مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

إذا كان رب البيت - جاسم السعدون

طباعة PDF
 
 
 
 
ذا كـــان رب البيـــت   
 
 
 
 
والعنوان إستعارة لشطر من شطر بيت شعر للشاعر البغدادي ابن التعاويذي، عمر بيت الشعر نحو 9 قرون، وبيت الشعر كاملاً يقرأ كالتالي:
 
إذا كان رب البيت بالدف مولعاً
فشيمة أهل البيت .. كلهم .. الرقص
 
ذلك البيت من الشعر يختزل وضعاً سائداً في حقبة من الزمن كان فيها تاريخ وحاضر الدولة هو تاريخ وحاضر ربها أو "رب البيت"، وفي زمن لا مكان فيه لإستثناءات، فعندما يطرق "رب البيت" دفه، فلا خيار لشعبه، كل شعبه دون إستثناء، سوى الرقص طرباً، حتى لو كان العزف نشازاً. بعد تسعة قرون، مر خلالها بتجارب شديدة الألم واستخلص دروسها وعبرها، تطور العالم وتقدمت نظمه السياسية، وأصبحت السيادة في الوطن للأمة، مصدر كل السلطات، وليست مختزلة في "رب البيت". 
 
في الكويت، تنفرد الحكومات المتعاقبة بكل السلطة، تزور إنتخابات، تعطل دستور، تعدل قانون الإنتخابات من طرف واحد، والغرض دائماً واحد، هو أن تبقى الحكومة المهيمنة على مصالح الدولة، "رب البيت"، ثابتة مهما كان قرعها للدف نشازاً. لم يعد كافياً أن نهبط بطموحاتنا من الأمل بإنجاز شيء ما، إلى مجرد الإبقاء على الوضع ثابتاً على نفس مستوى السوء، ولا حتى القبول بمجرد خفض التسارع إلى الإنحدار، وإنما بات مطلوباً قسراً مشاركتنا كلنا، ودون إستثناء، بالرقص في حفلة بائسة تشهد سقوطاً حراً لبلد جميل وكريم. لقد بات الإعتراض على قيادة البلد إلى هاوية، خيانة عظمى، أحكامها أعنف من إزهاق الروح أو الإعدام، أحكامها تخطت كل الخطوط الحمراء، وأصبحت تجريد المواطن من مواطنته، ورميه خارج البيت. لقد بلغ الأمر في الحكومة، أنها باتت تُعرف عجزها وعجرفتها، بالإنتصار، شجعها على ذلك عزوف معارضيها عن مقاومتها، إما خوفاً أو يأساً أو سوء أداء، وأصبحت أسيرة حالة من إنتفاخ زائف للذات، أعمتها تماماً عن رؤية ما يحيط بمستقبل هذا البلد الطيب من مخاطر عاتية. 
 
لقد تنازلنا كثيراً، ولم نعد نطمح في إنجاز، لذلك، دعونا ننسى حال التعليم الرديء ومدارسه ومنشآت جامعاته والشهادات المضروبة التي إنتشرت إنتشاراً سرطانياً، ودعونا ننسى حال الصحة والخدمات الصحية والحصص التي توزع على الفاسدين والتي طالت وحدات العناية المركزة محلياً والسياحة العلاجية في الخارج. ودعونا ننسى حال الخطوط الجوية الكويتية ومطار الكويت المهترىء ونظافة حماماته، ومعها ننسى زحمة المرور ورداءة الشوارع، ودعونا ننسى تخلف الرياضة وتخلف الثقافة والفن وعنف العسكر وعنف الشباب. ودعونا ننسى فحوى كل إعلان حكومي بعد إنتهاء حقبة كل خطة للتنمية، بأن الخطة فشلت تماماً في تحقيق أهدافها، وليس مهماً هنا إن إتفقنا أو إختلفنا على محتوى تلك الخطة وجدوى أهدافها. ما أريد التركيز عليه هنا، هو إستمرار المضي بمشروعين بالغا الخطورة، يهددان كيان البلد، الأول هو ما آلت إليه أمور الفساد، والثاني هو ما آلت إليه أوضاع الوحدة الوطنية فيها.
 
على ساحة الفساد، لن أكرر الحديث عن سرقة الإستثمارات الخارجية وناقلات النفط والديزل وداو والإيداعات والتحويلات والتأمينات، ولا حتى فساد البلدية وغيرها الذي تعجز عن حمله البعارين، وكلها قضايا مخزية، فشلت الحكومة مع كل منها في ترحيل فاسد واحد إلى السجن، بينما أصبحت السجون مليئة بالمغردين. ولكن، سوف أذكر مثالين، الأول هو تصريح لثلاث وزراء في الحكومة الحالية "رب البيت"، وعلى مدى ثلاث شهور فقط، بأن كل منهم أصبح ضحية لغول الفساد، إثنان منهما قدما إستقالاتهما، والثالث في الطريق فيما يبدو. ورغم أن الشهود من أهل البيت هذه المرة، لم يرتق الحس بالمسؤولية إلى حدود إجراء تحقيق، ولو حتى من باب ذر الرماد في العيون كما هي العادة. في أي دولة مؤسسات، عندما يتكلم كاتب رأي أو سياسي معارض أو مهتم بالشأن العام عن إستشراء الفساد، يصبح ذلك أمر كفيل بأن يطيح بأي "رب بيت". ولكن، أن يقدم وزراء ضمن الحكومة إتهاماً صريحاً لها بالتحالف مع الفاسدين، ولا يحدث أي تحقيق أو حتى مجرد إيضاح، من المؤكد أنه إقرار من "رب البيت" بأن الفساد ليس جريمة ولا هو مستنكر، وإنما واقع علينا، كلنا دون إستثناء، الرقص على نغماته الصريحة والعالية. المثال الثاني لشهود أهل البيت، هو من رب رب البيت، فالأرقام المنشورة تذكر، بأن الديوان الأميري أصبح ينفذ مشروعات -قيمتها قدرت بنحو نصف مليار دينار كويتي- بحجم قريب من حجم المشروعات التي تنفذها وزارة الأشغال. ذلك يعني، أن رب رب البيت، إما أنه يشارك الوزراء الثلاثة حكمهم على واقع فساد "رب البيت"، أو، أن لديه حكم قاطع برداءة الإنجاز الحكومي، أو ربما الإثنين، أي "رب بيت" رديء وفاسد. والشهود في الحالتين هما من أهل رب البيت، وليست إستعارة من سياسي معارض أو ناشط حاقد أو شاب متهور، ولا هي حصيلة منشورات صفراء أو تغريدات بائسة.
 
الحالة الثانية حتى أكثر خطورة ونتاج حتمي للبيئة الفاسدة، وهي حالة التمزق الذي تعيشه البلد، فلم يعد أحد يطيق أحد، وأنا هنا لا أقصد إستقالة 25% من وزراء الحكومة، ولا 10% من نواب مجلس الأمة، ولا حتى إستبدال حكمة العقل -المخ- بضرب العُـقـُل، في جلسات مجلس الأمة، فذلك أخف الضرر، وإن كان مؤشر مبكر على القفز من المركب. المقصود هنا، هو تلك الخطوط السوداء البغيضة التي باتت تفصل بين مكونات هذا المجتمع الصغير، وهي تتعمق بالتزامن مع إنفجارات دموية حولنا. فالتباعد الطائفي والمناطقي، وضمن كلاً منهما، على أشده، غذاه ذلك الإصطفاف الغبي عندما إستخدمت الحكومة أسلحة دمار شامل بإستسهال إلغاء شرف المواطنة. وساهم في تعزيزه إنقلاب المفاهيم والمبادئ، حتى بات اللص والمتهم بالإرتشاء يشرع ويراقب وينفذ، وتحول مغردون شباب صغار فجأة إلى أكبر مهددي الأمن الوطني، وباتت ملاحقتهم من أولوياته. وعلى الحكومة أن تجري إستبياناً للإستدلال على معدل النمو في رغبات الهجرة عند الشباب، ونمو المعدل الفعلي لتملك سكن خارجي خاص وبديل لدى العائلات، وسوف تكتشف، كم هو مخيف تنامي ذلك الشعور بعدم الأمان في بلد كان يوماً جوهرة إقليمه. 
 
السنوات القليلة القادمة ستكون سنوات صعبة، وسوف يتفاعل خلالها تداعيات ضعف سوق النفط، مع مزيد من إتجاهات العنف في الإقليم القريب، وخط الدفاع الحقيقي الأول، هو الاستثمار في ترتيب البيت من الداخل. ولكن، ذلك لن يتحقق بهكذا "رب بيت". والإصرار على إستمراره، أي إستمرار هذا الصنف من الحكومات، "رب البيت"، يعني أننا يمكن أن نبلغ مرحلة نقرأ فيها بيت الشعر موضوع المقالة بالصيغة التالية:
 
إذا كان رب البيت بالدف مولعا
فشيمة أهل البيت .. كلهم .. الضياع
 
 
 
جاسم خالد السعدون
7 يونيو 2015
 
المصدر : جريدة سبر
 
 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها