مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

4.4 الواقع والمأمول: رصد لحالات التطبيع في دول مجلس التعاون وفرص المقاطعة وسحب الاستثمارات

طباعة PDF

 

إسراء المفتاح

صالح العامر


*آخر تعديل بتاريخ 20 إبريل 2016

 


 

1.     يرصد الجزء الأول من هذا الفصل التطبيع بين دول مجلس التعاون الخليجي ودولة الاحتلال، و يبحث في التوجه السياسي الرسمي حيال سلطة الاحتلال والوضع الراهن في فلسطين. ويسلّط الجزء الثاني الضوء على خمس شركات متورطة في جرائم الاحتلال، وهي ذات وجود كثيف في سوق الخليج، وذلك للفت الانتباه إلى خطورة دورها في دعم الاحتلال في فلسطين، على أمل استغلال هذا الوجود في الخليج للضغط عليها من أجل إنهاء تعاملها مع الاحتلال. تختتم الورقة بدعوة لتبنّي نداء مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (Boycott, Divestment, Sanctions)، وهو نداء وجد صدى دولياً، لكنه لا يزال مغموراً في العالم العربي بشكل عام ودول مجلس التعاون بشكل خاص.

 

الجزء الأول: الواقع: رصد التطبيع في دول مجلس التعاون منذ حرب غزة الأولى[1]


2.
     التطبيع هو تحويل أمر غير طبيعي إلى أمر طبيعي بشكل إجباري أو بجهد كبير. والتطبيع، في سياق القضية الفلسطينية، هو السعي إلى تحويل إسرائيل إلى كيان طبيعي في قلب الوطن العربي. وغني عن القول إن تحويل إسرائيل إلى كيان طبيعي يعني، تلقائياً، تحويل المقاومة إلى تصرف غير طبيعي. إذ كيف يكون من المقبول أن تحارب ما تم تطبيعه وصار طبيعياً؟

 

3.      منذ انتهاء حرب أكتوبر 1973، ومع توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني وما تلاها، بدأ التطبيع يأخذ أشكالاً خطيرة ومؤسساتية وعلنية. ولكن لعل التهديد التطبيعي الأخطر يتمثّل فيما عرف بـ "مبادرة السلام العربية" التي طُرحت، للمرة الأولى، في القمة العربية التي انعقدت في مدينة فاس المغربية عام 1982، حيث طرح المبادرة يومها الملك فهد (ولي العهد آنذاك) وتبنتها الدول الأعضاء، وهي المبادرة نفسها التي أعاد طرحها الملك عبد الله (ولي العهد حينها) في القمة العربية في بيروت عام 2002 وتبنتها الدول الأعضاء أيضاً، وصارت ركيزة أساسية في السياسة العربية الرسمية تجاه القضية الفلسطينية. وتنص المبادرة على التزام إسرائيل بالمطلوب منها في قرارات الأمم المتحدة فقط (الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 وعودة اللاجئين) مقابل علاقات رسمية كاملة بينها وبين كل الدول العربية. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن التصريحات العربية الرسمية تتضارب في شكل كبير بخصوص ما هو مطلوب من إسرائيل. فكثير من التصريحات حول الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 يستثني غزة والجولان السوري المحتل تماماً، ويقتصر على الضفة الغربية. كما أن مسألة اللاجئين يتم أغفالها علناً من جل النقاشات الرسمية حول المبادرة، أو يجري إفراغها من مضمونها عبر استعمال عبارات مثل "حل عادل لقضية اللاجئين" عوضاً عن استعمال مصطلح "حق العودة." وقد صرح الرئيس اللبناني السابق إميل لحود أن المبادرة، في صيغتها الأصلية عام 2002، لم تأت على ذكر حق العودة أصلاً، وإنما تم إيراده بطلب من لحود خلال قمة بيروت، كونه رئيس البلد المستضيف للقمة، في ظل رفض السعودية ودول عربية أخرى حسب تعبيره،[2] والأمر الذي ألمحت إليه صحيفة الشرق الأوسط السعودية في تغطيتها لتلك القمة.[3] وبالرغم من إصرار إسرائيل على الرفض العلني لكلا الشرطين، فإن جهود التطبيع لم تتوقف، لا سراً ولا علانيةً، فضلاً على أن تؤثر في تغيير المبادرة أو على الأقل تجميدها.

 

4.      ستركز هذه الورقة على مرحلة ما بعد حرب غزة الأولى التي شنّها الكيان الصهيوني في ديسمبر 2008، والتي شكلت نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية. ومن أسباب تخصيص هذه المرحلة بالبحث أنها شهدت تكرار تحذيرات حول موت مبادرة السلام العربية وأنها لن تبقى على الطاولة طويلاً، وتكرار التصريحات بموت حل الدولتين وانتهاء فرص السلام. وتكرّر ذلك، في تلك الفترة، على لسان أكثر من مسؤول عربي، من بينهم عمرو موسى (أمين عام الجامعة الدول العربية آنذاك) والملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيسان عمر البشير وبشار الأسد وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات. فقد صرح موسى، على سبيل المثال، في 2009 بأن عملية السلام "ماتت منذ فترة لأنها كانت عبارة عن عملية سلام تدور في حلقات مفرغة، وإذا تقدمنا خطوة نجد أمامنا سداً منيعاً هو الموقف الإسرائيلي، وما يتبعه من تأخير ومماطلة من دون رغبة حقيقية في السلام،"[4] معتبراً أن عام 2009 هو آخر عام لمبادرة السلام العربية.[5] ورغم انتهاء عام 2009 واستمرار إسرائيل في المماطلة، لم يُسجّل أي تغيير يذكر في الموقف الرسمي العربي من المبادرة. بل إن موسى نفسه طالب حركة حماس في 2014 بالاعتراف بإسرائيل وقبول مبادرة السلام العربية التي كان قد أعلن انتهاء صلاحيتها قبل خمس سنوات.[6]

 

5.     عقدت قمتان عربيتان بعد الهجوم على غزة في ديسمبر 2008 في الدوحة والكويت. شهدت قمة الدوحة إعلان وقف التطبيع بين إسرائيل وكلٍ من قطر وموريتانيا وتضمّنت المطالبة بتعليق مبادرة السلام. [7] لكن القمة الأخرى التي استضافتها الكويت، والتي عُقدت في غضون ساعات بعد نهاية الحرب، خرجت بنتائج معاكسة فقد صرح أمير الكويت بأن "المبادرة تمثل أساس الموقف العربي."[8] وبعدها بأيام، نشر رئيس المخابرات السعودية السابق تركي الفيصل مقالاً في صحيفة الفاينانشال تايمز حثّ فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما على تأييد المبادرة.[9] ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى كان جورج ميتشيل، المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، يصرح بأن السعودية ودولاً عربية أخرى قد ترفض التطبيع في العلن، لكنها تقول شيئاً آخر في السر حسب تعبيره.[10]

 

6.     وبعد الحرب ببضعة أشهر، تحدث ملك الأردن عبد الله الثاني عن خطة سلام تتضمن اعتراف 57 دولة إسلامية بإسرائيل، مما يوسع نطاق المبادرة بشكل غير مسبوق.[11] وبعدها أيام قليلة جاء الرد الإسرائيلي الرافض لكل هذه الاقتراحات على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي رأى بأنه "لا جدوى من نشر مبادرة سلام أخرى،"[12] كما صرح في مناسبة أخرى بأن مبادرات العرب "وصفة لتدمير إسرائيل."[13] وسُجّلت تصريحات مماثلة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (خصوصاً خطابه الشهير في جامعة بار إيلان في يونيو 2009) ولكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في دولة الاحتلال، ما يشير إلى أن إسرائيل مستمرة في نهجها الرافض لهذه المبادرات. ورغم ذلك، بقيت السياسات العربية على المسار نفسه من إبداء الاستعداد للتطبيع، بينما واصلت إسرائيل، في المقابل، تقديم الحروب والمجازر والمستوطنات والاعتقالات.

وفيما يلي، رصد لأهم التطورات من ناحية التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني في كلٍ من دول مجلس التعاون.

 

أولاً: الكويت
 

7.      في مايو 2010، وقعت مجزرة أسطول الحرية الذي كان على متنه أفراد كويتيون في طريقهم إلى قطاع غزة المحاصر. اجتمع يومها مجلس الأمة الكويتي وصوت لصالح الانسحاب من المبادرة العربية في أول ضربة حقيقية لها، ونسب إلى الناطق الرسمي باسم الحكومة الكويتية وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة محمد البصيري أن الحكومة وافقت على هذه التوصية.[14] ولكن صدر نفي لذلك لاحقاً، وتم التأكيد على البقاء في المبادرة.[15] وفي عام 2011، أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية خبراً مفاده أن الكويت تخلت بصمت عن ملاحقة إسرائيل قضائياً في قضية أسطول الحرية، ولم يصدر نفي كويتي لهذا الخبر.[16] وفي مايو 2013، شهدت الكويت مساءلة وزارية في البرلمان في قضايا عدّة، منها السماح بعقد صفقات مع إسرائيل.[17] وفي أبريل 2014، زعم وزير خارجية إسرائيل افيجدور ليبرمان بأن هناك مباحثات سرية بين إسرائيل والكويت حسب رأيه.[18]

 

8.      في الصحافة الكويتية، يبرز اسم صحيفة "الرأي" كمتهمة بالتطبيع، ففي أغسطس 2009، تواردت أنباء عن خطوات تطبيعية جديدة يتم مناقشتها، تتضمن السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجواء الخليج، ومنح مقابلات صحافية لوسائل الإعلام الإسرائيلية وفتح مكاتب تجارية لإسرائيل.[19] وبعد حوالي ثلاثة أسابيع، نشرت "الرأي" لقاء مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس[20] (بعدها بأشهر نشرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية أيضاً مقالاً مترجماً لنائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون يدعو فيه إلى تطبيع العلاقات).[21] كما أجرت الصحيفة الرأي لقاء آخر مع عضو الكنيست الإسرائيلي شاؤول موفاز المتهم بالتورط في جرائم حرب منذ أيام خدمته في الجيش الإسرائيلي.[22]

 

9.     ولكن شهدت الكويت أيضاً جهوداً لمكافحة التطبيع، منها مشروع قانون لتجريم كل أشكال التطبيع والتعامل مع إسرائيل في مايو 2009، وجهود لمكافحة التطبيع الرياضي. وفي 2012، عقدت أمسية "لا للتطبيع" لتكريم رياضيين كويتيين هما عوض الحربي وعلي المرشاد لرفضهما مواجهة رياضيين إسرائيليين. وفي 2013 رفض لاعب التايكواندو الكويتي عبد الله الفرهود أيضاً مواجهة خصم إسرائيلي في بطولة دولية.[23]

 

ثانياً: عمان
 

10.     انقطعت العلاقات العلنية بين إسرائيل وسلطنة عمان إثر الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، لكن تزعم وثائق ويكيليكس أن العلاقات لم تنقطع إلا في العلن.[24] وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في 2009 أن دبلوماسياً إسرائيلياً رفيعاً قد زار عمان وعقد محادثات مع مسؤولين فيها.[25]

 

11.   وتضمنت وثائق ويكيليكس الكثير من المعلومات عن مزاعم حول التطبيع العماني مع إسرائيل، بما في ذلك رفض الحكومة العمانية اجتماعات المقاطعة العربية حتى في جامعة الدول العربية.[26] كما أوردت الوثائق زيارة وفد إسرائيلي لعمان. وورد اسم مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه كأحد المواقع التي تمت زيارتها في 2004 [27] و2006 ، [28] وهو مركز استخدم في أغراض تطبيعية[29] بين إسرائيل ودول أخرى مثل الأردن وقطر والسلطة الفلسطينية.[30] كما ذكرت وثيقة مؤرخة في يوليو 2009 (بعد انتهاء حرب غزة الأولى) تدعي أن وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي على إتصال بإسرائيل، وأنه تشمل الاتصالات عقد لقاءات مباشرة مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية حينها تسيبي ليفني.[31]

 

ثالثاً: البحرين
 

12.     تزخر البحرين بأمثلة التطبيع قبل الحرب وبعدها، ومنها لقاء ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة مع شمعون بيريز في منتدى دافوس عامي 2000 و2005 . [32] وتزعم وثائق ويكيليكس أن ولي العهد أبلغ بيريز بأن كل خطوة تخطوها إسرائيل نحو الفلسطينيين ستقابل بخطوتين من البحرين نحو إسرائيل.[33] ومن الأمثلة أيضاً لقاء وزير الخارجية البحريني خليفة بن أحمد آل خليفة نظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني، وقد اعترف باللقاء ودافع عنه،[34] ودعا الوزير نفسه، في مناسبة أخرى، إلى إنشاء منظمة إقليمية تضم إسرائيل.[35]  وقد تضمنت وثائق ويكيليكس المزيد من الأمثلة عن التطبيع بين البحرين وإسرائيل، علماً بأن وثائق تستند أساساَ إلى اقتباسات عن مسؤولين أمريكيين تورد الوثائق أسماءهم.[36]

 

13.    لقد تجاهلت الحكومة البحرينية إجماع لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان على وقف التطبيع وإجماع البرلمان كله في أكتوبر 2009 على قانون يحظر التعامل مع إسرائيل. وبرر ممثل وزارة الخارجية اعتراض الحكومة بأن "هذا المقترح يعد تدخلاً من النواب في صياغة تشريعات تختص بشؤون السياسة الخارجية التي هي من صلاحيات الملك والسلطة التنفيذية."[37] وبعد مجزرة أسطول الحرية أرسلت المنامة وفداً لإنهاء إجراءات إطلاق سراح الأسرى البحرينيين رغم أن بقية الدول التي أُسر مواطنون لها لم تفعل ذلك.[38]

 

14.     وكتب ولي العهد مقالاً في صحيفة واشنطن بوست دعا فيه إلى التطبيع مع العدو وفتح قنوات للتواصل مع "الشعب الإسرائيلي."[39] وقد دافع البعض عن المقال معتبرين أنه لا يندرج في خانة التطبيع، الا أن استشهاد جورج ميتشيل بالمقال يوحي بالعكس.[40] أما وثائق ويكيليكس فزعم المسؤولين الأمريكيين الذين كتبوا الوثيقة المسربة أن لملك البحرين علاقة استخباراتية مع إسرائيل، وأنه طلب تخفيف اللهجة الإعلامية ضد إسرائيل في البحرين حسب زعمهم.[41]

 

رابعاً: قطر
 

15.      بعد سنوات من التطبيع العلني والمباشر عن طريق مكتب التمثيل التجاري الصهيوني في الدوحة، أنهت قطر في 2009 هذا إثر التمثيل إثر حرب غزة الأولى. وتنقل واحدة من وثائق ويكيليكس الصادرة بعد الحرب بقليل عن المسؤول في الخارجية الإسرائيلية ياكوف هاداس أن انتقال قطر إلى المعسكر المضاد لإسرائيل ليس سوى لعبة وجزء من تنافسها الإقليمي مع السعودية حسب تعبيره. وأكد أنه تلقى دعوة سرية لزيارة الدوحة وبدء مباحثات لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه.[42]


16.
    وعلى الرغم من ذلك، لم تشهد قطر، منذ نهاية الحرب، توجهاً تطبيعاً سياسياً واضحاً باستثناء ما حصل في أبريل 2013 حين أعلن رئيس الوزراء القطري في واشنطن (من ضمن جهد عربي مشترك) عن صيغة معدلة لمبادرة السلام العربية تضمنت إقرار فكرة تبادل الأراضي. وقد رحبت إسرائيل بهذا التعديل، فيما انتقده رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية.[43] ومنذ ذلك الحين لم يبرز الموضوع للنقاش ثانيةً. ومن الجدير بالذكر أنه في 2012 ألقت تسيبي ليفني خطاباً في الذكرى السنوية العاشرة لصعود حزب العدالة والتنمية التركي، قالت فيه إنها التقت سابقاً قيادات خليجية في قصر أمير قطر، ولكن لم يتضح ما إذا كان اللقاء عُقد قبل حرب 2008 - 2009 أم بعدها. [44] وفي فبراير 2015، شارك وزير خارجية قطر خالد العطية في جلسة في مؤتمر ميونيخ للأمن كان وزير الاستخبارات الإسرائيلي وفال شتاينتز مشاركاً فيها، و شهدت الجلسة مشادة كلامية بينهما.[45] ويذكر أن تركيا انسحبت من المؤتمر نفسه تحاشياً للقاء الوفد الإسرائيلي، ما أثار حفيظة وزير الاستخبارات الإسرائيلي الذي صرّح بأن تركيا صارت "تفكر فعلياً بنفس طريقة الإسلام المتطرف والجماعات الإرهابية مثل الإخوان المسلمين وحماس."[46]

 

17.     لكن بالرغم من انحسار التطبيع السياسي، إلّا أن التطبيع الرياضي والفني لا زال قائماً في قطر. ففي ديسمبر 2010، صدر فيديو ترويجي لترشيح قطر لاستضافة كأس العالم في 2022 تضمن مقطعاً يروّج للتطبيع في سياق محاولة الفوز بالاستضافة، حيث ظهر فتى إسرائيلي يتحدث عن إيجابيات مشاركة فريق إسرائيلي في البطولة مع فرق عربية،[47] وأعلن رئيس اللجنة المشرفة على الاستعدادات لاستضافة الكأس السماح للرياضيين الإسرائيليين بالمشاركة في البطولة.[48] بعد ذلك بعام، أثناء دورة الألعاب العربية التي أقيمت في قطر، تم نشر خريطة دولة كل وفد رياضي أثناء دخوله أرض الملعب. ولدى دخول الوفد الفلسطيني كانت الخريطة المعروضة إلكترونياً عبارة عن رسم مشوه لخريطة فلسطين، حيث كانت مختصرةً بالضفة الغربية وقطاع غزة فقط.[49] وليس واضحاً ما إذا كان عرض الخريطة بهذا الشكل نتيجة قرار رسمي أم بسبب الاعتماد على شركات أجنبية قد تقع في مثل هذه الأخطاء من دون قصد أو معرفة.

 

18.     وفي 2008، استضافت قطر لاعبة تنس إسرائيلية،[50] وفي أكتوبر 2013 سُجّلت مشاركة إسرائيلية ورفع للعلم الإسرائيلي في أكاديمية التفوق الرياضي (اسباير).[51] وفي العام 2013 أيضاً، استضافت قطر حفلاً للموسيقار الإسرائيلي دانييل بارينبويم وإبنه في الحي الثقافي كتارا.[52] وفي مطلع 2014، تمت استضافة الرياضية الإسرائيلية شاهار بير، كما شارك اربعة سباحين إسرائيليين في بطولة سباحة في نهاية 2014 رفع فيها العلم الإسرائيلي أثناء حفل الافتتاح، بعد حوالي 3 أشهر فقط على انتهاء حرب 2014 على غزة.[53]

 

خامساً: الإمارات
 

19.     قررت الإمارات، بعد نحو شهر من حرب 2008 - 2009، منح لاعب تنس إسرائيلي تأشيرة دخول للمشاركة في بطولة في دبي،[54] ورفع علم إسرائيل للمرة الأولى في أبو ظبي خلال اجتماع للوكالة الدولية للطاقة المتجددة في حضور مسؤولين إسرائيليين.[55] وفي أوائل 2010، أصبح وزير البنية التحتية الإسرائيلي عوزي لنداو أول وزير إسرائيلي يزور الإمارات رسمياً وعلنياً، علماً أن لنداو من قيادات حزب "إسرائيل بيتنا" المتشدد.[56]  وبعد الزيارة بثلاثة أيام فقط، أقدمت إسرائيل على اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبي، والتي أطلق من بعدها رئيس شرطة دبي ضاحي خلفان تصريحات عدائية ضد إسرائيل. ولكن بعد أقل من عام، في ديسمبر 2010، استضافت الإمارات فريق سباحة إسرائيلياً.[57] وفي يناير 2014، زار الإمارات وزير الطاقة الإسرائيلي سلفان شالوم الذي سبق أن هدّد بحرب جديدة على غزة، للمشاركة في مؤتمر حول الطاقة.[58] وقد قاطعت الكويت المؤتمر احتجاجاً على مشاركة الوزير الإسرائيلي.[59]

 

20.      وفي ديسمبر 2014، نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية خبر إفتتاح خط جوي سري وخاص بين دولة خليجية والكيان الصهيوني، ورجح مصدر إسرائيلي أن تكون هذه الدولة هي الإمارات.[60] ولاحقاً أشار كاتب الخبر ضمناً إلى أن الإمارات هي الدولة المقصودة بالفعل، وهي النتيجة نفسها التي رجحها تحقيق لموقع "عين الشرق الأوسط"[61] الذي نشر تحقيقاً مطولاً يزعم تعاقد الإمارات مع شركة أي جي تي الاسرائيلية لتركيب أنظمة مراقبة لحماية مواقع في أبو ظبي[62] قد تكون ذات صلة وثيقة بالرحلات التي تتم عبر الخط الجوي السري.[63] كما برزت أخبار حول التعاقد مع الشركة في الصحافة الإماراتية منذ 2008 ولكن من دون ذكر لأي ارتباط بينها وبين إسرائيل.[64]

 

21.     وتزعم إحدى وثائق ويكيليكس وجود علاقة شخصية قوية بين وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ووزيرة الخارجية الإسرائيلية حينها تسيبي ليفني.[65] وفي نوفمبر 2013، كتب توماس فريدمان مقالاً زعم فيه أن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز خاطب عبر الأقمار الاصطناعية ممثلين عن عدة حكومات عربية وإسلامية في اجتماع في الإمارات[66]. ولاحقاً كررت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية ما ذكره فريدمان، وأوضحت أن بيريز خاطب ممثلي 29 دولة عربية وإسلامية، بينهم وزراء خارجية دول المجلس.[67]  ورغم حجم هذا الزعم، لم يصدر أي نفي رسمي.

 

22.       ونشرت قناة "مكملين" تسريباً لحديث بين مدير مكتب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اللواء عباس كامل ورئيس أركان القوات المسلحة اللواء محمود حجازي تحدث فيه عن ندوة سرية في الإمارات حضرها شمعون بيريز.[68] كما زعم أن الإمارات قد رتبت لزيارات سرية لمبعوث اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير إلى القاهرة للتواصل مع النظام الجديد في مصر، وهو ما يتوافق مع ما أعلن عن عمل بلير رسمياً مع النظام المصري برعاية إماراتية.[69]

 

سادساً: السعودية
 

23.       تنقل إحدى وثائق ويكيليكس، مؤرخة في نوفمبر 2009، عن مسؤول إسرائيلي زعم فيها أن إسرائيل تتمتع الآن بالسلام مع الأردن ومصر والإمارات والسعودية.[70] وفي وثيقة أخرى صادرة من السفارة الأميركية في تل أبيب، مؤرخة في تاريخ يناير 2010 ، كلام منسوب للأكاديمي الإسرائيلي يائير هيرشفيلد (و هو أحد المساهمين في إتفاق أوسلو) الذي يرأس مؤسسة التعاون الاقتصادي التي تهدف إلى إحلال السلام، يتحدث فيه عقد ثلاثة لقاءات على الأقل مع رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية بالسعودية أنور عشقي ضمن ما يعرف بإسم "المسار الثاني" للمفاوضات. وقد تمحورت أفكار عشقي – حسب زعم الوثيقة – حول فكرة منح غزة وضعاً جديداً مستقراً وشبه مستقل، ونزع سلاح حماس في مقابل الاعتراف بالحركة كحاكم للقطاع ومساعدات اقتصادية كبيرة لتطوير البنى التحتية.[71]

 

24.       في 2009، لقيت مقالة للكاتب محمد الرطيان بعنوان "تسلل سياسي أم تطبيع رياضي"[72] الكثير من الصدى بسبب انتقاده ما قال إنه تعيين مدرب إسرائيلي لنادي بورتسموث البريطاني الذي يملكه رجل الأعمال السعودي علي الفرج. وعلى الصعيد الرياضي أيضاً، طالب الرئيس العام لرعاية الشباب نواف بن فيصل، في عام 2012، بمقاطعة شركة أديداس بسبب رعايتها للماراثون الإسرائيلي في القدس المحتلة واستجاب له النادي الأهلي بفسخ عقده مع أديداس[73]. و لكن من جهة أخرى أقدمت السعودية على خطوة غير مسبوقة وهي الموافقة للسماح للمنتخب السعودي بالسفر للأراضي المحتلة للمشاركة في تصفيات كأس العالم في مباراة ضد المنتخب الفلسطيني رغم ان الفريق السعودي سيمر لا محالة على نقاط تفتيش الاحتلال[74].

 

25.       وفي 2010، تم الإعلان عن تعاون اقتصادي بين مجموعة IDB الإسرائيلية الضخمة التي كان يرأسها الملياردير الإسرائيلي نوحي دانكنر من جهة وجهاز قطر للاستثمار ومجموعة العليان السعودية من جهة أخرى،[75] وهو ما نشرته صحيفة الفاينانشال تايمز أيضاً.[76] وزادت فرص التجارة بين إسرائيل والدول العربية بسبب الحرب في سوريا، وأصبحت إسرائيل محطة لتنزيل البضائع القادمة من أوروبا قبل نقلها إلى الأردن ودول أخرى، مما رفع عدد الشاحنات التي تعبر بين إسرائيل والأردن بنسبة 300% منذ عام 2011. وقال عدد كبير من رجال الأعمال لوكالة رويترز إن البضائع تنتقل من الأردن إلى عدة دول من بينها السعودية.[77]

 

26.      وفي نوفمبر 2012، إفتتح مركز الملك عبد الله لحوار الأديان في النمسا. وأجرى الناشط السعودي عصام مدير بعدها مكالمة هاتفية مع الحاخام الإسرائيلي ديفيد روزين، الذي زار السعودية ضمن جهود حوار الأديان، وشارك في مؤتمر مدريد لحوار الأديان ضمن الجهود السعودية نفسها.[78] وقد أقر روزين في المكالمة بأنه شارك كجندي في احتلال سيناء – وهي معلومة معروفة لم تذكرها وسائل الإعلام السعودية – وزعم أن المسؤولين السعوديين كانوا على علم بذلك،[79] بمن فيهم وزير الخارجية سعود الفيصل ووزير الإعلام السابق أياد مدني الذي تسلّم الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، ولبّى دعوة لزيارة القدس مشترطاً عدم المرور على أي نقطة عبور إسرائيلية،"[80] مما أثار انتقاد أطراف عدّة مثل الشيخ رائد صلاح والأزهر والكنيسة المصرية.[81]  في نفس العام ايضاً قامت ويكيلكس بتسريب وثائق شركة ستراتفور الاستخباراتية تضمنت رسائل إلكترونية مكتوبة من قِبل مدير الشركة السابق زعم فيها بوجود تعاون سعودي مع الموساد، بالإضافة إلى تلفظه بألفاظ عنصرية ضد العرب[82].

 

27.      وأثار تركي الفيصل الجدل حين صافح نائب وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف داني أيالون مطلع 2010. يُذكر بأن أيالون هو ذات المسؤول الإسرائياي الذي هدد الهاكر السعودي Ox Omar، الذي بدوره قام بشن هجمات إلكترونية ناجحة ضد إسرائيل في 2012 بانتقام بأي طريقة بما فيها القصف بالصواريخ.[83] وتكررت مبادرات الفيصل تجاه إسرائيل وتضمنت لقاءاته العلنية مع مسؤولين إسرائيليين كان أحدها في مايو 2014 مع المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي عاموس يادلن الذي قاد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أثناء حرب غزة الأولى (2008- 2009). وقبل أقل من ثلاثة أسابيع على بدء الحرب الثالثة، في 2014، كتب الفيصل لـ"مؤتمر إسرائيل للسلام" مقالاً يدعو للتطبيع ويحلم بيوم "أتمكن من توجيه الدعوة، ليس للفلسطينيين فقط، بل للإسرائيليين الذين قد ألتقي بهم أيضاً، للمجيء وزيارتي في الرياض."[84] وفي 2102، نشر عسكري سعودي مقالاً في "العرب نيوز" يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل،[85] ونشر عسكري آخر مقالاً يدعو إلى التطبيع في "جوينت فورس كوارترلي."[86]

 

28.     وفي 2014، تحدث ليبرمان عن علاقات سرية مع السعودية والكويت مدفوعة، حسب زعمه، بالعداء المشترك لإيران.[87] وتحدث كل من نتنياهو، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في مصر، عن توافق إسرائيلي مع بعض دول المنطقة ضد الإخوان المسلمين وإيران. [88] وفي أكتوبر 2013، قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني إن وجهة النظر السعودية في الملف الإيراني هي نفس وجهة النظر الإسرائيلية، وإن مصالح الدول "المعتدلة أو البراغماتية" في المنطقة هي نفس مصالح إسرائيل،[89] وفي الفترة نفسها، زعمت "صنداي تايمز" البريطانية بوجود ثمة تنسيقاً إسرائيلياً - سعودياً حول توجيه إسرائيل ضربة عسكرية لإيران.[90] وقد نفت السعودية صحة هذه الأنباء[91] التي ذُكرت في تقرير نشرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل."[92]

 

خاتمة
 

29.      في فبراير 2002، وأثناء الانتفاضة الثانية، أعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز، في لقاء مع الصحافي توماس فريدمان، عن مبادرة السلام التي تتضمن اعترافاً عربياً كاملاً بإسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. "كنت أبحث عن وسيلة أقول بها للشعب الإسرائيلي إن العرب لا يرفضونهم ولا يحتقرونهم، ولكن الشعوب العربية ترفض ما تفعله قيادتهم الآن بالشعب الفلسطيني." قال الملك عبد الله لفريدمان إن الخطة موجودة في الدرج، ولكن العنف والقمع اللذين يمارسهما أرييل شارون يمنعان خروج الخطاب من الدرج.[93]

 

30.      ولم تمر أشهر قليلة حتى خرج الخطاب من الدرج وصار محور القمة العربية في بيروت، وتبنته كل الدول العربية بلا استثناء، رغم ان عنف شارون وقمعه لم يتوقفا منذ مقابلة فريدمان، مما أعطى مؤشراً على أن السياسة الرسمية العربية لا تملك سوى رؤية واحدة، ولا تسعى إلى تنويع الرؤى والخيارات ولا إلى امتلاك أوراق ضغط حقيقية. والأدهى أنه ما أن انتهت القمة حتى جاء الرد الإسرائيلي مباشرة بشن عملية "الدرع الواقي،" فاقتحم جيش العدو الإسرائيلي المقاطعة في رام الله وحاصر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وأدت العملية إلى سقوط نحو 375 شهيداً وإصابة المئات واعتقال الآلاف.[94] ازداد قمع شارون وعنفه، ولم تتغير المبادرة العربية أو حتى تُجمّد.

 

31.      ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف القمع والعنف الإسرائيليان. وشهدت الحقبة ما بين المبادرة ونهاية حرب 2008 مجازر وهجمات في فلسطين ولبنان وسوريا والسودان، ولم تتغير على خلفية العدوان الإسرائيلي السياسة الرسمية العربية أو حتى تعلن أن لها بديلاً فعلياً غير مبادرة بالسلام.

 

32.      وعلى الجانب الإسرائيلي، ترسّخ الاحتلال في الضفة الغربية والجولان، وفرض الحصار على غزة، وزاد عدد المستوطنات في الضفة، وباتت اليوم تلتهم أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية،[95] بينما التهم جدار الفصل نحو 10% منها، ناهيك عن سرقة الثروات الطبيعية وهدم المنازل والاعتقالات وتسليح المستوطنين وتهويد القدس والرفض المطلق لعودة أي لاجئ وغيرها. أي أن إسرائيل، عملياً، لا ترفض فقط تقديم تنازلات بالانسحاب من أراضي 67، بل تزيد من استعمارها. ولم يقتصر الرد العربي على المحافظة على المبادرة التي فشلت، بل وأيضاً تقديم الكثير من التطبيع في المقابل.

 

33.      ثم جاءت حرب غزة الأولى (2008 - 2009) التي بعد نهايتها بأيام قدم باراك أوباما في خطابه في القاهرة وتبعه بنيامين نتنياهو بخطاب آخر حول "السلام" حدّد فيه شروطه للـ "سلام": إذا اعترفت السلطة الفلسطينية بيهودية الدولة الإسرائيلية سنعطيها دولة لكن بلا قدس وبلا جيش وبلا مجال جوي وبلا علاقات مع من لا نحب وبلا عودة للاجئين.[96]  باختصار: لا دولة فلسطينية. والمفارقة أن هذا الخطاب لقي ثناء من أوباما فور صدوره.[97]

 

34.      وبين خطابي أوباما ونتنياهو، قال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في مقابلة مع مجلة "نيوزويك": "ليس لدينا ما نقترحه على إسرائيل سوى التطبيع. وإذا قمنا بذلك قبل استعادة الأراضي المحتلة سنكون قدمنا الورقة الوحيدة لدينا. "[98] إذن يبدو أن الحرب والدماء لم تغيرا شيئاً فعلياَ، والخطابات العربية حول تأرجح مصير مبادرة السلام لا يعرف مغزاها. عادت الحرب مرة أخرى في 2012، ومرة ثالثة في 2014، ويبدو أنها ستعود مجدداً في المستقبل. ولا يبدو أن هناك حلاً لدى الفلسطينيين ومن يدعمهم سوى المقاومة، بكل أشكالها المسلحة وغير المسلحة، بما في ذلك حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

 

الجزء الثاني: المأمول: الشركات الموجودة في الخليج وفرص المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات
 

35.      تسلّط الجزئية التالية الضوء على بعض الشركات التي تعمل في دول مجلس التعاون وتساهم في الانتهاكات في فلسطين، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على توجيه حملة المقاطعة ضد هذه الشركات المتورطة مع الاحتلال. وفي هذا السياق، نستعرض بعض الحملات الناجحة ضد الشركات المتورطة مع الاحتلال لإظهار فعالية حملة المقاطعة.

 

36.      وسنركز في هذا الجزء على المقاطعة التي تنادي بها حركة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" [99](والمعروفة عالمياً باختصارBDS وهي حركة انطلقت في 2005 من قبل أطر وأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في الداخل والخارج.[100] وعلى رغم أن هذه الحركة، في جوهرها، مبنية على جهود مقاطعة سابقة في فلسطين وجنوب أفريقيا وغيرهما، إلا أنها تستند إلى القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، وتُطور استراتيجية المقاطعة وتوجهها لتكون متماشية مع الوضع الراهن في العالم العربي والمجتمع الدولي.

 

37.      نفسر سبب اختيار هذه الحملة على كون حملات المقاطعة في الخليج عادة ما تتسم بالعاطفية وتفتقر إلى تحقيق أهداف محددة وتقتصر على مقاطعة استهلاكية على المستوى الفردي لمنتجات تم ربط منتجيها بالاحتلال، الأمر الذي يحول دون أن تخرج تلك الحملات بتأثير فاعل. ومع أن بعضها يترك تأثيراً على المدى القصير، إلا أن هذا التأثير سرعان ما يختفي بسبب تركيزها على المقاطعة الفردية.

 

38.      السبب الآخر لاختيار حملة BDS  كوسيلة محبذة لاستهداف الكيان الصهيوني هو رصيد النجاحات التي حققتها هذه الحملة في الآونة الاخيرة. ومن الجدير بالذكر أن حركة BDS تدعو إلى مقاطعة إسرائيل وجميع مؤسساتها حتى إنهاء احتلال 1967 وإنهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) القائم في أراضي 1948 وعودة اللاجئين، إلا أنها تؤمن بمبدأ الحساسية للسياق، أي أن تعود مسألة استهداف أي مؤسسات بالمقاطعة والدعوة إلى سحب الاستثمارات منها إلى نشطاء الحركة، بناءاً على واقعهم السياسي ووضع تحالفاتهم والتأييد الشعبي لهم. وفي كثير من الأحيان، يستهدف نشطاء حركة المقاطعة في الغرب، مثلاً، الشركات العالمية والإسرائيلية المتورطة في الاحتلال الإسرائيلي لأراضي 1967. وفي حالات متزايدة، بدأت تنجح حملات مقاطعة شاملة لإسرائيل، بالذات على الصعيدين الأكاديمي والثقافي (بما فيه الفني).

 

39.     ولا تقوم استراتيجية حركة BDS على استهداف كل الشركات المتواطئة في انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي دفعة واحدة، لأن هذا غير ممكن فعلياً، وإن كانت ممكنة فيقصعب استدامتها كاستراتيجية. لذا تركّز حملة المقاطعة على عدد محدود من الشركات التي تنطبق عليها المعايير التالية:

  • تواطؤ الشركة في انتهاكات إسرائيل، وبالتالي إمكانية إقناع أوساط واسعة بمقاطعتها أو سحب الاستمارات منها.
  • إمكانية تشكيل تحالف واسع ضد الشركة، بالذات إذا كانت تنتهك حقوق مجموعات أخرى، مما يتيح إمكانية العمل المشترك بين أنصار القضايا المتعددة.
  • إمكانية تحقيق انتصار ضد الشركة. أي أن ناشطي الحركة لا يطلقون حملة مقاطعة ضد شركة أو مؤسسة إلا إذا كانت هناك إمكانية واقعية للوصول إلى هدف الحملة، أو لتحقيق اختراق إعلامي أو توعوي في أوساط الرأي العام.

 

40.     وقد نجحت الحركة في تحقيق إنجازات هامة باتباع هذه الاستراتيجية ومن خلال تبنيها منهجاً موضوعياً مبنياً على جمع المعلومات ونشرها وعدم اقتصارها على مقاطعة المنتجات بشكل فردي وعشوائي، وإنما أيضاً بالمناداة بسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الشركات الإسرائيلية والدولية المتواطئة في جرائم إسرائيل. وقد سجّلت هذه الاستراتيجية نجاحات عدة، بالذات في الغرب، وسنرصد بعضًا منها في هذا الفصل.

أما السبب الآخر في فعالية هذه الحملة على الصعيد الدولي، فانه ناتج عن جوهر أهدافها المنبثقة من القوانين الدولية ومفاهيم العدالة والمساواة، وهي مبادئ تبنتها العديد من المؤسسات الحقوقية دولياً.[101] وتكمن المطالب في ثلاثة أهداف:[102]

  • إنهاء احتلال واستعمار الأراضي العربية (1967) وتفكيك الجدار
  • الاعتراف بالحق الأساسي بالمساواة الكاملة للفلسطينيين، وبحقوقهم الفردية والجماعية في أراضي48 '[103]
  • تطبيق حق العودة للاجئين بناءً على قرار اﻷمم المتحدة رقم 194 [104]

 

41.     ومن الجدير بالذكر أن هذه الأهداف مأخوذة "كحد أدنى" للحركة وليست أهدافاً شاملة، خصوصاً في سياق الجمهور العربي الذي قد تتعدى تطلعاته هذه الأهداف، كمنازعة حق استمرار قيام دولة إسرائيل كدولة يهودية عنصرية على أراض عربية منهوبة.[105]

ستناقش الأقسام التالية حالة خمسة شركات ضالعة في نشاطات الاحتلال الإسرائيلي، و في الوقت ذاته، تستفيد من نشاطها التجاري في دول مجلس التعاون، ما يجعل هذه الشركات أهدافاً للمقاطعة و الضغط من قِبل شعوب و حكومات دول المجلس على غرار حملات BDS  الناجحة.  والجدير بالذكر انه سبق أن تم استهداف هذه الشركات بنجاح، كما ستبيّن السطور التالية.

 

أولاً: شركة فيوليا
 

نبذة عامة
 

42.     توفر فيوليا (Veolia)، وهي شركة فرنسية، خدمات بيئية في مجالات المياه وإدارة النفايات والطاقة والنقل، ولها نشاطات تجارية في مناطق مختلفة في العالم. تعتبر هذه الشركة هدفاً لإحدى أنجح حملات حركة المقاطعة التي انطلقت ضدها بسبب ضلوعها في مشاريع ونشاطات استعمارية في أراضي 1967، الأمر الذي يشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي ولحقوق الإنسان الفلسطيني.

 

43.     تقوم فيوليا بدعم الاحتلال الإسرائيلي من خلال بناء وتشغيل خط الترام الذي يربط القدس المحتلة مع المستعمرات في أراضي 67 والذي ينقل المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى القدس الغربية. وقد ندد مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بالاستيطان الإسرائيلي، ووصفه بأنه "انتهاك واضح للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة."[106] كما أدانت عمليات الاستيطان القمة العربية التي عقدت في الخرطوم في 2006 [107] وتشغّل فيوليا سبعة خطوط للحافلات على طريق 443 المعروف بطريق "الأبارتهايد" (أو بطريق الفصل العنصري) بسبب منع الفلسطينيين من سلوكه. وفي مجال النفايات، تعمل الشركة في معالجة النفايات التي تجمعها من 21 مستعمرة في مكب توفلان (Tovlan) الواقع في أراضي 67، مما ترك آثاراً سلبية، صحياً وبيئياً، على السكان الفلسطينيين، وأدى إلى هجرتهم من المناطق القريبة من المكب.[108] ودعت الأمم المتحدة، في تعليقها على هذه القضية، سلطة الاحتلال إلى "الكف عن إلقاء جميع أنواع النفايات في الأراضي الفلسطينية المحتلة."[109] كما تعمل الشركة في معالجة مياه الصرف الصحي لعدة تكتلات استيطانية بما في ذلك مستوطنة موديعين عيليت.[110]

 

44.    ورغم من أن الشركة إدعت بأنها ستنهي جميع عقودها في دولة الاحتلال، إلا أن لها تاريخاً من التضليل.[111]  فبعد أن تسببت حملة المقاطعة بضجة حول مساهمتها في بناء ترام القدس، ادعت الشركة أنها باعت عقدها للخطين اللذين يربطان المستعمرات الموجودة في القدس الشرقية بباقي القدس. ولكن تبين لاحقاً أنها لا تزال تدير المشروع.[112] وحتى لو انسحبت الشركة بالفعل من جميع المشاريع الإسرائيلية التي تنتهك القانون الدولي، سيبقى خوفها من ملاحقتها قضائياً موجوداً بما أن نتائج مساندتها للاستيطان وتهويد القدس ما زال ملموساً ويساهم في توسع المستعمرات.[113]

 

حملات المقاطعة التي