مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

حركة القوميون العرب في البحرين .. وعقد من الإنبعاث والتلاشي - بدر عبدالملك

طباعة PDF

حركة القوميون العرب في البحرين .. وعقد من الإنبعاث والتلاشي(1)

«الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه». غ.غ. ماركيز.
ظلت فكرة كتابة تاريخ الحركة الوطنية في البحرين (حركة القوميين العرب «البعث» جبهة التحرير) موضوعا قديما يؤرقني، ولكنني بسبب الانشغالات بموضوعات كتابية اخرى ساهمت ولا شك في تأجيل الموضوع، فظلت المقابلات الشخصية والمعلومات في درج البيت ومكامن الذاكرة، ولحسن الحظ ولدت كتابات كثيرة خلال العقدين الاخيرين حول حركة القوميين العرب في البحرين ودول الاقليم اتاحت لي رؤية وقراءة الموضوع بشكل اعمق، لكي تكتمل الصور المبعثرة المتناثرة هنا وهناك، وليتيح لي نسج الخيط الرفيع الغائب عن ذاكرة الحركة الوطنية، ولعلني اكون احد من يضيفون تجربتهم الذاتية منذ انخراطي في العمل السياسي في الصيف الدراسي 1962، صيف تخرجي من المرحلة الابتدائية وكنت ابلغ من العمر اربعة عشر عاما، والتعرف على تجربة الحركة من الداخل ونتيجة ما سمعته من تفاصيل درامية مؤلمة داخل المعتقل في انتفاضة مارس 1965، وتعرفت بالمعايشة على شخصياتها المختلفة، بحيث تواصلت معها حتى هذا الوقت، ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر المصير الحتمي للبشر! سأحاول قدر المستطاع تجنب الامور الشخصية، ولكنني مضطر لمصداقية اية كتابات موضوعية تتسم بروح المذكرات التاريخية او الذكريات ان ألمس الحقيقة حتى وان مست جراحنا وتاريخنا الوطني والشخصي، دون اهمال او تغييب حقائق ادوار بشعة لعبها افراد في داخل الحركة، فإن ذلك نوع من الطعن في التاريخ كتوثيق يلامس كبد الحقيقة. وبالرغم من قلة وجود الوثائق والبيانات التاريخية للحركة في البحرين، فإننا تمسكنا بخيار واحاديث الرواة الحركيين - الذي بحاجة للاستكمال الاعمق - وتحفظنا على جوانب من الاقوال والسرد، حيث تطغى الانا بعض الاحيان او التضخيم وعدم الدقة، فوجدنا تضارباً في التواريخ والقصص من تلك الروايات المتباينة، دون ان نغبط حقنا في استجلاء ما يمكن النبش فيه بطريقة منهجية هادئة تقودنا الى كشف ما هو خفي ومستور من تاريخ تنظيم سياسي ولد بسرعة وتلاشى بسرعة، حيث لم يستكمل إلا عقداً من الزمن في جل تاريخ العمل الوطني السياسي في البحرين.(1958-1959/ 1968 -1969) وسنكتشف ان انبعاث الحركة وتلاشيها استمر في حلقة اخرى مختلفة (الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي) ولكنها اعتمدت في تكوينها وتأسيسها نفس العناصر وعجنت من نفس الخميرة، التي تمرست وتطورت واكتسبت تجارب جديدة، ولكنها في الواقع لم تتعلم من الاخطاء السابقة ولا اللاحقة، وسندلل على تلك الحقيقة في سياق العرض والتحليل لكوامن ومكامن التنظيمين، غير اننا لن نقف مطولاً في المرحلة الثانية فهي صفحة سياسية اخرى من تاريخنا الوطني تبناها ورثة الحركة الشرعيين، واعضاء تربوا في كنفها ولهم الحق بالفخر أن يتحدثوا باسمها فلكل واحد فيهم حق في حجر ومعمار البناء المنهار، ومن ركامه ورماده انبعث المولود الجديد المضطرب المشوش، فما يهمني هنا هو التركيز على تاريخ حركة القوميين العرب منذ التأسيس حتى التلاشي الرسمي، لتصبح الحركة في لحظة ما تنظيم سياسي في ذمة التاريخ. ويهمنا اثناء كتابتنا الحلقات عن تاريخ الحركة ان نسمع كل الاصوات ودون تردد ما يمكنها من تصويب ومناقشة ونقد، فلعل الحوار يساهم في «كشف الغمة!» وتسليط الضوء عما هو مسكوت عنه في تاريخ التنظيمات، التي اتسمت بالسرية في حقبة تاريخية معينة. وندرك ان مثالب ووهن العمل السري انه محاط باحتمالية الادعاء والتزوير، غير أن من يجد نفسه لديه براهين دامغة كالوثائق باكثر من شفاه الرواة وذاكرتهم، فإننا سنسعد حتما بها، فلعلنا نكون في قاطرة الكتابة جزء من صورة تسعى للاكتمال الموضوعي او الاقتراب من الوقائع الملتبسة بعض الشيء. ستتركز عناويننا وموضوعاتنا حول * الحركة والبيئة السياسية * القرار التاريخي بالتأسيس المفقود * المؤسس الاول وشخصيته المجهولة * العمل العشوائي * فقدان الانضباط الحزبي والسرية التامة * بوب رجل الأمن المخضرم * الضربة الاولى * تداعيات التنظيم المخترق * خروج منظم أم هروب عاجل * التثقيف الفكري والشعارات * ثقافة التكريس في التنظيم *التنظيم النسائي للحركة * الضربة الثانية * المحرق مدينة الانشقاقات * القيادة الجديدة * التكتيك الداخلي * وجود قيادتين مؤقتا * الانفصال عن حضانة الكويت * الازمة التنظيمية للحركة في 1964 * الطلبة يؤسسون للحركة * اندلاع الانتفاضة 65* ورطة القرار السياسي * انفراط العقد * الانجرار الى صراع خاسر * الانتفاضة وذاكرة مجروحة * الانتفاضة المسمار الاخير لنعش الحركة * التحولات والتلاشي * الانبعاث المضطرب المشوش. قد لا نلتزم بتفاصيل محاورنا فقد يحدث أن نضيف موضوعا او ندمج بعض المواضيع في عنوان أخر. 
في الختام اطلب ممن سترد اسمائهم واضحة او مشفرة او نصف مشفرة او مرموز اليها، بأن تقبل معي ان نتجرع معاً «كأس السم» فقد بدت قشرة الحركة من خارجها كبيرة في ذاكرة الشارع فترة ما، ولكنها في الحقيقة والواقع الملموس كانت بالوناً سريع الانتفاخ والتفرقع السهل الاسرع، وحجمها الفعلي اقل بكثير من صيتها الشكلي، والذي لم تساهم هي في صنع حجمه الاعلامي والسياسي، وانما ببركة وجود شخصية كبيرة يومذاك هو جمال عبدالناصر «والثورة الناصرية» كنهج وسياسة قومية جديدة في الفضاء العربي كجزء من فضاء واسع لحركة التحرر الوطني في العالم الثالث، فاستمدت وتغذت في الشارع من هيمنة صوته الشعبي على روح وعقل، الناس البسطاء وهم يشكلون غالبية الشعب ولولا وجوده لكانت الحركة اكثر ضآلة وحضوراً جماهيرياً في عقد التأسيس والاحتضار.


حركة القوميون العرب في البحرين .. وعقد من الإنبعاث والتلاشي(2)
 
لم تولد حركة القوميين العرب 58/ 59 من فراغ مطلق خال من عناصر تشكل الوعي القومي ولا نواته وبذوره الجنينية «التي كانت تتراكم بهدوء وعلى مراحل تاريخية» فالوجود الاجنبي والشعور الخارجي الاقليمي ظل هاجسا ينتاب سكان اي بلد يتحسسون واقعهم، ولم يكن توجه البحرين لبغداد في الثلاثينات والقاهرة في الخمسينات نابع الا من حالة الانتماء اللاوعي بفكرة الارتباط العربي التاريخي الجغرافي واللغوي بين تلك الجزيرة الصغيرة ومحيطها العربي الاوسع، غير ان الحقبة الاستعمارية الانجليزية لدول الخليج ومصر والعراق لم تفتح علاقات واسعة وتتيح الظروف امكانيات باكثر مما ينبغي للتواصل المنظم والدائم، ذلك كان هو الموقف في البحرين. 
أما خارجها، وخصوصا في العالم العربي والبلدان الاخرى المحيطة بالخليج فقد كانت هناك أحداث جديدة واسعة الأبعاد. فقد كان للثورة المصرية سنة 1952 وانتشار الدعوة للقومية العربية في المشرق آثارهما على البحرينيين. كما كان لمجابهة مصدق للبريطانيين تأثيرها الآخر أيضا. 
غير أن البحرينيين اتجهوا بتطلعاتهم صوب القاهرة خلال الخمسينات مثلما تطلعوا نحو بغداد في الثلاثينات. ونتيجة لهذه المؤشرات ولظروف الوضع الداخلي في البحرين تولدت مقومات المجابهة السياسية في الفترة ما بين 1953-1956، (الرميحي، البحرين مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي ص230)  فالعالم ما قبل الحرب العالمية الاولى لم يتطور في ثورة المواصلات والاكتشافات النفطية في الشرق الاوسط، ولكن التسارع اللاحق ما بين الحربين وبعدهما سيفتح افاقا واسعة للعلاقات الجديدة العالمية، السياسية والتجارية، ومن ثم انعكاسها على التفاعل الثقافي، فكل المنتوج الرأسمالي سوف يغزو اسواقنا، كالمذياع والاذاعة والسيارة والمطبعة وعالم الطيران واللاسلكي والبواخر والتنقل، التنقيب عن الماء والنفط وولادة الكهرباء وربط المدينتين الرئيستين المحرق والمنامة، واتساع حجم التعليم وحيوية السوق كمركز حداثي في قلب المدينتين، وانتشار المقاهي، كلها وضعت تلك التحولات المختمرة في قلب المجتمع البحريني الحداثي امام اسئلة جديدة بزغت عند الجيل الشاب المتعلم. لهذا لمسنا بين فترات 1934 –  1938 و1938-1948 وفترة 48 -1956 تراكمات كمية بطيئة في جوهر الوعي القومي / العروبي والوطني، لعبت العوامل الداخلية والخارجية قوة دفع مؤثرة في تساؤلات ذلك الوعي المجتمعي الذي بكل بداياته المتواضعة ظل يؤسس لمراحل لاحقة ويغرس في التربة البحرينية اسئلة البدايات الكبرى (بعد تراجع المتزعمين) التجار والخوف من تقديم هذه المطالب مباشرة الى المسؤولين في البحرين تم التعريف بتلك المطالب بالخارج عبر مقالة نشرت في سبتمبر 1938، وبتوقيع مقالة مغفلة من كاتبها داعيا الى القومية العربية بقوله: «ضعوا الخوف والكسل جانبا، ولا تظنوا أن انكلترا ستضعكم كلكم في فوهة مدفع هي حقوقكم، ونحن ندعوكم باسم الوطنية (القومية) ان تركزوا جهودكم على المطالب التالية». 
للمزيد انظر الرميحي ص 213. ونظرا لغياب من يجرؤ على تقديم هذه المطالب الى الحكومة فقد قررت القيادة على المستوى الثاني، والتي تتمثل في الطلاب والعمال ان تتولى مهمة ذلك. الرميحي نفس المصدر. وفي ليلة الثاني والعشرين من اكتوبر 1938 وزعت مناشير ولصقت على الجدران ثم اعقبتها مناشير في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه، فساد في البلاد توتر واعتقالات لقادة الاضطرابات، واصبح سخط العناصر الوطنية الشابة اكثر حدة. وفي الثامن من نوفمبر وزعت المناشير في المنامة، داعية الى الاضراب العام حتى يتم إطلاق سراح السجناء، وقد امتدحت المناشير الوحدة الوطنية، وكانت مذيلة بتوقيع «رابطة الشباب الاحرار» الرميحي ص217، وبذلك تكون رابطة الشباب اول حركة تتحرك بصورة وطنية بخلاف التحركات السابقة الاحادية للطوائف، حيث تبدأ بعدها تتواتر اسئلة الهوية الوطنية البحرينية التي توجت بولادة الهيئة العليا 54 الاكثر تقدما ونضوجا من «حركة جيل 38» فهي من اسس لتلك الهوية الوطنية، فكل ما سبقها من عصيان وتمرد وهبات مطلبية لم تكن بملامح وسمات الهوية الواضحة في وحدة شعب منقسم على نفسه طائفيا، وظل يتحرك وبتحريض بريطاني بتقسيم المجتمع على اسس تلك الهوية الفرعية المذهبية، ولكن حركة الهيئة من جهة (داخليا) والثورة الناصرية (خارجيا) ستخضعان ذلك الوعي الوطني والقومي ليتحول الى تيار جديد داخل الطلبة والشباب والعمال الشباب في اتجاه مشاريع مستقبلية لتطور بنية ونواة المجتمع المدني السياسي بولادة الاحزاب السياسية كمرحلة متقدمة على سنوات 1938 وولادة الاندية كتعبير عن حاجات المجتمع وتطلعاته (وكان من بين اعضاء نادي البحرين بالمحرق عدد من وجهاء هذه المدينة). 
وكان أول رئيس لهذا النادي عبدالعزيز الشملان، لازمه شاعر الهيئة وصوتها الثقافي الشاعر عبدالرحمن المعاودة، وسينبثق في الضفة الاخرى من المنامة نادي العروبة والاهلي، وستكون شبيبته وطليعته السياسية هم مادة التحريض في سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، ثم خلال سخونة المواجهات ايام الهيئة، وكانت البيئة السياسية للحرب العالمية الثانية عاملا موضوعيا مهما في دفع ذلك الشعب ووعيه بالسؤال الملح حول الاجنبي ومصيره العربي.


حركة القوميون العرب في البحرين .. وعقد من الإنبعاث والتلاشي(3)

خطى الجيل الجديد من الشباب جيل 1938، جيل ما قبل الحرب وبعده، بتفجير طاقاته الوطنية الاولى، حيث الطبقة العاملة من نموذج محمد صالح الدلال، ستنخرط في الحراك السياسي العام والتجربة المهنية العفوية عبر الاضرابات في بابكو، لتدخل مرحلة الهيئة بذراع سياسي طبقي مؤثر في المواجهة لبلد نفطي في محيط جغرافي متوتر بالمصالح النفطية العالمية، واي اهتزاز في الاستقرار هنا او هناك تنتقل رياحه فورا الى بلدان الجوار. فاذا ما كان المناخ العام الداخلي والخارجي وصراعاته يؤسس لوعي قومي ووطني متزايد، فإن الهيئة التنفيذية العليا (لجنة الاتحاد الوطني) كانت الاجابة الحقيقية والمقدمة لذلك التطور، دون ان تكتمل مقومات امكانية بناء احزاب سياسية نضجت مهماتها في قيادة المجتمع وتحولاته، ولم ترَ تلك الحاجة لها الا مؤخرا بعد قصم ظهر الهيئة بكل سهولة، بعد ان ظلت تتصدر المشهد السياسي والشارع السياسي لمدة عامين كاملين 54 - 56، وقد مثّل ذلك الاتساع الجماهيري العفوي حالة بحرينية متميزة على مستوى الخليج والجزيرة العربية، ولكن البالون البحريني من عيوبه دوما هو الاتساع السريع والضمور والتلاشي السريع ايضا، غير ان التاريخ وتجربته ترك لنا خلفه عناصر ولادة قادمة وتيارات جديدة واصوات شابة استفادت وتعلمت من تجاربها، فاحشاء المجتمع تبقى وتظل تحتفظ بعناصر البقاء والديمومة المرتبطة بالشعب كمصدر مستمر للانفجارات والهيجانات الشعبية والاحتجاجات السياسية. 
وقد سمدت الهيئة التربة القومية والسياسية العربية ومصر الناصرية، لفكرة اهمية وضرورة ولادة احزاب وتنظيمات قومية تمزج ما بين النضالين، التحرري الوطني ضد الاستعمار والقومي العربي باهدافه القومية العريضة من الخليج الى المحيط. حيث أسست حركة 1938 في البحرين لوعي قادم كان يتخمر، بالرغم من ان تلك المطالب وحركة الاربعينات لم تنجز مهماتها كاملة، غير أنها حققت خطوات متقدمة قياساً بمرحلة العشرينات، ومهدت لوعي مجتمعي اكثر نضجا، اذ خلص الرميحي باستنتاجاته: «أن احداث سنة 1938 قد أدت الى نتائج قليلة ولعبت دورا محدودا في تقدم الحركة الوطنية، فإن هذا ربما كان عائدا الى انعدام القيادة المنظمة والى اجراءات بلجريف المضادة التي يحسب حسابها.
 وقد أفلحت هذه الاحداث في إثبات نمو التحرك الشعبي وازدياد الوعي السياسي، وخصوصا بين صفوف العناصر الشابة من العمال والطلاب، الذين استفادوا من وسائط الاتصال العصري كما اثرت الصناعة الحديثة والتعليم الحديث على وعيهم السياسي» ص221 (لا نتفق مع استنتاجات الرميحي ولا الاسباب والعوامل المذكورة وحدها في انجاز وعدم انجاز مطالب تلك الحركة، وهي بحاجة لنقاش اكثر استفاضة في النقاش حول التطور التاريخي للمجتمع ووعيه وتطور التركيبة المجتمعية الطبقية وتوازن الصراع بين جميع الاطراف). وبعد أن صمتت مدافع الحرب، واستقت حركة الشارع البحريني اخبارا ومعلومات عربية وخارجية بفضل طبيعة الحرب في ظل مناخ متوتر، فإن الاختمار القومي والوطني بدأ يأخذ منحى جديدا، اكثر فهما لمرحلة ضرورة التزامن والترابط ما بين المشروع الوطني التحرري ضد الانجليز في الداخل والقومي العروبي في الخارج (التضامن والتعاطف مع الثورة الناصرية واستنكار العدوان الثلاثي وانعكاس الثورة العراقية على البحرين ومرارة القضية الفلسطينية)، حتى وان لم تكن اشكاله وصيغه واضحة عند الغالبية العظمى من الشعب، ناهيك عن تشوشه لدى الطليعة السياسية، التجارية، والمتعلمة من مثقفي المرحلة، ولكن للنفط والحداثة والحرب والتعليم والثورة التقنية لما بعد الحربين العالمية الاولى والثانية، تأثيرهما وانقلابهما الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد اتاحت لسكان وشعب جزيرة البحرين ومحيطها الجغرافي على تلمس تجارب الدول وتلاطم الافكار الغريبة، والايديولوجيات المتداولة، كالنازية والبلشفيك والقومية العربية ومصطلحات ومقولات مربكة وجديدة على ذهن ووعي المجتمع، وسيكتب بلجريف عن تلك الظاهرة بقوله: «عدنا (بلجريف والشيخ سلمان) الى البحرين في شهر سبتمبر 1953، وكان كل شيء يبدو ظاهريا كما كان من قبل. إلا أنني سرعان ما وجدت أن هناك اضطرابا سياسيا عجيبا، يأخذ مجراه تحت السطح». ويوضح بلجريف بمزيد من التفاصيل عن انها «مقالات عنيفة اللهجة تنشر في الصحف المحلية التي كان رؤساء تحريرها شبانا أغرارا».
 الرميحي ص229 محاولاً بلجريف اخفاء حقيقة تلك اللهجة «للشبان الاغرار» هؤلاء لم يكونوا الا بذرة ونواة جيل الشباب من حركة 1938، عجّم عودهم وتمرست تجربتهم نحو الافضل، كعبدالرحمن الباكر والشملان والعليوات والموسى وابراهيم فخرو وأحمد الشيراوي، فإن حركة الهيئة «ضمت في قواعدها عناصر شابة ونشطة من التيار القومي العروبي من الجيل الأصغر مثل حسن الجشي وعلي التاجر ومحمود المردي وعلي سيار وجاسم مراد وراشد القوتي (ومحمد قاسم الشيراوي وجاسم بوحجي واحمد الجابر وعيسى الهاشل / اضافة الاسماء بين قوسين من عندنا) وغيرهم العديد من الاسماء التي لم ترد في قائمة الشخصيات المائة والعشرين» ص72، احمد حميدان، كراس عن هيئة الاتحاد الوطني في البحرين / ولادة الحركة الوطنية الجديدة، وقد نسي حميدان شخصية اكثر مهمة جدا من ضمن قائمة المائة والعشرين كشخصية قومية عروبية هو جاسم بوحجي كان له دور كبير في استكمال دور الهيئة ومكانتها في الخارج. 
وبما ان الجديد جدليا ينبثق من القديم، فإن الجديد سيتحول الى حركة متراجعة وجامدة وقديمة قياسا بالحقبة اللاحقة، دون أن نغبط تلك التجربة قيمتها واهميتها التاريخية، فمن تربة الخمسينات بزخمها القومي والوطني ولدت حركة القوميين العرب في البحرين بعد ثلاث سنوات من الموت الحقيقي للاتحاد الوطني في البحرين» وتشرد وفرار عناصره في منافي الدول الخليجية كقطر والسعودية والكويت. 
وسوف نرى كم كانت الكويت رافعة وخزانا ومركزا حيويا ومهما للحركة القومية اولا ولحركة القوميين العرب كواجهة وخلفية رفاقية في عملها السياسي والحزبي ثانيا. ويعزي الدكتور أحمد حميدان ان اختفاء الهيئة كان بسبب نقص التنظيم حيث اشار: «ألا ان نجاح حركة ما وفي عنفوان حركتها النضالية الى التحول وخاصة تحت سمع وبعد النظام ورقابته يظل افتراضا صعبا. ومهما تكن الفرضيات فإن نقص التنظيم قد ساهم وبشكل كبير في اختفاء الهيئة مخلفة وراءها فراغا كبيرا» ص 79. وبالرغم من اننا لن نتفق معه على تلك الفرضية «نقص التنظيم» كعامل وحيد في التلاشي والاختفاء، فإن لا الوعي التاريخي واللحظة التاريخية لعفوية الشعب وخبرته ولا موازين القوى بين اطراف الصراع تسمح بالبقاء والتطور والاستمرارية، لأن لكل حركة تاريخية مهم واهدافاً تحاول أن تنجزها، وتختفي - غصبا عنها حتى وإن كانت محكمة التنظيم والانضباط - تحت عوامل الضغوطات والعسف والظروف الجديدة واستنفاذ مهمات المرحلة.
 ولكن للحقيقة التاريخية، رغم الفراغ الكبير للهيئة، التي كانت في زمنها اشبه بالسلطة المحلية الموازية للسلطة الرسمية، تم محاولة ردمه بعجالة وعشوائية تنظيمية كوجود تنظيم حركة القوميين العرب - موضوع حديثنا - فقد تبخرت خلال عقد من الزمن الفقاعة الثانية لتترك خلفها شظايا تفتش عمن يجمعها كقطع الفيسفساء غير المتجانسة.


حركة القوميون العرب في البحرين .. وعقد من الإنبعاث والتلاشي(4)

ولدت الحركة كعنقاء شابة من رماد حركة شعبية الحراك قومية التوجه كالهيئة العليا، ولكنها تركت اشلاء متناثرة من جسدها المتقطع، فمن حماس جيل الكشافة والمتظاهرين ضد سلوين لويد، سينخرط الهاربين من هجمة الانجليز الى العمل خارج البحرين مثل راشد القوتي، وجاسم بوحجي والمردي وسيار والجشي وغيرهم، حيث انخرط القوتي في حركة القوميين العرب / فرع الكويت، فيما واصل بو حجي مشروعه القومي الناصري الاهم بضخ الدم في روح الهيئة واستمرارية تنفسها خارجيا لتأكيد حضورها الاعلامي والسياسي والمالي اكثر من وجود كيانها التنظيمي الشعبي الفعلي في الوطن.
من بعض أسماء قائمة المائة والعشرين، تشكلت حلقة الحورة الحركية، يكون ناصر العسومي وحسن عمر الرميحي كنواة اولية مع ولادة الحركة يشاطرهم عبدالله عبدالعزيز الذوادي ويوسف احمد ثاني (المريخي) وشقيقه عيسى وراشد القطان وفق ما ذكره الذوادي في كتابه رحلة العمر ص266.
فاذا ما كانوا مواليد 1914 ـ 1920 جيل الحرب العالمية الاولى هم العمود الفقري لحركة 38 فإن مواليد 1930 - 1940 هم من سيضعون حجر اساس التأسيس كقيادة للحركة بخطها الاول مثل احمد كمال (مواليد 1930) وعبدالرحمن كمال (مواليد 1937) واحمد حميدان (الفاضل) واسماعيل امين العوضية والخط الثاني مثل عبدالرحمن احمد سعد وعيسى حسن الذوادي (الحد) حسن عمر الرميحي وعبدالله الذوادي (الحورة) علي العسكري ومحمد خليفات (سنابس)، فيما مواليد تلك المرحلة ظلوا ضمن الخطوط القيادية بمرتبة اقل رغم اهميتها، من مثل محي الدين بهلول وجاسم امين والمرحوم حمد عجلان ومحمد جابر صباح، تلك الخميرة الاولى النشطة بين المدينتين، ستعمل على الاتصال بالمجموعات القومية الصغيرة وشظايا المهاجرين والفارين من احداث 56، وسيلعب عبدالرحمن كمال الدينامو الاساسي في تحركه بالتوازي والتزامن مع قرار الامانة العامة للحركة في بيروت بضرورة تأسيس نواة للحركة في الخليج والجزيرة العربية.
وسنرتب الاسماء كلها حسب اهميتها في الحركة يومذاك، من حيث موقعها التنظيمي في ثلاث مناطق رئيسية هي المحرق والمنامة والقرى. وبالتنضيد السنوي من دخلوا كأعضاء في الحركة 59 ـ 60 ـ1961 وبالتتالي، عندما نتطرق الى تفاصيل دور عبدالرحمن كمال (وحلقته الضيقة) في لملمة الشظايا والخلايا القومية والتجمعات الناصرية في الاندية، ودكاكين الاحياء، والتي برزت حماستها القومية وصدامها القومي مع ثورة العراق في يونيو 1958، ففي هذا الفضاء السياسي الجديد تعمقت الحدة والشد بين التيار القومي والتيار الشيوعي، الذي كان في مرحلة 1956 هامشياً نتيجة انصهار الجميع في المد الوطني العام للهيئة، فلم يتح للتنظيمات وللتجمعات نفسها، التي ـ كانت في طور التشكل والتأسيس ـ بمساحة أكثر من حجم المشاحنات السياسية. ينبثق سؤال هام متى بالتحديد نستطيع ان نحدد سنة تأسيس الحركة في البحرين؟ نجد امامنا رأي جورج حبش احد مؤسسي حركة القومين العرب الذي قال «في صيف 1959 تم تأسيس أنوية لحركة القوميين العرب في ليبيا والسودان واليمن بشطريه الشمالي والجنوبي ومناطق اخرى من الخليج العربي» انظر موسوعة الوكيبيديا.
اما الاخ احمد حميدان في مقابلة شخصية معه في مكتبه في المجمع الثقافي وحديث اكثر من مرة 1994 و1998، ذكر ان الحركة تأسست مابين 1958 و1959، ولدينا تعليل لعبارة ما (بين) خاصة وان التأسيس للحركة لم تكن وفق مؤتمر محدد المعالم ولا معروف كيف مثل عبدالرحمن البحرين في اجتماعات بيروت؟ وكيف منح التكليف؟ هل نتيجة تواجده في جامعة بيروت الامريكية وعلاقته بتلك التجمعات القومية للحركة في بيروت؟ يظل ان المبادرة والخيار بتكليف عبدالرحمن كمال اما كانت ذاتية او بدفع وقرار حلقة قومية ضيقة في البحرين ما بين صيف عام 1958 حتى صيف 1959، كانت تفتش عن سؤال اهمية تشكيل تنظيم قومي في البحرين يستكمل مسيرة الاتحاد الوطني المقبور، ويمتص ويجند تلك الطاقات الشبابية الناصرية في اطار منظم، وكان هذا التوجه سائد في الاقطار العربية جلها، سيحدثنا محمد جابر صباح الاكبر سناً في تلك التجمعات الشبابية الناصرية في المحرق فهو من مواليد 1931 حسب المقابلة التي اجريتها معه في 27/7/2001، والذي يؤكد ان اندماج وذوبان تنظيم الشباب العربي في الحركة في الربع الاول من عام 1959، الذي اسسه في الفترة ما بين 57 ـ 58 مع محمد بوحمود وحمد عجلان وعبدالله بودهيش ومحمد سيف عجلان وكان معهم عبداللطيف جناحي المكلف بترجمة المنشورات الانجليزية وكان مع جناحي في تنظيم الشباب العربي شخص اسمه أكبر (نميل ان المقصود ربما الدكتور اكبر محسن محمد من منطقة مشبر والمسكوت عن حضوره ودوره)، اما عن عبدالرحمن كمال فقد التقاه محمد جابر صباح في السعودية اواسط 1959 ودار حديث بينهما لمدة اربعة ايام، يقول جابر «عدت من السعودية عام 57 ـ 58 وشكلت في هذه الفترة حركة الشباب العربي وعملت لعام واحد كاملا، عدت الى السعودية لتجميع شباب بحريني هناك. في عام 58 ـ 59 في هذه الفترة عاد عبدالرحمن كمال واحمد حميدان يحملون افكارهم». اتصلوا بشخص اسمه المرحوم حمد عجلان.
وذابوا في حركة القوميين العرب وكان عدد التنظيم 50 ـ 60 عضواً. وتعرف محمد جابر على القوميين العرب عن طريق حمد عجلان بسبب علاقته بعبد الرحمن كمال واحمد كمال. ويضيف أكثر محمد جابر صباح «التقيت عبدالرحمن كمال في السعودية فقد التقى بالشباب البحريني وناس من مؤيدي الهيئة. حدث اجتماع تمهيدي في بيت في صبيخه (السعودية) وكان الاجتماع مكون من ثمانية أشخاص يعملون في أماكن مختلفة» (المقابلة المذكورة).
كما يؤكد حميدان أن سنة التأسيس للحركة في البحرين ما بين سنة 1958 - 1959، وولدت من رحم تجمعات ناصرية. ففي دورة اجتماع بيروت اجتمع عناصر من الحركة القومية العربية وتم اطلاق العمل بشكل رسمي في البحرين واليمن وربما ليبيا. وقد حضر الاجتماع عن البحرين عبدالرحمن كمال وبذلك يصبح هو المؤسس الاول للحركة في البحرين.
وتضمن جدول اعمال الاجتماع نقاط عديدة اهمها فكرة الانتشار الجغرافي للحركة القومية وبناء نواة تنظيمية (المقابلة) كان حميدان يومها في القاهرة فرجع للتفرغ عام 1961 وخرج من البحرين بداية صيف 1963، وبهذا سنرى الدور الثاني والمهم لاحمد حميدان مع رفيق دربه كمال في عمل سياسي لم يستغرق داخل البحرين اكثر من عامين لا غير.

حركة القوميين العرب في البحرين وعقـد من الانبعــاث والتلاشـــي (5)


*القرار التاريخي بالتأسيس المفقود 
 نلمس من خلال الشهادات وعدم الدقة في شهر التأسيس «نابع لسرية العمل» ولكن حينما تتشابك عبارة ما بين 58ـ59 فإن الميل يكون في الشهرين الاخيرين او الثلاثة من عام 58 والشهرين والثلاثة الاوائل من عام 59 «هكذا المنطق المفترض ولكن عبارة جورج حبش تربكنا حين يقرر انه صيف 959» لهذا ربما حدث اشكالية في الخلط بين وجود الحالة الجنينية والفكرة للتأسيس وبين مرحلة اطلاقها رسميا في صيف 59 «خاصة اننا لم نجد أي شخص من الاسماء الاوائل للحركة قال انه انخرط ودخل الحركة عام 1958» بينما هناك الكثير من الشواهد والدلائل التي سنبرهن عليها تؤكد ان الحركة ولدت رسميا في عام 1959 في البحرين ونشطت خلال العام نفسه (رغم عدم وجود بيان او منشور يعلن داخل البلاد عن ولادة التنظيم الجديد !!؟) بعد ان كان عبدالرحمن كمال وحلقته الضيقة شرعوا في التحرك في البحث عن العناصر القومية والتجمعات منذ نهاية او صيف 1958 وأخذوا يروجون لفكرة ضرورة تأسيس ووجود تنظيم قومي في البحرين.
وبعد أن نجح عبدالرحمن كمال في التجميع داخليا والاشهار والارتباط خارجيا بالحركة والتأكيد على وجود نواتها الجاهزة في البحرين بات الامن مستنفرا يلاحق عناصره ويترصد «صوت الشعب» لسان حال الحركة. بين فضاء بيروت والبحرين والكويت والسعودية وقطر تحرك وتواصل عبدالرحمن كمال، ونتيجة تزايد الاعباء سيلتحق حميدان بالبحرين كمتفرغ حزبي سنة 1961، ولكننا من خلال الشهادات ندرك ان حميدان كان ملتحقا بالحركة 59ـ60 ضمن دائرة مصر التنظيمية وكان الشخص الاول فيها، رغم انها كانت في حالة جنينية طلابية من حيث الوعي الفكري والسياسي والاعمار الشبابية.
ويضيف لنا العنصر القديم في الحركة منذ بداياتها عبدالله الذوادي في كتابه رحلة العمر قائلا «زار النادي بعض الاشخاص، وتحدثوا معي وحذروا من انتشار المد الشيوعي في النادي، وتكررت الزيارات وازداد التوجيه القومي، وفي أحد الجلسات تساءلت ألا يوجد في البحرين قوى أخرى تجابه المد الشيوعي؟ فرد عليّ أحدهم قائلا يوجد ومن أجل هذا جئنا لنعرض عليك الموضوع، تقابلنا في مكان ما وطلبوا مني تشكيل خلية في الحورة من خمسة اشخاص وانا من ضمنهم، وعرفوني باهدافهم القومية التي وجدت هوى في نفسي، وفعلا باشرت في تشكيل الخلية» ص266.
علينا تأمل النص بعمق، وسنرى انه لا يتكلم عن شخص واحد ولا مثنى، وانما ثلاثة او اكثر، ولن يكون من تلك الجماعة إلا عبدالرحمن كمال وشقيقه احمد في تلك الحركة التنظيمية المعنية بتجميع العناصر والحلقات والتجمعات القومية.
ويقفز سؤال حيوي متى كان ذلك التاريخ بالضبط؟، حيث الذوادي لم يحدد لنا لا السنة ولا الشهور، ولكننا بوقفة سريعة سنقترب كثيرا من ذلك «الزمن المفقود».
وبما ان اللقاء الاول للمكاشفة كان في نادي الفجر، ونحن نعلم أن النادي تأسس وافتتح رسميا في 18 سبتمبر 1958 واغلق في نهاية ابريل 1959، فيما لدينا ايضا حالة تدلل على ما كان يرغبه عبدالرحمن كمال من اهمية «ايقاف المد الشيوعي في النادي».
وبالاستقالة الجماعية في شهر نوفمبر عام 1959 بقوله «فوجئنا بالاخ أحمد الذوادي سكرتير النادي ومجموعة من رفاقه يقدمون استقالتهم الجماعية» ص182، كتاب رحلة العمر.
لهذا يكون التحاق الذوادي بالحركة حسب المقابلة معه كان اوائل عام 1959، عبر خلية الحورة، لذا لدينا اربعة شواهد محلية لإنطلاقة الحركة.
1ـ جماعة محمد جابر صباح.
2ـ جماعة الحورة.
3ـ الالتقاء بمجموعات السعودية.
4ـ عدم وجود شخص دخل الحركة 58، بينما هناك من الشواهد والاسماء من كانوا حاضرين في لحظات التكوين في البحرين والقاهرة وبيروت ودخول عناصر فيها في سنة 1959، وشاهد خارجي هو ذاكرة جورج حبش وتاريخه.
ومن جانب آخر سمعنا من عناصر دخلت الحركة في البحرين، بما فيهم علي الشيراوي الذي نظمه جاسم امين في رحلة صيفية من عام 1959، اما علي ربيعة، فإنه اشار في كتاب فوزية مطر: حيث قال أنه دخل «الحركة منذ أن تأسست !!» ص 161 فيضعنا في مجهول هذا التأسيس، مع طمس حقائق تاريخية مختلفة عن شهادة ربيعة بشهادة محمد جابر صباح في (المقابلة لجابر) والدور الحقيقي والفعلي للشباب العربي، سنتوقف عنده في هذه الدراسة، فيما فوزية مطر نفسها فقدت الدقة في اكثر من مكان في كتابها، بحيث تشير الى ان سنة تأسيس الحركة هو عام 1957 ص150 وص160(انظر فوزية مطر، احمد الشملان، سيرة مناضل وتاريخ وطن).
دون ان تقدم نصا مكتوبا أو وثيقة تاريخية أو شهادة شفاهية لاشخاص يؤكدون تاريخ ذلك التأسيس.
وبهذا يكون المؤسس الاول هو عبدالرحمن كمال البالغ من العمر يومذاك 22 سنة، لتنظيم حركة القوميين العرب في البحرين وفق الدلائل تلك ووفق شهادة الساعد الايمن للمؤسس (لا نمتلك اثباتا من دخل حركة القوميين العرب أولا احمد حميدان أو اسماعيل أمين)، إذ سنشهد حالة الحراك العشوائي، الشاحب في خبرته التنظيمية والسرية ’ وقدراته الحزبية المحدودة، وانعدام اهمية الفهم الحزبي الضروري لبناء تنظيم سياسي بديل عن الهيئة، في مناخ حماسي من جهة ومحبط من جهة اخرى، وبآلية عمل الاعتماد الكمي في فكرة توسع الحركة كتنظيم جديد في الساحة البحرينية، حيث برهنت السنوات القريبة جدا من عمر التأسيس كيف توصل لنكد نل بوب في قدرته على مراقبة واختراق وتفكيك خلايا الحركة وتعطيل تمددها، ومحاصرتها في نطاق امني معين.

حركة القوميين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي (6)

• المؤسس الأول وكنه شخصيته المجهولة.
جاء الشاب عبدالرحمن سلمان كمال من بيروت (توفي عبدالرحمن عام 2014 عن عمر ناهز 77 سنة) محملاً بعبء فكرة انشاء منظمة سياسية في البحرين تقارع النظام والانجليز، وتسعى للتغيير ليس داخلياً وحسب بل وفي نطاق الحلم العربي من الخليج الى المحيط كمشروع قومي كبير، وليس من السهل ان تكون شاباً غر تفتقد الخبرة النضالية والتنظيمية وتحمل على عاتقك ثقل بناء منظمة سياسية، لهذا ستقع دون شك في اخطاء فادحة، فالعمل السياسي والنضال الثوري كما قال تشرنشيفسكي ولينين «ليس نزهة في جادة نيفسكي*» (جادة نيفسكي شانزليزيه بطرسبورغ في فترة القيصرية المزدهرة.
ففي القرن التاسع عشر كان أبناء الطبقة الارستقراطية في بطرسبورغ يحبون التنزه وسط نوافيره) ولا طريق مفروش بالورد، وهذا ربما كان جزءاً من حماس الشاب الذي لا يراه بكل سهولة إلا حينما شرع فيه وخاض داخل ذلك الوحل الوعر، وعلينا تخيل القدرة المحدودة لذلك الشاب والامكانية المادية والبشرية، التي تمتلكها تلك المنظمة الجديدة (الحركة) فلا يكفي بمجرد أن أصبحت تنظيماً حلقياً، معناه أنك، وبقدرة قادر بين ليلة وضحاها، ستتحول الى تنظيم جماهيري كزمن الهيئة، فطبيعة العمل الحلقي اقل بكثير مقدرة في التأثير بين اوساط الشعب كالحزب الجماهيري، الذي قطع شوطاً متقدماً في تغلغله التنظيمي بين الشعب، ولا يمكن لمجرد وجود مناخ شعبي ناصري وقومي عفوي سيجعلها الاطار والوعاء الذي تركن عليه كقوة تنظيمية لديها مشروع سياسي لتغيير نظام الحكم او لمقارعة متكافئة مع الوجود الاستعماري، فليس كتابات شعارية على الجدران هنا وهناك ولا منشورات محدودة ولا تثقيف باهت متقطع منكفئ، سيتيح للحركة ترسيخ جذورها بسهولة التمني والرغبات الحالمة.
كان على عبدالرحمن كمال العائد من بيروت ان يصبح كاطلس الاغريقي يحمل على كتفه الكرة الارضية، غير أن كرة الثلج البحرينية برغم صغرها ومحيطها كانت اثقل من كتف كمال، لهذا تعثرت قدماه بسهولة في السنوات الاولى من الانطلاقة. فإذا ما كنا نتذكر مقولة لينين التاريخية في باكورة البحث عن سؤال.. ما العمل؟ تجاه روسيا القيصرية، فإن اجابة لينين كمنت في اهمية وجود منظمة وحزب ثوري من طراز جديد، فقد قال ذات يوم مقولته الشهيرة «اعطني منظمة ثورية اقلب لك روسيا». وعلينا قراءة فاحصة كم كانت روسيا القيصرية شاسعة قياساً بالبحرين، التي تركز في حينها جل شعبها وسكانها في مساحة نصف الجزيرة. يومها كان عمر لينين 28 سنة حين اسس حزب العمال الديمقراطي الروسي (1898)، ونحن هنا لن نقارن روسيا بالبحرين ولا عبدالرحمن كمال بفلاديمير لينين، ولكننا سقنا مثالاً في سياق تجربة تاريخية لتأسيس منظمة جديدة تهدف لتغيير النظام، وكم هي الخطوات تبدو سهلة من خارجها لفكرة تأسيس منظمة سياسية سرية بمشروع بعيد المدى، حيث لم يتم في البحرين تدشينها على اسس سليمة من الانضباط والصرامة الحزبية.
ومن خلال تتبع الكيفية التي تحرك فيها كمال من اجل التأسيس، نتيجة الاستعجال ـ وربما بسبب الالحاح والضغط الخارجي من المركز (الامانة العامة للحركة في بيروت) ـ، نلمس أن من السهل، ونتيجة لطريقة تحركه سيصل الى مسامع البوليس واجهزته عن دبيب حركتها، خاصة اذا ما عرفنا أن جهاز المخابرات والشرطة توسع وتم تنظيمه اكثر بعد تجربة الهيئة، وبات خلال عقد من الزمن اكثر دراية بالتركيبة المجتمعية والسكانية ونجح في زرع عناصره في المناطق، بحيث يصبح من السهل عليه اختراق تنظيم سياسي كالحركة كان عملها التجميع والحشد والتنظيم بشكل مرتجل، وبدا لهم ان البوليس في غفلة عنهم، غير اننا وجدنا في تجربة نادي الفجر والاندية الاخرى حضور العين الامنية، لرصد حركة تلك الانشطة الفاعلة، ولم يكن اغلاق نادي الفجر إلا مؤشر واضح لادراك الامن لمعنى الاندية وخطورتها وعليه لجمها باسرع مما يمكن، فتم خنق النادي الجديد نادي الفجر (الوحدة / الحورة + النصر / الذواودة = الفجر) الذي لم ينهِ ثمانية اشهر من ولادته، وكان جرس الانذار واضحا، سواء بكثافة تواجد عين البوليس أو من خلال قرار الاغلاق، ولكن القوميين العرب قرأوا تلك الخطوة كانت مجرد خشية من تزايد نفوذ الشيوعيين، خاصة بعد انقلاب العراق ولم يحسبوا أن الدور آتٍ على تصفيتهم، ومحاولة الامن توظيف واستخدام القوميين العرب كمبلغين عن تحرك الشيوعيين.
وبدت هذه الغفوة الحزبية كمؤشرات لتنظيم وقيادة فتية ليس إلا موضوعا هامشياً، فتواصلت الحركة بزخمها كلما نفخ عبدالناصر في خطاباته الحماسية احلام الامة العربية الكبرى في طرد وملاحقة الاستعمار وعملاء الاستعمار في كل مكان. وازداد فرح الحركة بفرح جماهيرها الناصرية الذي تتحرك في وسطه، فكان للحركة حضوراً في تعبيراتها الشعبية، عن موقفها المؤيد للوحدة بين مصر وسوريا (22 فبراير 1959) وفي استنكارها للانفصال بين مصر وسوريا (28 سبتمبر 1961) فجاء بيان الحركة التاريخي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث وجد الامن فرصته للوثوب على جسم الحركة والتقاط اهم عناصرها بعد أيام قليلة، بعد ان تمكن من جمع المعلومات الكافية عن حركة تلك العناصر، التي تم اعتقالها في اول ضربة موجعة للحركة في الشهور الاولى من عام 1962، وسيكون المؤسس من ضمن المجموعة الاولى رهن الاعتقال (شهران يتيمان من حصيلة كمال النضالية في ضربة 62 حتى عودته للبحرين عام 1970)، تاركاً الامن خيطاً رفيعاً مهماً خارج السجن دون اعتقاله، كالقيادي احمد حميدان رغم أهميته ووجود اعتراف حوله من رفاق معه.
وفي مقابلتنا مع الاخ عبدالله الذوادي سألناه هل تعتقد أن سبب اعتقال اسماعيل امين ناتج عن مراقبة امنية او عن وجود اختراق في الحركة؟ فكانت الاجابة لا اعرف. وعلينا تتبع تلك المجموعة الاولى التي شملها الاعتقال، وكيف نجح الامن في انتزاع الاعترافات منها بل وتهاوت بكل سهولة بعض عناصرها، ولم نعرف تفاصيل ما قدمته، ولكن هناك اجماعاً عن انها كانت ضربة مؤثرة اربكت تنظيم الحركة من الداخل، حيث سيحتم منطقها التنظيمي خروج بعض عناصرها المهمة للخارج بعد عام من تلك الضربة لشعورها بصعوبة الحركة واحتمال اعتقالها في أي وقت.



حركة القومين العرب في البحرين وعقد من الانبعاث والتلاشي(7)

*العمل العشوائي 
سّهل عملية اختراق الحركة نتيجة فقدانها الانضباط والسرية التامة، فمن الطبيعي في الشهور الاولى من ضربة عام 1962، وفي ظل مناخ الاحباط القومي والشعبي للانفصال، وزعت الحركة منشورها التاريخي (صوت الشعب/البيان رقم؟؟؟) المندد بالانفصال ويحيّي عيد ذكرى الوحدة في 22 فبراير 62، عندها بدأت الاعتقالات في صفوف الحركة بعد توزيع ذلك المنشور، وقد اعتقل عيسى حسن الذوادي واسماعيل أمين وآخرين بشكل متزامن (وللأسف لم نعثر على البيان) ـ وللتوضيح فإن عبارة اعتقل قد تكون لمدة ايام او ساعات او شهور قصيرة جداً ـ وكان الأمن يتوثب بهدوء كالذئب لاصطياد فريسته، فتم اعتقال زبدة الوجوه الحركية وصفوفها الاولى المهمة ومن مناطق جغرافية في البحرين، كانت الحركة قد نجحت يومها في زرع بذرتها ونطفتها الاولى ونواتها المهمة، وحسب المقابلة مع احمد حميدان قال: «اعتقل عبدالله الذوادي وحسن عمر الرميحي من الحورة/اسماعيل أمين من العوضية/عيسى حسن الذوادي وعبدالرحمن احمد سعد وكلاهما من الحد/محمد خليفات وعلي العسكري من سنابس وعبدالرحمن كمال من الفاضل. تراوح مكوث وبقاء المجموعة في السجن لمدد قصيرة، فحسب مقابلة جاسم ابراهيم بوشعر (المقابلة 15/4/2001)، الذي كان يربطه وقت الضربة عبدالرحمن كمال نفسه الذي قال «وفي الشهور الاولى من عام 1962 اعتقل عبدالرحمن كمال فاستلمهم في الحال أحمد حميدان. خرج كمال ووظف في شركة بابكو ولم يستغرق اعتقاله اكثر من شهرين !!» وعلينا تصور الآلية التنظيمية السرية، كيف يتحرك شخص قيادي مثل حميدان في ظل ظروف الضربة الساخنة؟! إن لم تكن الحركة تفتقد يومها الخبرة الحزبية وسرية العمل وضروراته، هذا ناهيك عن قصص سردها لنا الاعضاء على طريقة تبادل المعلومات وتوزيع المنشورات، وإقامة رحلات جماعية للتعارف الثقافي والاجتماعي لاعضاء الحركة، فعلي الشيراوي تحدث عن رحلة نخل يقع في أم شعوم سنة 1959 (الشيراوي من مواليد 1943 ودخل الحركة عن عمر بلغ السادسة عشرة)، وفي هذا الرحلة فاتحه ونظمه جاسم أمين بعدها بقليل سافر للقاهرة للعام الدراسي 59 ـ 60 للشهادة الثانوية ثم يعود ليبقى في البحرين حتى صيف 62 ليعود للدراسة الجامعية مرة اخرى للقاهرة، وذكر علي الشيراوي الاسماء التي كانت متواجدة ويتذكر بعضها من مثل محمود بهلول، على فرج (فلسطيني) احمد الشملان، محمد خليفات وبالطبع جاسم امين، بينما تكررت نفس العملية، فذكر لي جاسم ابراهيم بوشعر عن قصة «رحلة اقيمت في ربيع 1962، حضرها مجموعة كبيرة لا تقل عن عشرين شخصاً وكان من بينهم، مكي حجي علي من توبلي/الكوارة وخليل الاريش من الدراز، واحمد راشد المالود من الحد، وعلي صالح وجاسم ابراهيم من الحورة ولا يتذكر أو يعرف البقية، كان ذلك في نخل بيت سيادي في المحرق».
تأملوا سهولة التسيب والاختراق في رحلات تنظيمية، فإن أي هفوة او تراخٍ في سرية التحرك او اعتراف واحد من تلك المجموعة، كفيلة بجر البقية لملفات البوليس وبكشف هويتها لتسهل مراقبتها امنياً، والانكى في رحلة عطلة الربيع 1962 (كانت في تلك الفترة تسمى اجازة نصف السنة بعطلة الربيع وهي عادة في شهر مارس) ان ضربة فبراير القاصمة كانت طرية وموجعة لجسم التنظيم!!. كل هذا يدلل على حقيقة واحدة، غياب الرؤية الفعلية لمعنى بناء تنظيم سري محكم السرية.
ولم يتوقف جهاز الاستخبارات عن متابعة قوائمه ففي اعترافات الضربة الاولى هناك أسماء حزبية كثيرة تم تسطير أسمائها ومهمة في حياة التنظيم الداخلية ومستقبله، كونها تشكل تقريباً الخط الثاني والثالث في الهيكل التنظيمي والعمري فاغلبهم دخلوا الحركة ما بين عامي 1960 و1961، وقد اخبرني خادم عبدالملك الشيباني من الحد (مواليد 1941) في مقابلة بتاريخ 25/11/2001، عن انه اعتقل في مايو 1962 واطلق سراحه في نوفمبر 1963 وكان معه في تلك الضربة طرار مال الله من الحالة، وخليل الاريش من الدراز، حمد الطائي (عماني) وآخرون، فيبدو أن سلسلة الاعتقالات المرتبة في الامن كانت تستهدف تصفية الحركة او تقطيع أوصالها من عدة خطوط وكوادر مهمة وخلق الشلل داخلها. ولم تكن اعتقالات المجموعة الثانية من الحركة في مايو إلا استكمالاً لاعتقالات المجموعة الاولى في أواخر فبراير 62، والطامة الكبرى أن قيادة الحركة بعد شهور من الضربة القاصمة بعثت بستة اعضاء من خطوط كادرها المهم والمتقدم في خطها الثالث في صيف 62 لدورة عسكرية في القاهرة مدتها شهر (عجيب امر ذلك التنظيم!!) في وقت يواجه التنظيم هجمة بوليسية، وتقتضي منه مراجعة نتائجها الوخيمة.
وبعد الانتهاء من زمن الدورة اعتقل رئيس المجموعة جاسم ابراهيم من الحورة بعد ايام من وصوله للبحرين، ليكتشف في التحقيق ان المجموعة مخترقة، وتفاجأ بحجم المعلومات الكاملة التي يمتلكها بوب وجهازه. وباتت ستة اسماء مهمة مكشوفة وبالامكان ان تصبح في قبضة الامن في أية لحظة (1ـ جاسم ابراهيم 2ـ علي صالح البوعلي/ الحورة 3ـ راشد عبدالرحمن القطان/ الحورة 4ـ مبارك العطاوي/ المحرق 5ـ عبدالرحمن العبيدلي (جكنم)/ المحرق 6ـ أحمد راشد المالود/ الحد، فوجدنا ان ذلك العام تحول الى كارثة تنظيمية حقيقية، وكان عاماً مزدحماً بالاعتقالات لتنظيم لم يمر على ولادته أكثر من ثلاث سنوات من العمل الحركي، دون وجود حالة حذر تنظيمي مركزي ولا في المراتب الحزبية الأدنى، حيث تعارف الستة على بعضهم البعض في البحرين قبل سفرهم، وقد كانت كل تلك الاسماء مكشوفة ولها ملفات من ضربة فبراير 62 في اروقة البوليس ويسهل مراقبتها واعتقالها، فقد تركت ضربة اعترافات فبراير 62 وما تلاها، ملفاً غنياً للامن بالاسماء والمعلومات. ومع كل ضربة أمنية ترتعد فرائص من في داخلهم يعيش الخوف وتتملكهم روح اليأس.
ومع ذلك وجدنا كم كانت الحركة متساهلة ومتراخية في استيعاب وفهم ماذا يعني انكشاف الاسماء المهمة فيها، وماذا يعني انك ما عدت عضواً حركياً سرياً بالمعنى التنظيمي؟. ولم تهتم اجهزة الامن بتنظيف الحركة بالكامل من أهم عناصرها المتقدمة، ولم تحتفظ بمن اعتقلتهم لمدد طويلة، وكان خادم عبدالملك الشيباني هو الشخص الوحيد، الذي قضى سبعة شهور من اعتقاله، وتمت مضايقته في رزقه ليجد نفسه مهاجراً الى الكويت للعمل ليطرد من سلطات الكويت في أواخر 1966 لكونه غير مرغوب فيه، فكان أمامه خياران اما أن يتبع نصيحة حسن الجشي الذي قال له بعد طرده بأن لا يعود إلى البحرين، غير أن خادم فضل العودة للبحرين كقرار نهائي، وما عادت الساحة الكويتية مقنعة لمواصلة نشاطه الحركي، والذي لم يكن محكم السرية تنظيمياً، بقدر ما كان المجتمع الكويتي ساحة اعلامية وسياسية خارجية، هيمنت على حركة الحركة وقراراتها في البحرين مما سيؤدي في نهاية المطاف الى تصادم تنظيمي وطلاق مؤقت، بين قيادة الحركة الجديدة في البحرين وقيادة الحركة في الكويت. وكانت حركة القوميين العرب في الكويت بالنسبة لحركة البحرين منذ فترة ما قبل الانتفاضة 65 وبعدها لغاية هزيمة ونكسة حزيران 67، تموج في داخلها وتعتريها انسحابات وتراجعات ومتغيرات، شّكل الخط المفصلي بين الاتجاه نحو الخط والتيار الاشتراكي (الماركسي والايمان بمقولة الصراع الطبقي) أو البقاء على نهجها القومي التقليدي القديم. لم يكن هذا الفضاء السياسي الجديد مربكاً للحركتين وكوادرها الطلابية منذ اعوام 62 لغاية 64، وحسب، وإنما كانت تفرز نقاشات وحوارات الساحة اللبنانية والعربية على قيادة الامانة العامة للحركة في بيروت، بحيث ينعكس ذلك الجدل المحتدم والساخن هناك فوراً وبدرجات متفاوتة على الحركة في البحرين والكويت.

 ثقافة التكريس الحزبي
خضعت أول مجموعة متقدمة من كوادر حركة القوميين العرب، والذين دخلوا الحركة ما بين فترتي 59 ـ 61، الى اول تجربة تكريس داخل البحرين، والتكريس هو نوع من تعذيب الاعضاء لامتحان صلابتهم، ففي شتاء /‏ ديسمبر 1961، تم نقل مجموعة من اعضاء الحركة في سيارات بيكب، حلقتين مكونة من 8 ـ 10 اشخاص من الصباح الباكر على اساس رحلة الى منطقة بقرب قرية سند، لما تتميز فيه تلك المنطقة في تلك الفترة من عزلة وتلال رملية مرتفعة، مواجهة للبحر، وقد حُملت الجماعتان المكونة من 2 ـ 3 حلقات تنظيمية، التي ذكرها الشيراوي في سيارات بيكب عرفنا منهم حسب شهادات ثلاثة منهم اشتركوا في الرحلة /‏ الحفلة (1ـ جاسم ابراهيم 2 ـ محمد عبدالملك 3ـ علي الشيراوي 4 ـ غازي المحروس 5ـ صادق الشهابي وكان عامل عملية الزائدة الدودية والجرح مازال طرياً وتم ضربه ايضا). هناك اسماء مفتقدة سقطوا من ذاكرة اصحاب الشهادة ومتضارب حولها فلم نذكرها فهي بحاجة الى تدقيق اكثر.
وعندما انتهوا من مرح الرحلة التي بدأت صباحا تمت عملية الجد، حيث تم اغماض عيونهم بعصابات، وخلعوا ملابسهم العلوية في ذلك الشتاء البارد حتى اصبحوا نصف عراة جاهزين للضرب، وتولى الاشراف على عملية التكريس ثلاثة افراد، بزعامة عبدالرحمن كمال الشخص الاول في التنظيم فيما الشخصان الاخران كانا احمد حميدان واسماعيل امين، وكانا يتبادلان الضرب، فواحد يتلقى المجموعة من الامام والاخر من الخلف بضربات قاسية، بل ويروي، الشيراوي ان الثلاثة حضروا «لمراقبة وتطبيق التمرين».
ويواصل الشيراوي في المقابلة قائلا: في هذه الحفلة /‏ الرحلة ألقى عبدالرحمن كمال كلمة دراماتيكية من ضمن كلماته:«ان هذا الحدث لحدث عظيم وهي نقلة من حالة الى حالة!!».
ولا نريد ان نقف ونعلق كثيرا لعبارة «حدث عظيم !!» إذ نتركها للقارئ وحده ولفطانته في نسج ما يراه مناسبا لمدى تهور قيادة تنظيم سياسي في باكورة عهده. في الحقيقة لم يصمد تاريخيا اثنان من الثلاثة في مواجهتهم مع الامن، بالرغم من عدم وجود تعذيب أو ضرب في أروقة المخابرات. ويذكر لي اخي محمد بذاكرة ظلت طرية لقصص تصلح مسلسلاً، بأن احد الاثنين كانت ضرباته اشد واقوى من حيث عنفها، اما الشيراوي اثناء العودة من التكريس، كان يردد في السيارة عبارته اللطيفة المرحة «ضربني اكثر وبقوة لانني متين /‏ بلهجة شعبية محرقية».
ظلت تلك العبارة عالقة بذاكرة محمد حول سالفه الشيراوي أكدها لي علي نفسه، مثلما ظلت حكاية سعيد السلمان في الرحلات الحركية، الذي تتميز بطبيعة شخصيته الساخرة، تثير غضب من معاه، ففي الوقت الذي يوجد نمط من الاعضاء حنابلة وجديين، هناك شخصيات اخرى لا يوحون لك بأنهم نمط حزبي جاد في مهماته. في تمرين التكريس التاريخي في منطقة سند، وفي رحلة «التكريس» كانوا الشباب يغنون ويهتفون كل ما تعلموه من اهازيج ثورية يرددونها رفاقهم في الحركة في الاقطار العربية، اما جاسم ابراهيم فيقول عن التكريس: «في شتاء 1961 نقل مجموعة كبيرة من الشباب الى منطقة سند، واغمضت عيونهم وخلعوا ملابسهم العليا، وكان الفصل بارداً وظلوا يضربونهم بقوة على اساس ان التدريب هو فكرة لمعرفة صلابة الاعضاء (فلسفة التكريس التنظيمية) وكان هناك شخصان يمارسان عملية الضرب بالتتابع أو معاً وكما فهمها الاعضاء بأنهما كانا اسماعيل امين وأحمد حميدان.
وسميت هذه الحالة بحفلة التكريس (تكريس الصلابة). يتفق الجميع اولاً على وجود الثلاثة كطليعة قيادية كما يبدو في حفلة التكريس، وبممارسة اثنين منهما الضرب ثانيا، ومن المفترض ان الاعضاء المغمضة عيونهم لا يرون ويعرفون من يمارس عليهم «السادية الحزبية!!» باسم طقوسية النضال المقدس. لم يمر على حفلة التكريس تلك ما يقرب من ثلاثة شهور إلا وقد تم قصم العمود الفقري للحركة بضربة فبراير 62، ومن سخرية القدر ان من مارسوا التعذيب والخطبة الهوجاء من الثلاثة لم يكن بعضهم في مستوى تلك التجربة النضالية التاريخية، لنكتشف أن امتحان التكريس لم يكن إلا مدرسة عربية /‏ فلسطينية ترى وتفتش عن تربية نضالية شكلية في إعداد الكادر والاعضاء للمواجهات امام عسف البوليس! حيث كان التكريس بعد سنوات في القاهرة أنعم للطلبة، فهو مجرد تمارين ركض لمسافات طويلة والعاب سويدية كاعداد رياضي ربما تحتاجها الحركة لاعمال العنف المحتملة!.
أتخيل سيناريو افتراضياً ان الحركة مخترقة ووصل للأمن عن كل ما دار في تلك الرحلة (قبل هجمة البوليس في ضربة 62)، أليس اول ما يدور في ذهن الامن ان الحركة تعد الاعضاء لمشروع عسكري او مشروع عنف ثوري قادم، ومن الضروري تكثيف المراقبة على الحركة، وايقاف تلك التطورات السياسية والتنظيمية، خاصة وان ما بين فترة تكريس الحركة في منطقة سند والدورة العسكرية في صيف 62 في القاهرة، حالة سياسية تنظيمية تدعو للتوجس حول مشروعها المستقبلي، وماذا تنوي قيادة الحركة في البحرين مع المركز في بيروت؟! في مواجهة السلطة المحلية. هذا العقل التنظيمي الخلاق سواء كان في قيادة بيروت أو قيادة البحرين أدخلوا الحركة في ورطة مبكرة من عمر التأسيس.

حركة القوميين العرب.. وعقد من الانبعاث والتلاشي (9) 

• تفكك تنظيمي وخروج سياسي مستعجل.
حدث اختلال عميق وخلل تنظيمي كبير للحركة وارتباك سياسي، كان جرحه التنظيمي أعمق، بعد ضربة 62، وتواصل جهاز الامن التمشيط الهادئ، وتكثيف مراقبته على حركة من لم يتم اعتقالهم، في وقت شهدت الحركة سفر بعض كوادرها للخارج من اجل التحصيل الدراسي، كان البعض غادر التنظيم والحركة والعمل السياسي بعد نتائج وأثار الضربة القاصمة، وستصبح ما بين فبراير سنة 62 - وصيف 63، سنة العبء الاثقل والاقسى على حيوية الحركة ونشاطها المعتاد، رغم ان غالبية كادرها الحركي طلابي ولم يبخل في اخراج تظاهرات العام الدراسي 1961 - 1962 و1963، حيث الشارع السياسي، لم يخلُ من تظاهرة سياسية مؤيدة لثورة اليمن او الجزائر او مصر، ولم يتوقف في ذات الوقت جهاز الامن من انتشال الطلبة المحتجين ووضعهم في مراكز الشرطة ثم اطلاق سراحهم بعد ايام قليلة، فاذا ما كان الشارع السياسي في البحرين حيويته موجودة وتواصلت شعلته وجذوته الحماسية، تقودها عناصر حركة القوميين العرب وغيرهم من تنظيمات اخرى، فإن ثانوية المنامة الوحيدة، ظلت تحتفظ في ذاكرتها صورة ذلك الطالب الطويل من حركة القوميين العرب، بكاريزما طلابية يقود كل التحركات الطلابية نحو الشارع، بعد ان تكون الحلقة الحركية مساء اعدت اليافطات وجهزت الشعارات والهتافات، وسوف يصبح جسر المحرق المنامة شريان تلك التظاهرة الطبيعية بعد ان تكون ثانوية المنامة جمعت حولها طوابير طلاب المرحلة الابتدائية من امثالنا، لنلتحق معهم كقطيع سياسي طبيعي لا يعرف ماذا يريد، غير ارضاء تلك الحماسة السياسية الخفية الداخلية التي ايقظها جمال عبدالناصر، وحال عبور المظاهرات الجسر تكون المحرق بمدرسة الهداية الخليفية برمتها متحفزة تتلقفك عند تلك المقاهي في مدخل سوق المحرق ومركز شرطتها التاريخي، لتستكمل جولتك في بعض طرقاتها الاساسية ثم تعود الى المنامة لتنتهي مع الساعات الاخيرة من المغرب مع غروب الشمس.
تحركت التظاهرات الطلابية للجزائر والوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسورية، ولثورة السلال، كلها دون شك، لعبت حركة القوميين العرب وكوادرها الطلابية البارزة في التحضير لها وتنظيمها ودفعها خارج اسوار المدرسة الثانوية (العودة) الوحيدة، ولن ننسى عيسى محمد علي (اسمه عيسى محمد الجسرة من مدينة الحد)، الطويل وبسبب طوله يبدو وكأن به حدبة صغيرة، وبشعر اشعث انحسرت غترته على كتفه كابن من ابناء الحد، عرفناه وعرفته حلقات حركة القوميين العرب السرية يومها، وكيف كانوا يعدون في الظلام عدتهم لليوم الاخر، ويحملون يافطاتهم فوق الدراجات من المنامة للمحرق لتكون جاهزة في صبيحة يوم الاحتجاج.
وسيتم اعتقاله لفترة قصيرة في سنة 1962 نتيجة التظاهرات الطلابية، ولكنه في العام 1963، قرر جهاز المخابرات اعتقاله مع عيسى حسن الذوادي، وقد مكث الاثنان في سجن جدة ما يقرب العام وكان برفقتهما حينذاك حسين قاسم من راس رمان كرأس قيادي مهم للبعث في البحرين في تلك الفترة.
في هذه الاجواء المشحونة بالسخونة الطلابية والاحتجاجات السياسية، والاعتقالات المتقطعة، وجد احمد حميدان نفسه في وضع تنظيمي مربك يدعو للمراجعة الكاملة، ومن اهمها ترتيب الوضع التنظيمي للحركة بعد ضربة 62، والاستعداد للرحيل من البحرين، إذ يظل شعورك المستمر أنك تحت مجهر القنص والحصار، وفي أية لحظة من لحظات العتمة الليلية يقررها البوليس ستجد نفسك في قبضته، بعد أن اصبحت تحت عينه وتحولت تحركاتك كلها مكشوفة، ولا تدرك اين ومتى وكيف تتم مراقبتك؟!. كان على احمد حميدان ان يقرر الرحيل /‏ الخروج من البحرين نحو بيروت في مايو 1963، ليضع تقريره التنظيمي امام الامانة العامة في بيروت، ولكننا لم نقرأ هذا التقرير وما كتب من تفصيل حول المؤسس وكل سلسلة الحركة بقياداتها وروابطها، حيث بتنا في كهف المجهول (ولا نعلم ارشيفيا اين انتهت تلك التقارير في بيروت المحترقة!! ولا استغرب أن تكون موجودة في ادراج مغلقة في المخابرات اللبنانية أو غيرها فلا احد يعرف ماذا حملت معها اسرائيل من ملفات بعد اجتياح بيروت 1982). وبهذا تكون الحركة خسرت نهائيا رأس الترويكا المؤسس (كمال /‏ اسماعيل /‏ حميدان) فيما العناصر المهمة، والتي دخلت للحركة عام 59 - 60 -61، وجدناها تركت العمل داخل البحرين لظروف مختلفة، حيث سافر الشيراوي والقصاب صيف 62 للدراسة وحسن عمر وخادم للعمل في السعودية والكويت 62 - 63، وهناك في الكويت وجد خادم حينما وصل في مايو 1963 تجمعاً قومياً وناصرياً، وبعد مدة قصيرة التقى بلفيف من البحرينيين، أعضاء في الحركة مثل عبدالرحمن كمال واحمد حميدان وعلي صالح ومبارك العطاوي وخليل الاريش وطرار مال الله، كلهم خرجوا ما بين عامي 63 - 64 هذا الى جانب اسماء اخرى وطنية وقومية كانت تعيش هناك قبل تلك السنتين.
يحدثنا حميدان عن تلك السنة العصيبة قبل المغادرة النهائية من البحرين كساحة العمل التنظيمي، ففي تلك السنة المفصلية (1963) التقى حميدان: «لاول مرة احمد الشملان في البحرين عام 1963 وكان قادماً من الكويت، وقد أعطي اسمي ليتصل بي لمتابعة النشاط.التقيت الشملان لكني لم اعمل معه في تلك الفترة ولم يحصل بيننا عمل تنظيمي، فقد كانت الحركة في البحرين، حينها في وضع مربك وكنا نمر بفترة اعتقالات، وأذكر أنني تكفلت بتوصيله لجهة ما أو ربطه بشخص ما أظنه كان الاستاذ محمد خليفات، ثم غادرت البحرين في مايو 1963 إلى بيروت» ص 123 (فوزية مطر - احمد الشملان - سيرة مناضل وتاريخ وطن). وبخروج حميدان هبطت معنويات الخطوط الاخرى، وشعرت انها في حالة ولادة تنظيمية عسيرة، ولكنها أصبحت بقيادة جديدة وبتحدٍ تنظيمي جديد للحركة في الساحة البحرينية، خاصة وان التوتر بين الكويت والبحرين كان قائماً، كما ان بروز السخط الداخلي وبوادر الانشقاقات في الحركة كانت تلوح في الافق.

حركة القوميين العرب وعقد من الانبعاث والتلاشي (10)

الضربة الثانية والقيادة الجديدة.
بعد الضربة الموجعة الكبرى في فبراير 62 تصبح الضربة الموجعة الاخرى المكملة من العام نفسه، للمجموعة التي اعتقلت مع فترة خادم عبدالملك، ومجموعة الدورة العسكرية، فبعدها ارتعشت فرائص وركب الاخرين من تحمل العبء الممكن والقادم، ففي «العام 1963 غادر كل من احمد حميدان وعبدالرحمن كمال» ص162، انظر فوزية مطر، اذ يستكمل احمد حميدان في نفس الصفحة: «بعد ان غادرت البحرين (مايو 1963) قد رفعت تقريراً للمركز ذكرت فيه عن العناصر التي انهارت، وكان رأي أن اعادة التنظيم لا يفترض أن تتم بالطريقة الاعتباطية التي جرت بها، ومن وجهة النظر هذه قررت أن لا اشارك وأن اظل صديقاً، لقد انهيت علاقتي من الناحية التنظيمية».
وبذلك يكون حميدان عملياً وتنظيمياً خارج ساحة الحركة منذ 63 لغاية 67، وتصبح بذلك القيادة الجديدة القادمة في مهب الريح، بعد أن فقدت اهم عناصرها وخطوطها لظروف متباينة، فيقفز سؤال جوهري من يا ترى كان الشخص الحركي المهم في قيادة حركة القوميين العرب تتكفل مع القيادة الشابة القادمة بعبء العمل التنظيمي؟ ويبدو لنا انه سلوك تنظيمي غريب لا يتسم بضوابط سرية لتنظيم مخلخل ومخترق ومضروب، إن لم تكن هناك علة او حكمة تنظيمية نجهلها، وإلا كيف قام حميدان بتوصيل وربط الشملان بعضو الحركة محمد خليفات وهو يدرك انه يستعد للرحيل وفي نيته مغادرة التنظيم نهائياً وليس البلاد فقط؟!.
لنتوقف قليلاً لنرى الفداحات المستمرة في العمل التنظيمي للحركة بين فرعيها الكويت والبحرين فقد «ارسلت حركة الكويت الشملان في 15 مارس 1963 بمهمة (وسيط لوجستي يحمل رسالة لا يعرف فحواها ولكنه يعرف وجوه اصحابها في الطرفين !) لأحمد حميدان وهو يستعد للرحيل ولكنه سلمه واوصله الى محمد خليفات لنكتشف ان الشملان عاد للكويت 18 مارس 63 اي استغرق وجوده خمسة ايام في البحرين) ص 125 مما يدلل على آلية عمل تنظيمي غير مفهوم، ولكن يظل امامنا سؤال اساسي.. ما هي الرسالة المكتوبة او الشفهية، التي حملها الشملان مارس عام 1963 لحميدان او حملها الطالبان الكويتيان في اغسطس 1963، حيث قال لنا حسن بوحجي عضو الحركة فرع الكويت، بأنه لم يكن كطالب يعرف من رفاقه الكويتيين لماذا طلبا منه، وقد كانا في ضيافة حسن في البحرين كاعضاء في حلقة واحدة في الكويت، ان يوصلهما للسوق لدائرة (الطابو) لشخص اسمه عبدالله المعاودة، ولم يكن حسن يعرف لماذا يود الطالبان رؤية شخص يعمل هناك (لاحظوا لم تستكف حركة القوميين العرب في الكويت بترك مهمة الاتصال لأحد الطالبين بنقل الرسالة «المجهولة»!!.
وبتفحصنا الحركة من داخلها التنظيمي، وجدنا الاضطراب والخلل والتوتر داخل الحركة في البحرين وبين الحركة في الكويت والبحرين في تلك الفترة تحديدا وانسحبت علاقات التوتر حتى فترة الانتفاضة.
دون شك من الضروري التوقف عند تلك المرحلة من خلال تتبع كل ما كان يجرى، بعد محاولتنا تجميع خيوطها، فمنذ تلك الفترة 62 ـ 63 ولغاية انتفاضة مارس 65، عشت وضع الحركة وعمري (التنظيمي القصير) من داخل الحركة، ولمست مدى ضعف التنظيم وخلله وتباطؤه في توفير المادة التثقيفية، وضعف مستوى كادره التنيظيمي فكريا، غير أنه بعد ضربة 62، كتنظيم وهيكل جديد، تحولت الحركة الى تنظيم اكثر صرامة في السرية، ولكنها لم تصمد لآلية ذلك العمل لأن الحركة لم تنظف من داخلها كل عناصر الاختراق والتسيب المستمر لإعضائه، ولكنها في النهاية كانت 3 سنوات حيوية وخصبة في جذب عناصر شابة جديدة للحركة، ليس لها ملف في اضبارات البوليس، وفي ذات الوقت الذي كانت الحركة داخل البحرين اهدأ واكثر انضباطا حزبيا واقل ثقافة وتطورا في مستوياتها، فإن الحركة في الخارج في دوائرها التنظيمية العربية في القاهرة وبيروت وبغداد وغيرها، كانت حيوية ونشطة وفعالة من جميع الجوانب، نتيجة فضاء الحريات واتساع الثقافة وبعدها عن رقابة البوليس المحلي، غير أن العلة الكبرى في تلك الحيوية، ما بين 1961 ـ 1965 هو الانسحابات المستمرة من العمل التنظيمي، فقد قدمت لنا صورة فعلية عن الطبيعة الطبقية للطلبة بكل احلامهم الثورية الجارفة، وبكل تراجعاتهم العكسية المحبطة، إذ كان اغلب تلك العناصر ينشط تنظيمياً عندما يعود للبحرين في اجازته الصيفية، ولكنه يستعد دوماً مع سنة التخرج، باعداد رسالة الانسحاب التاريخي من الحركة قبل وصوله الوطن، فتخسر الحركة عناصر مهمة راهنت عليها في مستقبلها السياسي، يكون الدكتور محمد جابر الانصاري نموذجاً مهماً في تلك التجربة الحركية بخلاف نموذج آخر من عناصر الحركة كعبد الرحمن النعيمي (يقول الشيراوي اجتمعت به عدة مرات وكان الانصاري عضو حلقة واقعياً في ذاك الوقت، ولم يكن عضواً فعلياً في الحركة وبالتحديد في صيف 1961 وعندما عاد الانصاري للبحرين بعد التخرج نهائياً من جامعة بيروت الامريكية، ليسانس آداب، صيف 63 بعثت الحركة بعد مدة بأحد الاعضاء القياديين لتسليمه الرسالة، غير أن الانصاري لم يرد مثل غيره من اعضاء الحركة، فكثيرا منهم نشطوا في فترات حياتهم الطلابية ولكنهم فضلوا الابتعاد عن الحياة الحزبية الملتزمة والتفرغ لمشاريعهم الشخصية والمهنية والاكاديمية.
ومثل الانصاري وغيره خسارة كبيرة لمستقبل نمو وتطور وبقاء الكوادر الشابة المتعلمة تعليماً متقدماً في جسم وهيكل الحركة) الذي ظل ميدان عمله جله في الوضع الطلابي الخارجي إلى سنوات متقطعة قصيرة في البحرين منذ صيف 67 ـ 68، وهاتان السنتان كانتا عجافاً وعسيرة حاول الجميع فيها استنهاض المشلول من سريره ولكن دون جدوى، ويا لها من سخرية القدر أن يمر عبدالرحمن ذاته (بحالة الكوما) كتجربتيه الحزبيتين السابقة واللاحقة.
ذلك الحراك بين الداخل والخارج للحركة في فترة عملها، ترك فراغاً تنظيمياً بشكل سلبي على بنية الهيكل الحزبي وحاجاته المستمرة لوجود كادر ثابت مستقر يعمل بانتظام داخل البلد.

 

*القيادة الجديدة والتكتيك الداخلي.
بعد انسحاب اسماء عديدة من الحركة وتحول البعض من عناصرها للدراسة في الخارج، والعمل في الحركة ضمن تلك الدائرة التنظيمية للحركة، وبعد ضربة 62، تم اعادة النظر في كيفية عمل الحركة وتحركها والحفاظ على سرية عملها بين الناس، والحذر في اختيار الاعضاء وإعدادهم بشكل اطول وأفضل، ولهذا قررت القيادة الجديدة ان تكون الحلقات والخلايا الجديدة بعد الضربة، مركبة من الحي برابطه ان توفرت او من الحي المجاور على اقصى حد، حفاظًا على الاتصالات بين اعضاء الحركة، وعملت القيادة الجديدة، التي استلمت العمل بالكامل بعد رحيل حميدان وكمال للخارج عام 1963، وانسحاب عبدالله الذوادي (62) وذهاب علي الشيراوي وعبدالله القصاب للدراسة صيف (1962) ثم رحيل علي صالح للكويت بعد 63 دون معنى بعد رحيل حميدان، ورفاق آخرين اقل مرتبة حزبية للخارج كالكويت للعمل او لبغداد والقاهرة وبيروت للدراسة. 
وباتت الحلقات الادنى من الكوادر معنية باستلام التنظيم كقيادة جديدة مثل عبدالله المعاودة، جاسم نعمة، محمد عبدالملك، يوسف احمد ثاني المريخي، فيما اسماء اخرى مثل علي ربيعة ومحمد جابر صباح وحمد عجلان وعبداللطيف جناحي وآخرين غادروا الحركة ليشكلوا تنظيماتهم الجديدة، حيث شهدت الحركة سجالاً داخلياً فيها بعد صيف 1963 تعمق الى حد الخلافات والاختلافات، من اهمها غضب وسخط خطوط تنظيمية من القيادة خاصة في منطقة المحرق من الاختراقات والاعترافات، وشحة البرامج التثقيفية والفكرية وموضوع العنف الثوري والمسلح، وأخيرًا علاقة حركة القوميين العرب في البحرين بالكويت، واهمية الانفصال الكامل عن هيمنة قيادة الكويت في تسيير شؤون الحركة في البحرين، التي لها طبيعتها وظروفها المتباينة عن ظروف وطبيعة العمل في الكويت. 
وقد شهدت جلسة تنظيمية للحركة بين تلك المجموعات المختلفة بوجوه معينة، حضرت الاجتماع من المحرق ملثمة، وكان الاجتماع في بيت يوسف احمد ثاني المريخي في الحورة. 
وقد أكد لي أخي محمد حقيقة ذلك الاجتماع والاخ عبدالرحمن عبيدلي (جكنم) أيضا والذي كان ضمن مجموعة المحرق الملثمة وقد كان علي ربيعة حاضراً ضمن مجموعة المحرق، وكان من الطبيعي بعد ضربة 62 وانكشاف تلك الاسماء عند جهاز الامن، فإن على مجموعة منها ان تقتنع ان تعرية الوجوه بات نمط من الحذر الجديد، الذي لم يكن سائداً من قبل في اجتماعات الحركة، وهذه خطوة بدت تكرس حالة من شعور عدم الثقة بين اعضاء تنظيم واحد ورفاق يتحاورون في عمل سياسي ونضالي وقضية واحدة. 
ربما كان من الطبيعي للقيادة الجديدة، ومن حقها أن تنهج عملاً وتكتيكاً مختلفاً لطبيعة اجتماعاتها الحركية على مستويات قيادية معينة، وبدا الحذر والسرية في انتظام طبع صوت الشعب، وتناقلها بين الناس، بل ويكاد الاعضاء لا يتذكرون كم عدد «الرقم» الذي بلغته نشرة «صوت الشعب» لسان حال الحركة في البحرين منذ إطلاقها رسميًا عام 1959 حتى انحسارها وتراجعها وانقطاعها التام، رغم ان الحركة كانت لديها مطبعتها (الاستانسل) بانتظام، ولكن الكارثة بدت اكثر مع انتفاضة 65 عندما اكتشفت انها لا تمتلك حتى الورق للمساهمة في أحداث الانتفاضة، وكان على جبهة التحرير الوطني ان تنقذ ذلك الاجتماع التاريخي بين القوى الوطنية إبان عشية الانتفاضة، حيث احضر عبدالله الراشد البنعلي شدة الورق ليضعها على ظهر سيارة علي الشيراوي المتوقفة في الكراج (الطبيله). 
هذا الوضع المزري المتراجع في ملامحه التنظيمية الداخلية، كانت تتضح صورته تدريجياً وتتعمق الازمة التنظيمية حتى لحظة اندلاع الانتفاضة، وقد عشنا من داخل تلك الحالة المتقلبة المضطربة، حيث حركة القوميين العرب في اضعف حالاتها واسوأ اوضاعها التنظيمية الداخلية، وسوف نتوقف عندها في مسار تعرضنا لانتفاضة مارس عام 1965. 
ولكن من المهم ان نتعرض ليس للقيادة الجديدة، التي اعتراها ايضا الاضطراب والتبديل لعدة مرات خلال السنوات الثلاث 62 - 65، فيما ظلت القاعدة التنظيمية للحركة وخلاياها الجديدة اكثر قتامة وسرية للاجهزة الامنية، فأغلب الذين دخلوا الحركة منذ صيف 62 لغاية 64 هم يمثلون جيلي اللاحق، اذ اغلبنا من مواليد سنة 1946 - 1948، فيما غالبية من دخلوا تنظيم حركة القوميين العرب بين اعوام 1960 -1961 في البحرين والخارج هم من مواليد 1942 - 1944م ومن قلب تلك المرحلتين العمرية انبثقت قيادات ونشطاء الانتفاضة الى جانب خميرة وقيادة لاحقة هم ورثة الحركة في تنظيم «الحركة الثورية» باستثناء حركي قديم عاد للتنظيم والعمل السياسي بعد 67 هو الدكتور احمد حميدان، الذي جمد نفسه وصار خارج الحركة عملياً منذ صيف 63 -67، والذي بات منشغلاً بمفاهيم ماركسية ماوية ومتنوعة من سلة افكار وتجارب حركات التحرر الوطني، التي كانت حركة القوميين العرب بذاتها في بيروت وفروعها تمر بمخاض عسير وعميق حولها، حتى بلوغ تلك الانشقاقات الكبرى والولادات الدراماتيكية الغريبة، حيث وجدت نفسها حركة القوميين العرب القديمة بفكرها واعضاؤها بين جبال ظفار وعدن والشتات السياسي المضطرب المشوش بكل تجاذباته. 
وإذا ما كانت قيادات التأسيس 59 تطعمت بطلبة قطعوا دراساتهم كاحمد حميدان وكمال وموظفين صغار، فإن قيادات الحركة في مراحل اخرى من عام 1963 برزت على تسييرها اليومي ايضا عناصر طلابية (جاسم نعمة ثانوية القسم التجاري ومحمد عبدالملك قسم المعلمين)، فوجدنا ان تاريخ مسار الحركة، لم يكن خاليا قط من عناصر طلابية طرية في خبرتها وعودها وحماسها وتوقدها الثوري ولكنها من جانب سلبي سياسيا أن تكون تلك الأعمار في مواقع مسؤولية قيادية لتنظيم سياسي يقارع النظام! وقد انتقل الفيروس المرضي الطلابي لاحقا في جسم تنظيم الحركة الثورية لتمنح الاولوية في عملها للكثافة والاهمية الطلابية في الخارج، ليصبح الداخل، ثانويا من حيث الاهمية التنظيمية لقيادة العمل، مما فجر خلاف حاد بين قياداتي الحركة الثورية في الداخل والخارج في العامين 68 - 69 وهي الفترة الحاسمة للتغيير والنقلة التنظيمية نهائيا، من تلاشي وموت خريف البطريرك (الحركة) وانبعاث مولود جديد وطني تحرري برنامجه بأحلام جغرافية وقومية ابعد من مساحة دائرة جزيرة البحرين التنظيمية. 

حركة القوميون العرب وعقد من الإنبعاث والتلاشي (12)

 
*الانفصال عن حضانة الكويت الحزبية.
كان في ذهن الامانة العامة للحركة في بيروت ربط الاقاليم بعضها ببعض تنظيمياً ووضع نوع من الاشراف والابوية على كل منطقة واقليم، وبما ان الكويت كانت تحتضن احد مؤسسي حركة القوميين العرب في بيروت وهو الدكتور احمد الخطيب * اثناء تواجده كطالب طب في جامعة بيروت الامريكية في فبراير 1942 - 1948، وكوّن بعدها حركة القوميين العرب في الكويت سنة 1952 قبل البحرين بما يقرب من ست الى سبع سنوات، حيث كان بها مناخ من الانفتاح النسبي بعد استقلال الكويت وفضاء للحيوية السياسية الجديدة (*في عام 1952 اشترك الخطيب مع جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي وآخرين بتأسيس حركة القوميين العرب، فتلازم بالضرورة في العام نفسه وهي السنة الاخيرة من تخرج الخطيب وعودته للكويت فشكل «اول خلايا الحركة مستثمراً الانفراج الديمقراطي».
 للمزيد انظر الدكتور عادل رضا في موضوع احمد الخطيب ضمير الكويت المتجسد في انسان.)، فإن من الطبيعي أن تجد نفسها حركة القوميين العرب في الكويت معنية بتلك الحركة الوليدة في البلد المجاور، ومن هنا ظلت سرة الوليد مرهونة برحم الام في الغذاء والنمو والتطور، في وقت لم ترَ جيدا قيادة الكويت مدى التباين بين الحكومتين، والظروف السياسية والامنية في النظامين، لهذا كان الخضوع للانضباط التنظيمي نسبياً قراراته مرهونة بمركزين هما الكويت ثم بيروت، ومتروك لحركة البحرين مساحة من العمل السياسي والتنظيمي والنشاط المستقل نسبياً لتقدير ورؤية التنظيم الجديد وهو في انطلاقته.
 وفي السياسة اخطر شيء ان تفصل مقاسات ظروفك ووضعك على مقاسات وظروف ساحة سياسية اخرى (وهذا ما تداركته الحركة الثورية متأخراً، بفهم الاختلاف بين ظروف وطوبوغرافيا البحرين عن ظفار وظروفها، أي اكتشفت القيادة الموحدة للجبهة الشعبية، بعد خراب البصرة كما يقول المثل)، فإن ذلك يؤدي للانزلاق السياسي، وبرغم احتضان الكويت كشعب وبلد ومنظمات للفارين من بطش الانجليز والاجهزة الامنية منذ زمن الهيئة 56 حتى عشية انتفاضة مارس عام 65، فإن حركة القوميين العرب في الكويت، كانت سباقة في توفير ظروف وعلاقات رفاقية وانسانية طيبة وكريمة، دون أن تخلو تلك العلاقات من المنغصات والخلافات التنظيمية، فقد تفجر اول حالة توتر بين الحركة في البحرين والكويت بعد ضربة 62، حيث بدأ الاختلال التنظيمي والسياسي، إذ شهدنا مدى الرسائل المنقولة والافراد المتنقلين في رحلات مكوكية بين اطراف القيادتين، تتوج اكثر في اول مهمة موثقة تحت يدنا هي تلك التي حملها الشملان من الكويت «في عطلة الربيع مارس 1962 بتوصية من سامي المنيس بمقابلة عبدالرحمن كمال» ص121 (للمزيد انظر فوزية مطر). وللعلم يومها كان الخمسة الكبار في حركة القوميين العرب في الكويت هم 1- احمد الخطيب 2- سامي المنيس 3- جاسم القطامي 4- علي الرضوان 5-عبدالله النيباري.
 ثم حمل الشملان مرة اخرى من الكويت إلى حميدان في مارس 63 رسالة تنظيمية، في الوقت الذي كان حميدان يستعد للمغادرة، محاولاً بحذر في شهوره المتبقية القليلة ترتيب وضع متهلهل داخلي على مستويات عليا في الحركة.
 في المقابلة التي اجريناها مع حميدان في مكتبه في المجمع الثقافي في ابوظبي وضمن اسئلة كثيرة عن الحركة في البحرين وعلاقتها بالكويت اشار: «في 1963 - 1964 تم تشكيل لجنة في الكويت لمتابعة عمل البحرين وكان منها عناصر لبنانية، وكان في تلك اللجنة علي صالح البوعلي من البحرين وشخص لبناني أسمه ابراهيم» (ذكر خادم عبدالملك بأنه محمد السيد ابراهيم )

لقراءة كامل المقالات.. اضغط هنا


المصدر : صحيفة الأيام
 22 اكتوبر 2015

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها .