مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الخليج :الفرص و التحديات الحضارية و المعرفية للقرن الواحد و العشرين - محمد الرميحي

طباعة PDF

دراسة مقدمة لاجتماع ندوة التنمية دبي فبراير سنة 99

محمد الرميحي

الخليج :الفرص و التحديات الحضارية و المعرفية للقرن الواحد و العشرين.

مقدمة: هذا موضوع يمكن وصفه بالسهل الممتنع عن حق، فهل من الممكن الحديث عن ( فرص) بالمعني العام للمفهوم، حيث تقدم الفرص بالمعني العام خيارات مختلفة و يمكن ان يختار بينها وبشكل عام الإيجابيات المتاحة، ولكن الملاحظ ان الفرص بهذا المعني  المفهومي ضيقة وخياراتها محدودة، أما التحديات فهي بالطبع كثيرة، حيث ان هناك معادلة معكوسة، فكلما ضاقت الفرص زادت التحديات.كما ان الموضوع المطروح يمكن مقاربته من اكثر من زاوية، ولقد اخترت العناصر العامة لمقاربة الموضوع من خمس زوايا قد تكون متكاملة لدراسة الموضوع المطروح،وهي زوايا قد تتكامل لرسم صورة تقريبية، وليس بالضرورة كاملة.

 

أولا:المجتمع الخليجي عشية الألفية الثالثة:

 

هل من الغريب ان نقرا للسياسي الألماني بسمارك قبل اكثر من قرن من الزمان هذا النص :

(في الشؤون الخارجية هناك ثلاثة من أعشاش الدبابير بجانب البلقان،  المغرب و البحر المتوسط، الخليج ( الفارسي) وإعلان مونرو الأمريكي)،وهل من الصدف ان يكون الخليج و البلقان هما بؤرة الصراع في العالم بعد اكثر من قرن من ذلك القول، وهل الزمن بهذا المعني ليس له حساب في مسيرة التاريخ؟

وقت كتابة تلك الفقرة كان الخليج محط صراع دولي علي المادة الخام الجديدة و التي لم تتبين أهميتها الاستراتيجية بعيدة المدى وهي النفط، أما اليوم بعد تبين تلك الأهمية الاستراتيجية و بعد الكثير من الحروب عليها و حولها، حيث اصبح الخليج محط صراع دولي وإقليمي حقيقي و بالغ القسوة و العنف لما يزيد عن قرن، نقرا الأحداث وكأنها الأحداث الماضية تقع اليوم من جديد.

في هذا القرن العشرين وعلي وجه التحديد في نصفه الثاني، تحولت مجتمعات الخليج تحول جذري في النواحي الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية، ولم يبقي بالكاد من الماديات ما يمكن ان نتعرف عليه اليوم من الزمن الماضي، أما (المعنويات) خاصة السياسية فأنها قد لبست لبوسا جديدا من حيث الشكل و لكن محتواها لا زال كما هو، ومن الطريف ان قصة اكتشاف النفط في الخليج تكاد تتشابه، وتأتى العبارات التاريخية كما يلي( لقد كانوا يبحثون عن لماء فظهر النفط)، ولم تظهر هذا المادة الخام الغنية إلا و مجتمعات الخليج هي في أحوج فتراتها التاريخية الحديثة، بعد ان كسد سوق اللؤلؤ بظهور اللؤلؤ الصناعي في اليابان، ولم تصبح اسم للؤلؤة المحبب ألي الآباء في الجيل السابق يطلق في هذا الجيل علي النساء إلا نادرا.

 

 

المجتمع الريعي و تحولاته:

 

التشكيلات الاجتماعية اختلفت جذريا في هذه المجتمعات في فترة قصيرة من الزمن، فشهدنا تشكيلات جديدة  تظهر بعضها غير معروف في السابق ،منها الطبقة الوسطي التي لم تكن موجودة من قبل وهي أساسا طبقة و فئة الموظفين التي لم بعرفها مجتمع الخليج بهذا الاتساع و الكبر في تاريخه السابق كما عرفها اليوم، وقد ظهرت فئة العسكر المنظمة  المتعلمة نسبيا، وهي فئة تتسع باتساع وعظم حاجة هذه المجتمعات ألي الأمن، كما لم يشهد مجتمعات الخليج فئات مهمشة أيضا بهذا الاتساع والكبر تعيش علي هامش هذا المجتمع الريعي، وتأتى من أطراف الدنيا الواسعة كما هم العمالة الرخيصة وشبه الرخيصة القادمة من آسيا وأفريقيا، كما لم تشهد هذه المنطقة دورا ( للدولة) متعاظم ومتسع، كما شهدته في النصف الثاني من هذا القرن، ويلتحق بهذه الفئة ( غير محددة الجنسية) كما يطلق عليها في الأدبيات السيارة.

أنها إفرازات المجتمع الريعي المعتمد علي إنتاج المادة الخام ( النفط) ومن الملاحظ ان هذه المادة هي التي كونت القاطرة لهذا النوع من التنمية المعتمدة علي الريع،وقد ظهرت في دول الخليج كلها، الخاضعة للدراسة ( دول مجلس التعاون) بكميات متفاوتة و في أزمنة مختلفة ولكنها ليست متباعدة، حيث أفرزت نمطا من التنمية متشابه ألي حد كبير، فقد أخذت ( الدولة الأبوية) علي كاهلها تقديم الخدمات المختلفة من المهد ألي اللحد، هذه الدولة ( الأبوية) برزت من العلاقات (البطريركية) المنبعثة من التكوين القبلي السائد.

لقد بدا تدفق النفط بعد الحربي العالمية الثانية في معظم دول الخليج، بعضها قبل ذلك الوقت بقليل و بعضها بعده، ألان الملاحظ ان هذه الدول تحولت من( إمارات) صغيرة محدود القاعدة الاقتصادية ألي( دول ) اختطت لنفسها بناء مجتمع حديث ومتطور، فاستثمرت في التعليم بشكل ملحوظ وبناء القاعدة تحتية للمجتمع خاصة في مجال الخدمات العامة، وتحولت هذه الدول الحديثة في أربع عقود من الزمان تقريبا هي العقود الأخيرة من نصف القرن  من مجتمعات معزولة تفتقد الماء النظيف و النور والمستشفي و المدرسة والمطار والطريق ألي دولة تعج عواصمها ومدنها الرئيسية بالمجمعات السكنية و المدارس و الطرق السريعة و المستشفيات الحديثة، كل ذلك موله تدفق النفط.

إلا ان المال النفطي لم يكن مستمر التدفق، فقد انتابت أسعار النفط هزات اقتصادية كبري منها أزمتي 1986 و 1998، وان كانت الأولى قد مرت بسلام نسبي، فان أزمة 98 تبشر بتبعات اقتصادية و اجتماعية خطير فمع تراجع العائدات النفطية، تآكل الجزء الكبر من احتياطيات هذه الدول التي بنته في سنوات طويلة نتيجة الركود الاقتصادي العالمي، و الاضطرار من السحب من هذه الاحتياطيات من جهة أخرى، فبدأت الدولة الخليجية بتقليص النفقات انعكست و سوف تنعكس اكثر علي معظم الأنشطة و الفعاليات الاقتصادية بما في ذلك قطاع الخدمات، ان إمكانيات التدهور الاقتصادي في السنوات القادمة أمر جد محتمل[1]، و الذي لا محاصة سيقود ألي ركود اقتصادي، لقد تنامي العجز الحقيقي في الميزانيات للدولة في الخليج مما اضطرها لاتخاذ مجموعة من الخطوات غير الشعبية منها وقف الترقيات و العلاوات في القطاع العام، والذي تشكل العمالة الوطنية فيه معظم العاملين، ومنها وقف الصرف علي المشاريع الكبيرة، بل ان بعض قطاعات الميزانية قد جمدت،و لا يوجد هناك في الأفق من المؤشرات ما يدل علي احتمال ان تعود أسعار النفط ألي مكان معقول تجعل من دخول هذه الدول متوازنة، هناك الكثير من التوقعات المتناقضة في هذا الموضوع ( أسعار النفط)

         لا أحد يناقش القول ان دول الخليج بشكل أو آخر اعتمد في ( تنميتها الحالية) علي مداخيل النفط، السؤال المركزي هنا هل صناعة النفط هي باتجاه الانحدار، بمعني هل بداية القرن الواحد و العشرين سوف تشهد مرحلة ارخص أسعار النفط تاريخيا، أم ان هذا القول يحتاج ألي إثبات اعقد مما نراه اليوم في انهيار الأسعار، أم ان هذه الأسعار المتدنية هي أسعار مؤقتة ربما شهدت السنوات القادمة شح في عرض النفط في السوق الدولي و بالتالي ارتفاع الأسعار؟

هنا الكثير من الأدبيات التي تقول لنا القول و عكسه، ولكني انقل هنا نتائج مؤتمر لعدد قليل من الخبراء عقد في الثالث و الرابع من أكتوبر الماضي(1998) في العاصمة النمساوية، تحت أشراف ( شركة التمويل النفطية)[2]  يقول بعض ذلك التقرير (ان التوجه في التسعينات من الدول المنتجة للنفط أنها تتوجه ألي الخصخصة، وفتح الأسواق النفطية لهذه الدول التي كانت مقلقة من قبل علي الاستثمار الأجنبي)  ثم يذهب التقرير ألي القول ان ( الشركات النفطية الوطنية اختلفت احتياجاتها باختلاف بيئة الأسعار، ففي فترة الأسعار المرتفعة كانت تتطلع هذه الشركات ألي الخارج لشراء التقنية المتقدمة و قدرات إدارة المشروعات، إما في بيئة الأسعار المنخفضة فانهم يبحثون عن أسواق و عن رأسمال، وعندما يتوافق هذا مع  التوجه لسياسة الخصخصة، قد غير ذلك كل من الفرص و المنافسة في القطاع النفطي).

ويذهب التقرير للقول ( انه في الوقت الذي يعاني العالم من أزمات مالية و اقتصادية كبري تنشغل الدول المنتجة للنفط  (في الخليج العربي) في نفس الوقت بأجراء تغييرات جذرية في الهيكلة الاقتصادية و المعاناة من وجود هياكل سياسية غير متطورة،و التي جعلت من الإصلاحات الاقتصادية حتى ألان غير فعالة غير فعاله.

        الخبراء يقولون ان المشكلة التي يواجهها سعر النفط ليست دائمة، ولكنها ستكون معنا لفترة قد تمتد ألي عقد من السنين ويجب ان نتعايش معها، بعدها سيعود العالم عطشا ألي النفط من جديد، في هذا العقد الحرج ( التسعينات) تواجه دولنا في الخليج –كما هي الدول الأخرى المنتجة- معضلة الحفاظ علي اقتصاد معقول، بل و انتهاز هذه الفرصة لتعديل بعض الممارسات الاستهلاكية من جهة و تشجيع تنويع الدخول من جهة أخرى.

        و لكن لا أحد يؤكد ان نهاية العقد تشير ألي ضوء في آخر النفق، فكما وضع بائع النفط خططه للمدى المتوسط و الطويل، وضعت الدول المحتاجة ألي الطاقة خططها المضادة، و يعرف المشتغلون بصناعة النفط ان الشركات الغربية الكبرى المشتغلة في الصناعة النفطية وبمساعدات من حكوماتها تعد الدراسات وتنشط في الأبحاث لإيجاد مصادر بديلة للطاقة ، وتستفيد من انخفاض أسعار النفط في هذه الفترة لتمول هذه الدراسات و الأبحاث ببلايين الدولارات.

                في المجال الداخلي توافق عصر النفط في الخليج مع الدولة الراعية، أصبحنا نحمل نقيضين في جوف الدولة الحديثة، اقتصاد له الشكل القانوني الرأسمالي و تطبيق اجتماعي له الشكل الشمولي الرعوي، وربما نحن من التجارب الإنسانية القليلة التي قامت بذلك في العصر الحديث، و لم يكن الأمر سيئ  كله، فربما كان مطلوبا رعاية ما لمجتمع يغادر البداوة ألي مجتمع مدني حديث  أو هو يسير بهذا الاتجاه، ولكن هذه الرعاية التي كانت ممكنة بسبب توافر المال و قرب العهد بالبداوة وتقاليد القبيلة و الأسرة الممتدة، لم تعد واردة بعد هذا التطور الاقتصادي ألان للسببين أيضا وهما قلة المال المتوفر لدي الدولة، وربما تزايد توفره في المستقبل، و الخطوات الحضرية و التعليمية التي شهتها مجتمعاتنا من خلال تحول نسيجها الاجتماعي، أنها تمثل في هذا الخصوص الشاب الذي بلغ الحلم في الأسرة  فقد ان له ان يعتمد علي نفسه.

 

المجتمع المدني:

 

من الظواهر الجديدة ان افرز المجتمع الجديد تشكيلات من التنظيمات المدنية غير المعروفة في المجتمع من قبل، وليس مستغربا ان يكون أول هذه التشكيلات أفرزتها الجماعات ذات المصالح التجارية، حيث ان التجارة مهنة قديمة لمجتمعات الخليج ولكنا نظمت و أخذت شكلا من أشكال التنظيم المهني، وتبعتها تنظيمات مدنية أخرى في قطاعات مختلفة منها العمال و الطلاب و أصحاب المهن الأخرى، و التنظيمات النسائية، ولم يكن فرص الدول في الخليج متساوية في هذا المضمار فقد سبقت دول دول أخرى في السماح العام لهذه التنظيمات بالتشكل، وبعضها بعيد نسبيا عن الدولة و بعضها خاضع لأحد اذرعه الدولة في الرقابة و الرعاية.

إلا ان هناك الكثير من النقاش في ما إذا كان هناك تنظيمات للمجتمع المدني بالمعني القرامشي في هذه الدول، ألي درجة ان دفعت إحدى زميلاتنا الكاتبات اللبنانيات ان تنشر كتاب بعنوان ( قر امشي في الديوانية)[3]، تغير النسيج الاجتماعي لمجتمع الخليج حدث في فترة قصيرة، مثلا في الكويت اخذ ستة عشر سنة من ظهور النفط ألي حصول البلاد علي الاستقلال،وهي فترة قصيرة نسبيا، جبر التدفق النفطي المجتمع ألي تغيير عاداته وطرائق معيشته وقد كانت التدفقات ( الأجنبية) القادمة من الخارج محط شكوى وتندر وتقليد في ان    ولقد نقلت ألينا كاتبة أمريكية أصدرت كتاب أخيرا عن الكويت هذه العبارة التي كان الصبية يلاحقون ب[4]ها الأجانب في بعض شوارع مدن الخليج الساحلية (Englishman with a hat on your head , we hope you die tonight in bed)[5]) ، وكنت اعرف الأهزوجة  الشعبية،التي تقول ( إنجليزي بوتيلة إنشاء الله تموت الليلة) ولكن لم اكن اعرف ان ابوتيلة هي القبعة العالية التي يعتمرها الإنجليز إلا بعد قراءة نص الأهزوجة بالإنجليزية، ولقد قضي بعض هؤلاء الشباب بعد ان كبروا يناقشون لأيام و أسابيع طويلة ما عرف لاحقا في مجتمعاتنا النفطية ب( الاختلال السكاني)  و (الاختلال في سوق العمل)  و الذي جاء بعدد وافر من الأغراب،و لازالت القضية مطروحة ومناقشة في كل تجمع بل اصبح لها تراث من الأدبيات، فلم تعد بوتيلة فقط، ولم تحل أيضا.

عانت هذه المجتمعات لمدة طويلة من شظف العيش، وكانت أمراض مثل السل و التراخوما و الجدري أمراض مستوطنة[6]،بل ومقبلة كالقضاء و القدر من المجتمع،وفي بداية التعليم و التطور بعد تدفق لنفط بعيد الحرب العالمية الثانية، وعندما بدا ( التحديث) و التحق بعض الطلاب و الطالبات بالمدارس، كان التفتيش الصحي عليهم عملية يومية،  علي نظافة الأظافر ونظافة الشعر ، بل ان الغذاء كان يقدم للأطفال في بعض عواصم الدول الخليجية في المدارس لتعويض النقص الغذائي الحاد لديهم، بل ان شوارع المدن الخليجية الساحلية كانت ترش بمادة ألDDT، للحفاظ علي الصحة العام.

التطور الصعب كان حتى في قبول طرق الحياة الحديثة، فيعرف المخضرمون ان النساء الكبيرات في السن لم يكن يقبلن ان يجلسن علي الكراس، في حالة توفرها، وكثيرا ما نجد في الفترة المتوسطة( الخمسينات و ربما الستينات) ان الفتاة تجلس علي كرسي في الوقت التي ترفض أمها الجلوس إلا علي الأرض، بعض هؤلاء النسوة و بعض الرجال كانوا يرفضون المبيت تحت ( هواء المكيف) لان ( هواء الرب ) افضل و اكثر صحية؟ تحدثنا مريم جويس في كتابها المشار أليه[7]( ان حريقا كبيرا شب في أحد ورش بناء السفن في الكويت سنة 1948 ومع كل الجهد الذي بذله الأهالي، ولم يكن هناك فرقة إطفاء للحريق تملكها البلدية لإخماد الحريق الكبير، مما استدعي ان تقدم أحد سيارات الإطفاء العاملة لدي شركة النفط KOC لإطفائه).

وفي عقود قليلة وجدنا ان هذه المجتمعات التي لم يكن يتوفر لها رعاية صحية معقولة،ولا شبكات كهربائية، تستمتع بالمستشفيات الحديثة، ومحطات الكهرباء و الجامعات ومراكز ابحث العلمي.

وبقيت المرأة منذ ان قامت أربع فتيات كويتيات ألي ساحة المدرسة بحرق (عباءتهن) تراوح في مكان الاجتماعي نفسه، ان لم يكن قد تراجع بعد تقدم معقول في ممارستها الاجتماعية أبان الستينات و ربما السبعينات، وتشابه الدورة التي مرت بها المرأة في الخليج في بعض أوجهها بالدورة الاقتصادية من شظف العيش ألي رغده ألي توجه لشظف جديد، فقد كانت المرأة الكويتية مثلا تحتاج ألي إذن خاص للخروج من بوابة السور في معظم النصف الأول من هذا القرن، كما كانت المرأة من الطبقة فوق المتوسطة في مدن الخليج تخرج من بيتها مرتين في حياتها ( كما اخبرنا المرحوم الشيخ يوسف بن عيس) مرة لبيت زوجها ومرة أخرى للمقبرة.

نجد بعض الكتابات التي تركت لنا تتحدث عن مساهمة المرأة الخليجية في الاقتصاد، إلا ن هذه المساهمة كانت في الأرياف في معظمها ومعزولة عن المدن، ولا زالت المرأة في الخليج ألي يومنا هذا تحقق في مسيرتها الاجتماعية خطوات مترددة، بعضها متراجعة، فقد شهدت في بداية الستينات موجة تحرر اجتماعي لفتيات الطبقة الوسطي، استمرت ألي نهاية السبعينات في بعض مدن الخليج، ولكن هذه الفئة الاجتماعية ما لبث ان تعاكست مع موقفها الاجتماعية فأخذت بالدعوة و الممارسة ألي لبس ( الحجاب) بل و البقاء في البيت.

ولازالت المرأة محرومة في بعض مجتمعات الخليج ليس من حقوقها السياسية فقط، ولكن أيضا من بعض حقوقها الاجتماعية كالسفر ألي الخارج دون مرافق، أو سياقه عربات السير.

في الجانب الدعوى و الإعلامي شهدت هذه المجتمعات دفعة قوية من انتشار وسائل الأعلام، إلا ان ملكية هذه الوسائل بقيت في كثير من هذه الدول من ممتلكات الدولة( الإذاعة والتلفزيون) وبعض الصحف، وشكلت شركات لبعض الصحف الأخرى و بعضها اصبح لظرف تاريخية مملوكا ملكية خاصة،ولقد نشطت الصحافة بأشكالها المختلفة و اصبح بعضها خارج نطاق الدولة المباشر،.

وتطورت المشاركة السياسية وأخذت أشكال مختلفة، فاصبح هناك أشكال من هذه المشاركة بعضها منتخب انتخابا حرا، وبعضها معين و بعضها مشترك بين الانتخاب و التعيين( الحالة العمانية) إلا ان هذه المؤسسات السياسية لم تنضج بعد رغم ان بعض مجتمعات الخليج قد مارستا لسنوات عديدة، ولا زالت مناقشات المشاركة السياسية تأخذ أولوية في المناقشة لدي قطاعات واسعة من المتعلمين و المهتمين.

ولا توجد أحزاب سياسية في منطقة الخليج منظمة ومعترف بها، ولكن توجد مع ذلك بعض التجمعات ذات الطابع السياسي البحت، أو التي تأخذ الدعوات الدينية غطاء لعملها السياسي.

ويبقي السؤال هل هناك تنظيمات يمكن ان يطلق عليها تنظيمات المجتمع المدني؟ اجتهد فأقول لا يمكن ان نطلق علي التجمعات المعروفة في الخليج المعني العلمي بمؤسسات المجتمع المدني، ولكن في نفس الوقت لا يمكن الجزم بانعدام تشكل تكوينات أولية  باتجاه ظهور نواة المجتمع المدني، وهي ناتجة من طبيعة النشاط الاقتصادي الحديث الذي التحق نتيجة العولمة باقتصاد عالمي متشابك.

 

ثانيا :الخليج كرافد إقليمي للنظام العالمي الجديد:

 

النفط -من بين أمور أخرى -هو أحد نتائج تقدم التقنية في تاريخ البشرية الحديث ، وفي كل مرة من تاريخ الخليج الطويل يتقدم العلم والتقنية ، يكون للخليج تبعية من نوع ما، تغير في أهميته الإستراتيجية والجغرافية و السياسية، فعند اكتشاف البخار كان لخليج أهمية استراتيجية اكبر مما كان له عند استخدام الشراع، وعندما بدا الطيران اصبح للخليج أهمية أخرى مختلفة، وعند اكتشاف النفط دخل الخليج في الطور الجديد من الأهمية، ظاهرة التقدم التقني الغربي وارتباطها بالأهمية الاستراتيجية للخليج ظاهرة تكاد تكون متلازمة لتاريخ الخليج ، وبالتالي يمكن الافتراض- دون الوقوع في خطا كبير- انه كلما تقدمت وتطورت التقنية في العالم تأثر الخليج بها سلبا أو إيجابا، وبالتالي فان الافتراض ان تقدمت التقنية للعثور علي مصادر طاقة ارخص، فان الخليج أول من يتأثر بذلك.

دول الخليج تقع اليوم في اكثر بقاع العالم احتداما، فعلي غربها يجثم الشرق الأوسط الكلاسيكي، مسرح خمس حروب كبري في اقل من خمسة عقود، وعلي غربها وشمالها يقع المحور الإيراني العراقي الذي شهد اثر حروب المنطقة دموية و وحشية عير تاريخها الحديث، وهناك حلقة أوسع تضم صراعا يتسلح بأسلحة الدمار ( الهند وباكستان) مع حرب أهلية متجددة في أفغانستان، تتميز بفيض بشري هائل وفقر مدقع، كما تضم هذه الحلقة في جناحها الجنوبي و الغربي بلدانا كثيفة السكان محدودة الموارد، مثل اليمن و السودان ومصر[8].

لو استخدمت لغة اصطلاحية لقيل ان منطقة الخليج تشبه بؤرة العاصفة، فهي رقعة صغيرة من الهدوء النسبي محاطة ببحار هادرة ومحتدمة من التوتر و التصادم، خلال عقد واحد من القرن الواحد و العشرين سيصل تعداد  سكان شبه القارة الهندية ألي اكثر من مليار نسمة، وسيصل تعداد سكان إيران ألي 120 مليون نسمة، سيصل عدد سكان مصر ألي مائة مليون، ويمكن لليمن ان يناهز سكانها الخمسين مليون نسمة، أي اكثر من العدد المتوقع لكل سكان دول مجلس التعاون.

في الوقت نفسه فان المتوقع ان تستورد إيران بعض أنواع النفط، كما ان الهند وباكستان و الصين مرشحة ان تصبح عطشي للطاقة، ويتوقع بعض المحللين النفطيين ان يكون عصر تصدير النفط من الخليج للغرب و الولايات المتحدة  قد أقترب من نهايته، فخلال العقود الأولى من القرن القادم سيكون زبائن الخليج الأساسيين من مشتري النفط هم غالبا من الشرق، الهند و الصين، ودول جنوب شرق آسيا.

لذلك فان افتراض ان تكون الأهمية الجيوسياسية للخليج تنازلية –من وجهة النظر الغربية- هو افتراض قائم في العقود الثلاثة القادمة، أي ان الاهتمام الغربي بشؤون الخليج سوف يتناقص مع تناقص الأهمية الاستراتيجية، وسيكون الأكثر اهتماما بالخليج هي الدول الواقعة شرقه، ومن هنا فان اهتمام دول الخليج بهذه الدول و الثقافات له أهميته.

لقد كان اهتمام الغرب بالخليج ناتج في السابق من مصدرين الأول الضغط علي الاتحاد السوفيتي ووقف امتداد نفوذه غربا، وكانت آخر المعارك في هذا الموضوع معركة أفغانستان التي أجيرت لها الدول الغربية ( مع حلفاؤها ) كل الإمكانات الأيديولوجية و الدعائية،و المصدر الثاني حماية تدفق النفط بأسعار معقولة للمستهلكين من حلفاء هذه الدول.

ويبدوا في نهاية التسعينات ان السببان قد تلاشي أو قربا أي التلاشي ، فليس هناك خوف إلا من روسيا عاجزة وغارقة في مشكلاتها، كما المعروض من النفط المتوفر في أماكن كثيرة قد أوصل أسعاره ألي الحضيض، وبانتفاء هذين المصدرين يزداد ضعف التأثير الاستراتيجي لمنطقة الخليج.

ولقد ظهر في الآونة الأخيرة بعض المؤشرات بتصريحات واضحة من الولايات المتحدة علي ( إضعاف) الارتباط الاستراتيجي بالقول ان الدفاع عن الخليج اصبح مكلف من الناحية المالية، ويعتقد بعض المتابعين ان الولايات المتحدة لن تبقي –لمدة طويلة- التزامها العسكري بسبب تكلفته الباهضة، من جهة و بسبب تراجع أهميته الاستراتيجية من جهة أخرى.

غير ان هذا القول لا يعني ان الولايات المتحدة سوف تتحلي في القريب العاجل عن هذه الالتزامات، فمن مصلحتها الجيوسياسية الدولية ان تري ان هناك شئ من لاستقرار يسود المنطقة،وهذا ما يفسر موقفها أو بعضه مما يحدث في فلسطين وما حولها، وفي الخليج أيضا حيث اصبح ( صدام حسين) العدو الجماهيري الأول في الولايات المتحدة، كما ان إيران وسياستها الخارجية هي هاجس أمريكي داخلي، وقد لخص أحد مستشاري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي هذا الأمر بالقول ( لو سقط صدام حسين و انتهجت طهران سياسة بعيدة عن المغامرة فان الولايات المتحدة ستضطر لسحب وجودها العسكري من الخليج)[9]

ان تكلفة الولايات المتحدة في الخليج تصل ألي عشرين مليار دولار سنويا، بجانب  تكاليف الاشتباك المباشر، وهو مبلغ ضخم لدي دافع الضرائب الأمريكي و يتضخم في أوقات العسرة الاقتصادية،وليس من الضروري ان تكون الولايات المتحدة مستعدة دائما للدفاع عن الخليج خاصة ان حتمت مصالحها النظر بعيدا عنه،وقد اصبح هناك نقد حول الارتباط غير المحسوب بين الأمن في الخليج و تصور الولايات المتحدة للأمن[10]، وبالطبع فان لاجندة الأمريكية غير الاجندة الخليجية في أمور الأمن و السياسة، وان التقت في فترة فأنها ليس من المتوقع ان تلتقي في كل الضروف.

 

 

ثالثا:أطلاله علي التطورات الحضارية و المعرفية الكبرى:

لقد سمعنا كثيرا ان المعرفة العلمية تتضاعف كل عشر سنوات في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ووجدنا كجيل شهد منذ الأربعينات حتى اليوم من هذه القفزات العلمية و المعرفية ما لم نستطع تخيله، في شؤون الاتصال و التعليم و العلاج و التقنية بشكل عام، ولقد ارتبط التطور البشري بتقدم العلم و المعرفة، وباستخدامها لسعادة البشرية، وفي الخليج ففقد عاش المجتمع علي ( شراء) المعرفة و التقدم التقني، وعلي الرغم من صيحات كثيرة ترددت في مشروع ( استيطان التقنية) و البعض تحدث عن ( استنباتها)،وقد أنشأ لهذا الأمر بعض المؤسسات والتي وان قدمت بعض المساهمات إلا أنها مساهمات بعيدة عن ما وصلت أليه مؤسسات أخرى دولية حتى في العالم الثالث ( الهند و البرازيل) علي سبيل المثال.

ان أهم التحديات الحضارية و المعرفية ثلاث

1)  الثورة الصناعية الثالثة و الحاسوب، و المعلوماتية،و البيوتكولوجي ، وبما ترمز أليه من مضامين في الحداثة  وما بعد الحداثة.

2)    العولمة و تحدياتها في وحدة السوق و سيطرة راس المال،ومغازيها السياسية و الاقتصادية و الثقافية

3)     ثورة التحالفات الاقتصادية و السياسية الدولية والإقليمية.

 

 

 

 

رابعا:مهام ومسؤوليات خليجية مع مطلع القرن الواحد و العشرين:

 

لقد كانت السياسة غير المعلنة للخليج في العقود الثلاثة الماضية هي أولا الانشغال بالأمن، وسيظل الأمن في المدى القريب و المتوسط هو الهاجس الذي تعتني به الحكومات في المنطقة، وتوفر له الكثير من الموارد، وتصف أحد الدراسات ان منطقة الخليج (تطالعنا بحقيقة مفادها أنها اكثر مناطق العالم تأزما)[11]

وعلي الصعيد الشعبي بين أبناء الخليج، هناك أغلبية من المتابعين يرون ان الأمن هو قضية مركزية ،ولكن الاختلاف علي نقطتين من يهدد الأمن و الثانية كيف يمكن ان يتحقق الأمن، في الأولى تنقسم وجهات النظر بين ان العراق هو التهديد الأساسي للأمن في الخليج بينما يري آخرون ان إيران هي التهديد الأول، إما في الثاني فان البعض يري ان تحقيق الأمن هو بالتحالف مع القوي الكبرى، وبعض آخر يتحدث عن أمن عربي ( بعيد المنال)[12].

 أما المؤسسات الأخرى الداعمة لبقاء المجتمع وتطوره، ويأتي علي رأسها التعليم والتدريب، فأنها لا تأخذ من أولويات هذه المجتمعات الكثير من التفكير، هناك وعي من النخبة لأهمية هذه المؤسسات حتى في الموضوع الأمني، ولكن متخذ القرار بشكل عام لم يستطع ان يبلور سياسة تعليمية حديثة، بل علي العكس رغم ما يصرف من أموال كثيرة علي التعليم بمراحله المختلفة في هذه المجتمعات فان ( محتوي) هذا التعليم و(مخرجاته) في تراجع، لأسباب كثيرة منها هبوط أهمية التعليم في المجتمع، كونه ( شهادة) و (وظيفة) اكثر منه وسيلة لحياة افضل،وكذلك وتراجع المجتمع في وضع أولويات متجددة للتعليم، وعندما نسمع ان مساقا جديدا في القانون قد قدم في بعض جامعات أمريكا حول (عزل الرئيس كلنتون) نتحسر علي ( التجميد) للمساقات العلمية التي تقدمها جامعاتنا.

ان الفرق بين التدريس والتعليم فرق قد حدده الخبراء المهتمين ، ففي دراسة لإسماعيل صبري عبد الله يقول ( الفرق بين التدريس و التعليم ان الأول يعني الانتظام في التردد علي المدرسة، وقضاء عدد محدود من السنوات في المدرسة أو الكلية، أما التعليم فيقوم علي تنمية المهارات علي اكتساب المعرفة،ويقضي هذا المفهوم ألي ثورة في أساليب التدريس و التعليم)[13]

        من المهام والمسؤوليات هو الافتراض الصحيح بان هذا الخليج بشكله الذي عرفناه لا يمكن ان يستمر لفترة طويلة في القرن القادم، فان الرياح يمكن ان تجرف دولة أو اكثر خارج السياق الإقليمي، وربما خارج الجغرافيا، ومن المسؤوليات الجسام هو أيجاد صيغة ( توحيدية) اقتصادية و سياسية و عسكرية بين هذه الدول، و الأمر المشاهد ان ( الفرقة) لا التنسيق هو المشاهد و الملموس، في الوقت الذي لا يستطيع مراقب فطن ان يتجاهل الأخطار الإقليمية و الدولية و الاقتصادية الماثلة،وقد كتب الكثير عن المسيرة البطيئة لمجلس التعاون ألي درجة ان وصفها أحد المهتمين بالمسيرة ( السلحفاوية)[14]، بل ان البعض يتشاءم ألي درجة القول ان الخطر الذي يواجه مجلس التعاون الخليجي هو بقاوه كمنظومة[15].

كما يذهب متشائمون ألي ان هذا التجمع السياسي في طريقه ألي الانفراط[16]

        علي الرغم من ان الكثير من الدارسين الجادين يروا ان لا مخرج من هذه الاختناقات الاقتصادية و السياسية التي تواجهها دول المنطقة دون ( توسعة اتخاذ إقرار بمشاركة الشعوب، و البناء علي لغة المصالح و أيجاد طريق للتعاون الأوثق)[17]

        في القطاع التعليم و التدريب للقوي البشرية الذي وضعته هذه المجتمعات قد غلب عليه التعليم النظري و التراثي بدراجات اكبر علي التعليم العلمي و الحديث، فاصبح التعليم عبئ إضافي علي لمجتمع حيث خرجت المدارس و الجامعات دفعات من ( الخريجين الكتبة)  وليس المتعلمين.

        لعل من المهام المطروحة علي النخبة في الخليج هو الخروج عن المفهوم التقليدي للتنمية، من التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ألي التنمية البشرية و البيئية المستقبلية أي الخروج من مفهوم الرفاه الاجتماعي كونه ( إعادة توزيع الثروة) ألي كونه ( تنمية الثروة و تطويرها)، وكذلك التخلص من مفهوم الرعاية الاجتماعية الذي توطن في العقود الأربعة الأخيرة فقط، لقد كان المجتمع يرفض في السابق هذا النوع من الاعتماد ( لرفض بعض الكويتيين في الخمسينات السكن في بيوت حكومية كنوع من العار الاجتماعي) وبعد بضع عقود تكالب الناس علي السكن الحكومي كحق لمواطنة.

        لعل تنظيم الفعل الاجتماعي عن طريق رفع كفاءة وعدالة توزيع الإنتاج، و الارتفاع بقدرة المواطن ورغبته للعمل و المشاركة في تعظيم خيرات المجتمع، عن طريق تمكينه من امتلاك المعارف المختلفة،وتنمية مهاراته،وتدريبه علي الإبداع الفكري و العلمي، هذا التنظيم المطلوب يمكن المواطن من مهارات الاعتماد علي النفس، واحترام الحريات و معرفة أهميتها وضرورتها للمجتمع

 

 

 

 

خامسا:الخليج ومشاهد المستقبل:

 

 أ-المخاطر:

 ان كان لنا ان نصف بمفهوم واحد المخاطر التي تواجه الخليج فأنها ( الازدهار المعكوس)، وهي ظاهرة ألمت بالشرق الأوسط ككل، والخليج ليس استثناء من هذه الظاهرة، ففي دراسة للبنك الدولي تحمل عنوان ( من اجل مستقبل افضل) وصلت ألي ان الأداء الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط خلال ربع قرن يمتد من سنة 1960 ألي 1985 قد فاق جميع المناطق في العالم عدا شرق آسيا، وذلك من حيث نمو الدخل، و المكاسب الاجتماعية التي تحققت، وفي التفاصيل لاحظت الدراسة ان تراجع وفيات الأطفال ، وارتفاع متوسط العمر، وقفز معدلات الالتحاق بالمدارس، ولكن اعتبارا من عام 1986، انخفض متوسط دخل الفرد بمعدل 2% سنويا،وهو اكبر انخفاض في أبه منطقة نامية، وشهدت التسعينات ( انهيار أسعار النفط)[18]، ولعل الأرقام التي أوردتها الدراسة قد كان للنفط ( السلعة الوحيدة التي تعتمد عليها دول الخليج) هي التي ضخمت هذا الانحدار في الازدهار.

وتأتى المخاطر السياسية في أولويات المخاطر الناتجة من الوضع الاقتصادي داخليا وخارجيا، فقد يرض الناس أو لا يرضوا عندما تتغير حالتهم الاجتماعية نتيجة الثروة، ولكن عدم الرضي هو الطريق الوحيد عندما تنحسر هذه الثروة، وهو عم رضا في هذه الحالة مدمر.

قلت ان كل دول الخليج الباحثة عن النفط في العقد الثالث و الرابع من هذا القرن كانت تبحث عن الماء، وبعد العصر النفطي و الطاقة الرخيصة سيبقي الماء هو أحد القضايا الهامة التي سوف تواجه مجتمعات الخليج في المستقبل، ففي بداية التسعينات كان هناك 56 محطة لتحلية المياه في دول الخليج، ويعتقد ان عددها في نهاية العشرية قد بلع 65 محطة، نصف هذه المحطات في المملكة العربية السعودية[19]،و لقد بدأ تناول مصطلح جديد في الخليج هو ( الأمن المائي) بل اصبح الحديث الشعبي – بعد انحسار أسعار النفط- ان برميل الماء اصبح اغلي من برميل النفط، ان تكلفة الاعذاب و التحلية تكلفة باهضة، ألي جانب حاجة قطاع النفط و الصناعة اتلي مياه التبريد التي تعاد ألي البحر مما يسبب أضرار مستقبلية علي البيئة، وعندما اكتشف الماء في منطقة حولي في الكويت سنة 1905 أطلقت أسماء حولي علي بعض السفن تيمنا و بعض المصادر قالت أن الاسم أطلق علي بعض المواليد الجدد[20] ،ولقد ساعد هذا الاكتشاف علي نمو مدينة الكويت، ثم قام أحد الكويتيين ( سلطان بن محمد) في سنة 1925 بتحويل سفينته الشراعية ألي خزان بدائي للمياه لجلب الماء من شط العرب، كان ذلك ابتكارا جيدا لمجتمع يشعر بالعطش، وفي الثلاثينات كانت قد أنشأت في الكويت شركة لجلب الماء من شط العرب، أما اليوم وبعد تصاعد نسب الاستهلاكي المائي ألي أرقام فلكية فما هي الابتكارات الجديدة لري الناس؟

إما في المجال السياسي فان المخاطر المحيطة بادية للعيان، هناك إيران الطموحة دائما في التاريخ الحديث للعلب دور سياسي و أو اقتصادي في المنطقة، ومن المفارقات التاريخية المستحقة للذكر ان الغرب، أو قل المصالح الغربية قد لعبت علي هذا التناقض أو الطموح، وليس آخرها ان (عناد) محمد مصدق، وموقفه من شركة النفط ألانجلوا إيرانية  سنة 52، 53 من هذا القرن، دفعت شركات النفط ألي تعظيم صادراتها النفطية من منطقة الخليج علي حساب وقف أو ( مقاطعة) النفط الإيراني، فكانت بداية الرفاه علي الضفاف الغربي، وأيضا من المصادفات التاريخية ان يعقد لمجموعة شركات جديدة (كونسورتيم) لاستغلال النفط الإيراني لمدة ربع قرن من 1954، تنتهي عام 1979 ( عام الثورة الإيرانية) هل هي فقط صدفة تاريخية، أم ان النفط و السياسة صنوان في تاريخنا؟.

و المخاطر السياسية ليست مقصورة علي إيران فهناك العراق وما قد يمثله في المستقبل من تهديد، كان سابقته الأولى احتلال الكويت، ويتحدث معلق خليجي عن هذا الأمر بقوله (وعلي مستوي علاقة بغداد بالداخل الخليجي، يمكن القول بشيء من الثقة، ان أفاق هذه العلاقة لا تقل قلقا عن أفاق علاقة طهران بهذا الداخل)[21]

 كما ان التهديد السياسي قد يأتي من شبه القارة الهندية، خاصة بعد ان تحولت فئات القادمين ألي الخليج من هناك ( في ضؤ العولمة و انتقال رؤس الأموال) من عمالة بسيطة و أوليه ألي أصحاب راس المال، يمارسون التجارة و الصناعة،ويستقروا لفترة طويلة.[22]

ب: الفرص:

        لقد طرح في معظم ما تناولناه من أدبيات التنمية طريقين خاصة أبان الحرب الباردة، هما بشكل عام أولا نظرية التبعية ( التي روج لها بشكل عام الفكر الاشتراكي) و القائلة بشكل عام ان حالة التخلف في البلدان النامية إنما جاءت بسبب العلاقة السلبية بين الدول النامية و المتطورة.

وثانيا  نظرية التطور الرأسمالي، و القائلة ان التنمية هي بناء معقد لا بد ان يمر من خلال نظام رأسمالي.

        في الكثير من الدراسات التي قرأت وجدت ان (حالة) مجتمعات النفط حالة خاصة، ليس بالضرورة تقع في التصنيف القديم بين ثنائية الرأسمال و الاشتراكية، وكتبت منذ فترة أنها في منزلة بين المنزلتين، وبعد سنوات وشئ من النضج المعرفي و جدت ان كتاب جادين قد وقفوا أمام ( حالة التنمية النفطية في الدول قليلة السكان) نفس الموقف.

        ولقد وقع بين يدي كتاب بعنوان ( المعجزة في الاقتصاد)[23] كان هم المؤلف  الرئيس ان يعرف ما هي العناصر المجفرة للتنمية،وقد صنف مميزات الاقتصاد النامي و مميزات الاقتصاد غير النامي، ووضع مجتمعات الخليج خارج هذا التصنيف ، لان هناك مظاهر ( للتقدم ) و(مخابر) للتخلف في هذه المجتمعات.

كما قارن بين النظريات المختلفة التي تفسر التخلف و التقدم،فوجد انه لا يمكن تفسيره لحتمية جغرافية، فهناك في الشمال بلدان ( متخلفة) وهناك في الجنوب بلدان متقدمة، يكفي ان أشير ألي مثال، ان الجزائر وتونس تقعان ألي الشمال من طوكيو، كما ان تماثل المناخ ليس بالضرورة تماثل مستوي الإنتاج، فمقارنة الإنتاج في التاميل في المنطقة الجنوبية الشرقية من الهند يستطيع الكيلومتر المربع فيه ان يطعم حوالي أربع مائة شخص، في حين ان نفس المساحة في أفريقيا الاستوائية لا تطعم أربعة أشخاص، علي الرغم من تماثل ضروف المناخ.

في بحثه الدائم عن معوقات التنمية و محفزاتها خلال العصور وعبر التجارب الإنسانية يتوقف الكاتب أمام ( الثقافة) فيصفها أنها القاطرة للتقدم أو التخلف، فيقول في ذلك( لا يمكن لاي دارس جاد لشروط التنمية ان يستبعد اكثر السمات المادية في المجتمع المؤثرة في التنمية، من تلك السمات الدين، و الأحكام المسبقة، و الخرافات، و المحرمات، و الدوافع ألي العمل،و الموقف حيال السلطة السياسية،ودود الأفعال التاريخية، و الأخلاق الفردية و الجماعية، ونظم التربية،ومجمل القيم الثابتة في المجتمع، لأنها تؤثر في سلوك كل شعب، و مسار أية حضارة، حتى في اكثر المجلات مادية، كالاستثمار وعلاقات الإنتاج و التبدل ،ومعدلات النمو)

قد يكون مفيدا ان نقول ان الخصوصية الاقتصادية التي وجدنا مجتمعاتنا فيها تحتاج ألي ابتكار تنموي، وهذا الابتكار يحتاج ألي وعي ثقافي عام، هناك عوامل كثيرة يغفلها البعض، رغم أنها اكثر ارتباطا بنا، هي السلوك البشري،وقد تكون اكثر العوامل أهمية في موضوع التنمية.

الفرصة الأكبر المتاحة لدول الخليج هو الاستثمار في العنصر البشري، فرغم شكوانا من تدني مستوي التعليم، إلا ان الكم قد افرز بعض الكيف، و الذي يستطيع ان يقدم لمجتمعه بعض الحلول الممكنة للخروج من دائرة ( الازدهار المعكوس) ولعل أول ما اقترحه هو النظر في الواقع الثقافي نظرة ناقدة وموضوعية،وهو الذي سيقودنا لتفكيك المعضلات الاقتصادية و الإدارية الكئود.

إلا ان الواقع يفرض علينا التفكير بجد في قضية العليم و الثقافة في مجتمعاتنا، يقول باحث جاد في هذا المقام ( ان أحد أهم مهام العملية التربوية في منطقتنا ليس فقط تحقيق قدر من التطور المعرفي وربما الشخصي للداخلين فيها،وإنما هي من حيث قدرتها- أي العملية التعليمية-علي تحقيق قدر من الخلخلة في منظومة المرجعيات التقليدية الموروثة… ان قياس النجاح الحقيقي للنظام التعليمي بقدرته علي مدينة مخرجاته، و الخروج من شرنقة المرجعيات الضيقة ألي انتماءات مجتمعية ارحب…)[24]


 


[1] انظر صحيفة مصرف الإمارات الصناعي ( الأوضاع لاقتصادية لدول مجلس  التعاون) ديسمبر 98.

[2]   The Venice meeting 1998 ( petroleum finance company)

[3] الدكتورة  دلال البزري ( جرامشي في الديوانية)

 

[5] انظر: Miriam Joyce: Kuwait 1945-96. An Anglo-American Perspective. Frank Cass, London 1998.

[6] انظر الكويت قبل النفط، مذكرات الدكتور سي ما ليري تعريب محمد الرميحي، الطبعة الثانية ، دار قرطاس، الكويت 1997.

[7] انظر المرجع السابق ص.2

[8] انظر دراسة امير طاهري  في جريدة الشرق الأوسط ( خمس حلقات) من 4 ديسمبر 1997 وحتى 9 منه.

[9] امير طاهري الحلقة الخامسة من الدراسة المشار أليها آنفا.

[10]  كاظم هاشم نعمة:المتغير الأمريكي ومستقبل الأمن في الخليج ، المستقبل العربي العدد 195 مايو 1995 ص. 25 وما بعها.

[11] انظر في ذلك دراسة، سعد ناجي جواد، ومنعم صاحي العمار( الخليج في عالم متغير، دراسة في معضلة الأمن الخارجي و ترتيباته) السياسة الدولية يوليو 1996 ص 26 وما بعدها.

[12] انظر في ذلك دراسة الدكتور محمد جابر الأنصاري في الحلقة النقااشية التي نظمها مركز دراسات الجزيرة و الخليج، جامعة الكويت، 26،28، مايو 1997: يقول المؤلف في جزء من هذه الدارسة، ان علي الدول البترولية الصحراوية ان تساهم من ألان في إقامة بناء حضاري ( في قلب العالم العربي)بما تلكه من إمكانيات، لان الصحراء بعد النفط ستعود صحراء ولن تتوفر فيها أية إمكانيات للحياة.ص 13.

[13] إسماعيل صبري عبد الله ( في القرن الجديد التعليم فرض عين) الأهرام القاهرية 26-6-98

[14] انظر مقالة الدكتور علي حميدان ( الخليج وتحديات القرن المقبل) في جريدة الشرق الأوسط 25 ديسمبر 1997

[15] انظر مقابلة مع الدكتور شفيق الغبراء في جريدة السياسية الكويتية بتاريخ 9 أغسطس 1997.

[16] أسامة عبد الرحمن، مجلس التعاون توجه نحو الاندماج أم نحو الانفراط، المستقبل العربي ، مايو 1997 ص  14 وما بعدها.

[17] دراسة جاسم السعدون بالاشتراك مع آخرين، تقويم تجارب التنمية لدول الخليج العربي، منتدى التنمية، اللقاء السنوي السادس عشر.

[18] انظر ملخص الدراسة في مجلة العربي الشهرية عدد فبراير 1999 ص 76.

[19]  انظر دراسة أمن الخليج الماء أولا مجلة الوسط 12 أغسطس 1995 ص. 22 وما بعدها

[20] Miriam Joyce  مصدر سبق ذكره ص xii

[21] عبد الجليل مرهون: الأمن في الخليج حركة التفاعلات الإقليمية، شؤون الشرق الأوسط، أبريل سنة 1995 ص. 33 وما بعدها.

[22] انظر في تفاصيل ذلك: تركي الحمد: التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون ، ملاحظات أولية حول المخاطر و الحلول. 1994

[23] ألان بيرفيت : المعجزة في الاقتصاد من المدن الفينيقية ألي اليابان) ترجم ألي العربية من دار النهار في بيروت 1979، وهو في الأصل مجموعة محاضرات ألقيت في معهد الكولج ديفرانس، و المؤلف مفكر وسياسي فرنسي، شغل عدة مناصب وزارية وفكرية، وقد قمت باستعراض موسع للكتاب في افتتاحية مجلة العربي عدد يناير 1998.

 

[24] انظر هذه الدراسة الجيدة في نقد التعليم في الخليج للدكتور باقر النجار في مشروع استشراف مستقبل العمل التربوي في دول الخليج العربية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض 1998.

 

 

المصدر : موقع الدكتور محمد الرميحي

 

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها