مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

وماذا عن الربيع الاقتصادي؟ - د. علي فخرو

طباعة PDF




منذ قيام ثورات وحراكات الربيع العربي في العديد من الأقطار العربية انشغل الوطن العربي كله بالقضايا السياسية، وعلى الأخص كيفية الانتقال من أنظمة الاستبداد إلى الممارسة الديمقراطية. ثم أجبرته الأحداث والأخطاء والمؤامرات على الانشغال بعبثية الانقسامات والصّراعات الدينية والمذهبية.

 

أما موضوع الاقتصاد، الذي لا يقل أهمية عن الموضوع السياسي، والذي له تأثيراته الهائلة في المسار السياسي بكل تجلياته، فقد وضع في زاوية ليقتصر التطرق إليه على تراجع السياحة وشبه توقف الاستثمارات الخارجية وزيادة نسبة البطالة بين الشباب على الأخص.

هذا التعامل الآني والسطحي مع موضوع بالغ الأهمية والتعقيد كموضوع الاقتصاد، في بلاد يتطلع مواطنوها، وعلى الأخص شبابها، إلى إحداث تغييرات كبرى وعميقة في مسيرته الحضارية، هو تعامل لا يستوعب مرتكزات هذا العصر الذي يعطي أهمية كبرى لموضوع الاقتصاد ولا إلى الدور السلبي الذي لعبه الاقتصاد الريعي عبر القرون في بناء الأنظمة السياسية.

كمدخل للتعامل مع هذا الموضوع سنبدأ باقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي الذي يبلغ ريعه البترولي الغازي السنوي نحو تريليون دولار (ألف بليون)، والذي إن أحسن الاستفادة منه لبناء اقتصادي إنتاجي معرفي حديث في دولها ولاستثمار جزء منه في بناء اقتصاد مماثل في بقية الوطن العربي، فإنها ستحدث نقلة نوعية في حياة العرب كافة.

هذا قول لا مبالغة فيه، وسيتضح كلما أوغلنا في طرح الأسئلة وفي تحليل ما يجب أن يتوجه إليه اقتصاد دول مجلس التعاون مستقبلاً. قد يتطلب ذلك كتابة أعمدة عدة، لكن الموضوع يستحق ذلك، وقد تنجح في أن يكون موضوعاً مطروحاً في الساحة المجتمعية على نطاق واسع وحاصلاً على اهتمام وسائل الإعلام والتواصل، وخصوصاً شريحة الشباب من بين المواطنين.

لنتوجه إلى دول مجلس التعاون ولنطرح العديد من الأسئلة المفصلية:

أولاً: ترى دول المجلس أن ممارساتها الاقتصادية متماثلة إلى حدٍ كبير، إذ إنها جميعاً تتبنى الاقتصاد الحر، أي حرية الأسواق وحرية تبادل البضائع. ولكن هل إن موضوع الاقتصاد ينحصر في نشاطات الأسواق وتبادل السلع؟ أم أن هناك فكراً اقتصادياً ينقسم إلى مدارس لها منطلقات نظرية فلسفية تتعلق بالعديد من الجوانب الحياتية ولها منهجيات متباينة لإدارة الاقتصاد؟

إن تلك المدارس تختلف فيما بينها بشأن الأهمية التي تعطيها لموضوع الاقتصاد الإنتاجي في مواجهة الاقتصاد الاستهلاكي، بشأن تركيبة المجتمع وهل هو مكون من أفراد أم من طبقات، بشأن مقدار الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومات في تنظيم الاقتصاد وحمايته من جشع الفاسدين ومنع دخوله في أزمات دورية، بشأن مقدار الرعاية الاجتماعية من قبل الدولة لحماية الفقراء والمهمشين، بشأن السياسات الضريبية لمنع التفاوتات الهائلة في الدخل والثروات.

هناك اختلافات كثيرة، السؤال: هل فكرت دول مجلس التعاون في الإنماء إلى واحدة من المدارس الاقتصادية، حتى ولوعدلت أو حتى أسقطت بعضاً من تفاصيل تلك المدارس؟ أي أنها تفضل أن تأخذ الأفضل من كل مدرسة وتدمجهم في نظام وفكر اقتصادي صالحين لهذه المرحلة التاريخية التي تعيشها؟

إذا كانت دول مجلس التعاون تهدف إلى وحدة اقتصادية في المستقبل، كما ينص عليه نظامها الأساسي، ألم يحن الوقت لعقد حلقات نقاشية على مستوى أمانة مجلس التعاون، تضم علماء الاقتصاد الخليجيين والعرب ومراكز الأبحاث ومؤسسات المجتمع المدني المعنية من قبل النقابات وغرف التجارة والصناعة ولممثلين عن الوزارات الحكومية المعنية، لتبدأ بوضع تصور، لا عن خطوة صغيرة هنا أو توحيد جزئي هناك، وإنما تصور علمي موضوعي شمولي مستقبلي لاقتصاد إنتاجي معرفي قيمي وإنساني حديث تتبناه دول المجلس وتلتزم ببنائه بصورة تدريجية تراكمية متناغمة، مع التأكيد بالالتزام على ارتباطه الوثيق بالاقتصاد العربي في المستقبل القريب.

ثانياً: إذا تمت تلك الحلقات النقاشية فمن الضروري تبني منطلقات فكرية وممارسات عملية لا تخرج من تحت عباءة شعارات وممارسات الفكر الاقتصادي الرأسمالي القومي المتوحش الذي يراد فرضه على العالم باسم الليبرالية الجديدة.

__________
المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

18 يوليو 2014



 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها