مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

أن تكون عربيًّا دون استلزامات “العروبيين” - أحمد العوفي

طباعة PDF

 

إذا كان العرب عربًا، فكل ما نحن في حاجة إليه -حتى نلمس البعد العربي في سياسيات الدول- هو أن نبني دولاً وطنية معبرة عن شعوبها. عرب اليوم ليسوا رعايا الدولة العثمانية الذين يبحثون عن وحدة سياسية تضمهم بعد انهيار الباب العالي، كما أنهم ليسوا جمهور عبد الناصر المشدودين للوحدة تحت ظل القائد.

صورة تجمع الراحلين جمال عبدالناصر، وياسر عرفات، ومعمر القذافي

صورة تجمع الراحلين جمال عبدالناصر، وياسر عرفات، ومعمر القذافي

ليس الهدف من التشديد على حضور الهوية الوطنية إلى جانب الهويات العابرة لها أو الهويات الجزئية والفئوية الأصغر منها هو الدخول في لعبة تحديد هوية سياسية وحيدة، أو هوية مطلقة، (وهي لعبة زائفة كما سأبين)، أو حتى إعطائها قيمة ذاتية. ما أجادل له هنا بوضوح هو:
أولاً: أن هذه الهويات الوطنية المتمايزة بالضرورة لا تتصادم دائمًا مع الهويات العربية والإسلامية الحاضرة هي الأخرى في المخيلة الجمعية، ولسنا في حاجة لاختلاق التعارض خطابيًّا في المساحات التي لا يوجد تعارض بها. إن هذه الهويات -والتي سأسميها هنا “ما فوق الوطنية”- لابد أن تظل حيوية ومنعكسة -كونها حاضرة- على مختلف المناحي السياسية والاقتصادية والثقافية للوحدات السياسية، وأن تظل إدارة التعارض بينها وبين الاعتبارات الوطنية خاضعة للتداول السياسي داخل هذه الوحدة.

ثانياً: إن العمل السياسي القائم على الهويات الجزئية (المناطقية والدينية) ليس شرًّا محضًا، إنما ينبغي أن يكون خاضعًا للتقدير الظرفي. ففي حالات معينة سيكون الرفض لأي ظهور لها تكريسًا لاستمرار وضع غير عادل وفي ظروف أخرى لابد أن تواجه بالاحتواء المُعترف بوجودها؛ أي حين تكون عامل تفتيت للبنية السياسية في فترات ضعف الأخيرة. باختصار سأوضح أننا لسنا بحاجة إلى القيام باختيارات حدية مطلقة للهوية السياسية. إذ إن إلحاح هذا السؤال الزائف: “ماهي هويتنا السياسية؟” (“الهوية” بـ(ال التعريف) لا يكون ملزمًا إلا في مزاعم القوميين في أي مكان في العالم، والعروبيون المعنيون بالنقاش هنا ليسوا استثناء.

الاختيارات الحدية وهوس الحسم الهوياتي

بإمكاننا أن ندرك بسهولة أن ذواتنا لا تعكس حقيقة ثابتة ومستقلة. إننا نعتمد بشكل واعٍ أو غير واعٍ على تعريف أنفسنا من خلال الآخرين في إدراكٍ لذواتنا يبرز أو يغيب حسب الموقف أو الظرف الاجتماعي. فنحن نعبر عن أنفسنا من خلال الانتماء إلى عائلة أو منطقة أو ديانة أو جنسية، أو حتى نادٍ رياضي، إذ إننا لا نستطيع أن نعرف الـ”أنا” دون الدخول في حيز الـ”نحن”، والتي بدورها تتعدد وتتجاور في الذات الواحدة من غير أي شعور ضروري بالتناقض. هذا واضح جدًا. الخلاف لا يبدأ إلا عندما تضاف صفة “السياسي” لهذا الانتماء، فهل يمكن للانتماء السياسي أن يتعدَّد؟

ليس بوسعنا مناقشة هذا السؤال دون البدء أولاً بفحص معنى “السياسي”، حيث يمكن وضع اليد على جذر عدد من إشكالات الخطاب العروبي. ففي إجابة عدد من دعاة هذا الخطاب محليًّا على “ما هو السياسي؟” تتردد كثيرًا الاستعانة بتعريف الفقيه القانوني والفيلسوف “كارل شميت” الذي يقدم معيارًا بسيطًا لتمييز ما هو سياسي. يقول شميت: “التمييز السياسي الذي يمكن أن تختزل فيه الأفعال والدوافع السياسية هو التمييز بين العدو والصديق” كما يتم في الفضاء العام. إن هذا التعريف يكتسب دقته وجاذبيته من هروبه من تعقيدات مفهوم ملتبس كالسياسة -وهو ما عبر عنه شميت نفسه- إلى التركيز على سمة أولية له. هذه الجاذبية في الحقيقة هي ذاتها نقطة الضعف، حيث يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة اختزال تجعل من الحالات المتطرفة أصلاً، وتفرغ موضوعًا متشابكًا كالظاهرة السياسية من ملابساتها على أرض الواقع. غير أن المفهوم ينتقل من أن يكون اختزاليًا إلى مُقلق حين يوظف لاستخلاص أحكام وتصورات معيارية كما يفعل أنصار الفكرة القومية.

إن تعريف شميت للسياسي – المنطلق من مسلمة هوبزية أحادية الروية تنظر للإنسان على أنه “كائن خطر”- يتحدث عن تقابل وجودي غير تجريدي وغير رمزي بين الجماعة والجماعات الأخرى. رسم الحدود الهوياتية هنا (والتي يظل فيه الصراع والعداء كامنًا حتى في حالات السلم) ليس موقفًا تقديريًّا يشارك فيه الفرد، بل يرتبط بـ”وجود” الجماعة مستقلةً عنه وبقدرة السلطة فيها على حسم الاختلاف داخلها. إن الفعل السياسي الخالص حسب هذه الرؤية هو الذي تقرر فيه الجماعة ما إذا كانت ستخوض حربًا مع الآخرين خارجها، أو تدخل في سلم معهم من منطلق أننا “نحن” وأنهم “هم”، وأن وجود الآخرين قد يهدد وجود”نا”. فهناك جماعة واحدة لابد أن تعبر عن السياسي بأن تكون لها وحدها القدرة على فرز الصديق والعدو. وعن هذه يسأل شميت “أي الكيانات الاجتماعية تقرر الحالات المتطرفة [إفناء الآخر من خلال الحرب] وتحدد تصنيفات الصديق والعدو بشكل حاسم؟”. ثم يقدم الإجابة بعد أن يؤكد على أن كل أنشطة ومجالات الحياة المدنية داخل هذا الكيان لابد أن تفرغ من المعنى السياسي : “الدولة هي تلك الكيان [..] الكيان الحاسم الذي ترتبط به الصفة السياسية”. ولا يريد “شميت” هنا الدولة كمؤسسة تعددية، أو كمساحة للفعل السياسي، بل تحديدًا الدولة بوصفها تعبيرًا مباشرًا عن سيادة أمة. وعلى هذا النهج يقوم البعض بالحديث عن الجماعة السياسية العربية (مفردة وبـ”ال” التعريف) التي لا بد أن تكون معطى مسلمًا به من قبل الفرد.

الإشكالية الأساسية في مثل هذه النظرة تكمن في تصويرها للوحدة أو الكيان في هذا الصراع الوجودي المحض. فالخلل لا يتوقف عند إضفاء أهمية خاصة على الصراعات الهوياتية، بل يزداد سوءًا حين يتم التأكيد على أن صفة السياسي لابد أن تقصر على فاعل وحيد. شميت يجادل أنه من الضروري التخلص من السياسة داخل هذه الدولة، وأن تُرّحل أي قدرة على الحكم والفعل السياسي إلى الدولة- الأمة ذات السيادة. وبالرغم من أن الطرح العروبي لا يبدو أنه يذهب مع “شميت” إلى إلغاء السياسة الداخلية بهذا الشكل المتطرف، إلا أنه يستبطن هذه النزعة في رفضه لأي فعل سياسي يبنى على انتماءات الفرد الأخرى الأوسع (إسلامية) أو الأضيق (وطنية، مذهبية، مناطقية). فالانتماءات السياسية لديهم ليست مطروحة كبدائل أو كخيارات تقديرية ظرفية، بل معطى وجودي مطلق يتجاوز الفرد كليةً. إذ إن هناك رابطة واحدة على الفرد أن يدخل المجال السياسي من خلالها، ليس لأنه اختار ذلك، بل لأنها حقيقة وجوده، ألا وهي الجماعة السياسية. هذه الجماعة السياسية التي كما يذكر أورد أحدهم في أحد مناقشاته “تتعهد [الفرد] في سنواته الأولى التي لا يستطيع فيها الاعتماد على نفسه بالرعاية والتنشئة والتربية التي تغرس فيه قيم هذه الجماعة ولغتها وتاريخها. علاقة الفرد بجماعته السياسية هي علاقة انتماء لم يخترها ابتداء مثلما أنه لم يختر أسرته وشكله ومكان ووقت ولادته”. وبالرغم من أن هذا الوصف للجماعة ينطبق على مختلف الانتماءات؛ أي أن تعهد الفرد وتنشئته وحمايته تتم على عدة مستويات متقاطعة. فهو ما تقوم به أحيانًا الجماعة القرابية أو الجماعة الدينية أو -وبشكل أوضح- الدولة “القطرية”، إلا أن متبني هذا الخطاب يصرون على اختيار “الأمة العربية” ليس كأحد هذه الانتماءات لكن كجماعة “واحدة” علينا أن نرتبط بها سياسيًّا، وتكتسب وحدها الصفة السياسية.

أعلام ودول الإتحاد الأوروبي

أعلام ودول الإتحاد الأوروبي

إبراز هذه الإشكالية ليس الغرض منه الدخول في تفاصيل تقييم أطروحة “كارل شميت” إنما لوضع المبضع على الأصل الفلسفي لكل من، أولاً: نزعة إضفاء الصفة الغائية المستقلة على الهوية في الخطاب العروبي، وثانيًا: نزعة معاداة أي فعل سياسي لا ينطلق من الانتماء الذي يختاره أنصار الخطاب للناس كانتماء سياسي وحيد. هذا هو ما نعنيه بالاختيارات الحدية في مجال الهوية التي يعكسها مثل هذا الطرح، والتي تجنح إلى اختزال الإنسان سياسيًّا في فاعل ذي هوية واحدة تمثل الأساس “الصحيح” -الملزم سياسيًّا وفق تعبيرهم- لأي فعل يتصل بالدولة وسلطتها أو بمعارضة ممثليها وسياساتهم. إن سمة الحدة في الخيارات تجعل التمييز “نظريًا” بين هذا الطرح وبين أطروحات صراع الحضارات المسكونة بالهوية مهمة ليست باليسيرة؛ تحديدًا من حيث سعيها الحثيث لخلق الذات والآخر بشكل حاد وواضح، ولخلق غيرية تكون أساسًا للفعل السياسي يغدو كل حراك غير منطلق منها تشتيتًا عن الغايات العليا.

إن الهويات السياسية أي تعريفات الذات والـ”نحن” والآخرين التي تدخل في علاقة ما مع الدولة -كما يعرفها “تشارلز تيلي”- ليست من صناعة الفرد، وليست على الدوام مرهونة بقراراته ووعيه. لكن كونها معطيات اجتماعية، وأنها توجد قبل الفرد ومن خلال الآخرين لا يعني أنها توجد محسومة في أشكال محددة ببساطة حديث القوميين عن الجماعة السياسية.

إن التأكيد على حضور انتماءاتنا الجمعية كأساس سياسي لا يتطلب منا الارتهان إلى المقدمات والأسئلة الخاطئة التي يوجه بها القوميون النقاش حول الهويات. نحن لا نواجه في الواقع بسؤال هوياتي ملح يتطلب منا إجابة حاسمة ونهائية، فإن الذات والآخر في الميدان السياسي تتعدد بتعدد دوائر الانتماء، وكثيرًا ما يكون تصوير التناقض بينها (الممكن لكنه غير الضروري) مفتعلاً. فدون الحاجة مثلا إلى إعلان تبريرات هوياتية يتفاعل الفرد بصفته عربيًّا مع القضية الفلسطينية. وهذا الفرد ذاته هو من يخرج إلى الشارع رافعًا العلم الوطني محتجًا على حكومة في مطالب لا تتجاوز الحدود السياسية وبتصورات لا تعاديها.

ولعل مما يعيننا على فهم تعدد الروابط السياسية عمليًّا هي الدراسة الثرية التي قدمها “كرستوفر فيلبس” بعنوان “هوية عربية يومية: إعادة الإنتاج اليومية للعالم العربي”، حيث يخلص “فيلبس” إلى أنه بالرغم من أن الرابطة العربية رابطة حيَّة لم تمت، إلا أن “ظاهرة العروبة اليوم لابد أن يعاد تعريفها كـ”نزعة ما فوق قومية”. Supranationalism: جماعة متخيلة -حسب مفهوم بندكت أندرسون- تخضع لقومية الدولة (الوطنية)، لكنها تظل بارزة ثقافيًّا وسياسيًّا”. فمن خلال تحليله للخطاب الرسمي في كلٍّ من الأردن وسوريا مدعماً بدراسة ميدانية، يشير فيلبس إلى “أمم” وطنية تشكلت في حدود الدول الوطنية، بينما استبدلت “العروبة القديمة” التي كانت تعبر عن أيديولوجيا قومية وحدوية برابطة فوق قومية “العروبة الجديدة” لم تعد تمثل تهديدًا لهوية الدولة الوطنية، بل “تدعمها وترسخها”. فهو -مع التأكيد على عدد من فروقات- يناظر بين العروبة وبين تجربة الاتحاد الأوروبي من حيث قبول الأوروبيين بمأسسة رابطة أوروبية دون القبول في أن يمس ذلك بقاء قومياتهم. فلقد وجد الباحث من خلال الدراسة الإثنوغرافية لواقع المواطنين المعاش أنهم لا يعبرون عن أي تناقض بين إدراكهم لذواتهم كسوريين أو أردنيين وبين انتمائهم العربي. إن نتائج هذه الدراسة لا تعارض التنبؤات القاصرة التي تزعم نهاية الرابطة العربية فحسب، بل تطرح تحديًا للأطروحات العروبية التي تعاني من العمى عندما يتعلق الأمر بالانتماءات الوطنية. ما يجمع بين الأطروحتين المتناقضتين هو عدم قدرتهما على إدراك الطبيعة المركبة “Multilayered” لنزعات الانتماء السياسي في المنطقة.

غير أن هذه الطبيعة المركبة للهوية في تمظهرها السياسي ليست “خصوصية عربية” أو “إسلامية”. إن أشكال التداخل بين الانتماءات السياسية توجد في جميع الدول في العالم (كما تتبع ذلك “تيلي” في مسحه الذي لم يستثنِ إلا حالتين فقط). حتى في الدول المستقرة والتي استمر وجودها على عدة قرون من الزمن سنجد التداخل والصيرورة المستمرة للهويات. يمكن أن نورد عشرات الأمثلة على ذلك كمقاطعة أسكتلندا في بريطانيا. ففي حين يحافظ الأسكتلنديون على هويتهم القومية الخاصة بهم وقدر عالٍ من الحكم الذاتي، إلى أنهم في ذات الوقت ظلوا ينتمون بلا انقطاع -على مدى ثلاثة قرون- إلى الأمة البريطانية تحت العرش الملكي. الأسكتلندي هو أسكتلندي سياسيًّا تمامًا كما أنه بريطاني. وفي حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة نجد مثالاً آخر حيث سيست جماعات من الأمريكيين من أصول أفريقية هويتهم كسود بوضوح في مقابل هيمنة البيض في ستينات القرن الماضي ما نتج عن ضغط سياسي أخذ أشكالاً عديدة أثمر أخيرًا في تعديلات دستورية وتشريعات تفضي إلى قدر أكبر من المساواة، دون أن يحدث ذلك التسييس أي حركات انفصالية ذات بال. ولعل أهم الأمثلة التي تدعم إمكانية المزاوجة بين الوطني وما فوق الوطني هي الاتحاد الأوروبي الذي تحتفظ فيه الدول بقدر من السيادة والهوية الخاصة، إلى جانب التعاون الفعال وتشكيل أرضية مؤسساتية لهوية تجمع الأوروبيين.

هذا لا يعني أن التعارض مستحيل على طول الخط، إلا أن التوفيق حين حدوث التعارض يمكن أن يعبر من خلال القنوات المؤسسية داخل الوحدات السياسية، وثمة أمثلة عديدة على ذلك. فحالة ولاية كيوبيك الكندية (المقاطعة الفرنسية) على سبيل المثال، تم دائمًا التعامل معها من خلال الاستفتاءات الشعبية والجدل الدستوري المستمر مدًّا وجزرًا. وكذلك الاختلاف على مستوى الاندماج في الاتحاد الأوروبي والذي يمثل نزاعًا بين من يؤكد على الهويات القومية للدول، وبين داعمي الهوية الأوروبية. هذا النزاع تم ويتم حله من خلال تنافس الأحزاب ذات الرؤى المختلفة في البرلمانات الوطنية، أو في استفتاءات شعبية كالتي تمت في فرنسا حول الدستور الأوروبي عام 2005.

طغيان التحليل الثقافي: من مواجهة المنتج (الطائفية) إلى أدوات الإنتاج (الخلل المؤسساتي)

يقول عالم الاجتماع “بيار بورديو” في نقده للدراسات الثقافية التي تتعامل مع الخطاب كنهايات تحليلية: “إن دراسة بنية مجال الإنتاج الثقافي [أي علاقات الفاعلين في المجال ومصالحهم فيه] يعني القطيعة مع النظرة السطحية في التعامل مع المعطيات دون الوعي بمصادرها.. [إذ] إن السعي لفهم المنتجات الثقافية من خلال هذه المنتجات ذاتها دون ظروف إنتاجها والوظيفة التي تؤديها ما هو إلا تجريد لا معنى له”. إن مثل هذه المنهجية التي يؤكد عليها “بورديو” تعيننا في وضع الفاعلية السياسية للهويات في نصابه الصحيح. فمع التأكيد على أن للهوية السياسية أثرًا مهمًا في تكوين التحالفات وخلق التضامن وإشعال الصراعات، إلاّ أنه لا يمكن التعامل معها كعامل مستقل سببيًّا، فإن نشوءها وتغيرها وانطفاءها والذي يعتمد بشكل كبير على البنى الاجتماعية وشبكات الثقة التي تتشكل بناءً على علاقات القوى. بصيغة أخرى، إن الهويات فعالة ومؤثرة فقط عندما تُخلق وتُحفز بعوامل مع غير طبيعتها في المقام الأول. وبالتالي فإن معالجتها تتم من خلال التعامل مع هذه العوامل، أي البحث عن الإصلاح البنيوي المؤسساتي. إن التعامل مع الهوية من خلال معالجة الهوية ذاتها ومكونها الداخلي فحسب سيكون بسذاجة أن تُواجه حركة انفصالية في شمال إيطاليا بمنشورات تذكرهم أنهم إيطاليون أو تُلقى خطب في حرب البوسنة لإقناع جميع أطراف النزاع أن يتصرفوا من الغد كمواطنين لدولة واحدة.

بالرغم من تمسك بعض العروبيين بالمبررات المعيارية التي تحاول إثبات الانتماء للعروبة كمعطى مبرر ذاتيًّا، إلا أنه يتم أحيانًا تدعيم ذلك الأصل بتقديم العروبة كحل عملي لمشكلات واقعية (أي تبريرات مصلحية). ففي مواجهة مشكلة الطائفية بشكل خاص، وفي سبيل تحقيق الإصلاح السياسي بشكل عام يتم طرح التمسك بالعروبة كبوابة خلاص. تقول الحكاية: أنه عندما يتم حسم الهوية إلى الانتماء العربي كـ”هوية جامعة” ستحل الأزمة الطائفية؛ حيث سيُعرّف الأفراد أنفسهم في المجال العام كعرب لا كشيعة، سنة، أقباط، مسلمون.. إلخ. بالرغم من أن مثل هذا الطرح -من حيث المبدأ- لا يخلو من قدر من الصحة إلا أنه يكاد يكون عمليًّا كتفسير الماء بالماء. لذا أجد من المهم تسجيل بعض الملاحظات، ولضيق المساحة سأكتفي بإيرادها في إشارات سريعة.

أولاً: إن هذا الهوس بإعادة مشاكل المنطقة إلى “أزمة الهوية” يفضي إلى إدراك مشوش للواقع. إذ إن كثيرًا مما يغلف بلغة طائفية هو في عمقه أزمة بنية سياسية صبغته لاحقًا أو تقاطعت جزئيًّا معه دعوات طائفية. فعلى سبيل المثال سنجد أن خط الاستقطاب في سوريا لا يأخذ ثنائية (سنِّي-علوي)، وإن كان هذا الخط موجودًا ومولدًا في الخطاب- فحسب لكنه بشكل أكثر وضوحًا يظهر على محور الريف- المدينة، أو بصيغة أخرى المراكز في مقابل الأطراف التي اشتعلت منها شرارة الثورة الأولى. فبالتالي يمكن أن نتتبع كيف أن الأزمة في مبدئها هي أزمة نظام مستبد همش فئات اجتماعية مختلفة لم تدمج في أي محاولة لإرساء عملية سياسية تمثيلية أكثر من كونها ناشئة من تعبئة هوياتي وتحريض سياسي طائفي.

ثانيًا: إن الاحتراب الأهلي ونشاط الهويات الفرعية يظهر عادة في حالات الفراغ السياسي، ولحظات ضعف الدولة إذ ينكفئ الناس إلى جماعاتهم الأولية كسلوك سيكولوجي مدفوع بالبحث عن الأمان والدعم المجتمعي. هذا التفجر الهوياتي الحاصل في دول المشرق العربي ينبغي أيضًا أن يوضع في هذا السياق. إن نسبة هذه الحالة المتأزمة إلى احتقان هوياتي مزمن يتجاهل طبيعة الظرف الذي يتسبب في القسط الأكبر من التأزم السياسي الحالي الذي يعود جذره إلى فشل الأنظمة. من خلال هذا المنظور، يقودنا التشخيص إلى أن مشكلتنا الأساسية هي مع الأنظمة وإصلاحها، لا محاربة أشباح الهوية.

ثالثاً: إذا كنا وضحنا أن مرجع الكثير من مظاهر الاحتراب الهوياتي هي إشكاليات بنية سياسية؛ فإن الحلول استتباعًا لابد أن تعبر من هذا الطريق كذلك. أي تعمل على إصلاح هذه البنية. أعني بذلك أولويتين اثنتين: أولاً العمل على بناء مؤسسات مجتمع مدني تتخطى الحدود الفئوية في إطار الوحدة السياسية (وحدة العمل فعليًّا) حيث تشكل علاقات ثقة بديلة. ثانيًا: الدفع باتجاه قدر أكبر من المشاركة في هذا الإطار السياسي. ولعلنا نجد أوضح الدروس على نجاعة ذلك في تاريخ نشأة سويسرا كوحدة سياسية متعددة الأعراق واللغات في ظل الاستقطاب القومي الحاد في أوروبا مطلع القرن العشرين. يمكن إعادة ظهور القومية السويسرية الحديث نسبيًّا إلى نهايات القرن التاسع عشر. فبرغم التشكل الأممي واستقطاباته في أوروبا على أساس عرقي لغوي لم تأخذ الكانتونات السويسرية غير المتحدة –آنذاك- هذا المنحى، وشكلت دولة من ثلاث إثنيات (إيطاليين وفرنسيين وألمان) دون حدوث توترات تذكر، برغم الحروب الطاحنة التي استحوذت على النصف الأول من القرن العشرين. ما الذي يجعل سويسرا متماسكة رغم هذا الثقافة الفسيفسائية؟ ما الذي خلق صفة “السويسري” كهوية لم تكن موجودة وليس لها أصل إثني أو لغوي يصلح كأساس “موضوعي” للتمييز؟ السر في ذلك يعود إلى ظهور المؤسسات والجمعيات (المجتمع المدني) -والتي لم تكن في أغلبها جمعيات سياسية- الذي أخذ بالتشكل بطريقة عابرة للكانتونات والإثنيات قبيل نشوء الاتحاد السياسي. أي أن غياب التفكك الهوياتي يرجع إلى شبكات اجتماعية صلبة استطاعت احتواء كل هذا التنوع في إطار مؤسسة ذات نظام سياسي مفتوح أوجدت لها هوية صلبة.

وطنيون بمشتركات عربية وإسلامية: خطوط عريضة لرؤى بديلة

ليس الغرض من هذا النقد للخطاب القومي إثراء نقاش نظري حول مسألة الهوية بقدر ما هو محاولة لإعادة ترتيب الإرباك في الأولويات الذي يحدثه هذا الخطاب في الجدل المحلي، وإعادة طرح الأسئلة الصحيحة. إن الرؤية التي تقودنا إليها هذه المناقشة يمكن إيجازها في الأطروحات التالية:

أولاً: الإشكاليات المعاصرة في دول المنطقة هي إشكالات بنيوية أي متعلقة بشكل أساسي بمؤسسات دولة، والعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه أكثر من كونها أزمات ثقافية ترتبط بالهوية، إذ إن هذه الأزمات كثيرًا ما تنبع من إخفاق المؤسسة السياسية. ومن هنا فإن إرساء الحقوق السياسية (للأفراد والجماعات)، وتحقيق قدر فعَّال من المشاركة السياسية هو أهم تحديات الواقع الذي نعيشه.

ثانياً: الهويات الوطنية -برغم قصورها- هويات حاضرة، ولا تحمل قيمة سلبية في ذاتها. إننا كـ”عرب” لسنا في حاجة إلى دخول حرب طواحين معها، بل نجد أنفسنا في واقع يدفعنا للعمل ضمن أطرها، فهي كأي هوية تتيح مساحات للتأويل ولخلق روايات شعبية بديلة للاستبداد يمكن أن تساند العمل السياسي الساعي لإصلاح المؤسسة.

ثالثًا: العربي اليوم لا يجد نفسه أمام خيارات حادة بين أن يكون وطنيًّا أو عربيًّا؛ فطبيعة العمل السياسي لا تتطلب خيارًا مطلقًا إنما تتعدد بتعدد القضايا وقنوات العمل المتاحة. كما أن الهويات الوطنية المتمايزة بإمكانها من حيث المضمون أن تكون متصالحة ومنسجمة مع فضاءاتها العربية والإسلامية.

ربما تبدو هذه الأطروحات الثلاث العامة شديدة الوضوح. إلا أن الاحتياج إلى إبرازها والتأكيد عليها أصبح مهمًا لتبديد التشويش الذي يحدثه الخطاب القومي الشاب في حرف مسارات النقاش العام عن قضايا الإصلاح في الأطر السياسية القائمة؛ وهو الاضطراب في الأولويات الذي يحدثه دائمًا أي جدل مهووس بالهوية (الأمر الذي ما نلمسه بشكل شبيه لدى أطياف من الإسلاميين). إن ما يُحسب للخطاب العروبي محليًّا أنه يعكس اهتمام أصيل بقضايا الإصلاح السياسي. إلا أن هذه السمة تكاد تغيب عن الصورة في خضم المماحكات المستمرة على أساس هوياتي وتضخيم أهمية “حسم الهوية” في الفضاء العام، وفي خلط مستويات المحلي والإقليمي. كمن يخطب عن العروبة على منصات للمطالبة بمجالس تمثيلية وطنية.

إذا كان ثمة اعتقاد أن الرابطة العربية بفضل الفضاء الثقافي والإعلامي العربي المفتوح هي في أشد وهجها وأنها حيًّة.. تتنفس في شوارع كل العواصم العربية -وهو ما يؤمن به كاتب هذه السطور- فإن على “الوعظ” العروبي أن يصبح عاطلاً عن العمل، أو أن يحال إلى التقاعد. إذا كان العرب عربًا، فكل ما نحن في حاجة إليه حتى نلمس البعد العربي في سياسيات الدول الوطنية -على سبيل المثال- هو أن نبني دولاً وطنية معبرة عن شعوبها. عرب اليوم ليسوا رعايا الدولة العثمانية الذين يبحثون عن وحدة سياسية تضمهم بعد انهيار الباب العالي، كما أنهم ليسوا جمهور عبد الناصر المشدودين للوحدة تحت ظل القائد. إنهم المصريون واليمنيون والمغاربة الذين لا يرون بالضرورة تعارضًا بين انتماءاتهم السياسية الوطنية والعربية، والذين لا يطالبون -كما نشهد- بإسقاط شرعية وجود دولهم إنما شرعية الحكومات والأنظمة، حيث لم تعد هذه الدول الوطنية مجرد أجهزة وتنظيمات مفروضة من سلطة استبدادية أو مستعمر ما، بل تحولت إلى رابطة على أساس من هذه الحدود.

أخيرًا، “نحن” لسنا بحاجة إلى “تحديد” هويتنا سياسيًّا بين العروبة والانتماء الوطني، أو بين العروبة والرابطة الإسلامية. إن الهوية السياسية تتعدد بتعدد الميادين السياسية التي نجد أنفسنا فيها، كما أن كل هوية ترتبط بمساحات معينة من القضايا. نحن (سعوديون، عرب، مسلمون..الخ) لا نستيقظ صباحًا ونواجه سؤال الهوية الملِح الذي نحتاج الإجابة عليه بشكل قاطع. إن سؤال “من نحن؟” الذي يدمن العروبيون طرحه سؤالٌ ناقص ومضلل؛ لأنه ببساطة منزوع من السياق. هناك عدد من الـ”نحن” .. عن أي واحدة تتكلم؟ عن فلسطين؟ سأجيبك كعربي. عن الفساد في أحداث جدة؟ سأجيبك كسعودي. عن الموقف من الرسوم الكرتونية المسيئة؟ سأجيبك كمسلم. هذه الانسيابية في الإجابات تتلاشى، ويتعقد السؤال عندما يطالبك أحدهم باختيار “أمتك” التي تتنزه سياسيًّا عن غيرها. إن المقارنة بين سؤال “من نحن؟” المطلق الذي يقذفنا العروبيون في لججه، وبين وضوح الأسئلة الأخيرة الموضوعة في سياقاتها تبين لنا بشكل معبر أننا بالفعل لسنا في حاجة إلى الانشغال بما يصر عليه الخطاب القومي من الأسئلة، ولا إلى الانطلاق من مقدماته غير الدقيقة في سبيل بناء دول مستقرة ذات أنظمة عادلة. إن الفرد لن يجد نفسه مضطرًا لأن يوقع على اشتراطات الخطاب وتعريفاته حتى يشعر كـ”عربي” في مستوى ما، أو يتعامل مع القضايا العربية كـ”عربي”.

 

__________
المصدر: مجلة المجلة
16 فبراير 2014

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها