مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

التنظيمات الماركسية في الخليج‏ - د.محمد الرميحي

طباعة PDF

 

شهدت منطقة الخليج ظهور تنظيمات ماركسية منذ خمسينات القرن الماضي وإن كانت غالبيتها سرية، فظهرت “لجنة العمال” في المملكة العربية السعودية ونشطت في أوساط عمال شركة “أرامكو” النفطية، ومن ثم ظهرت “جبهة التحرير الوطني في البحرين” عام 1955، ثم تبع ذلك ظهور تنظيم بالاسم نفسه في السعودية عام 1958، وآخر في قطر عام 1963، ومن قبلها بسنتين ظهرت “منظمة الشيوعيين السعوديين” وكان أغلب أعضائها من عمال شركة “أرامكو”. وكان من أبرز وأشد التنظيمات الماركسية في الخليج “الجبهة الشعبية لتحرير عمان” التي كانت تؤيد فكرة التصادم مع الحكومات بشكل مباشر. ولكن كل التنظيمات التي اتخذت من الماركسية منهجاً لم تقدر على الصمود والمواصلة في الخليج نظراً إلى لجوئها للعمل السري ومطاردة الحكومات لها بقوة ما جعلها تختفي تدريجياً.
 
فترة السبعينات والهجمات العسكرية والسياسية لترتيب أوضاع الخليج ( عبدالرحمن النعيمي )
اطلع احد الاخوة على ماكتبته عن المكتب السياسي للحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي في السبعينات من القرن المنصرم ودوره في العملية الثورية في عمان وحملة الاعتقالات التي شملت المناضلين بعد العمليات العسكرية في 12 يونيو  1970 ، فأشار الى عدم دقة  المعلومات التي اوردتها عن تلك الفترة. وهو صادق في ذلك. حيث كان مشاركاً هناك، وبالتالي لا بد من تصويب المعلومات لكي لا يعتمد البعض في كتابة تاريخ الحركة الثورية العمانية على معلومات غير دقيقة، فهناك الكثير من الاخوة (اطال الله في اعمارهم) ممن يتحملون مسؤلية كبيرة في تسجيل ما يملكونه من معلومات عن تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الصراع على المنطقة بين قوى الثورة من جهة وقوى الاستعمار والاسر الحاكمة من جهة ثانية، بل يمكن القول بأن الحرب الباردة كانت تدور رحاها في منطقة النفط، ولا يدري الكثيرون ممن كانوا يحملون السلاح ان كانوا صانعي احداث ام كانوا ادوات في يد القوى الكبرى المتصارعة، سواء الاتحاد السوفيت ياو الصين من جهة او القوى الامبريالية وبالتحديد البريطانيين والأمريكان من الجهة الاخرى.. لقد ذكر الرفيق العزيز بأن اعضاء لجنة الحوار وقيادة منطقة الداخل للحركة الثورية الشعبية قد دخلوا منذ بداية الشهر السادس 1970  الى السلطنة، وتمكنوا من الانتقال الى عدد من المواقع الاساسية (البؤر) ولم تتمكن قوات السلطنة من اعتقالهما لا يوم 18  يوليو 1970 اي بعد اكثر من شهر على العمليات العسكرية التي قامت بها الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي، وقبل خمسة ايام من الانقلاب الذي قام به البريطانيون على السلطان سعيد بن تيمور وتنصيب ابنه السلطان قابوس ضمن عملية التحديث التي باتت ضرورية لسلطنة عمان
وبالرغم من الوضع الصحي الذي تعيشه العزيزة ليلى فخرو، فقد أبت الا ان تتصل لتشكرني على ماقلته حول دورها.. واعتقد انه يصعب لأي مناضل عاش تلك المرحلة انيوفي هذه المرأة حقها، ويمكن القول انها تدفع حالياً من صحتها تداعيات ما قامت به في تلك الفترة. وهناك رفاق أعزاء من بينهم الرفيق عبدالنبي العكري (وآخرين اخشى الا يريدون ذكر اسمائهم) لا يزالون يرون ان الوقت لم يحن بعد ليسجلوا ما قاموا به من ادوار بعد ان غادروا مواقعهم الدراسية او المهنية والتحقوا بالثورة العمانية وتنقلوا في العديد من المواقع الاعلامية والسياسية والعسكرية، حيث  وحصل على تقدير قيادة اليمن الديمقراطية، والتحق مع المناضلين في جبال ظفار ليقاتل الجيش الايراني الذي تدفق تجحافله منذ العام 1974  ليحسم الصراع هناك بعد ان عجز الكثيرون من المرتزقة وحلفاء النظام من بريطانيين واردنيين ومصريين من اجراء الانعطاف التاريخي في الحرب الثورية هناك
نقد ذاتي
اعتقد ان مسؤولية المناضلين الباقين على قيد الحياة ان يتوقفوا عند تلك المرحلة ويحللوا احداثها، ليس من باب التسجيل والتوثيق فقط، وليس من باب التباهي بما قاموا به، وانما من باب دراسة مواقفهم على ضوء ما يرونه الآن (كمطلين من الخارج التاريخي) من امكانيات موضوعية وذاتية في تلك المرحلة، وبالتالي الاخطاء التي ارتكبوها  لو الايجابيات التي حققوها لقد تحدث عن الثورة الكثيرون، من الصحفيين والسياسيين وخاصة من اليسار الجديد في تلك الفترة، واذا كان قيادة الجبهة قد سعت دائماً الى ابراز الوجه الايجابي لما تقوم به، سواء الدور الكبير للمرأة (كان ثلث جيش التحرير من النساء) او توزيع السلاح على جميع افراد الشعب، او نشر التعليم وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين او استقطاب الشخصيات البارزة وتنظيمها في الحركة الثورية او الجبهة الشعبية، بالاضافة الى الكثير من الاعمال التي حصنت الوضع الداخلي، الا ان عملاً سلبياً يبدأ به المرء او التنظيم قد يتضاعف وتزداد خطورته كلما توغلنا في العمل السياسي، ويبدو ان مقولة لينين القائلة بـ(ان الانحراف يبدأ بزاوية ضيقة) تحمل بعض الصحة، حيث نجد انفسنا عاجزين عن التراجع بل ونرتكب المزيد من الاخطاء التي تشكل علامات فاصلة في المنعطف السلبي للمسيرة النضالية. كما ان من الضروري عدم اسقاط الحاضر على تلك المرحلة، فلا يمكن العودة الى الماضي، وبالتالي لا بد من الاستفادة منه، لكي نتمكن من المساهمة مع مناضلين آخرين في صنع المستقبل.. فقد يكون ابناؤنا افضل منا في رؤية الواقع، خاصة اذا حَكَمنا الماضي وعجزنا عن الخروج من شرنقته.
لابد للقائد ان يكون لديه حس نقدي متجدد، ليرى ان كان الحزب او الجبهة او العملية الثورية تحقق نجاحات يومية، صغيرة او كبيرة، فالمهم ان ترى الناس نجاحات او تعيش في اجواء امكانيات النصر وتحقيق نجاحات على العدو، ولا يمكن ان نسمي قائداً من ينشر اليأس في صفوف حزبه، او وسط المواطنين، كما لا يمكن ان يكون قائداً من يستهين بامكانيات خصمه.. ولا بد للقائد ان يدرس بدقة تكتيك الخصم،خاصة في اللحظة التاريخية التي يقرر احد الطرفين ان عليه اجراء انعطاف كبير ليربك خصمه ويحدث البلبلة في صفوفه، وبالتالي يسهل عليه شق وحدته الداخلية او احداث بلبلة معنوية لدى افراد الخصم.
لقد حققت الثورة في ظفار العديد من النجاحات العسكرية والسياسية في السنوات الاولى قبل الخطة البريطانية فيتغيير السلطان سعيد بن تيمور، بفضل عوامل عديدة، اشرنا الى بعضها في الحلقات السابقة، لكن الخطر الكامن في صفوف الجبهة هو ان الانعطاف الفكري والسياسي الذي حصل في مؤتمر حمرين 1968 قد افرز المزيد من الاعداء، وفي ذات الوقت جذب الى الثورة المزيد من الاصدقاء في الداخل والخارج، لكن الاصدقاء كانت لديهم ملاحظات حول الخط السياسي وحول التسمية وحول الكثير من الممارسات السياسية والاعلامية والخطا بالسياسي.. وعندما اجرى الخصم انعطافاً في مسيرته، كان قادراً على استقطاب الكثير منتلك العناصر المترددة، من حركة الامام التي تشكل الحركة الاساسية للعمل الوطني في عمان الداخل، ناهيك عن انها الطرف السياسي المعترف به في جامعة الدول العربية والذي لم تتمكن الحركة الثورية من استقطاب الكثير من رموزه، (رغم الحوارات التي جرت مع الامام طالب بن علي والتي شاركت في بعضها في القاهرة، ولكن بعد الانقلاب في مسقط بفترة، حيث كان الوضع هناك يسحب المزيد من العناصر من كافة الاطراف واذا كان البعض يرى بأنه لا يمكن التحول واجراء انعطافات في مسيرة العمل الثوري او الحزبي او السياسي دون ارباح وخسائر، فان من الضروري في كل منعطف دراسة الارباح والخسائر لنتمكن من تقليل الخسائر، ومراكمة ايجابيات وقوى جديدة او نتعاطى مع التكتيك الجديد للعدو لنقلل الخسائر التي قد تنجم من اصرارنا على السير في الطريق القديم. عندما اجرت الثورة تحولاتها فيمؤتمر حمرين، وجدت ضالتها في الطريق الصيني، مأخوذة في الوقت ذاته بالمناضل الاممي الكبير جيفارا الذي غادر مقاعد الحكم في كوبا الى ادغال افريقيا (الكونغو) ثم الى امريكا اللاتينية (بوليفيا) ليكون شهيد الواجب الاممي في النضال ضد الامريالية العالمية وزعيمتها الامبريالية الامريكية… وحيث كان للسوفيت حساباتهم، وكان الصراع الصيني السوفيتي على أوجه في مناطق الصراع، فقد تدفق الكتاب الاحمر مع السلاح الصيني الى الثورة،وأعجب المناضلون العمانيون في ظفار بالتجرية الماوية في تطويق الارياف من المدن،بالاضافة الى صور الرئيس الصيني .. بينما لم تجد الدراسات الجادة لوضعية المنطقة طريقها الى قيادة الثورة او الى المناضلين.
لم تكن هناك دراسات حول وضعية المنطقة والصراع العالمي عليها. ولم تكن هناك دراسات حول الوضع الطبقي والقبلي والمذهبي، بل وتاريخ المنطقة برمتها والعوامل التي تدفع باتجاه الصراع مع العدو والعوامل التي قد تدفع بشكل سلبي.. ناهيك عن احادية التحليل.. من ليس معنا فهو ضدنا!!! وهي سياسة خاطئة، بالامس كما هي اليوم لدى الكثير من الحركات السياسية،في البحرين وغيرها من البلدان العربية، فحيث لا نستطيع الوصول الى قواسم مشتركة، لايمكن لأية حركة ان تواجه الاعداء او الخصوم الكبار والكثيرين الذين يريدون ابقاء الحال على حاله.
كانت الماركسية اللينينية ـ افكار الرفيق ماوتسي تونغ هي الدواء، هي الافيون، وبالمناسبة فكل ايديولجيا هي افيون. وكان الكتاب الاحمر منتشرلدى المقاتلين، وهو كتيب صغير يسهل حمله في الجيب وبه الكثير من الحكم الصينية، وبه خلاصة التجربة الصينية. ومع اهمية التجربة الصينية والفيتنامية وضرورة دراستها من قبل قيادات وكوادر الثورة، الا ان حاجة المناضلين والكوادر أيضاً الى كتب تتحدث عن واقعنا الراهن، يكتبها قادة الجبهة قبل غيرهم، مستفيدين من تجارب الآخرين، ومن تجارب الاشقاء المناضلين العرب، ومن تاريخنا المليء بالصراعات وبالصعود الكبير الذي احدثته الثورة المحمدية التي لا يمكن القفز عليها ولا يملك العرب تاريخاً خارج سياقها، بكل ما حملته من تعاليم عظيمة ونماذج انسانية راقية لا تزال تسحب نفسها بقوة على واقعنا العربي.
واذا كان المناضل العادي يكتفي بالكتاب الاحمر، فان الكادر الحزبي لا بد ان يفترق عنه، يحمل بعض الكتب اللينينة او الماركسية.. واذكر انني وجدت في حقيبة احد المناضلين كتاب (الصراعات الطبقية في فرنسا 1948) وكان من الطبيعي ان اساله اين فرنسا وماهي الصراعات في تلك الفترة، وماذا تعلم من ذلك الكتاب الصعب استيعابه على من لا يعرف تاريخ تلك الفترة في اوروبا.. وكان متواضعاً للغاية: “لم افتح الكتاب، لكنه ضرورى ليرى المناضلين ان المرشد السياسي يعرف الكثير من الافكار ويحمل الكثير من الكتب والاقلام المصفوفة فيجيبه حتى لو لم يكن يعرف الكتابة، وان يكون قادراً على الاجابة على اي سؤال مهما كان صعباً، حتى لو اخترع الجواب من رأسه كما حصل مع الكثيرين!!
كانت مهمة صعبة على الرفيقة هدى وقد وضعت على عاتقها مهمة ادارة مدرسة الثورة (والتي سميت في البداية بمدرسة لينين، وتم استبدال الاسم بمدرسة الثورة ثم سميت باسم احد الشهداء) ان توسع مدارك الكبار قبل الصغار حول جغرافيا المنطقة… وكان الرفيق سالم سرور (وهو القائد النقابي الذي اراد ان يعرف ما يجري في ظفار قبلان يتوجه الى المؤتمر الثامن لاتحاد النقابات العالمي في (فارنا) ببلغاريا ليشرح وضعية عمال البحرين ومطاليبهم التي رفعتها اللجنة التأسيسية لاتحاد العمال والموظفين واصحاب المهن الحرة في البحرين) مصيباً عندما كان يسأل: هل تعرف اين الفجيرة ايها الرفيق!!! قبل ان تعرف المناطق التي قاتل فيها الرفيق العظيم ماو في مسيرته التاريخية التي قطع فيها الآف الاميال من جنوب الصين الى شمالها لمقاتلة اليابانيين وليطرح شعار الجبهة المتحدة لمواجهة أولئك الغزاة!!
لقد مارسنا عملية الاقصاء… وتمسكنا بنظرية (الفرقة الناجية)، ليس فقط وسط الوطنيين والديمقراطيين، بل وسط التيار الماركسي نفسه… فمن لا يؤمن حرفياً بما نقول.. وما نراه وما نرسمه من خطط… فقد يكون مندساً.. ثورة مضادة… يشكل خطراً على القيادة… ولا بد من ابعاده… ومراقبته.. وتصفيته ان لزم الامر… فالثورة تقوى بتطهير نفسها.. والحزب يقوى بتطهير نفسه… الخ من مقولات ماركسية أولينينية قيلت في لحظات معينة لكنها لا يمكن ان تكون صائبة باستمرار.. الا اذا وضعت في سياق ظروف مشابهة للظروف التي تحدث عنها صاحبها.
كيف يمكن التخلص من العقلية القبلية في منطقة تعيش ظروفاً قبلية وعشائرية واقتصادية، متخلفة للغاية… يمكن التخلص منها بانكار حضورها الملموس لدى الاخرين الا القادة!!! يمكن التخلص منها بتغيير الاسماء لخلط الاوراق.. يمكن التخلص منها باجراءات ادارية ثورية، تعسفية… لكنها تعود مرة اخرى عندما يكون هناك انحدار في المسيرة.. صعوبات تواجه العمل.. اغراءات من الخصم… مصالح من وراء العودة الى الماضي
كانت الحركة الثورية الشعبية تعيش مرحلة طفولتها اليسارية… وواجهت اعداء متمرسين عالمياً بمواجهة مثل هذه الحركات على الصعيد العالمي .. البعض نجح كالجبهة القومية في الجنوب اليمني.. والبعض فشل في الكثير منم ناطق العالم.. وتعلم الفاشلون ليعودوا بوعي جديد وبرامج جديدة وتحالفات جديدة في ظروف جديدة..وانتصر بعضهم في ظل العولمة كما نشاهد في امريكا اللاتينية حالياً.. في الوقت الذي اخلت الكثير من ساحات الوطن العربي المكان للتيار الاسلامي المناضل اوالمتخلف الذي يعيد بعضه نظرية الفرقة الناجية!!
واذا كانت الحركة الثورية الشعبية قد عاشت اوضاعاً داخلية انعكست على علاقاتها مع المناضلين القوميين الذين ارتبطوا بالحركة القومية (الحركة او الحزب)، فان الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل قد واجهت المهمة الاصعب: مواجهة قوى الخصم في المنطقة النفطية بأكملها ان لم يكن على الصعيد العربي والعالمي.. وبالتالي فان اخطاء الاولى انعكست في نطاق ضيق.. اما اخطاء الثانية فقد انعكست على مسيرة الصراع الشعبي برمته في عمان لاحقاًً.
في الثالث والعشرين من يوليو 1970، حدث التحول الكبير في مخطط الخصم. لقد قرر البريطانيون التخلص من السلطان الذي جمع ضده كثرة من الاعداء من اقصى اليسار الى اقصى اليمين.. من الحركات اليسارية الى حركة الامام الى القبائل الى شيوخ ساحل عمان.. وجاء الجديد على ناقلة نفط، وببرنامج اصلاحي، وبتحالفات عمانية واقليمية ودولية ترى في الجبهة الشعبية العدو الاساسي والوكيل للعدو الدولي،الصيني او الروسي.. قبل ان تغير الصين سياستها بعد اقل من عامين وتنهي علاقتها مع الجبهة، مما اضطر الاخيرة الى نسج تحالفات اخرى عربية ودولية.
في الثاني عشر من سبتمبر 1970، برز في صفوف الجبهة في المنطقة الشرقية من ظفار فريق طرح مسألة المصالحة مع النظام، واراد تصفية الكادر الحزبي، مما اوجد حالة حرب بين الطرفين استمرت فترة من الوقت، حتى انتصرت الجبهة على الطرف المعادي،وتمت ادانة (الحركة الانقسامية المرتبطة بالسلطة) حسب بيانات الجبهة.. الا ان هذه الحركة قد غذت الوضع برمته، وبدأت المزيد من العناصر تتساءل عن مستقبلها في الوقت الذي كانت الجبهة تتجه يساراً لتقوية ذاتها، بينما قوى الخصم تضرب على وتر التحولات الفكرية والسياسية باعتبارها ضد العادات والتقاليد وضد الاسلام، وتعبيراً عن الغزو الشيوعي للمنطقة… ووضع الاسلام في مواجهة الشيوعية.. وباتت الفرق القبلية التيقام النظام بتشكيلها من قبل العناصر التي نزلت الى السلطة بتسميات اسلامية، ففرقة خالد بن الوليد في مواجهة فرقة هوشي منه.. وهكذا دواليك.. وبدأت الحرب الاعلامية والنفسية بكثافة تشنها الطائرات والاذاعة المحلية بالاضافة الى الاغراءات المالية لشراء الذمم، وتأليب المناضلين على القادة، وبدأت هذه الحملة تفعل فعلها في النفوس.. في الوقت الذي لم تضع قيادة الثورة برامج تعبوية بمستوى المعركة، رغم الدور الذي لعبه برنامج الجبهة من محطة عدن، ثم المحطة الخاصة التي جلبتها الثورة في المكلا (عاصمة محافظة حضرموت) لتبث برامج للتعبئة السياسية ومواجهة التعبئة السلطوية.. لكن الامكانيات غير متكافئة.. وكان الخصم يحشد قدراته الخاصة وقدرات حلفائه العرب والدوليين، في الوقت الذي لم يكن الحلفاء الدوليين يرون في الحرب في ظفار ساحة ناجحة لكونها مرتبطة بالصراع على منطقة النفط الامريكية.
 
 
المؤتمر الرابع للحركة الثورية
كان من الضروري عقد المؤتمر الرابع للحركة الثورية الشعبية، التي ترى فينفسها الحزب القائد للجبهة والعمل المسلح في ظفار وعمان الداخل والعمل السياسي في بقية المنطقة.. وقد تراكمت الكثير من المشاكل.. بدءاً من الكويت حيث فهم البعض ان الانحياز الى الحركة الثورية الشعبية يعني القيام بعمل عنيف في الكويت خلال زيارة شاه ايران ليحصد فرع الحركة حملة اعتقالات واسعة اضطر البعض من القيادة الى مغادرة الكويت .. او مواجهة الاعتقال والتحقيق والمحاكمة.. والاعترافات .. في الوقت الذي استشهد بعض الكادر واعتقل اعضاء في المكتب السياسي في عمان الداخل، وبرز السؤال التالي: من يحق له حضور المؤتمر الرابع الذي سيقف امام مجموع تجربة الحركة الثورية الشعبية من الكويت الى ظفار؟
وكان من الضروري عقد المؤتمر في لبنان، وليس في اي مكان، فلا زال لبنان مركز استقطاب كل قوى الثورة في المنطقة العربية، والمركز الاعلامي الابرز والبلد الأكثر أمناً.. وعلى ضوء الاتصالات بين العديد من الرفاق من مختلف المناطق، وخاصة من ظفار وعمان الداخل، امكن عقد المؤتمر في اكتوبر 1970وبحضور عدد من الرموز الاساسية من هاتين المنطقتين، وكان من الضروري تقديم تقارير سياسية وتنظيمية حول المرحلة السابقة ، اضافة الى تحليل الوضع السياسي الجديد ووضع نظام داخلي للحركة وبرنامج عمل وخطط في مختلف المجالات… وامكن تحقيق الحد المتوسط لكل ذلك فيه..
وشكل المؤتمر منعطفاً في مسيرة الحركة، واخراجاً من الوضع التنظيمي المرتبك، قيادياً وعلى صعيد المناطق.. وتشكلت اللجنة المركزية، ضمت قرابة 15 عضواً، ممثلين عن مختلف الساحات، وانبثق عنها المكتب السياسي الذي ضم في عضويته رفاقاً من مختلف الساحات الاساسية (عمان والبحرين والمكتب الطلابي بالدرجة الاساسية)، وتم اختياري سكرتيراً للمكتب السياسي.
ضمت اللجنة المركزية الشهيد محمد بونفور والمناضل احمد الشملان وعبدالرحمن النعيمي من البحرين، كما ضمت الشهيد زاهر المياحي (احمد علي) الذي جاء لتوه من مسقط بعد ان قاد مظاهرات عمالية تطالب بتشغيل العمانيين بدلاً من الاجانب وتطالب بالاجور العادلة والنقابات العمالية، ليضع بصماته ليس فقط على العمل العسكري الذي كان ابرز رموزه، وانما ايضاً على التحرك الشعبي المرشح للتصاعد اذا احسنت العناصر الحزبية الاستفادة من الظروف الجديدة، والمرحوم (ابو صلاح)، محمد صالح الغساني (الذي عمل فترة طويلة في مكتب امامة عمان في البصرة ليغادرها الى الحركة الثورية الشعبية من ضمن الشخصيات التي وجدت ان الامامة قد شاخت وان عليه ان يلتحق بالقوى الثورية الجديدة)، بالاضافة الى عبدالعزيز القاضي واحمد عبدالصمد وطلال سعد من الاقليم الجنوبي (ظفار)، وعضوين من المجال الطلابي، وانتخبت اللجنة المركزية عدداً من اعضائها للمكتب السياسي من بينهم المناضل احمد الشملان وعبدالرحمن النعيم يوالشهيد زاهر علي وابوصلاح وعبدالعزيز القاضي في دورتها الاولى..
وحيث اكتسب المؤتمر الطابع النقدي الحاد للمسيرة الماضية، وخاصة للرفاق في عمان الداخل وظفار، فقد كان من الطبيعي ان ينعكس ذلك على العلاقة مع قيادة الحركة في ظفار التي كانت تريد تشكيل حزب مستقل ضمن المواصفات التي تراها.. بينما كانت بقية المناطق ترى مواصفات اخرى بناء على الوضعية الجماهيرية النضالية التي يعيشها.
من بيروت الى عدن لترتيب وضعية العائلة التي جاءت لتوها من قطر، وفي مطار بيروت مودعين الوالد الذي لم يعرف اتجاهات رحلة ولده، فقد كان العمل يتطلب السرية، وتمويه التحرك على الاهل… فنحن ذاهبون الى عالم آخر.. تاركين كل الشهادات وكل المناصب وكل العلاقات العائلية وكل الاغراءات المالية، ونكران الذات واخفاء الاسماء الحقيقية .. الى عالم الثورة والكفاح المسلح والاصرار على ترسيخ قيم العدالة والمساواة وما يتطلبه ذلك من الصراع ضد قوى الشر.. ومغادرة كل نزوات النفس والمال.. والعيش مع الفقراء في طموحاتهم.
بحث مفصل عن الشيوعية الماركسية
ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة في القرن التاسع عشر الميلادي، فقد خرج كارل ماركس (1818-1883م) بآرائه التي تعد حجر الزاوية في المبادئ الشيوعية، وقد بسطها في كتابه (رأس المال).
وقد شاركه في صياغة أفكاره ونظرياته وتابع ذلك من بعده – صديقه الألماني فريدريك إنجـلز.
وقد اندفع الرجلان بقوة ومن ورائهما ثقل الكيد اليهودي يعملان في نشر الشيوعية.
ثم جاء من بعد ماركس أتباع له يدعون بدعوته أهمهم وأوضحهم أثراً لينين، فعلى يده قامت الشيوعية عملاً واقعياً ماثلاً للعيان بعد أن كانت أشبه بنظرية على ورق؛ ففي عهد لينين زادت الشيوعية، وامتدت، واشتهرت.
وفي مطالع القرن العشرين أضاف لينين إلى آراء ماركس تعاليم جديدة، وجمع حوله شباب الروس والعمال الفقراء مكوناً منهم الحزب الشيوعي الروسي.
ومن بعد ذلك ثارت روسيا سنة 1917م على الحكم القيصري، واستولى البلاشفة – الأكثرية – بزعامة لينين على الحكم، وأعدموا القيصر وآله وأعوانه، وأزالوا جميع النظم القائمة وأحلوا محلها النظام الشيوعي الذي أصبحت روسيا بعد ذلك مصدره ومورده.
وبعدما مات لينين خلفه ستالين، وبعده جاء خروتشوف، ومن بعده بريجينف، ومن بعده أندربوف، ومن بعده جورباتشوف، وعلى يده انهارت الشيوعية، حيث انفرط عقدها، وسُلَّ نظامها.
هذه باختصار هي قصة نشأة الشيوعية الماركسية الحديثة.
وإذا أمعنت النظر في نشأة الشيوعية وجدت أنها لم تنشأ من فراغ؛ فهناك إرهاصات مهدت لقيامها.
وإذا أردت معرفة الخيوط التي كانت نواةً لقيام الشيوعية وجدت أنها نشأت في حِجْرِ الماسونية اليهودية.
فالذين كتبوا عن الماسونية في مرحلتها الثالثة حددوا أنها بدأت عام 1770م وأن بَدْأها كان إرهاصاً قوياً لقيام الشيوعية الماركسية.
يقول وليم كار صاحب كتاب (الدنيا لعبة إسرائيل): كان آدم وايزهاويت أحد رجال الدين المسيحي أستاذاً لعلم اللاهوت في جامعة (انغولت شتات) الألمانية بيد أنه ارتد عن المسيحية ليعتنق الإلحاد، وتقمصت فيه روح الشر الإلحادي بشكل خبيث. وفي عام 1770م اتصل به رجال الماسونية في ألمانيا، وقد وجدوا فيه بغيتهم، فكلفوه بمراجعة (بروتوكولات حكماء صهيون) القديمة وإعادة تنظيمها على أسس حديثة. .
والهدف من وراء ذلك في هذه المرة ليس محاربة الديانة المسيحية، ووضع أيديهم على اقتصاديات ومقدرات العالم كما حدث سابقاً. إن الأمر في هذه المرة أكبر من ذلك، وهو وضع خطة للتمهيد للسيطرة على العالم، وعن طريق فرض عقيدة الإلحاد والشر على البشر جميعاً. .
يقول وليم كار: وقد أنهى وايزهاويت مهمته خلال عام 1776م، ويقوم المخطط الذي رسمه على ما يلي:
1- الهدف الأول: تدمير جميع الحكومات الشرعية، وتدمير وتقويض جميع الأديان السماوية. 2- تقسيم (الجوييم) إلى معسكرات متنابذة تتصارع فيما بينها بشكل دائم حول عدد من المشاكل تتولى المؤامرة توليدها وإثارتها باستمرار ملبسة إياها ثوباً اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو سياسياً، أو عنصرياً.
3- تسليح هذه المعسكرات بعد خلقها، ثم تدبير حادث في كل مرة يكون من نتيجته أن ينقض كل معسكر على الآخر.
4- بث سموم الشقاق والنزاع داخل البلد الواحد وتمزيقه إلى فئات متناحرة، وإشاعة عقلية الحقد والبغضاء فيه، حتى تتقوض كل دعاماته الأخلاقية، والدينية، والمادية. 5- الوصول شيئاً فشيئاً إلى النتيجة بعد ذلك، وهي تحطيم الحكومات الشرعية، والأنظمة الاجتماعية السليمة، وتهديم المبادئ الدينية الأخلاقية، والفكرية والكيانات القائمة عليها؛ تمهيداً لنشر الفوضى والإرهاب، والإلحاد .
هذا هو المخطط الذي وصفه وايزهاويت، والذي يهدف الماسونيون من خلاله إلى تحقيق ما يريدون.
والمتتبع لأحوال العالم يشاهد آثار ذلك التخطيط.
ولما انتهى وايزهاويت من وضع مخططه السابق كُلِّف – أيضاً – بتنظيم المحفل (النوراني) نسبة إلى الشيطان الذي كان مخلوقاً نورانياً – كما يقولون – وسمي ذلك المحفل بهذا الاسم؛ تذكيراً بالرابطة التي تربط جماعة الماسون والشيطان.
وهكذا استمرت المحافل في أداء رسالتها الشيطانية في جميع البلاد التي تحل بها، بل واستطاعت أن تغزو بعض البلاد الإسلامية عن طريق شعاراتها البراقة: الحرية، والإخاء، والمساواة، فخدعت الكثير من الناس بهذه الشعارات.
وفي عام 1830م فوجئت المحافل الماسونية بوفاة آدم وايزهاويت الرأس المفكر عندهم، والمخطط لأعمالهم بعد حياة طويلة سخر خلالها عبقريته الشريرة لخدمة أتباع الشيطان.
حينئذٍ فترت أعمال المحافل، وخمدت أنشطتها، وأوشكت أن تشل حركتها بالكامل بعد أن علمت بعض الحكومات بما تدبره وتعمل له، وبعد أن أحاطت بآراء تلك المحافل وأهدافها البعيدة، لكن الاجتماع المفاجئ الذي دعت له المحافل عام 1834م والذي تقرر فيه اختيار الزعيم الإيطالي (مازيني) خلفاً لآدم وايزهاويت – مكَّن هذه المحافل من تنفيذ برامجها في إثارة الفوضى والتخريب في ربوع العالم.
وفي عام 1840م استطاع المحفل الماسوني العالمي النوراني أن يضم إلى عضويته شخصية جديدة هو الجنرال الأمريكي (ألبرت بايك) الذي سُرِّح من الجيش الأمريكي ومعه قواته من الجنود الحمر؛ لارتكابهم فظائع وحشية تحت ستار الأعمال الحربية.
ونجحت الماسونية في استغلال حقده، وغضبه لما حل به من جراء تسريحه لخدمتها ولم تمض إلا فترة وجيزة على انضمام هذا الرجل للمحفل حتى أصبح المشرف الأول، والمخطط لهم في تنفيذ برامجهم.
لقد عمد النورانيون إلى بايك بالناحية التخطيطية، واختاروا له مقراً للعمل في بلدة صغيرة هادئة في الولايات المتحدة الأمريكية في (ليتل روك). وفي هذه البلدة استقر (بايك) في قصر هادئ واعتكف فيه من عام 1859- 1871م وفي خلال هذه الأعوام قام بدراسة مستفيضة لمخططات (وايزهاويت) ثم وضع مخططاته الجديدة على ضوئها .
والذي يعنينا في هذا الصدد أن بايك أقرَّ ونظم تبني النورانيين لحركات التخريب العالمية الثلاث المبنية على الإلحاد وهي:
1- الشيوعية. 2- الفاشستية .3- الصهيونية .
فالأولى: وهي الشيوعية للإطاحة بالحكم الملكي في روسيا، وبعد الإطاحة بالحكم تجعل هذه المنطقة من العالم هي العقل المركزي للحركة الشيوعية الإلحادية، تم تأتي بعد ذلك مرحلة الانطلاق بالشيوعية إلى كل أرجاء العالم، بغية تدمير المعتقدات الدينية والأخلاقية.
والثانية: وهي الفاشستية تُؤَمِّن الحرب العالمية الثانية واجتياح الحركة الشيوعية العالمية لنصف العالم مما يمهد للمرحلة القادمة هى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين. والثالثة: وهي الصهيونية تتصدى للزعماء الإسلاميين، وتشن حرباً على الإسلام الذي يعد القوة الأخيرة التي تجابه القوة الخفية – الماسونية -حتى تتوصل إلى تدمير العالم وعقيدته .
والذي يعنينا من هذه الحركاتِ الشيوعيةُ، فلقد اختارت المؤامرة العالمية روسيا لتكون مقراً لقيام الشيوعية؛ لكثرة أقطاب اليهود القاطنين فيها.
ففي القرن التاسع عشر وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا تحكم بالقيصرية – بلغ يهود روسيا ذروة السيطرة المالية والمهنية، وكان اتجاه القياصرة الروس أن يصهروا اليهود في المجتمع الروسي؛ حتى لا يكون لهم انفصال متميز.
إلا أن اليهود كانوا يرفضون ذلك بدافع عرقي وديني.
ثم كانت محاولة اغتيال اسكندر الثاني، فَبَدَّل هذا سياسته تجاه اليهود بعد أن كانت سياسة انفتاح وتسامح شديد.
عندئذٍ نقم اليهود على القيصر، وأسسوا جمعية سرية إرهابية هي جمعية (نارود نايافوليا)أي إرادة الشعب، وظلوا يأتمرون بالقيصر؛ ليقتلوه، حتى نجحت مؤامرة اغتياله في آذار سنة 1881م، وكان رؤوس المؤامرة جميعهم من اليهود، وفي مقدمتهم اليهودية (هيسيا هيلفمان).
وكان لاغتيال اسكندر الثاني رد فعل روسي معادٍ لليهود، وعندئذٍ نشطت الحركتان الشيوعية والصهيونية نشاطاً كبيراً في صفوف اليهود.
واتجهت الخطة اليهودية لتقويض القيصرية، وإقامة النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية، فأخذ اليهود يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس، وينظمون الجمعيات السرية اليهودية لذلك الشأن، فكان من تلك المنظمات فرقة أطلق عليها (فرقة تحرير العمل).
وكانت مهمتها نشر أفكار كارل ماركس وآرائه وذلك عام 1883م.
وقد حققت تلك الفرقة -بما توفر لديها من عون- التنظيمات اليهودية في داخل روسيا – بعض مهمتها، واعتبر لينين وستالين أن ما حققته هذه الفرقة الماركسية كان النواة الأولى، وأنها أدت مهمة خطيرة جداً.
كما قامت المنظمات الأخرى كمنظمة (اتحاد العمال اليهود) بنشاطات واسعة في تأجيج الثورة ضد القيصرية، وببث النظرية الشيوعية الماركسية، وبالاتصال بكبار أصحاب الأموال الضخمة في العالم من الرأسماليين لتمويل حركتهم الشيوعية اليهودية.
وفي عام 1893م ذهب لينين إلى (بطرسبرغ) فأقام فيها، وأنشأ حلقة ماركسية انضم إليها عدد واسع من اليهود، ثم قام بمهمة توحيد الحلقات الماركسية في المدينة، وكان يزيد عددها على العشرين، فجمعها في (اتحاد النضال لتحرير الطبقة العاملة). وظل الاتحاد يعمل بقيادة لينين في اتجاه آرائه حتى اعتقل عام 1895م.
ثم تابع اليهود في الولايات الغربية من روسيا مسيرة لينين، فأنشأوا حزب (البوند)أي الاتحاد العام للحزب الاشتراكي اليهودي، ولم يحضر لينين هذا المؤتمر بسبب نفيه إلى سيبيريا. وفي عام 1903م انعقد في بروكسل عاصمة بلجيكا مؤتمر التوحيد بهدف جمع الحركات الماركسية كلها تحت حزب العمال الاشتراكي، وكان برنامج الحزب الذي وضعه لينين هو الثورة الاشتراكية وقلب سلطة الرأسمالية وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا .
ثم عاشت روسيا فترة طويلة من الاضطرابات التي كان لها أكبر الأثر على الإنتاج العام الذي منيت به البلاد، والذي ظهر أثره عندما دخلت روسيا الحرب ضد ألمانيا؛ فمع بداية القرن العشرين الميلادي كانت روسيا مسرحاً لنشاط ثوري أسسه اليهود، واستطاعت تنظيماتهم السرية اغتيال عدد من الزعماء الروس.
وفي عام 1905م قامت في روسيا أول ثورة شيوعية نظمها اليهود إلا أنها أخفقت ولم يتمكن اليهود من فرض الماركسية في روسيا.
وفي كانون الثاني من عام 1917م بدأت الاضطرابات في موسكو ضد نظام الحكم القيصري؛ نتيجة ضعفه، وكثرة المؤامرات ضده، والحرب التي يخوضها على الجبهة الألمانية.
وظلت هذه الاضطرابات تستفحل وتنتشر حتى بلغت حد الثورة التي استطاعت أن تسقط نظام الحكم القيصري في شباط سنة 1917م.
وكانت الثورة في بدايتها ديمقراطية ذات اتجاه إصلاحي ولم تكن شيوعية، ولم يظهر الشيوعيون على الساحة، وقامت الحكومة المؤقتة برئاسة الأمير لفوف، واتخذت هذه الحكومة المؤقتة بعض التدابير الأولية للتهدئة؛ ظناً منها أن ذلك لمصلحة روسيا، فأصدرت قراراً بإعادة جميع المنفيين في سيبيريا والسماح لمن كان يقيم في الخارج أن يعود إلى البلاد.
وفي نيسان عام 1917م عاد إلى موسكو قادة المنظمات اليهودية الماركسية؛ فعاد لينين من سويسرا، وعاد ستالين من سيبيريا، وعاد تروتسكي من نيويورك مع مئات الشيوعيين اليهود الحمر.
وفي شهر نيسان نفسه من عام 1917م اجتمع البلشفيك برئاسة لينين، ووضعوا مخططاً لتحويل الثورة لمصلحتهم، ومصادتها بأية وسيلة.
وفي تشرين من عام 1917م استطاع البلشفيك الاستيلاء على السلطة المؤقتة، فصارت بأيدي الشيوعيين: لينين وأتباعه.
وبعد ذلك اتحدت المنظمات الماركسية، وخضعت لجهاز مركزي واحد، وفرض على روسيا حكم شديد العنف والصرامة مستخدماً كل وسائل القمع بالحديد والنار. وبهذا يتبين لنا كيف قامت الشيوعية، ومدى العلاقة بينها وبين اليهودية العالمية .
بل لقد كشفت اليهودية عن عملها ومخططها في نجاح الثورة، حيث صرح جاكوب شيف المليونير اليهودي بأن الثورة الروسية نجحت بفضل دعمه المالي. وقال: إنه عمل على التحضير لها مع رفيقه تروتسكي. .وفي استكهولم كان اليهودي (ماكس واربورج) ينفق بسخاء على هدم النظام القيصري، ثم انضم إلى هذه المجموعة من أصحاب الملايين اليهود – (والف اشبورغ) (وجيفولوفسكي) الذي تزوج ابنة (تروتسكي) .
وتقول إحدى الصحف الفرنسية القديمة الصادرة في عددها 115 عام 1919م: المعروف أن الحركة البلشفية ليست سوى حركة يهودية سرية يربطها ويوجهها التمويل اليهودي، فضلاً عن القيادات اليهودية فكراً وتنظيماً .
ونتساءل كيف يتفق أصحاب رؤوس الأموال في العالم مع دعوة (البروليتاريا) أصحاب الطبقة الفقيرة أيكون هذا دعاية من الدعايات التي تطلقها الدول الرأسمالية ضد النظام الشيوعي وأتباعه؟إن الصحيفة الفرنسية تحسم هذه التكهنات والتناقضات عندما تكشف شيئاً من مخطط اليهود بقولها: إن الهدف من تمويل الثورة الشيوعية من قبل الرأسمالية اليهودية هو إقامة دولة إسرائيل في فلسطين .
يؤيد ما قالته الصحيفة الفرنسية أن من أول القرارات التي أصدرها لينين عقب توليه السلطة: هو قراره المعروف بتأييد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
والعجيب في الأمر أن قرار لينين هذا تزامن مع وعد بلفور الإنجليزي لهذا الغرض. وهكذا التقت الشيوعية مع الرأسمالية عام 1917م .
 
الحركات الوطنية و  اليسارية في السعودية والخليج
كان للحركات اليسارية والماركسية (الشيوعية) حضوراً مميزاً على ساحة الأحداث التي مرت بها منطقة الخليج بشكل خاص و المنطقة العربية بشكل عام منذ خمسينيات القرن الماضي، و التي شهدت أيضا قيام العديد من الحركات و التيارات و الأحزاب السياسية آنذاك!
كان للطفرة النفطية التي حدثت في الخليج و ظهور ما نستطيع أن نسميه بـ ” الطبقة العاملة الخليجية” دوراً هاماً في انتشار الفكر الماركسي بين العمال ، بالإضافة إلى التواجد الكبير للشيوعيين العراقيين والإيرانيين في الخليج – خاصة البحرين و الكويت – بسب بالمطاردات التي قامت بها الحكومتان الإيرانية و العراقية للشيوعيين!
و كانت التنظيمات التي اتخذت من الماركسية منهجاً لم تقدر على الصمود والمواصلة في الخليج نظراً لغرابة أفكارها وأطروحاتها على غالبية الشعوب الخليجية، إضافة إلى لجوئها إلى العمل السري ومطاردة الحكومات لها بقوة مما جعلها تختفي تدريجياً حتى انتهت عملياً.
في الكويت :
إن الكتابة حول التكوينات الأولى للتوجهات الماركسية في المجتمع الكويتي تواجه صعوبات كثيرة نظرا لقلة المعلومات والدراسات حول هذا الموضوع بسبب سرية الحركة الماركسية في الكويت و الخليج بشكل عام!
فقد شهد المجتمع الكويتي في الخمسينيات ظهور عدد من الحركات والتوجهات السياسية وكان من ضمنها التوجه الماركسي ، حيث سعى بعض المنتمين للأحزاب الشيوعية العربية والأحزاب الشيوعية في دول الجوار الجغرافي العاملين في الكويت إلى زرع خلايا شيوعية بين العاملين في القطاع النفطـي. و قد عانى الماركسيون في الخمسينيات من المواقف العدائية من قبل التيار القومي بقيادة حركة القوميين العرب والتي لعب تدورا كبيرا في تأجيج الشعور المعادي للشيوعية وحالت دون وحدة أطراف الحركة الوطنية في الكويت .
و قد انصهرت الشيوعية في الكويت قبل سقوط الإتحاد السوفييتي لكن مازال هنالك قلة قليلة في الكويت اليوم تؤيد الشيوعية مثل الرفيق أحمدالديين!
في السعودية:
في عام 1952 تأسست لجنة العمال النقابية و التي نشطت في أوساط عمال شركة أرامكو ، فقد كانت اللجنة تطالب بزيادة أجور العمال و رفع التمييز عنهم و مساواتهم مع العمال الأجانب و توفير المساكن لهم و اعتماد اللغة العربية في المدارس و دفع أجور النقل و غيرها من المطالب، و قد رفضت إدراة شركة أرامكو تنفيذ هذه المطالب ، مما نتج عن هذا إضراب قام به مايقارب العشرون ألف عامل !
في عام 1958 تأسست منظمة التحرير الوطني التي اتخذت طابعا يساريا ديمقراطيا ، و كانت بعض اهداف هذه الجبهة :
1-إعتماد دستور يكفل الانتخاب البرلماني ويضمن حرية النشر والتجمع .
2-إجازة الأحزاب والنقابات .
3-حرية التظاهر والإضراب .
4- تطوير الصناعة الوطنية وتوفير البذورو الأسمدة والآلات الزراعية للفلاحين بأسعار منخفضة.
5- إلغاء الرق!.
وعلى صعيد السياسة الخارجية دعت الجبهة إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع البلدان العربية وإقامة علاقات اقتصادية مع الدول الاشتراكية!
في عام 1961 ظهرت منظمة الشيوعيون السعوديون وكان أغلب أعضائها من عمال شركة “أرامكو“! في عام 1975 تم تأسيس حزب سري هو “الحزب الشيوعي السعودي“.
كان الحزب يعتبر امتدادا فكريا لجبهة التحرير الوطني، وكان مطاردا من قبل الحكومة السعودية شأنه شأن جميع الاحزاب السرية التي انتشرت في السعودية آنذاك!
وكان للحزب منظمة شبابية تسمى “اتحاد الشباب الديمقراطي في السعودية” ، و كان له مكتب في سوريا،و كان للحزب علاقات وثيقة بالأحزاب الشيوعية العربية و كان سوفييتي الولاء!
و قد كانت نهاية الحزب في بداية التسعينات وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ، و تم اطلاق سراح السجناء السياسيين للحزب مقابل الوعد بحل الحزب!!
في عمان:
تعتبر الحركة اليسارية في عمان من من أبرز وأشد التنظيمات الماركسية في الخليج ،الجبهة الشعبية لتحرير عمان التي كانت تؤيد فكرة التصادم مع الحكومات بشكل مباشر.
و تعتبر “ثورة ظفار” هي الثورة الوحيدةالتي حدثت في الخليج و اتخذت أفكارا و طابعا ماركسيا، فقد اندلعت ثورة ظفار عام1963 بقيادة ” جبهة تحرير ظفار ” التي كانت تتألف من عناصر مختلفة المشار بالسياسية.
وبعد مؤتمر حمرين عام 1968 أصبح توجه هذه الجبهة ماركسياً، بفضل الدعم اليمني الجنوبي سابقا،وقد لاقت هذه الجبهة تأييداً واسعاً من مختلف القطاعات نتيجة حالة البؤس والحرمان والضنك الذي كانت تعيشه البلاد.
و تم إخماد الثورة في عهد حكم السلطان قابوس بن سعيد، وكانت هذه الثورة تحمل إيديولوجية اشتراكية ، و كان يتم تعليم وتمويل ثوار ظفار من الإتحاد السوفييتي عن طريق اليمن الجنوبي البلد المجاور! و تعتبر ثورة ظفار أحد أهم أسابا التوتر و القطيعة التي كانت حاصلة بين اليمن الجنوبي و سلطنة عمان.
في البحرين
تأسست جبهة التحرير الوطني البحرانية “جتوب” عام 1955، و قد كانت تعتبر من أهم التجارب الحزبية في البحرين، و كانت تمثل شكلا من أشكال الإستجابة للفكر الماركسي!
و قد شكل الفقيد الراحل أحمد الذوادي و شقيقه خالد الذوادي بالإضافة إلى علي مدان و عليدويغر و إبراهيم جمعة و جعفر الصياد المجموعة القيادية المؤسسة لجبهة التحرير الوطني البحرانية!
و قد لعب حزب “تودة الشيوعي الإيراني” دورا كبيرا في نشر الفكر الماركسي من خلال أعضائه المتواجدين بكثرة في البحرين آنذاك ، بالإضافة إلى شيوعيين عراقيين هاربين من الحكومة العراقية ! و قد لعبت الجبهة دورا كبيرا و مهما في محاربة الاستعمار البريطاني للبحرين في تلك الفترة .
في عام 1974 تم تأسيس إتحاد الشباب الديمقراطي ” أشدب “، و قد كان تأسيسه كنتاج طبيعي للظروف السياسية و الإجتماعية التي كانت تمر بها البحرين، حيث كان المد اليساري و الوطنيفي مرحلة المجلس الوطني على أشده! و قد حصل “أشدب” على عضوية في اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي و عضوية في اتحاد الشباب العرب.
و في الثمانينات تعرضت جبهة التحرير الوطنية و اتحاد الشباب الديمقراطي للملاحقة من قبل الحكومة البحرينية، نتج عنها اعتقال 18 من نشطاء الجبهة مما أدى لتعرضها لضربة قاصمة ! و مع بداية التسعينات و سقوط الاتحاد السوفييتي انتهى أمر جبهة التحرير الوطنية و اتحاد الشباب الديمقراطي!
في عام 2001 تم تأسيس ” المنبر الديمقراطي التقدمي ” ، بعد بدء الإصلاحات السياسية التي انطلقت في البحرين، ويعتبر المنبر الوريث التنظيمي والفكري لجبهة التحرير الوطني البحرانية (جنوب) التي تأسست عام 1955 بوصفها أول تنظيم سياسي عمل في ظروف السرية واتبع الهيكلية الحزبية معتنقا فكر الاشتراكية العلمية ومدافعا عن مصالح الطبقة العاملة وسائر الكادحين.
في مايو/أيار 2002 قاد المنبر التقدمي أول مسيرة علنية حاشدة داعمة قيام الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين ومطالبة باعتبار الأول من مايو/أيار يوم عطلة رسمية كيوم تضامن العمال العالمي.
و تعتبر البحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي تسمح بممارسة العمل اليساري بشكل علني و مرخص ممثلا في “المنبر الديمقراطي التقدمي” و الذي يعتبر الممثل لليسار في الخليج!
 
البضاعة هيَ نفسها – من موسكو إلى المنامة
عبد الهادي خلف
 
في مثل هذه الأيام , تقريباً , قبل ثلاثين سنة عندما كنتُ في بيروت طلب مني الرفيق طالب أن أســـاعده في تدقيق مســودات وثائق المؤتمر الاول للحزب الشــيوعي في السـعودية التي جاءت للتو من المطبعة. و كان الرفيق طالب , و لأســباب عديدة , قد تولى متابعة تلك الوثائق بعد أن غادر كاتبوها بيروت إثر إندلاع الحرب الأهلية في ربيع 1975.
و تضمنت الوثائق اتي صدرت فيما بعد في صورة كتاب من 208 صفحات تحت عنوان “وثائق من الســعودية” تقريراً سياسياً من تسـعين صفحة و مشــروع برنامج من ست وستين صفحة و نظام داخلي من عشرين صفحة . أما بقية الصفحات فقد تضمنت بعض ما تمخض عنه المؤتمر من قرارات عـلاوة على التحايا التي و صلت للمؤتمرين من أربعة أحزاب عربية من بينها , بطبيعة الحال, جبهة التحرير الوطني البحرانية ( كما كان إسمها فيها ذلك الوقت).
رغم القصف المتقطع و رغم إنقطاع الكهرباء في أغلب ساعات اليوم إلا إننا , الرفيق طالب وأنا , قمنا بواجبنا على خير ما نستطيع مما أمكن الرفيق طالب من إعطاء المســـودات المصّححة و المـدّقـقـة إلى المطبعة قبل إضطرارنا نحن أيضاً إلى مغادرة بيروت إثر إشتداد القصف تمهيدا لدخول الجيش الســـوري إلى الأراضي اللبنانية.
لم تكن أسباب إهتمامنا بتصحيح مســودات وثائق المؤتمر الاول للحزب الشيوعي في السعودية وتدقيقها محصورة في إلتزام الرفيق طالب , لأســـبابه الخاصة, بالمهمة بل , و أيضاً, لأن تلك المسودات وفرت مواضيع تســــلية لنا , الإثنيْن. و لا يمكنني إلى الآن أن أتخيّل أحداً في بيروت كلها كان يضحك تحت القصف العشــوائي مثلما كنا نضحك و نحن نقرأ بعض فقرات ذلك النص العجيب أو نتناقش في بعض عباراته و بخاصة عبارات العشــق المتراوح بين الشـَـبَقي والماســوخي و الصُوفي التي تبرز كلما جاء ذكر الإتحاد السوفياتي أو الحزب الشيوعي السوفياتي .
بعض هذا العشـــق بأنواعه الثلاثة المشار إليها يتضح فيما يلي من إقتطافٍ من الكتاب المذكور الذي أضعه كما هو دون إقتطاع أو تدخل: إي بجميع أخطائه الطباعية و تنقيطاته الأصلية.
هنا يبداً الإقتطاف:
هناك البعض ممن يقول إننا أصدقاء أوفياء و رفاق للاتحاد السوفياتي و حزب لينين العظيم..الخ … و لكن أليس لنا الحق أن ننتقد الاتحاد السوفياتي..؟ أليس لنا الحقأن نصيغ سياسة حزبنا بأنفسنا..؟ أليس لنا الحق أن نأخذ استقلاليتنا..؟ ألسنا أدرىمن أي كائن من كان بظروف بلادنا..؟ أليس الحزب الشيوعي السوفياتي يخطئ كغيره..؟ ونحن سنجيب على جميع هذه التساؤلات باختصار.
أولاً: إننا نعتقد أن مجرد التلويح بمثل هذه التساؤلات لا يمت الى الأممية البروليتارية بشئ.. وهو يتعارض مع كون الحزب الشيوعي السوفياتي الطليعة المجربة و المحنكة للحركة الشيوعية العالمية.. ان حرية النقد والنقد الذاتي هي من صلب المبادئ الماركسية اللينينية.. ولكن حرية النقد هي متى و كيف ولأي هدف و تحت أي شعار و من أي منطلق؟ و ليس بالمفهوم الليبرالي الواسع.
ثانياً: ان صياغة سياسة الحزب هي حق مشروع لأي حزب يضطلع به وفقاً لظروف بلده الموضوعية , غير ان هذا لا يعني ان هذا الحزب يمكن انيرى “وفقاً لظروفه الموضوعية”_ بأن دكتاتورية البروليتاريا و الصراع الطبقي لاتلائم ظروف بلده..الخ. أي تغيير مبادئ الماركسية و الأممية البروليتارية وفقاً للطقس و المناخ الجغرافي.
ثالثاً: ان استقلالية الحزب لا تعني انه مستق لعن الحركة الشيوعية العالمية و يمكن ان يعمل وفقاً لاأي منظار يراه.. فالاستقلالية و الأممية هما مرتبطان وغير منفصلان و لا متناقضان يوحدهما واجب الانضباط الامميال بروليتاري.. و الأستقلالية أيضاً تعني الاعتراف بالدور العظيم المميز الذي يقومبه الحزب الشيوعي السوفياتي طليعة الحركة الشيوعية العالمية .. هكذا نفهم (استقلالية الاحزاب الشيوعية) .
رابعاً: صحيح ان كل حزب أدرى بظروف بلده هذا بشكل عام غير ان هناك احزاب بكاملها لم تدرك ظروف بلدها و ارتكبت حماقات أدتالى أعمال مأساوية ألحقت الأضرار و سببت الاحراجات الكثيرة داخل بلدها و خارجها. ان المبالغة في السمات الخاصة للظروف الموضوعية و القومية و الذاتية و الاعتداد الأجوف بالخبرة النضالية و السياسية و الايديولوجية, و ازدراء تجربة الحزب الشيوعي السوفياتي جميعها امور عواقبها وخيمة , و آلامها جسيمة , و هي غريبة عن الماركسية اللينينية و الأممية البروليتارية .
خامساً: ان الحزب الشيوعي السوفياتي كأي حزب يمكن أن يخطئ ولكن الحزب الشيوعي السوفياتي ليس كأي حزب من حيث التجربة النضالية الثورية المتكدسة لديه , و هو أول من خاض تجربة بناء الاشتراكية والشيوعية , و هو يقود دولة عظيمة لها امكانياتها الهائلة.. بل هو طليعة الحركة الشيوعية العالمية ان مثل هذا الحزب يمكن ان يخطئ غير ان الخطأ الذي يقع فيه هو بالضرورة ليس بتلك الجسامة التي يمكن ان يقع فيها حزب شيوعي آخر لا يملك من الخبر والتجاب الثورية التي هي لدى الاتحاد السوفياتي و إذا وقع الحزب الشيوعي السوفياتي في خطأ فانه من أكثر الأحزاب إمكانية و عبقرية في أن يعدل عن خطأه بسرعة وجرأة.. وبهذا فكم هو صائب قولنا بأننا مع الاتحاد السوفياتي في السراء و الضراء و في جميع الحالات.
هنا ينتهى الإقتطاف
المصدر: وثائق من الســـعودية – وثائق المؤتمر الاول للحزب الشــيوعي في السعودية (دون ناشــر) 1975 , الصفحات 32-34 . ا
بعد أشـــهر عدة , قضيتُ ثلاثة منها عام 1976 معتقلاً لدى ســفاح البحريْن هندرســون عادت بنا الأدراج إلى بيروت : بيروت التي هي خيمتنا ونجمتنا , على حد قول الشــاعر محمود درويش. و هناك أخبرني الرفيق طالب بأن الشيوعيين السعوديين يعكفون على كتابة وثائق مؤتمرهم الأول من جديد و لهذا فهم يطلبون مساعدتهم في إعدام جميع النسخ المخزونة لدينا في بيتنا البيروتي من كتابهم “وثائق من الســعودية” الذي أجهدنا أنفسنا في تدقيقه. و هكذا كان. ســوى إنني , وبسبب حســـاسيتي تجاه إعدام الكتب, إحتفظتُ ببعض النســـخ أعطيتُ واحدة منها إلى زميلي في العمل وقتها الدكتور غســان سلامة نظراً لإهتمامه المعروف بأوضاع المملكة السعودية.
بعد فترة عرفنا إن سبب سحب كتاب “وثائق من الســعودية” من التداول هو كثرة الإنتقادات التي تلقاها الشيوعيون السعوديون من كثيرين نظراً للتطرف اليســـاري الذي صبغ برنامجهم الأول و إنعكس في إطروحاتهم حول الوضع الداخليفي السعودية و الأوضاع الإقليمية و الدولية . أما أصعب شــئ فكان إن الأنتقادات التي سمعنا عن وصولها من المســـئولين الحزيين في الإتحاد السوفياتي الذين إعتبرو ابعض توجهات الرفاق السعوديين غير واقعية و شـــديدة التطرف و لا تأخذ بعين الإعتبار ضعف إمكانيات الحزب الشيوعي السعودي البشـــرية و الثقافية.
للحق أقول إن كثيرين ممن أعرف من المناضلين في البحرين و الكويت , و غيرهما, كانوا قد نصحوا الرفاق السعوديين بضرورة التعقل و تحاشي ما هو متعارف على تسميته بمرض الطفولة اليســـارية . إلا الرد كثيراً ما يكون عن طريق إتهام البحرينيين بـ “الإصلاحية” , و ما أدراك ما معنى هذه التهمة في لغة تلك الأيام قبل أن تأتي ماما أمريكا بأنعامه التقلب بعض المتطرفين اليســاريين إلى ليبراليين جُدُدْ.
و للحق أيضاً أقول إن بعض الرفاق السعوديين كان يتفهم تلك الملاحظات بل و ربما كانوا على إستعداد لتخفيف حدة التطرف اليســاري في ممارسات حزبهم علاوة على وثائقه. إلا إن الإصرار على ضرورة إلتزام “الطاعة الحزبية الحديدية” (أنظر المادة 6 في النظام الداخل يللحزب) علاوة على ســطوة القيادة و الخوف من نزواتها كانت تمنع هؤلاء من إبداء الرأي. ( ولعل كثيرين منا ممن عايش تلك الفترة يذكرون كيف إن بعض هؤلاء , في خضم جلســات نقاش ودّية , كانوا ينفجرون بكاءً بسبب ما كانو يعانونه من عســف قيادتهم .
و دارت الأيام و إنهار الإتحاد الســوفياتي بكل أخطائه و خطاياه , أوبسببهما. إلا إن ذلك الإنهيار لم يصبح لدى كثيرين سبباً لمراجعة المواقف و التعلم من الأخطاء. فلقد وجد بعض هؤلاء في تغيير إتجاه البوصلة مخرجاً من حالة اليُـتْـم
و لهذا نرى إن الشخص نفسه الذي أدان قبل ثلاثين سـنة حتى مجرد التلويح بإنتقاد الاتحاد السوفياتي و إعتبر إن من الواجب تكبيل ممارســـة حرية التعبير و النقد بحواصر لا حد لها من قبيل تحديد متى و كيف ولأي هدف و تحت أي شعار و من أي منطلق. هذا الشـــخص نفســـه , بعد أن دارت الأيام , نراه قد نقل بضاعته نفســـها إلى البحرين و أصبح يدين كل من يتجرأ عل إنتقاد النظام و ممارسـاته المنافية لروح العصر ولإرادة الناس , بل نراه يكاد يطالب الناس بالتبرؤ من كل من لايستخدم الألقاب الرسمية عند الحديث عن المســئولين في النظام.
الثلاثين سنة أقرّ الطبالون بأن الحزب الشيوعي السوفياتي يمكن أن يخطئ ولكنهم أصّروا في نفس الوقت على أن لذلك الحزب من الإمكانيات و العبقرية ما تجعله يعدل عن خطأه بسرعة وجرأة. و لكننا نعرف جميعاً ما حدث للإتحاد السوفياتي.
فهل يصدق أحدٌ في النظام الحاكم في البحرين ما يســمعونه من تطبيل يعرفون إنه لم ينقذ الإتحاد السوفياتي ؟
 
المصدر: موقع الدكتور محمد الرميحي



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها