النفط الخام المعرضة للنضوب، وليس على إنتاجية الأفراد والمؤسسات. وقد صاحب هذا الخلل غياب الشفافية وخلط المال العام بالخاص والهدر، حيث لا تنشر دول المنطقة حسابات للموازنة العامة ولا حسابات للاحتياطي العام. ويبين البحث أن هناك 750 مليار دولار من الفروقات بين عوائد صادرات النفط والعوائد المعلنة رسمياً على مدى العقد المنصرم. وفي المحصلة، بدأت الديون الخارجية تتراكم تراكماً مقلقاً جداً حتى في أغنى الدول النفطية، خصوصاً في قطر ودبي والإمارات، حيث وصل إجمالي الدين العام الى أكثر من 30 في المئة من الناتج المحلي.
وتعاني دول «المجلس» خللاً سكانياً خطيراً، اذ باتت تتأسس على مجتمع يشكل فيه الوافدون نسبة عالية جداً تزايدت باستمرار حتى بلغت 48 في المئة العام 2011 مقارنة بـ22 في المئة العام 1975، كما تدنت نسبة مساهمة المواطنين في العمل الى 33 في المئة مقارنة بـ61 في المئة العام 1975. وفي الدول الصغيرة ـ قطر والإمارات ـ تدنّت نسبة المواطنين من مجموع السكان الى أقل من 15 في المئة، وتراجعت نسبة مساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل الى 6 في المئة العام 2010. إزاء ذلك، برزت ظاهرة المشاريع العقارية الضخمة الموجهة الى المشتري الدولي، وهناك نية لبناء أكثر من 1,3 مليون وحدة سكنية تستوعب 4,3 ملايين قاطن، وهو ما يتعدى سكان أربع من دول المجلس ـ الامارات والبحرين وعمان وقطر ـ الامر الذي يُفسَّر بتبني استقطاب الوافدين وتشجيعه والتحفيز عليه.
الى جانب هذه الاختلالات الكبرى، يبقى الخلل الامني في مقدمة الأخطار التي تواجه دول «مجلس التعاون الخليجي»، ويتمثل ذلك في عدم مقدرة هذه الدول على الدفاع عن نفسها في وقت تواجه فيه تهديدات جوهرية، كما كانت الحال مع غزو الكويت العام 1990 واحتلال ايران للجزر الإماراتية. ففي العام 2012، وجد حوالي 30 الفاً من القوات العسكرية الاجنبية في دول «مجلس التعاون»، إضافة الى 20 الف عنصر من البحرية الاميركية تجوب بحار الخليج، مع ما يرتبه ذلك من تكلفة هائلة تتكبدها البلدان المضيفة للقواعد العسكرية، فضلاً عن صفقات الأسلحة الضخمة التي تذهب الى الولايات المتحدة وحلفائها.
وثمة بعد آخر للخلل الأمني متمثل في نقص الموارد الأساسية للحياة كالماء والغذاء والطاقة والبيئة الطبيعية. فدول المنطقة من أفقر دول العالم على هذا الصعيد وهي تعتمد أساساً، وكلياً، على ثروة ناضبة، بينما استهلاكها من المياه والغذاء والكهرباء يعتبر الأعلى عالمياً.
يرى المؤلف الى أوجه الخلل في إطار وحدة عضوية متماسكة، متقاطعة الأبعاد، إذ من الخطأ النظر اليها على انها مجموعة مشاكل مشتتة. فالمنطقة بحاجة الى رؤية جديدة وشاملة، ترسم الطريق لإخراجها من أوجه الخلل التي تعيشها من خلل سياسي وخلل اقتصادي وخلل سكاني وخلل أمني. أما التصور البديهي الذي يطرحه فقد يكون في بناء دولة ديموقراطية، دولة مواطنية تكفل الحقوق والواجبات وتوفر الأمن والتنمية المستدامة. فالديموقراطية في نظره هي الحل والنقيض للخلل السياسي والمفتاح الى باقي أوجه الخلل المزمنة.
لكن المؤلف يستدرك أن طرحه يستبطن تساؤلات أكثر مما يجيبها، فما هو مفهوم المواطنة والديموقراطية تحديداً؟ وما هي الآلية لتطبقها في المجلس ذي التراكم التاريخي المختلف؟ وما هو سبيل التنمية المستدامة في ظل إدمان متزايد على ريع النفط؟ وهل الوحدة شعار مرغوب من شعوب المنطقة؟
يبقى أخيراً كثير من القضايا الشائكة التي لم يتطرق اليها الكتاب، منها التيارات السياسية الناشطة في المنطقة ورؤيتها الى المعالجة، ومنها نقد الرؤى التنموية ونظام التعليم والنظام المصرفي في دول «المجلس»، ما يؤكد الحاجة الى جهود دورية لتتبع هذه المواضيع الجذرية.
وفي رأينا، فإن الكتاب، وان كان يمثل جهداً متميزاً في الرؤية الى الأزمة التي تواجه دول «مجلس التعاون»، لانطلاقه من داخل هذه الدول بالذات، إلا انه يفتقر في المقابل الى طرح هذه الازمة في الاطار العربي العام. فدول الخليج هي دول عربية وليست جزراً معزولة ولا يمكن التعامل مع أزمتها إلا كوجه من أزمات العالم العربي ومآلاته التاريخية.

«الخليج بين الثابت والمتحول» مجموعة باحثين، تحرير وتنسيق عمر هيشام الشهابي، منتدى المعارف ومركز الخليج لسياسات التنمية، 2014، 383 صفحة.




__________
المصدر: جريدة السفير
23 يونيو 2014

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها