مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

هل العلمانية حلٌّ للطائفية؟ - سلطان العامر

طباعة PDF



مع تزايد رفع اليافطات الطائفية للأطراف المتقاتلة في الهلال الخصيب، يتزايد الترويج لأطروحة تقول إنّ أحد الحلول الرئيسة -إن لم يكن الحلّ الوحيد- لمشكلة الطائفية في العالم العربي يتمثل في العلمانية. وتسير الحجّة كالتالي: العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، والطائفية هي نزعة دينية تدفع للتمييز والكراهية والاقتتال، فإذا فصل الدين عن الدولة، خمدت نار الطائفية وتلاشت، أو على الأقل أصبحت محصورة في حيّز ضيق لا يؤثر على باقي نواحي حياة المواطنين.

لعل أفضل مَن حاجج عن هذه الأطروحة هو جورج طرابيشي في مقالته: “العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية”؛ حيث رفضَ الاتهام السائد الذي يقول بأن العلمانية ليست سوى إشكالية مستوردة تلبي مطلبًا خاصًّا لدى نصارى المشرق. وهو رفضَ هذه الحجّة من منطلق أن العلمانية تمثل أيضًا مطلبًا لكافّة الطوائف والأديان في العالم العربي، وبشكل خاص بين السنة والشيعة، ومن هنا جاء العنوان الذي يعتبر العلمانية “إشكالية إسلامية-إسلامية”.

فالعلمانية، بالنسبة لطرابيشي، “فلسفة وآلية لتسوية العلاقات لا بين الأديان المختلفة فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد”. فبالنسبة إليه، بقي الصراع السُّني الشيعي -الذي “يقاس بمئات السنين”- “إلى اليوم متجذرًا في مستنقع الطائفية القروسطية بحكم غياب وتغييب المخرج العلماني”. وبعد أن قامَ بعملية جرْد طويلة لكافّة ما يعتبره “صراعًا سنيًّا-شيعيًّا” في التاريخ الإسلامي، خلصَ إلى أنّ العلمانية ضرورية ولا يمكن استبدالها بالديمقراطية والعقلانية؛ إذ “كيف السبيل لعقلنة ودمقرطة العلاقات بين الطوائف الإسلامية… في ظل تغييب متعمد للعلمانية التي ما جرى اكتشافها وتطويرها في مختبرات الحداثة الأوروبية إلّا لتكون الدواء الشافي للداء الطائفي؟”.

ومن هذا المنطلق، يرى أنّ العالم العربي يجب أن لا يكتفي بجرعة واحدة من هذا الدواء، بل بجرعة مضاعفة منه؛ إذ يقول: “فلئن قامتِ العلمانيةُ في الغرب على أساس التحييد الديني للدولة، فإنّ العلمانية في المجال العربي الإسلامي لا بدّ أن تقوم أيضًا على التحييد الطائفي للدين نفسه”، ويقصد بذلك أنّ علمنة المجتمع تُعتبر مهمّة بنفس المقدار الذي تكون فيه علمنة الدولة مهمة.

مشكلة هذا الطرح أنه يستخدم مفاهيم مثل (الدين)، و(الدولة)، و(الطائفية)، و(العلمانية) بشكل حاسم ونهائيّ ولا يعيد التفكير والنظر فيها وفي العلاقات التي تحكمها للدرجة التي يصبح ترديد عبارة (العلمانية هي حل الطائفية) ترديدًا عقائديًّا شعاراتيًّا لا يفضي لمعنى دقيق وواضح، بل يقوم بحجب ما هو واضح وصريح وإخفاؤه.

وحتى نبين ذلك، لنبدأ بهذا السؤال: ما هي أكثر الدول العربية علمانية (بمعنى فصل الدين عن الدولة)؟ الجواب بشكل واضح هو: لبنان. فلبنان هو من الدول القليلة في العالم العربي الذي لا ينصّ دستورها على أن هنالك دينًا للدولة، أو أن تشريعَها مستمدٌّ من الإسلام أو غيره من الأديان. بل ينصّ الدستور حصرًا على أنّ (لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية)، وأنّ (الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة). ومع ذلك، جميعنا يعرف أنّنا عندما نتحدث عن الطائفية، فإن لبنان هو النموذج المثالي لها. كيف إذن أصبحت أكثر الدول العربية علمانية أكثرها طائفية؟ وكيف تكون العلمانية حلًّا للطائفية، والأخيرة لا تتواجد بشكل ممؤسس ومنظّم إلّا في أكثر الدول علمانية؟

الإجابة على هذا السؤال تبدأ من تصحيح مغالطة رئيسة في فهم الطائفية. فالطائفية ظاهرة سياسية وليست ظاهرة دينية، ظاهرة حديثة، ليست ظاهرة موجودة منذ مئات سنين. ماذا نقصد بهذا الكلام؟

نقصد بكونها سياسية وحديثة أنها مرتبطة بشكل أساسيّ بظهور وصعود الدولة الحديثة في العالم العربي. والدولة الحديثة تختلف عن الإمبراطورية العثمانية وغيرها من الإمبراطوريات في أربع نواحٍ رئيسة على الأقل. فهي، أولًا، فضاءٌ تمثيليّ رمزيّ غير محايد للشعب، في حين أن الإمبراطورية كانت غالبًا فضاءً تمثيليًّا رمزيًّا للسلالة الحاكمة فقط. وهذا الفضاء الحديث يفتح باب التنافس بين المواطنين إلى احتكار هذا التمثيل أو تقاسمه. هل العراق دولة شيعية أم سنية؟ لا نقصد هنا إلى أيّ مذهب تنتمي أغلبية سكانه، ولا نقصد أي مذهب تقوم المؤسسات الدينية والتشريعية والقضائية بالاحتكام له (رغم أن هذا مهم من الناحية الرمزية)؛ ما نقصده بشكل رئيس هو إلى أيّ رواية طائفية ورمزية تنحاز إليها الدولة، أو بعبارة فنار حداد في كتابه “الطائفية في العراق”: لمَن “الحيازة الثقافية للدولة”؟ هل العراق هو أرض “الحجاج وأبو جعفر المنصور”؟ أم هو “أرض حيدرة والأئمة”؟

الطائفية هنا تعني محاولة أبناء طائفة ما لجعل هذا الفضاء يعكس وجودهم، رموزهم، وروايتهم، وعندما يمنعون عن ذلك أو يفشلون، تُصوّر لهم الدولة وكأنها محتكرة من قبل الطائفة، أو الطوائف، الأخرى. وهذا الفعل قد يقوم به ابن الطائفة ولو لم يكن متدينًا (أي حتى لو كان علمانيًّا)؛ أي حتى لو كان كافرًا بالدين.

أما الجانب الثاني الذي تتميز به الدولة الحديثة عن غيرها هو أنّها تقوم بتركيز السلطة كلّها فيها بشكل لم تقم به الإمبراطوريات السابقة. ففي الإمبراطوريات السابقة، تكون السلطة متشظية؛ إذ إن سلطة الخليفة ليست مطلقة ولا يمارسها بشكل مباشر. فهي ليست مطلقة؛ ذلك أنّ نفوذ الإمبراطورية لا يشمل كل المناطق والسكّان الذين يعيشون تحتها. فهناك تلك المناطق والمجموعات السكانية التي لا تقع ضمن نفوذها بل خارجها وإن كانت ضمن حدودها، وهي التي حاول فهمها جيمس سكوت في كتابه “فنّ تفادي الخضوع للسلطة”. فلأسباب متنوعة -الهروب من الاضطهاد الديني، من التجنيد، من المكوس-، تفرّ مجموعات سكانية متنوعة من مركز السلطة لتعيش في الجبال، أو الأودية، أو الصحاري وذلك بشكل منعزل عن مراكز النفوذ. ضمن هذا السياق يمكن تفسير تواجد الدروز والعلويين في الجبال في منطقة الهلال الخصيب، وكذلك تواجد الإباضية والشيعة في اليمن وعمان والمغرب بعيدًا عن مركز السلطة في بغداد.

مع الاستعمار، ولاحقًا مع تشكّل الدولة العربية الحديثة، تبدأ هذه الفضاءات الواقعة خارج نطاق الدولة بالتلاشي، وتبدأ السلطات التقليدية التي كانت تتمتع بها هذه المجتمعات بالتفكك لصالح تركُّز السلطة في الدولة الحديثة. تتعامل هذه المجتمعات مع هذا الواقع الجديد بطرق مختلفة؛ منها مَن يعترف برابطة الدولة، ومنها من ينادي برابطة أعلى، ومنها من اعتمد على الرابطة الطائفية في تنافسه على السلطة المتركزة في الدولة الحديثة.

وكما إنّ سلطة الإمبراطورية كانت غير مطلقة، هي أيضًا غير مباشرة؛ ذلك أنّ الخليفة سابقًا لا يتوفر على جهاز بيروقراطي معقد يجعل ممارسته للحكم مباشرة مع أفراد رعيته، بل كان يحكم عبر وسطاء، وعبر تفويض الصلاحيات لعماله في الأمصار. لكن منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت الإمبراطورية العثمانية بالتحول نحو النمط الحديث للحكم المباشر وذلك عبر تركيز السلطات في المركز، وهي العملية التي تضاعفت مع الاستعمار، ثم بعد ذلك مع نشوء الدولة العربية الحديثة، والتي ساهمت بتفكك وانهيار سلطات تقليدية قائمة، وغيّرت بشكل كامل لعبة التنافس على السلطة القديمة بحيث حولتها إلى تنافس على السلطة المركزية؛ وهو الأمر الذي يساهم بدفع بعض الساسة إلى توظيف الهُويات الطائفية والعشائرية وغيرها لحشد الناس معه من أجل الوصول للنفوذ والسلطة في المركز على حساب الآخرين. والساسة الذين يقومون بذلك، ليسوا بالضرورة متدينين، بل قد يكونون علمانيين جدًّا مثل سعد الحريري في لبنان.

الجانب الثالث الذي تتميز به الدولة العربية الحديثة ليس فقط عن الإمبراطوريات السابقة لها، بل حتى عن الدول الأوروبية الحديثة؛ هو أنّها لم تنشأ باعتبارها محاولة لخصخصة الدين وإقصائه عن الحيّز العام، بل هي أصلًا لم تنشأ بعد صراع مع المؤسسة الدينية، بقدر ما نشأت نتيجة صراع مع إمبراطورية الخلافة من جهة ومع الاستعمار من جهة أخرى. ولهذا نجد في العالم العربي أن الإسلام شأن عام كما هو شأن خاص، وأن الدولة العربية تتحمل مسؤوليات دينية متنوعة وتسعى لاحتكار الرموز الدينية: فالفصل بين الدين والدولة في الدول العربية -إن كان ثمّ- يختلف بشكل كبير عن الفصل الأوروبي، بل إن هناك وزاراتٍ ومؤسساتٍ بيروقراطيّةً مخصصّةً لتدبير الشأن الديني. هذا الأمر يجعل من الخطابات الطائفية طبيعية وليست غريبة في مجال عامّ ليس معاديًا ولا موتورًا من الدين.

الجانب الأخير الذي تتميّز به الدولة الحديثة عن الإمبراطورية، هو أنها تجعل من قضية المعيشة والرزق قضية وطنية؛ أي -كما أوضحت ذلك حنّة أرندت في كتابها: “الشرط الإنساني”- تنقلها من حيزها الخاص الذي كانت موجودة فيه لقرون طويلة إلى مسألة مرتبطة بالشأن العام. فسابقًا، لم يكن من مهام الدولة التكفّل بتوظيف المواطنين وتعليمهم وإدارة ثروات البلاد وتوزيعها بينهم والحرص على التنمية… إلخ، لكن الدولة الحديثة تتحمل هذه المهام، وعندما تتحملها تصبح هذه المهام قضايا شأن عام، ومن هنا تصبح قضايا تنافس وصراع ومشاركة بين المواطنين. والمواطنون لا يتنافسون ويتصارعون على هذه القضايا كأفراد، بل كمجموعات، وهذه المجموعات قد تكون طائفية. أي إن الانتماء الديني للمذهب يتحول إلى هُوية سياسية لتحصيل حجم أكثر من خيرات الدولة ووسيلة للتمييز والصراع عليها، وهنا أيضًا لا يشترط بالانتماء الطائفي تديّنًا مذهبيًّا.

هذه الأبعاد الجديدة للتصارع التي تأتي بها الدولة الحديثة معها ويتفاعل معها بعض المجموعات بهُويتهم الطائفية، هي التي تجعل الظاهرة الطائفية ظاهرة سياسية وليست دينية. هذا يعني أن الخلافات بين الطائفيين -كما ذكر ذلك فنار حدّاد في مقالته: “الطائفيون العلمانيون”- تكون غالبًا خلافات على قضايا وطنية؛ أي قضايا مرتبطة بهذه الأبعاد الجديدة التي ترافقت مع نشوء الدولة الحديثة، وأنّها ليست بالضرورة مرتبطة بالخلافات على الحقيقة أو الطقوس الدينية.

ومن هنا، لا نجد أي تناقض في أن تكون لبنان البلد الأكثر علمانية في نفس الوقت الذي تكون فيه البلد الأكثر طائفية. بل أكثر من ذلك؛ فإنّه لا تناقض أبدًا بين أن يكون المرء علمانيًّا طائفيًّا. وكما قال فنار حداد: “العلمانيون في العالم العربي متعددون، لكن في كثير من الحالات -ليس كلها لكن كثير منها- يشكلون عنصرًا رئيسًا في (الطائفية) التي يعتقدون مخطئين أنهم ما يضادها أو علاجها”.

في شهر يناير من عام ٢٠١٣، وعلى خلفية المظاهرات المناوئة للمالكي في العراق، خرج مقتدى الصدر بخطاب وجّهَهُ لنوري المالكي. هذا الخطاب مثير للاهتمام؛ إذ فيه يسأل مقتدى المالكي: “أين أنت من المرجعية؟ هل هي راضية عنك؟ … أين أنت من التشيع؟ التشيع الذي يشيع مبادئ الشراكة والتسامح … أين أنت من العلماء والحوزة؟ هل هم راضون عنك؟ وهل أشركتهم بالمشورة وطلب النصيحة؟”.

إن جزءًا مما يعيبه مقتدى على المالكي هنا ليس شيئًا آخر سوى علمانيته، وابتعاده عن المؤسسة الدينية في إدارته لشؤون البلاد وإقصائه لها. إنّنا هنا أمام حالة مثالية يقوم بها (متدين مذهبي) بانتقاد (علماني طائفي) على سلوكه السياسي. مثل هذا التعقيد في العلاقة بين العلمانية والطائفية لا يمكن أن تدركه المحاججة السطحية ذات شعار (العلمانية علاج للطائفية).

أخيرًا، إنّ تفكيك هذه الأطروحة لا يجعلنا فقط وجهًا لوجه أمام هشاشتها وسطحيتها، بل أيضًا أمام اضطرارنا لمراجعة ما الذي نعنيه بمقولات مثل (العلمانية) و(الدين) و(الدولة) في سياقنا العربي. كما إنّها تساعدنا على التفكير في الطائفية بشكل مختلف، والتعاطي معها ضمن سياق مغاير، وتحديد متى تكون مشكلة، وكيف يمكن حلّها.


__________
المصدر: موقع التقرير
3 يوليو 2014


 

 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها