مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

ملوك الرز البسمتي في الخليج سابقا - د. عبدالله المدني

طباعة PDF

 

صورة جماعية مركبة لأصحاب المجموعة التجارية



حينما كان بث تلفزيون الكويت يـُلتقط صيفا في البحرين في ستينات القرن الماضي كنا شغوفين بمتابعة الفقرات الاعلانية المعروضة على الشاشة لأن المحطة التلفزيونية الأخرى التي اعتدنا على مشاهدتها وهي "محطة تلفزيون أرامكو" من الظهران لم تكن تبثُ أي فقرات إعلانية او دعائية.
من بين الاعلانات التي كانت محطة تلفزيون الكويت تكرر بثها بين فواصل برامجها إعلان عن "دبليو جي تاول" التي حسبناها بمجرد السمع ودون التدقيق في طريقة كتابتها أنها شركة منتجة للفوط أو المناشف. ومرت الايام دون أن يصححْ لنا أحدهم هذه المعلومة الخاطئة. ثم حدث بعد سنوات حينما كنتُ في المرحلة الجامعية في بيروت أنْ جاء ذكر لهذه الشركة في حديث مع بعض الزملاء العمانيين، فقلتُ لهم بكل ثقة أنها شركة تنتج الفوط وما في حكمها وكانت تعلن عن منتجاتها من خلال تلفزيون الكويت، فإذا بالجميع يضحك عليّ ويسخر مني مصححا: انها امبراطورية أعمال متنوعة تأسستْ في 1866  ويملكها رجال أعمال عمانيون، وأنها تطورتْ شيئا فشيئا حتى صارت تعمل في قطاعات التنمية العقارية وبيع المركبات والآليات والقيام بالأعمال الانشائية والهندسية والصناعية والميكانيكية والكهربائية، وامتدتْ نشاطاتها من سلطنة عمان، حيث مركزها الرئيسي وموطن أضخم إنجازاتها ومشاريعها، إلى الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت.
هذه الواقعة دفعتني بعد سنوات إلى البحث والتنقيب عن هذه الامبراطورية التجارية وأصحابها وكيفية ظهورها ونموها، فوجدتُ ضالتي في كتاب البريطاني "مايكل فيلد" الموسوم بـ "التجار: العائلات التجارية الكبيرة في العربية السعودية ودول الخليج" والذي خصص المؤلف أحد فصوله للحديث المسهب عن "دبليو جي تاول" وأصحابها. وعليه فإن ما سنسرده في الأسطر القادمة مقتبس من هذا الكتاب بتصرف.
في 1866 ــ وهي سنة معروفة في تاريخ سلطنة عمان بالكثير من الإضطرابات السياسية، حيث تعرض سلطان البلاد لمحاولة اغتيال وهو نائم على يد ابنه، واندلعتْ في العام التالي حربان أهليتان، وتعرضتْ مسقط الى الحصار والقصف المدفعي، وتمّ نفي إبن السلطان الذي قام بمحاولة اغتيال والده ــ وصل الى مسقط البحار الامريكي "وليام جاك تاول" الذي سيؤسس لاحقا الشركة التي تحمل الأحرف الأولى من إسمه.
يقول مايكل فيلد ــ الصفحة 158 ــ أن الحاج علي سلطان، وهو من طائفة اللواتية الذين يعتبرون اليوم أحد مكونات المجتمع العماني متعدد الاعراق والثقافات، أخبره أثناء لقاء معه في مكتبه في شركة "دبليو جي تاول" بمدينة مطرح بأنه لا يعرفُ تحديدا دوافع البحار الامريكي للمجيء إلى عمان والبقاء فيها لأن كل الوثائق ــ فيما عدا وثيقة يتيمة احتفظ بها جده ــ تم التخلص منها. ويضيف الحاج علي سلطان: "قد يكون الدافع هو تميز مسقط بالهدؤ والجمال، وقد يكون السبب هو وجود شخصين امريكيين في المدينة آنذاك، وقد يكون السبب هو استشعاره بوجود فرص مربحة لربط عمان بالولايات المتحدة تجاريا.
من الوثيقة الوحيدة المتبقية التي أتينا على ذكرها يتبين لنا أنّ الإمريكي تاول أسس شركة تجارية في عمان في العقد الثامن من القرن 19 ووظف فيها الاسكتلندي "ماك كيردي" والذي اتخذ بدوره من شاب في السادسة والعشرين من العمر كمساعد له. هذا الشاب هو جد الحاج علي سلطان، الذي عمــّر طويلا و كان يـُدعى "محمد فاضل"، وهو من مواليد "بمبي" في 1858 ومن خريجي مدرسة "ايلفينستون" الراقية ، وبالتالي كان من رعايا حكومة الهند البريطانية المسلمين. ويـُعتقد أن "محمد فاضل" هذا جاء إلى مسقط في حدود 1878 وأقام فيها ليدير تجارته المتواضعة الخاصة، مع رحلات قصيرة من وقت إلى آخر إلى الهند، لكنه قبل ذلك عمل لبعض الوقت كنائب للاسكتلندي "ماك كيردي" الذي شغل بمجرد وصوله إلى عـُمان منصب القنصل الامريكي بالانابة. ومن ضمن التقارير الامريكية الرسمية التي تم السماح للعموم بالاطلاع عليها لاحقا، تقرير مؤرخ في 31 ديسمبر 1901 . ومنه يمكن القول أن "ماك كيردي" و"محمد فاضل" تعاونا مع بعضهما البعض في "البزنس"، وقاما بعمليات تصدير للذهب والأسماك والتمور إلى أمريكا، واستوردا من الأخيرة سلعا متنوعة من ولاياتها المختلفة.
في الصفحة 159 وما تلاها من كتابه يقول "مايكل فيلد" أنه في الوقت الذي كــُتب فيه هذا التقرير، أي في 1901 ، كان الامريكي "وليام تاول" قد غادر عمان بسبب الوحدة التي لازمته على إثر وفاة زوجته، وأنه في 1906 غادر "ماك كيردي" عـُمان أيضا بعد بيع شركة تاول لمساعده "محمد فاضل" بمبلغ 11 ألف روبية، أو ما كان يعادل وقتها 3400 دولار. ويضيف أنه في وقت تسلم الأخير للشركة كانت قد أصبحت وكيلة حصرية لشركة لويدز التابعة للهند البريطانية، أحد أشهر شركات التأمين البريطانية، ووكيلة حصرية أيضا لشركة ستاندرد اويل المملوكة لآل روكفلر والتي كانت شركة تاول تستورد منها الكيروسين للبيع في عمان. ومن ضمن صادرات شركة تاول إلى الخارج في هذه الفترة الرمان والليمون الجاف، إضافة إلى التمور التي كانت تصدر الى الهند وأمريكا بكميات كبيرة لأن ولاية كاليفورنيا لم تكن تنتج التمور وقتذاك، ولأن الهند كانت تستهلك كميات كبيرة منها في الطقوس الهندوسية الخاصة بالزواج.
على أن نشاط "محمد فاضل" التجاري الضخم لم تصرفه عن مواصلة العمل في القنصلية الامريكية بمسقط، خصوصا وأنه لم يكن هناك قنصل اصيل مقيم لسنوات طويلة. وقد منحته هذه الوظيفة، إلى جانب ثرائه وإلمامه باللغة الانجليزية وعدد من اللغات الأخرى وثقافته في العلوم الطبية والصيدلانية التي كان يستقيها من قراءة الكتب والمراجع الطبية على سبيل الهواية، مكانة متميزة في المجتمع العماني حينذاك. بل أن هذه المكانة تعززت حينما دخل الرجل في شراكة مع "قيس الزواوي" رجل الدولة العماني السابق من أجل مد خطوط للمياه من مسقط إلى مطرح، الأمر الذي ساهم في ظهور واحات خضراء جميلة كان الناس يلجأون إليها في أوقات إشتداد الحرارة أو كلما انتشرت الامراض المعدية في المدن.
في 1916 ، وهو العام الذي تلا اغلاق الامريكيين لقنصليتهم في مسقط، توفي "محمد فاضل" تاركا ثروته ونشاطه التجاري لإبنه سلطان الذي سيصبح اسمه لقبا للأسرة. لكن الإبن سلطان، المولود في 1889 والمتوفى في 1955 في عمان، أظهر ميلا اشد للحقل الطبي والصيدلاني منه للحقل التجاري. وهناك اليوم في مسقط ومطرح الكثيرون ممن لا يزال يتذكر كيف انه كان يذهبْ الى صيدليته للحصول على وصفات طبية.
وبحلول العشرينات من القرن الماضي تخلى سلطان عن تجارة أبيه لإبنه عبدالرضا، لكن هذا الحدث جاء في وقت كانت فيه عمان تعاني من الحروب والانشقاقات في العائلة الحاكمة ما بين فرعيها في عمان وشرق أفريقيا، وهي ما أثرتْ على مجمل الحراك الاقتصادي والنشاط التجاري فجعلته في حالة كساد. وهكذا فإنه في الوقت الذي كانت فيه دول ومشيخات الخليج تعيش حالة إزدهار بسبب تجارة اللؤلؤ في أوائل القرن العشرين، كانت عمان منطوية على نفسها وتعاني من الديون الخارجية المستحقة على نظام السلطان تيمور، وهو ما جعل إبن الأخير السلطان سعيد بن تيمور يغلق أبواب بلاده لنحو أربعين عاما ما بين 1932 و1970 . وبسبب هذه العزلة التي فرضها سعيد بن تيمور على بلاده فإن الأخيرة لم تتأثر سلبا بما تأثرت به بلدان الخليج المجاورة حينما بارت تجارة اللؤلؤ، كما لم تتأثر إيجابا بمداخيل النفط الذي اكتشف في عقد الاربعينات في منطقة الخليج.
في هذه الأثناء كانت عائلة سلطان تعلم أبنائها وتثقفهم وتغرس فيهم مهارات اللغة الانجليزية والمراسلة والكتابة على الآلة الطابعة والقراءة تحت رعاية عميدها عبدالرضا، وذلك استعدادا لما تحمله الأيام من متغيرات.
أما الانعطاف الحاسم في تاريخ النشاط التجاري لعائلة سلطان فقد كان في 1947 حينما مرّ عبدالرضا بالكويت والعراق وهو في طريقه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. حيث توقف في الكويت التي كانت لعائلته فيها شركة صغيرة تتعامل في تجارة التبغ وبيع إطارات السيارات من نوع "دنلوب". هناك تلقاه رجل الأعمال الكويتي "أحمد زيد السرحان" بالترحاب وشرح له الفرص التجارية الكبيرة التي تنتظره في الكويت بعد أن تدفق النفط من أراضيها. ولشدة دهشته بما سمعه، فإن أول عمل قام به عبدالرضا بعد عودته إلى مسقط هو الاجتماع بإخوانه للتباحث معهم حول مد أنشطتهم نحو الكويت التي ينتظرها مستقبل واعد. وهكذا اتفق الأخوة من عائلة سلطان على أن يبقى عبدالرضا في مطرح ليدير أعمال العائلة، ويذهب الإخوة قمر وعلي وأحمد إلى الكويت بالتناوب للإشراف على نشاط شركتهم هناك. فصار هولاء يمضون في الكويت أشهرا طويلة من أجل الغرض المذكور، تاركين زوجاتهم وأطفالهم في عمان في رعاية اخيهم عبدالرضا.
ومع مرور الوقت توسعت أنشطة عائلة سلطان في الكويت لتشمل الصرافة وبيع أفلام التصوير والعطورات وزيوت السيارات إلى جانب الاتجار في التبغ والإطارات. على أن أرباحها في السنة الأولى كانت متواضعة، ثم صعدت بصورة دراماتيكية في  1948 على إثر حدوث نقص شديد في الكويت في السمن المستخدم في الطبخ. ويخبرنا "مايكل فيلد" ــ الصفحة 161 ــ في هذا السياق أن العائلة تصرفتْ بسرعة لمواجهة هذه الأزمة والاستفادة منها، خصوصا مع علمها بوجود مخزون كبير من السمن في مطرح وكميات إضافية أخرى منه في إقليم غوادر في بلوشستان الذي كان حتى ذلك التاريخ جزء من عمان. وهكذا شحن عبدالرضا لإخوته في الكويت ألف صفيح من السمن، وقام هؤلاء ببيعها على آل غانم بسعر مائة روبية للصفيح الواحد، فحصلوا على مبلغ إجمالي قدره مائة ألف روبية بضربة واحدة.
لم تكن تلك الصفقة هي الصفقة الكبيرة الوحيدة التي أبرمتها عائلة سلطان مع الكويتيين، ففي السبعينات أبرموا صفقة مربحة كبيرة لاستيراد الأرز البسمتي وبيعه مباشرة للديوان الأميري الكويتي. بعد ذلك وطوال السنوات التالية كان كلما مرت الكويت بأزمة غذائية سواء في السمن أو السكر أو الشاي أو الأرز، كانت عائلة سلطان لها بالمرصاد فتحتويها وتستفيد منها عبر توفير أطنان من تلك السلع.
والحقيقة أن أكثر أبناء العائلة نشاطا وألمعية تجارية، وقياما بلعب دور مؤثر في الكويت منذ الستينات هو أحمد الذي لم يكن يتوانى عن الاستفادة القصوى من أي فرصة متاحة ومن أي خطأ يرتكبه الآخرون. ولعل أفضل دليل على الشق الأخير هو قيامه بشراء آلاف الأطنان من الأرز البسمتي مباشرة من الحكومة الباكستانية بعدما اكتشف أن حسين مرواني رئيس "الكونسورتيوم المفوض من قبل الحكومة الباكستانية لتصدير الارز الى الخارج" شخصية فاسدة ومماطلة ومحتالة ومرتشية. ومنعا لمواصلة الأخير تحكمه في تصدير الأرز بالكوتا، قام أحمد في 1965 بالاتصال بحكومة باكستان لشراء كامل محصولها من الأرز وكان كميته 90 ألف طن، بل سافر بنفسه إلى كراتشي من أجل هذا الغرض حاملا شيكا بمليون جنيه سترليني كدفعة أولى، على أن يدفع الباقي وهو 150 مليون جنيه لاحقا. وقد وافق الباكستانيون على العرض فورا لحاجتهم الماسة إلى العملة الصعبة في وقت كانوا يخوضون فيه حربا مع الهند. وربما أن الأمر الأخير لم يكن غائبا عن ذهن أحمد حينما تقدم بعرضه.
وجملة القول أن أحمد سلطان نجح في إحتكار صادرات باكستان من الأرز لذلك العام، لكنه اكتشف مع قرب انتهاء العام أن كمية يبلغ مقدارها 5 آلاف طن تسربت إلى لندن عبر وسطاء وأنها انتقلت في نهاية المطاف إلى يد التاجر محمد يوسف عميد عائلة علي رضا في البحرين. وقد تم التوصل في النهاية إلى تسوية قبل فيها أحمد أن تظل أطنان الأرز المتسربة في يد محمد يوسف مقابل أن يقوم الباكستانيون بتمديد فترة إحتكاره لعدة أشهر إضافية.
ويذكر "مايكل فيلد" ــ صفحة 165 ــ أن أحمد سلطان اشترى في الفترة ما بين عامي 1966 و1967 ما مقداره 9 آلاف طن من الأرز الباكستاني، إضافة إلى 23 ألف طن من الأرز البورمي فجنت شركته أرباحا وصلت إلى نحو 3.5 مليون دولار، وبات اسما معروفا في عالم تزويد تجار التجزئة في عموم دول الجزيرة العربية بالسلع والمواد الغذائية. وفي السنوات الست التالية ابرم صفقات احتكارية مماثلة لما سبق تفصيله مع الحكومة الباكستانية. غير أنه على هامش هذه التطورات كثر المحتالون ــ تحديدا من باكستان والعراق ــ الذين حاولوا ايهام الرجل بأنه كانت لهم أدوار في ترسية الصفقات عليه، وبالتالي يجب أن يدفع لهم أحمد بعض العمولات ليستمر احتكاره لصادرات الارز الباكستانية.
في يناير 1974 حدثت فاجعة أليمة للعائلة كان مسرحها بيروت. وتفاصيل القصة أن مكتب أحمد في الكويت تلقى رسالة بالتلكس من شخص مجهول في بيروت يقول فيها انه يريد عقد لقاء مع أحمد بهدف الدخول شراكة في مشروع عقاري ضخم في الشرق الأوسط. ونظرا لأن أحمد كان يستعد وقتذاك للسفر إلى لندن لإجراء فحوصات طبية روتينية، فقد رد على الرسالة قائلا أنه سيرسل أخاه الأصغر عبدالأمير الى بيروت لاتمام تلك الصفقة التي بدت مربحة جدا مع دخول منطقة الخليج مرحلة الطفرة النفطية. وكان رد الطرف الآخر بالموافقة والقول بأنه حجز لعبدالأمير جناحا في فندق "هوليداي إن" الفخم في رأس بيروت لكي يكون مكانا لإقامة الأخير والتفاوض معه. والثابت أن عبدالأمير سلطان غادر مسقط إلى بيروت بعد أيام من ذلك واستقل سيارة أجرة إلى الفندق المذكور، وهناك إتصل به الشخص المجهول ودعاه إلى غرفته للتباحث في أمر الصفقة العقارية، وما ان دخل جناح الرجل المجهول حتى تم اختطافه وارسال رسالة الى مكتب العائلة في الكويت للمطالبة بفدية نقدية بحوالي 150 ألف جنيها استرلينيا خلال وقت قصير.
لم يكن بمقدور أحمد جمع ذلك المبلغ الكبير نقدا في المهلة الزمنية المحددة، خصوصا وأن كل المصارف كانت على وشك إغلاق أبوابها في ذلك اليوم الذي صادف عطلة نهاية الأسبوع. هنا سارع أحمد للسفر بنفسه إلى بيروت، واستدعى في الوقت نفسه محامي شركته في الكويت للحاق به، علهما يجدان حلا للمشكلة. وكانت المفاجأة المحزنة هو اكتشافهما أن الخاطف هو أحد العراقيين الذين سبق لهم ابتزاز احمد حول صفقات الأرز، وأنه انتحر باطلاق رصاصة على رأسه في غرفة مسجلة باسمه في فندق الكومودور خلف شارع الحمراء ، تاركا ورقة صغيرة يقول فيها "ستجدون جثة عبدالأمير في كيس من البلاستيك تحت سريري في جناحي بفندق الهوليداي إن". ولأن السلطات الأمنية اللبنانية لم تتوسع في تحقيقاتها حول هذه الجريمة وأغلقت ملفها بسرعة خوفا من تأثر سمعة لبنان الاقتصادية، فقد أمر السلطان قابوس بن سعيد في حينه بمنع سفر وزرائه إلى لبنان حتى إشعار آخر، خصوصا مع وجود فرضية بأنه كان للعراقي شركاء ساعدوه في عملية اختطاف عبدالأمير الذي كان شابا قوي البنية وقادرا على الدفاع عن نفسه في مواجهة ذلك العراقي نحيل الجسم. ويبدو ان المقاطعة الرسمية العمانية للبنان أتت ثمارها لاحقا حينما أجبرت السلطات اللبنانية على تكثيف بحثها عن الضالعين في الجريمة، فتبين من خلال الصور الملتطقة للعراقي في بيروت وجود شخص يرافقه. ثم اتضح أن هذا الشخص يدعى "بولينغارو" وهو من تجار المخدرات ورجالات المافيا العاملين بين العراق وتركيا ولبنان وايطاليا. وبعد المزيد من التحقيقات تبين أن "بولينغارو" هو إبن العراقي المنتحر وأنه كان ساعدا أيمن لوالده في جرائمه. غير أن هذا المجرم لم يعتقل، كما أن الظروف التي أدت إلى مقتل عبدالأمير ظلت مجهولة.
وهكذا ظل أحمد سلطان، إلى أن توفي في 1977 ، يلوم نفسه لتسببه في مقتل أخيه لأنه هو الذي كان مستهدفا بالدرجة الأولى ولولا إرساله لأخيه إلى بيروت من أجل تلك الصفقة المشؤومة لما تم قتله. وبموت أحمد تولى إبنه مقبول ــ صار لاحقا وزيرا للتجارة والصناعة في الحكومة العمانية ــ إدارة نشاط الشركة التي لئن احتفظت بتجارة المواد الغذائية، فإنها أضافت لها أنشطة متنوعة شملت تجارة الملابس والعطورات والأدوات المنزلية والمعلبات. ولاحقا حينما بدأت السلطنة خطواتها التنموية الجبارة قامت الشركة بأنشطة إضافية شملت التعمير والتمديدات الكهربائية وبناء المجمعات السكنية وتطوير الموانيء وخطوط المواصلات والشحن وتجارة المركبات الكورية ، وإقامة مصانع الأسمنت ومعامل تعبئة المرطبات وخلافها. بل أن انشطتها الانشائية إمتدت لتصل إلى دبي والرياض، إضافة إلى الكويت.
ويفتخر "حسين جواد  اللواتي" وهو من الجيل الخامس من عائلة سلطان، ورئيس مجلس إدارة شركة "دبليو جي تاول" منذ 2000 ، خلفا لأخيه كمال سلطان الذي أصيب بشلل جزئي، بأن أسرته حافظت على تماسكها وواصلت شراكتها العائلية في حين أن 3 بالمائة فقط من الشركات العائلية في العالم تتوقف مسيرتها بعد الجيل الثاني. ويتذكر الرجل بحسرة، في مقابلة أجرته معه صحيفة "الرؤية" الإماراتية ــ 29/3/2014 ــ ما حدث لتجارة العائلة في الكويت على أثر الغزو العراقي في 1990 ، حيث يقول أنه والعاملين معه تركوا الكويت إلى عمان تاركين خلفهم مخازن ضخمة مليئة بأطنان من البضائع. حيث أن حسين المولود في صور، والمتخرج من جامعة الكويت في علم الفلسفة والنفس والإجتماع، والحاصل على درجة جامعية عليا في الاقتصاد من الولايات المتحدة، كان قد إرسل وهو شاب يافع إلى الكويت للمشاركة في إدارة تجارة العائلة واتمام تعليمه الجامعي هناك فصار شاهدا على ما حل بالكويت بعد الغزو من مآس.



 

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها