مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

سعر النفط والميزانية الجديدة :قراءة أخرى للميزانية الجديدة 2015م (1436ﻫ/ 1437ﻫ) - د.عبدالعزيز الدخيل

طباعة PDF

سعر النفط والميزانية الجديدة

 

تعرض سوق النفط العالمي لهزة قوية خلال النصف الأخير من العام 2014م خلخلت جزءاً من قواعده ومسلماته وهوت بسعر البرميل من مزيج برنت بنسبة وصلت إلى 50%.

وأمام هذا المشهد قامت المملكة العربية السعودية ممثلةً بوزارة البترول والثروة المعدنية بقلب إستراتجيتها في التعامل مع انخفاض سعر البترول رأسا على عقب وانتقلت من دورها التقليدي المرجح لسعر معتدل كما تراه إلى دور الدفع بالأسعار إلى الهبوط بشكل أكثر، عقاباً لمن أسمتهم بالمنتجين من خارج أوبك.

 

 

 

هذه هي حال سوق النفط العالمي في شهر ديسمبر 2014م وهو نفس الشهر الذي تصدر في آخره ميزانية المملكة العربية السعودية التي صدرت يوم الخميس الموافق 25 ديسمبر 2014م.

 

 

 

ما بين سعر البترول وحجم المبيعات السعودية منه وبين ميزانية الدولة علاقة حميمة جداً حيث أن إيرادات الدولة التي تمول نفقات الميزانية يخرج 90% منها من تحت عباءة النفط السعودي، فالعلاقة أكثر من حميمة بل إنها كعلاقة الابن المعاق بأبيه المقتدر لكنه كما هي سنة الحياة لن يعمر الاب إلى الأبد. لاحظ إنني أقول المعاق ولا أقصد العاق فالعقوق أمر مكروه إلا أنه يحمل معنى القوة والتمرد أما الإعاقة فهي الاعتماد شبه الكامل على المعيل. وهذا حال المالية العامة للدولة بشكل خاص والاقتصاد السعودي بشكل عام التي تعتمد في إعالتها (تمويلها) على استخراج النفط من باطن الأرض وبيعه.

 

 

 

أعود إلى الميزانية الجديدة التي ولدت في مشهد يتسم بانخفاض العائدات البترولية بشكل حاد ويضع علامات استفهام كبيرة ومقلقة أمام مستقبل سوق النفط، وأقول إن هذا الواقع لابد أن يثير اهتمام وحذر المخطط المالي للمالية العامة للدولة، وقد يشترك في هذه المهمة عدة جهات وقيادات إلا أن المسؤولية المباشرة لإعداد الميزانية العامة للدولة تقع على وزارة المالية.

 

 

 

يبدو أن وزارة المالية قد هيئت جواً إعلامياً لإبراز الميزانية بصورة قوية فيها التحدي وعدم الاكتراث بانخفاض الإيرادات البترولية أو أن هذه هي طبيعة الصحافة السعودية التي تؤمن على ما يصدر من ميزانيات أو خطط أو قرارات حكومية مهما كانت وكان شأنها. أما رجال الدولة ومسئولوها فقد ربطوا مفاتيح الخير والرفاهية للمواطنين بهذه الميزانية.

 

 

 

ما أقدمه هنا هي قراءة ووجهة نظر اقتصادية عن الميزانية الجديدة وانعكاساتها المستقبلية على الاقتصاد الوطني في القادم من السنين، قد تختلف عن تلك التي يراها معالي وزير المالية والمسئولون في وزارته.

 

 

 

الإعلام والميزانية الجديدة

 

 

 

المتابع لإعلان الميزانية والوهج الإعلامي الذي صاحبها لابد وإن قرأ أو سمع في الصحافة السعودية وجميع وسائل الإعلام الأخرى شيئاً من العبارات التالية:

 

 

 

“اقتصاديون: الميزانية العامة تمثل مزيداً من القوة لدفع عجلة تسارع التنمية وشمولها”

 

 

 

“الميزانية أكدت استمرار معدلات الإنفاق على المشاريع بوتيرة متصاعدة”

 

 

 

“السعودية تخفض معدلات اعتمادها على النفط في موازنة 2015م إلى ما دون 90%”

 

 

 

“متفائلون من أن النمو الاقتصادي سيستمر”

 

 

 

“ميزانية التنمية الشاملة”

 

 

 

“موازنة 2015م... لا داعي للقلق”

 

 

 

“وزير المالية: الواقعية لا التحفظ منهجنا في ميزانية هذا العام”

 

 

 

“السعودية تتحدى النفط بأعلى إنفاق حكومي على الإطلاق”

 

 

 

“الميزانية تؤكد قوة ومتانة الاقتصاد السعودي”

 

 

 

“الموازنة العامة للدولة مليئة بالتحدي والإصرار”

 

 

 

“رغم أسعار النفط المنخفضة موازنة 2015م ضعفا 2002م”

 

 

 

“العساف: المملكة قادرة على تحمل تراجع النفط ولا نحتاج إلى صندوق سيادي”

 

 

 

“هيئة الاستثمار: موازنة 2015م تحفز القطاع الخاص لتنمية استثماراته”

 

 

 

“احتياطيات المملكة الضخمة عنصر اطمئنان”

 

 

 

“الجاسر: الموازنة تزيد زخم النشاط الاستثماري للقطاع الخاص”

 

 

 

“وزير العمل: أرقام الموازنة تعكس متانة الاقتصاد الوطني”

 

 

 

“مسئولو غرفة جدة: الموازنة الجديدة تتغلب على التحديات العالمية”

 

 

 

“رئيس الطيران المدني: الأرقام تؤكد متانة الاقتصاد السعودي”

 

 

 

“أمير مكة: الموازنة تؤكد دعم التنمية المتوازنة وتحسين الخدمات”

 

 

 

“وزير الاقتصاد والتخطيط: الميزانية تؤكد عزم الدولة على استمرار الإنفاق على المشاريع التنموية الضخمة”

 

 

 

“رغم انخفاض النفط أضخم ميزانية سعودية”

 

 

 

“وزير الصحة يؤكد: الميزانية ستغطي جميع المشروعات”

 

 

 

“قوة السياسات الاقتصادية للسعودية مكنتها من تجاوز اضطراب أسعار البترول”

 

 

 

هذه عناوين كبيرة نقلتها كما وردت نصاً في بعض الصحف السعودية وهذه النصوص الإعلامية تشكل في نظري حملة إعلامية حكومية قوية لتقديم وعرض الميزانية للمواطنين من قبل مسئولين حكوميين لهم علاقة مباشرة بالميزانية إما في الإعداد أو في التنفيذ. ليس الهدف من النقل هو التشكيك في صدق ما يقولون فهذا أمر لا يعنيني في هذا المقام والمقال، لاشك أني أختلف معهم في الرأي وهذا أمر مشروع لي ولهم، ما يهمني هنا بالتحديد هو إظهار هذا الزخم الإعلامي الابتهاجي الذي صاحب هذه الميزانية رغم أن الظروف المالية والبترولية المستقبلية تتطلب الحذر والحيطة وشد الأحزمة حسب وجهة نظري الاقتصادية.

 

 

 

 

 

 

 

الميزانية الجديدة للعام 2015م كما جاءت في بيان وزارة المالية

 

 

 

 

 

الجدول التالي الَذِي قمت بإعداده من بيانات الميزانية كما جاءت في بيان وزارة المالية وفِي موقعها الإلكتروني يبين المعالم الرئيسية للميزانية الجديدة لعام 2015م مقارنة بالحسابات الختامية لموازنة العام 2014م.

 

 

 

جدول (1)

 

 

 

الميزانية الجديدة للعام 2015م مقارنة بالحسابات الختامية للعام 2014م

 

 

 

(كما جاءت في بيان الميزانية)

 

(بالبليون ريال سعودي)

 

المادة

نهاية العام  2014

2015 الميزانية

الفرق

النسبة

الايرادات

1.046

715

(-) 331

(-) 31.6%

المصروفات

1.100

860

(-) 240

(-) 21.8%

العجز

54

145

(+) 91

(+) 168.5%

نسب العجز/ الناتج المحلي الإجمالي*

1.9%

5.1%

(+) 3.2%

(+) 168%

 

* الناتج المحلي الإجمالي للعام 2014م: 2.876 بليون ريال سعودي (جدوى).

 

 

 

** الدين العام للعام 2014م هو 44.3 بليون ريال سعودي.

 

 

 

المصدر: عبد العزيز الدخيل، استناداً إلى بيان وزارة المالية وموقع الوزارة

 

 

 

يبين الجدول (1) بوضوح أن الإيرادات الحكومية ستنخفض بمعدل 31،6% في العام 2015م وأن المصروفات ستنخفض بمعدل 21،8% في نفس العام وأن العجز في الميزانية سيرتفع بمعدل 168.5%.

 

 

 

فأين المفرح في هذا الأمر؟ انخفاض النفقات أمر ضروري لمواجهة الانخفاض في العائدات البترولية وقد يتطلب الأمر خفضاً في الإنفاق أكثر من ذلك ولكن السؤال الهام من أي جزء من الإنفاق يتم الخفض؟ هل من الأمور المتعلقة بحياة المواطن المحتاج، المعيشية والصحية والسكنية والتعليمية أم إنه خفض للإنفاق على الكل يقع جله على المحتاجين ولا يشعر به الميسورون؟ وماذا عن المشاريع التي يمكن تأجيلها لبعض من السنين أو الاستغناء عنها تماماً هل مسها شيء من التخفيض؟ الكلمة السحرية التي يجب أن تكون عنواناً لكل باب في وزارة المالية والحكومة بشكل عام، هي ترشيد الإنفاق، والترشيد هو اسم فعل من رشد أي بلغ الرشد وتمام العقل. وفي هذا المجال هناك الكثير الكثير من الإنفاق الحكومي الذي يحتاج إلى ترشيد.

 

 

 

ليس هذا هو موضوعنا لكن ما أردت إيضاحه هو أن أهازيج الفرح وقرع الطبول الذي رافق إعلان الميزانية يتعارض حسب قراءتي الاقتصادية مع روح وواقع الوضع الاقتصادي المستقبلي والمالية العامة للدولة الذي يتطلب شحذا للهمم ودعوة لترشيد الإنفاق والحد من السلوك الاستهلاكي الحكومي والفردي. كيف يستقيم القول منطقاً بزيادة الإنفاق في ميزانية الدولة رغم انخفاض الإيرادات وتدهور أسعار النفط؟! ما لم يكن هذا الانفاق قمة من قمم الاستثمار الانتاجي أو ضرورة ملحة لحماية الأمن الوطني. المبدأ في حد ذاته لا يستقيم في ظل ترهل الإنفاق وانتشار الهدر المالي. إن إشعار المواطن كما قرأته في الحملة الإعلامية المصاحبة لإعلان الميزانية بأن الأمور على مايرام وأننا لا نبالي بانخفاض أسعار البترول ونتحداه بزيادة الإنفاق، فيه ضرر كبير، لأنه يبني في مخيلة المواطن آمالاً قد تصبح أوهاماً ومن ثم إحباطاً يقلق المواطن على حاضره ومستقبله. الحقيقة وإن كانت مرة هي الأفضل للمواطن وللمستقبل. إن المستقبل المجهول في سوق النفط الذي يمول 90% من ميزانية الدولة لا يواجه بعدم الاكتراث والتحدي بل بإعادة النظر بشكل جاد وفاعل في جداول الإنفاق وشعابه التي تصب في كل اتجاه وحصرها وترشيدها لتصب فقط في حياض المواطنين، علماً وسكناً وصحة وأمناً. المواطن يريد أن يرى الحقيقة والصدق والحكمة في كل ريال يرد إلى الخزينة العامة وفي كل ريال يصرف منها وكيف يصرف ولمن يصرف. المواطن لايريد أكثر من الصدق في الإفصاح والترشيد في الإنفاق والعدالة الاجتماعية في التوزيع وهذا حق له وواجب على حكومته.

 

 

 

كما أشرت سابقا فقد توالت التصريحات وعناوين الصحف بأن الإنفاق في الميزانية الجديدة 2015م قد زاد واعتبر ذلك دليلاً على عدم خوف الحكومة من انهيار أسعار النفط وعلى قوة ومتانة الاقتصادي السعودي القادر على تحدي الظرف المالي الناجم عن الانخفاض الشديد في أسعار النفط الذي تعاني منه دول كثيرة. سلاحنا في ذلك هي الاحتياطيات المالية التي جمعناها في السنوات السابقة ليس من تعاظم انتاجنا بل من زيادة استخراجنا وبيعنا لرأس المال الوطني الكامن في باطن الأرض لنا وللأجيال القادمة.

 

 

 

أنا كما هو معلوم أختلف مع هذا الطرح وهذه السياسة المالية والبترولية جملة وتفصيلاً لكنني هنا أود التدقيق في قول وزارة المالية والمسؤلين بأن الإنفاق في الميزانية الجديدة قد ارتفع. زيادة الإنفاق في العام الجديد من الناحية الفعلية وبما يقتضيه الإفصاح الكامل لابد أن يقارن بالإنفاق الحقيقي للعام المنصرم 2014م وليس بحجم الإنفاق المقدر في ميزانية 2014م. الإنفاق الفعلي للعام 2014م كما ورد في بيان وزارة المالية هو 1100 بليون ريال والإنفاق المقدر للعام الجديد 2015م هو 860 بليون ريال بنقص مقداره 240 بليون. فكيف يصبح النقص زيادة؟ أنا أخبركم كيف: لقد نسبت وزارة المالية حجم الإنفاق المقدر في ميزانية 2015م ومقداره 860 بليون ريال إلى حجم الإنفاق المقدر في ميزانية 2014م وهو 855 بليون ريال وهذا يؤمن زيادة في الإنفاق قدرها 5 بليون ريال فقط. الإجراء من حيث مقارنة بنود ميزانية بميزانية صحيح، لكنه من حيث القول بأن هناك زيادة في باب النفقات في الميزانية الجديدة خطأ، لأن الانفاق في العام الجديد سوف ينطلق من حيث انتهى إليه في العام 2014م. إذن فإن الحقيقية الرقمية تقول إن ما رصد للإنفاق في الميزانية الجديدة يقل عما تم بالفعل إنفاقه في العام 2014 م، وليس في الأمر حرج أن تقول الحكومة لقد تم تخفيض النفقات لمواجهة الانخفاض في الايرادات.

 

 

 

يقلقني كباحث وكمواطن هذا النوع من ضعف الإفصاح للبيانات المتعلقة بأهم وثيقة اقتصادية ومالية، أي الميزانية، كما يقلقني النقص الشديد في بياناتها. أعتقد أن المسئولين في وزارة المالية وبقية الوزارات الاقتصادية وغير الاقتصادية لم يقتنعوا بأنه من حق المواطن أن يعرف، ومن واجبهم أن يفصحوا بالمعلومة ما لم يكن في الإفصاح ما يمس الأمن القومي.

 

 

 

وضع المالية العامة في نهاية العام 2015م

 

 

 

لإيضاح الصورة بشكل أكبر قمت بإجراء فرضيتين على ما يمكن أن يحدث للإيرادات والمصروفات خلال العام القادم 2015 التي وردت في الميزانية، الفرضية الأولى تتعلق بزيادة حجم المصروفات في نهاية العام عما قدر في الميزانية وهذا أمر يحدث دائماً وقد حدث خلال العام المنتهي 2014م حيث زادت المصروفات الحقيقية على المصروفات المقدرة في الميزانية بمقدار 245 بليون ريال وهذا يعادل زيادة بنسبة 28.7% والفرضية الثانية تتعلق بانخفاض الإيرادات الحقيقية للعام 2015م وهذا أيضاً أمر متوقع نظراً للظروف الجديدة والسياسة النفطية الجديدة للمملكة التي هوت بسعر النفط وجعلته يهبط بنسبة 50% في النصف الأخير من العام المنصرم 2014م.

 

 

 

الفرضيات

 

 

 

زيادة المصروفات عن المقدر لها في ميزانية 2015م بنسبة 20%

 

نقص الإيرادات عن المقدر لها في ميزانية 2015م بنسبة 20%

 

جدول (2)

 

المادة

الميزان

الإيرادات

536.25 بليون ريال سعودي

المصروفات

1.032 بليون ريال سعودي

العجز

(-) 495.75

نسبة العجز/ الناتج المحلي

الإجمالي*

17.8%

 

 

 

* الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام2015 م: 2777 بليون ريال سعودي.

 

المصدر: نفس المصدر جدول (1)

 

 

 

يوضح الجدول رقم (2) وضع المالية العامة للدولة في نهاية العام 2015م بناءً على الفرضيات المشار إليها أعلاه وهي فرضيات ليست مستحيلة كما أشرت سابقاً بل أنها ممكنة خصوصاً إذا واصلت أسعار النفط هبوطها وتمسك وزير البترول السعودي بموقفه المبني بالضرورة على موقف الحكومة السعودية، من عدم الاكتراث بهبوط أسعار النفط في العام القادم حتى لو وصلت إلى 20 دولار للبرميل.

 

 

 

إن تحققت الفرضيات فسوف تنخفض الإيرادات إلى نصف المصروفات وسيكون هناك عجز يصل إلى حوالي 500 بليون ريال يلتهم تقريباً خمس الاحتياطات المالية الراهنة للدولة أو يدفع بالدولة إلى الاقتراض و زيادة الدين العام إلى 540 بليون ريال (44.3 بليون الدين العام الحالي). ويمثل العجز حسب هذه الفرضية حوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2015م.

 

 

 

الخلاصة

 

 

 

ما نشهده اليوم على الساحة الاقتصادية والمالية والبترولية في المملكة العربية السعودية ليس بالمستغرب بالنسبة لي لأنه نتاج إستراتيجية اقتصادية مالية بترولية إدارية، اعتمدت الاستهلاك أولوية على الاستثمار في رأس مال منتج غير معتمد أساسا على الدعم والإعانات الحكومية يصب مباشرة في تنويع مصادر الدخل. واعتمدت الإنفاق على الحديد والأسمنت والآلة قبل بناء الإنسان المواطن العالم المتقن تقنيا ومهنيا تشغيل وصيانة الآلة. اعتمدت على الزيادة في استخراج النفط وبيعه واستهلاك إيراداته بدلاً من الاعتماد على الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات وتنويع مصادر الدخل. اعتمدت على كسب رضا العامة من خلال الإعانات ورضا الخاصة من رجال أعمال وغيرهم من خلال الهبات و الإنفاق على دعم المشاريع الضخمة في قيمها وأرباحها القليلة في مساهمتها الاقتصادية والإنتاجية. اعتمدت السكوت عن الفساد المالي والإداري الكبير والبحث عن الفتات من الفساد، اعتمدت حجماً حكومياً متضخماً مترهلاً ضعيف الإنتاجية قوي البيروقراطية بدلاً من هيكلة حقيقية تعتمد الكفاءة قبل الكم. اعتمدت الزمن الحاضر وأهملت المتطلبات والمتغيرات المستقبلية وما تحمله من مخاطر وما تتطلبه من انجازات. اعتمدت الطاعة قبل الإخلاص.

 

 

 

اعتمدت على السعودة لتخص المواطن، الذي لا ذنب له في نظام تعليم وتدريب مهني لايسمن ولا يغني من جوعٍ، بوظائف هامشية ضعيفة الإنتاجية وقليلة الدخل فاسحة المجال لأصحاب المهارات والعلم من الأجانب للغنيمة بحصة الأسد في الوظائف الراقية انتاجا ودخلا بدلاً من إعادة التاهيل العلمي والتقني والإداري لشباب الوطن ضمن برامج ومعاهد وخطط يخصص لها بلاين الريالات وتسند إلى قيادات مؤهلة تؤمن بأهمية وضرورة إعادة تأهيل وتعليم المواطن بشكل جذري حقيقي وفعال وإن تحقق ذلك فالمواطن المتعلم الكفء كفيل بالحصول على أعلى الوظائف إنتاجا ودخلا دون الحاجة الى وزارة العمل وبرامجها. هذا هو الاستثمار المنتج إنه الاستثمار في الإنسان رجل وامرأة في المواطن صاحب هذه الأرض وما عليها وما في بطنها من بترول ومعادن، هكذا تكون السعودة إن أردتم سعودة حقيقية، سعودة تقوم اولا،على بناء عقل الإنسان المواطن وتعظيم إمكاناته الإبداعية والتقنية، يتبعه إحلال في الوظائف (السعودة)، تقوده القدرات الذاتية المعرفية التقنية للمواطن وليست جيوش وزارة العمل ومفتشيها وكروتها الحمراء والصفراء والخضراء.السعودة كما هي الآن ومن قبل وكما قلت من سنين ان هي الا هدر لعقل المواطن وقدراته الكامنة وهدر لرأس المال الوطني البشري الذي هو أهم وأبقى رأس مال للوطن وللاقتصاد الوطني. لقد أطلت في هذه النقطة لأنني لم أستطع التوقف فالإنسان هو جوهر كل قضية سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.

 

 

 

هذه هي قراءتي للمشهد العام، قراءة يعرفها من سبق وأن اطلع على ما أكتب منذ عقود، قراءة مع شديد الأسف لم تنجلي عنها الغمة ويبددها شعاع من نور بل أنها تزداد ظلمة مع الزمن وتسارع الأحداث، ورغم هذا كله يبقى الأمل يضيء شمعة في الظلام.

 

“ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.

 

__________

المصدر : التجديد العربي

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها