مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

فلسفة قمة الإنتاج - عثمان الخويطر

طباعة PDF

فلسفة قمة الإنتاج

عثمان الخويطر

 

نعني بفلسفة قمة الإنتاج، الطريقة التي تمارس بها دول الخليج إنتاج النفط والغاز، وهو ما قد يكون موروثًا من الشركات الأجنبية التي كانت تدير شؤون النفط في بلادنا. وكان من أهداف تلك الشركات إنتاج أكبر كمية ممكنة من النفط والغاز، بصرف النظر عن تأثير ذلك في مستقبل شعوب المنطقة وفي الحقول النفطية نفسها. وهو أمر طبيعي بالنسبة لهم حيث إن هدفهم من وجودهم هو الكسب السريع. أما بالنسبة لنا، فالطريقة المثلى تبدأ من تقدير الاحتياطيات القابلة للإنتاج ثم تحديد كمية الإنتاج التي تفي بالحاجات الضرورية لأفراد المجتمع، مع الأخذ في الاعتبار عمر النفط الاقتصادي وضرورة مشاركة المواطن في إيجاد دخل مواز للدخل النفطي. وهو ما لم يحدث حتى يومنا هذا، رغم جميع المحاولات غير الجادة. بل صرنا نستنزف هذه الثروة الناضبة بإسراف شديد وغياب تام للرؤية المستقبلية وكأننا مأمورون لنقضي عليها بأسرع ما يمكن، مع علمنا وإدراكنا عدم وجود البديل. ولكن كيف يتم ذلك؟

إحدى الدول الخليجية عدد سكانها قريب من مليون نسمة. وتنتج ما يزيد على مليونين ونصف المليون برميل يوميا، يدر عليها دخلا يفيض عن حاجة مجتمعها الصغير. وهذا أقصى أو قمة ما تجود به حقولها التي تعدَّى معظمها مرحلة الذروة منذ زمن طويل. ومع ذلك، وبدلاً من العمل على تنويع مصادر الدخل استعدادًا لعصر ما بعد النفط، نجدهم يخططون لرفع الإنتاج "المرتفِع" إلى مستويات قياسية جديدة، وبتكلفة باهظة. وهي خطوة أبعد ما تكون عن المنطق والحكمة. وقد يعلمون أو لا يعلمون، أن تحقيق مثل هذا الهدف شبه مستحيل. وكان بودنا لو أنهم يعكسون المخطط ويعملون على تخفيض الإنتاج تدريجيًّا، وهو ما قد يكون تحصيلا حاصلا، ويحولون تركيزهم على إيجاد مصادر دخل جديدة ومستديمة يكون المواطن مشاركا فيها؟

وإحدى الشقيقات، معروف عنها امتلاكها لأكبر حقل غاز في العالم. وعدد سكانها بضع مئات الألوف من البشر. وكان من الممكن أن تعيش على تصدير الغاز لعقود طويلة لو أنها حاولت ضبط إنتاجها ليتناسب مع عدد سكانها، حتى على فرض يكون الدخل الوحيد للدولة. ولكنها لا تريد أن تشذ عن أخواتها، فاختارت سلوك طريق قمة الإنتاج، الذي يفيض دخلها عدة أضعاف عما تحتاج إليه المعيشة والتنمية المعقولة. وهذا سوف يهدد مستقبل حقولها ويعجل بنضوبها دون أي مبرر ولا منطق. خصوصا أن شعبها لا يختلف عن بقية شعوب الخليج المعروف عنهم عدم الإنتاجية والإسراف في الاستهلاك والاعتماد على خدمات العمالة الأجنبية.

وثمة مثال على طريقة تخطيطنا لاستغلال ثرواتنا النفطية الناضبة. فعلى الرغم من إدراكنا أن عمر النفط محدود ومعرفتنا بمميزات تقنين الاستخراج وتأثيره الإيجابي في نسبة الاستخلاص، إلا أننا انتهجنا مبدأ قمة الإنتاج. فعندما نكتشف حقلاً ما، نصمم حجم مرافق الإنتاج لتتوافق مع أكبر كمية ممكن إنتاجها من الحقل، أي ذروة إنتاجه. ما معنى ذلك؟ لو افترضنا أن قمة إنتاج الحقل تصل إلى مليون برميل في اليوم، صممنا معمل الإنتاج لهذا المستوى. مع العلم بأن ذروة الإنتاج لا تستمر طويلاً، فهي سوف تنخفض بعد سنوات من فترة إنتاج "البلاتو" قد لا تكون طويلة. وعندها يصبح مرفق الإنتاج يعمل بأقل من طاقته الأصلية التي كان قد صمم من أجلها. وعمر معامل الإنتاج يراوح عادة بين 40 و50 عاما. ونتيجة للانخفاض الطبيعي لمستوى الإنتاج نكون أمام أمرين. الأول أن تعطيل نسبة من حجم المعمل عندما ينخفض الإنتاج، يعني أننا صرفنا مبالغ مالية كبيرة إضافية من أجل زمن قصير من عمر المعمل. والآخر أن كفاءة المعمل تتأثر سلبًا عندما تتغير كمية السوائل النفطية والغاز المصاحب وتختلف عن معطيات التصميم الأصلية. أذكر أن معمل إنتاج في إحدى دول الخليج كان قد صُمِّمَ على أحدث طراز وأعلى المواصفات لإنتاج 200 ألف برميل في اليوم من حقل صغير. وفي غضون سنوات قليلة انخفض إنتاج الحقل إلى النصف، أي إلى مستوى 100 ألف برميل في اليوم. وعلى فكرة، رغم أن الدول التي نحن بصددها هي ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن آخر شيء يفكر فيه المسؤولون في تلك الدول هو التعاون الإداري والفني واللوجستي فيما بينهم في مجال صناعة وإنتاج الغاز والنفط، رغم الحاجة لذلك، وهو أمر مؤسف. والتعاون والتشاور بين الأشقاء مهم لتبادل الخبرات والآراء. والذي يتابع سياسات الإنتاج النفطي لدول الخليج منذ انتقال المسؤولية من الشركات الأجنبية إلى أصحاب الأرض يجد أن فلسفة الإنتاج لم تتغير عما كانت عليه آنذاك، وكأننا، نحن أصحاب الثروة النفطية نستعجل نضوب الحقول من أجل أن ننتقل إلى المستقبل المجهول. ولو أننا استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، وحسبنا للمستقبل ما يستحق من اهتمام لكنا اليوم نعتمد في حياتنا على ما تنتج عقولنا وليس على ما تنتج حقولنا. ولا يزال أمامنا مجال لتغيير فلسفة الإنتاج، لتتلاءم مع مصالحنا ومصالح أجيالنا المستقبلية. والله ولي التوفيق.

 

 

المصدر : جريدة الإقتصادية