مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

داعش المتخيلة - أحمد صبري

طباعة PDF
 

مؤخراً فاضت وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمجالس بالتحليلات المتضاربة والمتناقضة حول داعش وسبب نشوؤها ومصادر تمويلها وكيفية محاربتها. لكن رغم الكمية الكبيرة من التحليلات إلا أن جلها غث وقليل منها سمين وصارت هوية داعش تستند بشكل أساسي على هوية متخيلة. في الحقيقة كل الهويات فيها جزء متخيل وهناك حدود معتادة لهذا الخيال يستمر النقاش حولها والتفاوض بشأنها، لكن هوية داعش صارت كلها تقريباً مبنية على الخيال لدى البعض بما فيهم مجموعة من المثقفين.

أولاً وقبل كل شيء هناك نقل للأخبار الكاذبة عن داعش كنشر صور من أحداث دموية مختلفة من حول العالم ونسبها لداعش. مثال واضح لذلك كان القول بأن التنظيم أجبر النساء على الختان. هل لدى داعش أصلاً القدرة أو الوقت لفرض الختان في مناطق سيطرتهم؟ وكيف سيتأكدوا من خضوع المرأة للختان أم لا؟ وفوق هذا وذاك، ختان النساء وفرضه ليس من أدبيات السلفية الجهادية ولم تعرف له سابقة في أماكن سيطروا عليها في أفغانستان والصومال ومالي وغيرها. ومثل ذلك ما أشيع حول فتاوي داعشية تحرم استناد المرأة للجدار لأن الجدار مذكر، لا يحتاج المرء أن يكون عبقرياً كي يدرك أنها خرافة.

ولعل أكثر الأخبار الكاذبة انتشاراً في بدايات صعود داعش هو ما أشيع حول وجود وثائق سرية سربها إدوارد سنودن تفيد بأن داعش صنيعة المخابرات الأميركية والاسرائيلية. هذا الكلام لا أصل له مطلقاً في كل تسريبات سنودن التي نشرت وحتى التي لم تنشر بعد، فالصحفي غلين غرينولد الذي يقوم مع سنودن بتسريب الوثائق أكد أنه لم يطلع على أي وثيقة تشير لذلك. ناهيك عن ان سنودن سرب وثائق وكالة الأمن القومي وليس وكالة الاستخبارات المركزية.

ومسألة نشوء التنظيم هذه شهدت مساحة واسعة من الكلام المرسل، فستجد من يقول أن التنظيم صناعة إيرانية سورية ومن يقول انه صناعة اميركية اسرائيلية ومن يقول أنه صناعة خليجية تركية، وهكذا، وفي الغالب دون تقديم ما يثبت هذه النظرية أو تلك.

والأخبار الكاذبة أو غير المؤكدة حول نشوء التنظيم وحول تمويله ومن يقف وراءه يتم الترويج لها حتى من قبل مثقفين، والغريب ان تجد بعضهم يصوغ تصوراً كاملاً حول داعش دون إيراد دليل واحد، ويسترسل في الشرح دون أن يدرك أنه في الواقع يشرح لنا كيف يرى هو داعش في مخيلته. عزيزي “المحلل السياسي”، هل تعتقد أننا مهتممون بتضيع وقتنا في قراءة وصف لخيالاتك عن مجموعة ما!؟ ثم ما المشكلة وما العيب في أن تقول “لا أعلم” حين تفتقد للأدلة والمعلومات المؤكدة، خصوصاً في القضايا الكبيرة؟

ومن النقاشات التي تكررت أيضاً محاولة اعتبار الوحشية والذبح جزء أساسي من سلوك المسلم/العربي لأن ذلك هو تاريخنا. هذه النقاشات التي تفترض أن مئات الملايين من الناس يعيشوا تحت حتمية لا يمكنهم الفكاك منها هي نقاشات لا يجوز أن تطرح أصلاً عند من يعتبروا مثقفين. وغني عن القول أن ملايين من المسلمين/العرب قد أفلتوا من هذه الحتمية المزعومة اليوم وكذلك طوال الماضي الممتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام، وفي نفس الوقت تاريخ الأمم الأخرى مليء أيضاً بحوادث القتل والذبح والمجازر والحروب الدينية والاضهاد العرقي والإبادة الجماعية، بما في ذلك التاريخ الأوروبي والأميركي والكندي والاسترالي والياباني. هذا ليس تبرير لأي جرائم ارتكبها مسلمون او غيرهم ولكنه دعوة للنظر بموضوعية لهذه الجرائم في سياقها التاريخي.

أما مسألة كيف نحارب داعش وأفكارها فقد تكون أكثر المسائل طرافة. فستجد من يقول أن داعش خرجت بسبب غياب الموسيقى والسينما في السعودية، وكأن التنظيم لا يحوي سوى سعوديين! التنظيم يضم عرباً وعجماً وحتى شباباً من أوروبا عرفوا الموسيقى والسينما والمتاحف والفنون والإنفتاح، بل عموم الإرهابيين في العالم تعرضوا للموسيقى والفنون. هل كان الصهاينة الذين يتفننوا في قتل المدنيين في فلسطين لأكثر من 60 عام محرومين من الموسيقى والسينما في بلدان نشأتهم ثم في وطنهم المختلق؟ أو مثلاً مجموعة جنود الاحتلال الأميركي الذين اعتقلوا لأنهم كانوا يمارسوا اصطياد الأفغان كرياضة ويجمعوا أعضاءاً من الجثث كتذكار، هل كانوا محرومين هم أيضاً من الفنون والعلوم؟ وهل الإرهابيين المسلمين كلهم عاشوا حرماناً من الأغاني في طفولتهم وشبابهم؟ والشباب التونسي – الذي يعد من أكبر الجنسيات مشاركة في داعش وفي غيرها من الفصائل بسوريا – ألم يترعرع في تونس العلمانية المنعزلة عن محيطها العربي؟

ونفس الكلام ينطبق على من يقول أن التنظيم وأفكاره مجرد نتيجة طبيعية للدراسة في جامعة الإمام في الرياض أو الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، متجاهلين أن عشرات الآلاف من خريجي الجامعتين انخرطوا في الحياة وعملوا في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة في السعودية أو بلدان أخرى دون ان يمارسوا أي عنف مسلح، ومتجاهلين كذلك أن الكثير من المتطرفين السعوديين قد تخرجوا من جامعات سعودية غير المذكورتين أو من جامعات أخرى حول العالم بما فيها جامعات أميركية وأوروبية. وفي هذا أيضاً رد على من يعتبر أن سبب التطرف هو عدم السفر والترحال رغم ان الكثير من المتطرفين جالوا حول القارات قبل وبعد تطرفهم وبعضهم ولد وعاش في الغرب لعقود من الزمن.

وراقب أيضاً من يحث على محاربة داعش عبر المزيد من السيطرة الرسمية على المناهج والإعلام والمنابر والمزيد من الاعتقالات والرقابة، وكأن المزيد من القمع سيفيد. الغريب أن أكثر الدول العربية قمعاً لم تنجح في التغلب على هذه الظاهرة حتى بعد عقود من السياسيات القمعية، والأغرب أن بعض “المثقفين” ممن يروج لهذا الترياق يروج في نفس الوقت لإشاعة ثقافة الحوار ورفض الرأي الواحد والتسامح كحلول لمواجهة التطرف! ثم هل يظن هؤلاء أن الفكر المتطرف يمكن لجمه عبر التضييق على قنوات هو أصلاً لا يستعملها إلا فيما ندر؟ فمثلاً هل المزيد من التضييق على حرية الصحافة سيضر جهود داعش في الترويج لنفسها وتجنيد الشباب؟ بالطبع لا، لأن الصحف ليست من القنوات التي تستعملها داعش ابتداءاً.

ومنذ أكثر من عشر سنوات نسمع من يربط بين الفقر والإرهاب ولكن لم نر أدلة قوية تدعم هذا الربط. إذا دفع الفقر إنساناً لسلوك خاطئ فهو غالباً ما يكون سلوك جنائي ليس له أي دوافع سياسية، كالسرقة وتجارة الممنوعات. الملايين من الفقراء في هذه المنطقة لم يتحولوا لمعارضين للنظام السياسي في بلادهم، فضلاً على أن يتبنوا أيديولوجية دينية تكفر النظام وترى رفع السلاح لإسقاطه. وفي نفس الوقت الكثير من أبناء الطبقات المتوسطة والغنية تبنوا أفكار المعارضة بما فيها الأفكار المتطرفة، ولذا ليس من الغريب أن يكون أسامة بن لادن من عائلة غنية والكثير من قيادات تنظيم القاعدة كانوا يعملون في وظائف محترفة تتطلب تعليماً جامعياً كالمهندس والمحامي والطبيب والمحاسب ومبرمج الحواسيب.

هذه جولة في التبسيط المفرط الذي يتم في تناول ظاهرة معقدة، مما لا يؤدي فقط لتحليل خاطئ بل أيضاً إلى نتائج كارثية حين يكون هذا هو مستوى نقاش الكثير من النخب المؤثرة على إتخاذ القرار. ومن النماذج المحتملة لهذا التبسيط أن يقرأ أحدهم هذه المقالة فيعتقد أن الكاتب يدافع عن داعش وليس عن التفكير الموضوعي وأهمية التحليل السياسي الجاد!

 

المصدر : التقرير

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها