مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

داعش والوهابية والتكفير: الاختلاف والتشابه - بدر الإبراهيم

طباعة PDF



منذ ظهور داعش وتمدده، والتحليلات لا تتوقف، فهناك كثير من الكلام، وكثير مما كُتِب ويُكتَب، حول أسباب انبعاث هذه الجماعة بالتحديد. التركيز على هذه الجماعة نابع من أمرين: نجاحها في السيطرة على رقعة جغرافية كبيرة داخل العراق وسوريا، والكمية الهائلة من العنف الذي تمارسه ضد خصومها، بما يفوق بمراحل جماعات مسلحة أخرى في المنطقة نفسها.

يهوى كثيرون تفعيل التفسير الثقافي لوصف ظواهر كهذه، بربط نشوء داعش بالثقافة العربية الإسلامية، على الطريقة الاستشراقية، أو ربطها بثقافة «الأعراب»، كما يفعل بعض العنصريين المتدثرين برداء العروبة، وكل هذه التحليلات تغفل وجود عوامل متعددة، ساهمت في نشوء هذه الجماعة، ليس أهمها العامل الثقافي.
لا بد من القول إنّ هناك فرقاً بين أسباب انبعاث هذه الجماعة ووجودها في الساحة العربية، وبين سلوكها الذي يمكن تفسيره بتكوينها العقائدي. الحديث عن نشوء هذه الجماعة وتمددها، وحتى قدرتها على اجتذاب كوادر ومناصرين، يستدعي الحديث عن أمرين أساسيين يدفعان بها وبغيرها من جماعات العنف إلى الظهور في الساحة العربية:
الأمر الأول هو تآكل شرعية الدولة العربية، وعدم قدرتها على القيام بمسؤولياتها تجاه مواطنيها، أو ممارستها العنف تجاه فريق منهم، وهو ما ينتج قيام جماعات تمارس العنف كرد فعل. الدولة في العالم العربي في حالة انفجار، يعلن عن فشلها، وهي لم تتمكن من القيام بواجباتها، فلم تواجه الهيمنة الغربية ولا الاحتلال الإسرائيلي، بل إنها استسلمت للهيمنة والاحتلال في كثير من الحالات، وهو ما جعل من وجود المقاومة في لبنان وفلسطين رد فعل على غياب الدولة العربية عن ساحة المواجهة، فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية قامت بتعويض تقصير الدولة العربية في مواجهة إسرائيل، وقامت ولا تزال تقوم بواجب المواجهة مع الكيان الصهيوني.

وإضافة إلى تقصيرها الخارجي، وإهدار كرامة مواطنيها، لم تنجح الدولة في العالم العربي في بناء مؤسسات دولة تشمل جميع مواطنيها، ولا بإيجاد هوية قادرة على تحقيق التماسك الاجتماعي، وتم اختزال الدولة بالأنظمة الحاكمة، التي مارست الاستبداد والفساد بأشكال مختلفة، وأدى ذلك إلى نشوء جماعات خارج الدولة، تعمل على حماية مصالح فئات معينة من الناس، أو مواجهة عنف الدولة. الجماعات المسلحة في الدول العربية تدخل في هذا الإطار، كما تدخل داعش، أي أن هذه الجماعات هي تعبير عن فشل الدولة في تمثيل مصالح مواطنيها، ونتاج انهيار شرعيتها لأسباب مختلفة داخلية وخارجية.
الأمر الثاني هو أن جماعاتٍ مثل القاعدة وداعش، رد فعل على عولمة غير عادلة، فالقهر الأميركي الغربي لبقية العالم ينتج ردود فعل تتخذ طابعاً عنيفاً (من دون أن نغفل دور الأميركيين في تكوين الحالة الجهادية في أفغانستان)، ويمكن لها أن تذهب لردة فعل روحية تبرر عنفها في مواجهة التعسف والظلم وغياب العدالة، وهذا ما يشير إليه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، في معرض حديثه عن تفجيرات 11 سبتمبر، وهو يعزو عنف القاعدة إلى عوامل سياسية واقتصادية، ويرفض التفسير الثقافي الذي يقول به أشخاص مثل صامويل هنتغتون، فهابرماس يحمل الرأسمالية المنفلتة، والتراتبية القائمة للمجتمع العالمي، مسؤولية نشوء حالة العنف هذه.
إن انبعاث جماعات تكفيرية مثل داعش ليس سببه وجود نص تراثي يعزز اتجاه التكفير، بل وجود ظروف سياسية واقتصادية تجعل من توظيف هذا النص، ومن التحشيد والتعبئة عبره، أمراً ممكناً. لكن هذا لا ينفي أهمية دراسة المكون الإيديولوجي لداعش، وفهم الارتباط بينه وبين الوهابية، لفهم سلوكيات وممارسات هذا التنظيم، وطبيعة التأصيل العقائدي للعنف الذي يمارسه، من دون الوقوع في شَرَك اعتبار العنف ظاهرة سلفية وهابية، وتناسي دوافع العنف المختلفة، وأسباب انبعاث الجماعات خارج الدولة التي تمارس العنف، ووجود عنف هائل تاريخياً، وبخاصة في الغرب، وممارسات عنفية بشعة لأسباب دينية وقومية و»حضارية»، لم ترصدها الكاميرات ولم يظهرها موقع «يوتيوب»، لكن كتباً عديدة وثقتها (ومنها كتاب منير العكش عن أميركا والإبادات بأجزائه الثلاثة)، لذلك يبدو استبشاع الإعلام الغربي لجرائم داعش، أو التلميح إلى أنها استثناء في التاريخ، وسير بعض الإعلاميين والمثقفين العرب على هذا المنوال، مبالغة تغفل عمداً أو سهواً حقائق التاريخ، كما أن المبالغة في تضخيم عنف داعش، أو الكذب بشأن جرائمه (وكأن داعش يحتاج لمن يفتري عليه في ظل اعترافه بجرائمه) من وسائل إعلام تابعة لأنظمة إقليمية، هدفها تعبوي ضد داعش لما يمثله من خطر عليها، وأيضاً يتعلق بالهجوم على داعش لمصلحة تلميع جماعات أخرى مدعومة من هذه الأنظمة.
لا بد من الإشارة إلى انقسام الوهابية إلى وهابيتين، واحدةٌ براغماتية والثانية راديكالية، وقد حصل هذا بعد معركة السبلة عام 1929، بين الملك عبدالعزيز والموالين له من علماء الوهابية من جهة، وجماعة «إخوان من طاع الله» من جهة أخرى، وقد كانت هذه الجماعة عوناً للملك عبدالعزيز في ضم أجزاء واسعة من الجزيرة العربية تحت سيطرته، وساعدته في الانتصار على ابن رشيد حاكم حائل، وعلى الأشراف في الحجاز، لكن إخلاص الجماعة للمبادئ الوهابية التي تعلموها، ورغبتها في التوسع باتجاه العراق، واستمرار الحالة الجهادية، اصطدم برغبة الملك في التزام النظام الدولي والتحالف مع القوى الفاعلة مثل بريطانيا، وهكذا حصلت المواجهة بن النهج الذي يريد إكمال السير بالمبادئ الوهابية، والنهج الذي يعدل فيها وفق ما يراه ولي الأمر، وهو النهج المتمثل اليوم بالمؤسسة الدينية الرسمية في السعودية، والتي تعتبر داعش العدو الأول للإسلام، على ما صرّح مفتي المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ.
إن الحديث هنا هو عن ارتباط داعش بالوهابية الأصيلة، التي جاء بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وليس بالوهابية المعدّلة التي تمثل نهج المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية، وجزء أساسي من الإشكال في فهم وهابية داعش، هو ربطها بورثة الوهابية في السعودية اليوم، وهم الذين يعتبرهم داعش محرفين للمنهج الوهابي الأصيل.

الشيخ هو الأمير

صحيح أن هناك تشابهاً إيديولوجياً بين الوهابية الأصلية وداعش، لكن أساس قيام الدولة السعودية الأولى، التي ساهم فيها محمد بن عبدالوهاب، تختلف عن أساس الدولة عند داعش، بل وتختلف حتى عن الدولة السعودية الثالثة، التي أقامها الملك عبدالعزيز.
قامت الدولة السعودية الأولى على أساس التحالف التاريخي بين الشيخ والأمير، محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود، وقد اتُفق على هذا التحالف في اللقاء الذي جمع الرجلين في الدرعية، ويروي عثمان بن بشر أحد أهم مؤرخي الدولة السعودية الأولى وتطور الدعوة الوهابية إلى جانب حسين بن غنام في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد»، أن الأمير محمد بن سعود قال للشيخ: «أبشر ببلادٍ، خير من بلادك وبالعز والنعمة. فقال له الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها، ملك بها البلاد والعباد وأنت ترى نجداً كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة والقتال لبعضهم البعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك».
يشير هذا الحوار إلى المزاوجة بين الدعوة والدولة، إذ يتحدث ابن عبدالوهاب عن النصر ومُلك البلاد والإمامة، وهو يتأمل أن يجد دولة تنصر الدعوة، أي أنه لا يكتفي بالدعوة إلى إصلاح الدين كما يرى، بل يعمل لإيجاد كيان سياسي يحمل طابعاً رسالياً، ويعني هذا أنه لابد من إقامة الدعوة بقوة الدولة، وأن انتصار الدعوة لا يكون بغير دولة تنصرها، وهنا يظهر تقاطع مع رؤية داعش، الذي يرغب بإقامة الدولة نصرةً للتوحيد، لكن الفارق أن ابن عبدالوهاب كان يبحث عن نصير سياسي، يتقاسم معه السلطة.

ان تصور ابن عبدالوهاب للدولة يقوم على تقاسم طرفين لإدارة الحكم، الشيخ والأمير، فيقوم الشيخ بإدارة الشأن الديني، والأمير بإدارة الشأن السياسي، من دون أن ينفي ذلك وجود تداخل بين الشأنين، لكن ضمن تفاهم يحدد مساحة كل منهما. هنا تتحالف السلطتان الروحية والزمنية، فتمنح الأولى الثانية الشرعية الدينية، وتمنح الثانية الأولى القدرة على بسط النفوذ ونشر الأفكار الخاصة بها في المجال العام، من دون منافس.
في الدولة السعودية الثالثة اختفت فكرة تقاسم السلطة، فلم يكن هناك شيخ وأمير يتقاسمان النفوذ، بل كان عبدالعزيز بن سعود وحده في الصورة ملكاً. صحيح أنه رفع راية العقيدة، وتحالف مع ذرية ابن عبدالوهاب وورثته من العلماء، واستخدم أدبيات الوهابية في التحشيد والتعبئة للقتال من أجل توحيد الجزيرة، لكن سردية قيام الدولة الثالثة – مثلما تم إنتاجها بعد قيام الدولة - تركز على استعادة حكم الآباء والأجداد، كما أن العلماء هذه المرة لم يكونوا شركاء في السلطة بعد تأسيس الدولة، بل أصحاب نفوذ لهم حظوة ومكانة، ويقومون بمنح الدولة الشرعية، لكنهم ليسوا شركاء كاملين على غرار ابن عبدالوهاب، فالأخير كان شريكاً حقيقياً في إدارة الحكم مع محمد بن سعود وابنه عبدالعزيز من بعده، ويشرح عثمان بن بشر قوة نفوذ ابن عبدالوهاب بقوله: «كانت الأخماس والزكاة وما يجيء إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها، كلها تدفع إليه (الشيخ ابن عبدالوهاب) يضعها حيث يشاء، ولا يأخذ عبدالعزيز (ابن محمد بن سعود) ولا غيره من ذلك شيئاً إلا عن أمره. فبيده الحلّ والعقد، والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير، ولا يركب جيش ولا يصدر رأي من محمد بن سعود، وعبدالعزيز إلا عن قوله ورأيه».
نفوذ العلماء في الدولة السعودية الثالثة (الحالية) تقلص بمرور الوقت، ونلحظ أن الإسلاميين الحركيين، وحركات الاعتراض الإسلامية على الدولة عموماً، جهادية أو غير جهادية، تعيد تأكيد مطلب العودة إلى حلف الشيخ والأمير، عبر تعزيز دور العلماء في إدارة المجال العام، ومراقبة الأنشطة كافة. إن هذا الاختلاف بين الدولتين الأولى والثالثة، في شراكة العلماء وحجم نفوذهم، يجعل قراءة كثير من الجهاديين للدولتين مختلفة، فهم يرون في الدولة السعودية الأولى نموذجاً إسلامياً خالصاً، أما الدولة الثالثة فيكفرونها لأسباب عديدة، ويظهر هنا رفض الوهابية الأصيلة للوهابية المعدّلة التي تحالفت مع الملك عبدالعزيز، وقبلت بسياساته المختلفة عن رؤية الوهابيين الراديكاليين، في إيقاف الجهاد والاعتراف بالنظام الدولي، وغيرها من الأمور.
داعش يختلف عن أساسات الدولتين الأولى والثالثة، ويتمرد على نهج الوهابية في البحث عن نصيرٍ سياسي، يشاركه السلطة بشكل كامل في حالة محمد بن سعود (الدولة السعودية الأولى)، أو يضمن نفوذاً مهماً تحت سلطانه كما في حالة الملك عبدالعزيز ودولته، ففي «الدولة الإسلامية» بات الشيخ أبو بكر البغدادي هو الأمير، بل هو خليفة المسلمين، وهو ومن معه لا يبحثون عن من ينصر الدعوة سياسياً ليتحالفوا معه، ولا يفكرون ضمن ثنائية الشيخ والأمير، اللذين يتقاسمان السلطة، فالشيخ بإمكانه أن يكون هو الأمير، وأن يجمع السلطتين الزمنية والروحية، فيشرّع ويطلق الأحكام، ويشرف على تنفيذها، هو ومن معه من الشيوخ في قيادة الدولة.
هذا فارق مهم في تصور طبيعة الدولة ووظيفة العلماء فيها، فالبغدادي والعدناني ومن معهم لم يبحثوا عن ولي أمر يبايعونه لينشر دعوة التوحيد، بل تصدوا للمسألة بأنفسهم، وقرروا إقامة الدولة وحكمها والإشراف على توسعها، لا الاكتفاء بدور المشرّع لدولة يقودها الغير، وقد ينحرف بها عمّا يريدون، أو يبتلع الأمير دور الشيخ، كما شهدوا في نموذج الدولة السعودية الثالثة، وهذا يعتبر تحولاً كبيراً في النظرية الوهابية حول الدولة.

تنظيم أممي يسعى إلى الخلافة

في المقارنة بين الحركة الوهابية الأصلية، وتنظيم داعش، لا بد من ملاحظة الاختلاف على مستوى الجماعة المستهدفة بالتحشيد والتعبئة للقتال، ففي حالة الوهابية الأصلية كان مجتمع نجد هو المستهدف بالأمر، وكان الاعتماد على المقاتلين من أهل نجد في توسيع رقعة الدولة، أما داعش فهو تشابه إخوان من طاع الله من حيث التركيبة، بالاعتماد على عناصر وحواضن شعبية بدوية، في بادية الشام الكبرى، لكنه يختلف بكونه يفتح الباب أمام انضمام مقاتلين من كل أنحاء العالم، وهو ما يجعل داعش تنظيماً أممياً، لا محلياً على غرار الحركة الوهابية.
لابد من مراعاة تغير الظروف التاريخية، فهذا الاختلاف نتاجها بالطبع، وربما لو توافرت للحركة الوهابية القدرة على تجنيد أفراد من كل أنحاء العالم باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، لما ترددت في ذلك، فهي كانت تريد التوسع ونشر الدعوة في كل مكان، ولم تقتصر على نجد أو الأحساء، بل ذهبت إلى اليمن والعراق والحجاز، لأنها كانت تفكر بالمسلمين جميعاً.
يقود هذا إلى الحديث حول فكرة الخلافة، فالواضح أن استدعاء داعش للخلافة متأثر بأدبيات الحركات الإسلامية ما بعد سقوط الخلافة، والتي تركز على تجميع المسلمين بعد تشتتهم في إطار الخلافة، فيما لم تدعُ الوهابية لخلافة تنافس الخلافة العثمانية، ولم تطلق لقب الخليفة على الإمام محمد بن سعود. مع ذلك نلحظ أن هذا الفارق ليس نوعياً، فالاثنان يؤمنان بالتمدد الذي لا تحده حدود جغرافية، وهو الأمر الذي تمسك به إخوان من طاع الله وناقضوا به نهج الملك عبدالعزيز، وهذا تمسكٌ بالنصوص المؤسسة للوهابية، التي تؤمن بالتمدد على النسق الامبراطوري، مستحضرة واقع الفتوحات الإسلامية في عهد الخلافة الأول.
كانت الوهابية الأصلية تؤمن بتمدد دولة التوحيد بحسب القدرة على القتال، وكان حاكمها إماماً للمسلمين، أما الوهابية المعدّلة فقد رفض علماؤها فكرة إحياء الخلافة، بعد أن استقر الملك عبدالعزيز على حدود دولته، وهو لم يعد إماماً بعد التأسيس، كما كان يلقب أثناء عملية توحيد الجزيرة، فقد أصبحت دولته مملكة، وأصبح ملكاً، وهو اللقب الذي يتضاد مع أدبيات الوهابية الأصلية، التي ترى أن المُلك لا يكون إلا لله.
في مسألة التمدد والتوسع، داعش يشبه الوهابية الأصلية، فهو يرفض الحدود، ويسعى للتمدد وحكم المسلمين، لكن مسألة الخلافة لم تكن مطروحة في عهد الوهابية الأصلية، كما هي الآن، وهذا فارق آخر يتعلق بالظروف التاريخية.

التكفير محفّزاً للقتال

يظل التكفير لبّ الإيديولوجيا الوهابية، وهو أداة تستخدم في التحشيد والتعبئة للقتال ضد المعارضين للدعوة من «الكفار»، وهذه الأداة ذاتها يستخدمها داعش في تعبئة عناصره، ويتفق الاثنان في تأكيد مفهوم الهجرة، الذي يقسم الدنيا إلى دار إسلام ودار كفر، ويحث الاثنان على الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام التي تعني الأراضي الخاضعة لسيطرة الوهابيين. يوسُّعُ داعش في التكفير ليشمل عدداً ضخماً من المسلمين له أصوله الوهابية، ويمكن مراجعة موسوعة (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) للشيخ عبدالرحمن بن قاسم، والمكونة من ستة عشر مجلداً، لفهم الخطاب الوهابي بشكل دقيق، فقد جمعت الموسوعة رسائل وفتاوى محمد بن عبدالوهاب، وأئمة الدعوة الوهابية من بعده، وصولاً إلى السبعينيات من القرن المنصرم.
التكفير حاضر بقوة في الفتاوى والرسائل الخاصة بمحمد بن عبدالوهاب، فهو مثلاً يؤكد أنه لم يكن يعرف معنى لا إله إلا الله أثناء طلبه للعلم، وقبل أن يهتدي إلى أفكاره حول التوحيد والشرك، وهو ما ينطبق على علماء عصره جميعاً: «وأنا في ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام، قبل هذا الخير الذي منّ الله به، وكذلك مشائخي، ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض (الرياض وما حولها، أو ما يعرف بمنطقة اليمامة) أنه عرف لا إله إلا الله، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم من مشائخه أن أحداً عرف ذلك، فقد كذب وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه». الدعوة الوهابية كما يظهر في أدبياتها، تصحيح لجاهلية سائدة، وإعادة إحياء لإسلام مندثر، وهكذا فإن من لا يلتحق بركب الدعوة الوهابية، هو كافر، لذلك كفّر ابن عبدالوهاب علماء الجزيرة من الحنابلة قبل غيرهم، ممن خالفوه أو لم يستجيبوا لدعوته، أو حتى لم يكفروا من كفرهم هو.
لقد استُخدم التكفير سلاحاً في وجه المعارضين السياسيين للدعوة الوهابية، فقد كُفّر أهل حائل مثلاً، ليس لأنهم يمارسون أموراً شركية بالعرف الوهابي، ولكن لأنهم لم يشاركوا الوهابية تكفير الدولة التركية وأهل مكة: «فمن لم يكفر المشركين من الدولة التركية، وعبّاد القبور كأهل مكة وغيرهم... فهو كافر مثلهم»، وأطلق مصطلح الردة على المعارضين السياسيين، الذين يخضعون للدولة ثم ينقلبون عليها، ويروي حسين بن غنام مثلاً: «دخل كثير من أهل وادي الدواسر في الإسلام، وارتدَّ بعضهم بعد ستة أشهر، فجهز عبدالعزيز جيشاً، وأرسله لقتالهم، فقدم عليهم وصبّ عليهم العذاب، وأكثر فيهم القتل، حتى ذلوا وهانوا، فطلبوا الدخول في الإسلام».
إن الحكم بالردة موجود عند داعش، خصوصاً لمن يختلف معه أو يخرج على الطاعة المطلقة لقياداته، ونذكر هنا ما فعله بأفراد قبيلة الشعيطات في دير الزور، والتي بعد اتفاقها معه حصل خلافٌ انتهى إلى إصدار الحكم على العشيرة بأنها (طائفة ممتنعة)، فكان لزاماً قتل رجالها وتهجير نسائها وهدم بيوتها.
التكفير هنا هو دافع للقتال، والارتباط وثيق بين التكفير والقتال في الخطاب الوهابي، فتكفير أهل مدينة أو قرية موجب لقتالهم، كي يخضعوا للدولة الممثلة للتوحيد، وهذا أمر يتبناه داعش بلا مواربة. والقتل لم يكن فقط في الحروب ضد مخالفي الوهابية، بل تجاوزه إلى عمليات اغتيال لشخصيات معينة في غير أوقات الحرب، كاغتيال أمير بلدة العيينة عثمان بن معمر وهو في مسجده بعد أدائه صلاة الجمعة، بسبب الاشتباه بتآمره على الدعوة الوهابية، رغم أنه كان في الظاهر حليفاً، ويُذكر هذا بالاغتيالات التي يقوم بها داعش تجاه من يعتبرهم صحوات، ويشتبه بأنهم يتآمرون عليه، وإن كانوا من صفه.
بالنسبة إلى الوهابية فقد تجسد التوحيد بالدولة، ومن لا ينضم للدولة ولا يُكَفِّر أعداءها ويتبرأ منهم، فهو كافر مثلهم، كما في مثال أهل حائل الذي أوردناه، فالإيمان بالدعوة ترجمته الخضوع للدولة والبراءة من أعدائها جميعاً، والتردد في هذا يوجب الكفر، فمن شك في كفر الكافر، هو كافر بالنسبة للوهابية، وهذا هو ما يعتقد به قادة داعش، فهم يرون أن الدولة الإسلامية التي يقودونها محتكرة الحقيقة الدينية، وهكذا يصبح الخروج على طاعتها خروجاً على الدين موجباً للكفر، وهنا تصبح المعارضة السياسية لداعش، كفراً أو ردة، توجب القتال والقتل.
ولا يتوقف الأمر على استحلال الدماء، بل حتى أموال الكفار مستحلة، أي أن التكفير يشرعن سرقة مال من يتم تكفيره، والشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ، أحد علماء الدولة السعودية الثانية، وواحد من أحفاد محمد بن عبدالوهاب، يفتي بجواز أخذ الأموال من قوافل العسكر الأتراك، أو قوافل الزوار الشيعة، كما هو مذكور في موسوعة (الدرر السنية في الأجوبة النجدية)، ويؤكد أن: «سرية ابن الحضرمي في عهده صلى الله عليه وسلم، مشهورة معروفة، وقصدت عير قريش، وقريش في ذلك الوقت مع كفرهم وضلالهم، أهدى من كثير من العسكر، والزوار من الرافضة بكثير، فالمجادل في حلّ ما أُخذ من العسكر والزوار، لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، فعليه أن يصحح عقيدته، ويراجع الإسلام من أصله، ويتفطن في النزاع الذي جرى بين الرسل وأممهم». هذا الأمر يجعل سطو داعش على المصارف مثلاً وغيرها مفهوماً تماماً، إذ إنه شرعي في نظره.
إن كل هذا التوسع في التكفير لا يعني إقرار الوهابية بأنها تكفِّر بالعموم، فمحمد بن عبدالوهاب حين يُسأل عن الأمر ينفي تكفيره الناس بالعموم، ويعتبره افتراءً، وهو الأمر نفسه الذي يردده أبو عمر البغدادي (الذي سبق أبا بكر البغدادي على رأس التنظيم)، لكن التدقيق في مفهوم المسلم عند الوهابية يقود إلى الاستنتاج أن كثيراً من المسلمين هم خارج دائرة الإسلام بالفهم الوهابي، ذلك أن الوهابية تربط بين الإسلام والالتزام بالتفسير الوهابي له، المجسد في دولة التوحيد، ورغم أنها لا تكفر المسلمين بالعموم، إلا أنها من خلال هذا الأمر ترمي كثيراً من المسلمين بالكفر، وما يترتب عليه من قتال وقتل، وهو ما نشهده من سلوكيات داعش تجاه المسلمين قبل غيرهم في العراق وسوريا.

العودة إلى المنابع

داعش يمثل العودة إلى أصول الوهابية، وهو بذلك يناقض بشكل حاد الدولة السعودية الحالية، وهو ما يجعل التحليلات حول ارتباط داعش بالسعودية، أو ولادة التنظيم من رحم المؤسسة الدينية الحالية في السعودية، أمراً خالياً من الصحة، فالتنظيم يعتمد على المبادئ التي يعتقد أن الدولة السعودية قد التفّت عليها، وينظر للسعودية نظرته لكل الدول المنحرفة عن تطبيق الشريعة، لذلك تنظر السعودية كغيرها من دول الإقليم إلى التنظيم بقلق، وهي تتأهب لمواجهته. الصراع مستمر بين وهابية تسير وفق مقتضيات الواقع، وأخرى تعود إلى الأصول لتهاجم الواقع.


__________
المصدر: صحيفة الأخبار اللبنانية


 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها