مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

عندما تصبح السلطة غنيمة - يوسف خليفة اليوسف

طباعة PDF
 
مقدمة
‏عندما بدأت دراستى الجامعية فى الجامعة الأميركية فى بيروت فى بداية السبعينيات، ومعى عدد لا بأس به من إخوتى وأخواتى من أبناء دولة الإمارات وبقية دول مجلس التعاون الذى لم يكن يعرف بهذا المسمى فى تلك الفترة، كان لبنان منبرا حرا وبحرا هائجا من الأفكار والتيارات السياسية بكل أطيافها الإسلامية والقومية والشيوعية. ولا أنسى أننى كنت وغيرى من الإخوة نتصدى لكثير من النقد والإساءات التى كان دعاة بعض تلك التيارات يوجهونها إلى الأسر الحاكمة فى دولنا. ولم يكن دفاعنا من باب "مسح الجوخ" أو التزلف لهذه الأسر، ولكنه كان نابعا من شعورنا بأن هذه الأسر هى منا ونحن منها، وآلامنا وآمالنا هى آلامها وآمالها، وأننا مهما اختلفنا معها كأبناء للمنطقة، فإن خلافنا يبقى خلاف عائلة واحدة ناتجا من تفاوت فى الاجتهادات، وقد يكون بسبب أخطاء هنا وهناك لا يمكن أن يتجرد منها إنسان، فالكمال لله وحده. بل إن المتابع لتاريخ هذه المنطقة يرى أن هذه الأسر الحاكمة كانت ملتحمة ومترابطة ومعتمدة على شعوبها فى فترة ما قبل النفط، وكانت هذه الشعوب بكل شرائحها تحترم هذه الأسر وكانت تأخذ وتعطى معها فى شؤون الحياة كافة، وقد تختلف معها كذلك من أجل السعى لما هو أفضل، ولكنه خلاف لم يفسد للود قضية لأن جميع الأطراف كانت تشعر بأنها شريكة فى هذه الأوطان. غير أن الرياح كانت تجرى بما لا تشتهى السفن، كما يقال. ولقد كان من المنطقي، بل المتوقع، أن تبقى هذه الأسر اللحمة الداخلية بتحويل الشرعية القبلية إلى شرعية دولة بعد الحقبة النفطية التى حبانا الله خلالها بثروة طبيعية ومعرضة للنضوب هى ملك للجميع، لأن هذا المسار هو النهج الطبيعى والأصيل، وأى مسار غيره يعتبر مستغربا وغير مؤد إلى الوحدة الداخلية، التى تعتبر شرطا للاستقرار والازدهار. والآن، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على جهود التنمية والأمن فى ظل هذه الحكومات، لا بد لأبناء المنطقة من أن يقفوا وقفة مصارحة تتعلق بدرجة نجاح أو إخفاق هذه الحكومات، أو الأسر الحاكمة. بتعبير أدق، فى ‏حفاظها على الشراكة مع شعوبها ومدى كفاءة إدارتها لموارد المجتمع واستخدامها لسلطتها السياسية من أجل تحقيق التنمية والأمن فى الداخل وفى المحيطين العربى والإسلامي. وأخيرا وليس آخرا مدى ما أنجزته هذه الأنظمة على صعيد قضية العرب الأولى، أى قضية فلسطين.
‏هذه الدوائر التى ذكرناها لم نذكرها كشعارات، وإنما لأننا على يقين تام بأن الأمن والتنمية فى دول المنطقة لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن الأوضاع الأمنية والتنموية فى المحيط العربى خاصة، وهذا ما تؤكده الأحداث فى العراق وفلسطين ولبنان يومأ بعد يوم. وحديثنا فى هذه الورقة لن يتجاوز تفتيح الأفاق وطرح بعض الخواطر وذكر بعض المؤشرات، كل ذلك من أجل توسيع دائرة الحوار حول واقع ومستقبل دول الخليج ومحيطها العربي، عسى أن يكون فى هذه المصارحة إحياء للقلوب، وتبصيرا للعقول، وشحذا للهمم، وخطا للرجعة عن الأخطاء، وبعثا للأمل فى البناء والتطور خلال السنوات القادمة.
‏فى الجزء الأول من المقالة سنتحدث عن أهم منعطف فى تفكير الأسر الحاكمة فى المنطقة، والمتمثلة فى النظر إلى السلطة والحكم بأنهما غنيمة وإرث. وفى الجزء الثانى سنتحدث عن الركود السياسى الذى تعانيه هذه الدول نتيجة لتوسع دور مؤسسة الغنيمة. أما فى الجزء الثالث، فسنحاول توضيح انعكاسات عقلية الغنيمة على القضية الفلسطينية والمحيط العربى عامة. وسنحاول فى الجزء الرابع تقديم نظرة مستقبلية إلى منطقة الخليج ومحيطها العربي.
  

 

 

للقراءة والاطلاع .. اضغط هنا

__________

المصدر : مركز دراسات الوحدة العربية

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها