لا أعرف إلى أي مدى يحق لنا - في الخليج - أن نتعجب من عواقب تراجع أسعار النفط، أو بشكل أكثر وضوحاً: من انهيارها، وانهيار تمثلات وردية لا مكان لها إلا في أدمغتنا التي أصابتها التُخمة الاستهلاكية، و "البطالة الذهنية" والتي، بتعبير إدوارد سعيد، لا تنتهي بنا إلا إلى "تضاؤل" في الطموحات الفكرية، وتراجع في الخيال الباحث عن بدائل آمنة ومستدامة.
أتُرانا نجتهد ونناضل بحق من أجل تحرير أنفسنا من مقامرات شركات النفط الدولية وشبكاتها الاحتكارية، أم أننا لا نكترث لأي فكرة ما دامت آخر قطرة نفط لم تبارح جوف أراضينا؟
أليست البدائل مُخيفة ومُرعبة لأنظمة حكم أدمنت التحكم واعتادت السيطرة؟ بدائل كاقتصاد المعرفة والطاقة البديلة، رُغم وفرتها، وهي نُذُر استقلال للإنسان، وتحرر من الاستغلال والرهن المركزي.
ألسنا متواطئين جماعياً، عن قصد أو عن تغافل، أو حتى عن ركون مُفرط لأجل السلامة الشخصية، عن حرق الزمن، وتأجيل مواجهة الأسباب الجذرية لهذه العواقب؟ أيكفي أن نعفي أنفسنا من كل ذلك ببعض فَورات عاطفية هنا، وتشنجات كلامية هناك. ونسمح بأن تقوم الفئة ذاتها التي تسببت في الإشكال باقتراح حلول تسطيحية، تُخدّر الاهتياج، وتطمئن الجيوب. ثم نركن لذلك وننام. لمَ العجب، وأسئلة الدولة، والثروة، والفرد لم تكن يوماً مطروحة لا على المستوى الوجودي، ولا المركزي، ولا الضروري في حياتنا؟
• هذا الفرد: هل يُدرك قيمة وجوده كذات مستقلة بمقدورها التفكير، والتفاعل، والقبول، والاعتراض، واتخاذ موقف واضح من الطبقات السلطوية والعصبويات المحيطة به؟
وبالتالي هل الفرد عندنا قادر على، وراغب في التعريف بنفسه كذات مستقلة. ثم هل يستطيع/ يُطيق مُمارسة استحقاقات رابطة فوق الدم والعرق والنسب والمذهب والطائفة، كرابطة المواطنة؟ هل الجماعة الوطنية لديه تُشكّل قيمة ذات وزن يشعر به، ويراه، ويلمسه، على ميزان المساواة والكفاءة؟ مضاف لذلك كله: سؤال وعي الفرد بامتلاك ثروته الوطنية. هل يحس هذا الفرد بأنه مستقل، واثق بنفسه، ثري بقدراته المُنتجة؟ أم أنّه شخص تابع، موظف، لا حيلة له، فقير، ولا يملك شيئاً، في مقابل "حكومته" التي تملك كل شيء؟
• الثروة: ما دامت طبيعية، أليست مُلكاً للجميع؟ و "الجميع" هنا تشمل أهل اليوم وأهل الغد كذلك.
منذ اكتشاف النفط، وما أحدثه من فرق في المعادلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، أنعتبره ملكنا بوضوح، أم هو مُلك الحكومة كما تقوله لنا ذواكرنا العاكسة للتكوين الجمعي؟ هل ثمة قيمة ذات وزن شعبي على الميدان لأطروحة "التوزيع العادل للثروة" في بلادنا؟ ألم يكُن النفط، وما يزل ملكاً للحاكم الفرد ومؤسسته؟ ألم تتطور تلك المؤسسة (الحاكمة) في كل شيء، وبكل وسيلة، على المستوى الكمي والنوعي، وتتمدد رأسياً وأفقياً، لا لكي تبحث للإنسان عن خيارات أوسع للعيش بثقة، ولا لتستثمر في العقول التي تُبدع معرفة وعلماً وثقافة حُرة تجدلُه بمساهمات بقية الأمم العاملة والمشتغلة على رفاه الإنسانية.. بل لتُطوِّر قدراتها وتُراقب وتتنصت على خصوصيات الإنسان الفرد، ولتحاصر الإنسان الجماعة في فضاءات مجاله العام؟
• الدولة: ألا يُفترض أن تنشأ كنتيجة تعاقد اجتماعي بين بشر يُفوِّضون بإرادتهم الحرة فرداً أو جماعة لتدير شؤونهم العامة دون التدخل في حرياتهم الشخصية؟
ألم تُختزل الدولة لدينا في مؤسسة تنفيذية، أمنية، رعوية؟ ألم يُصبِح هذا الجهاز المدعو "الدولة" جهازاً مُرعباً لا يحق للناس محاسبته، ولا نقده، ولا التفكير في تطويره. ألم تتمكن السلطة من قلب معايير الفهم لدى الناس، فغدا الواجب فضلاً، وباتت الحقوق زيادات تتكرم بها السلطة على "رعاياها"؟
من أين جاء خطاب المَنّ الذي يتبعه أذى إذاً؟ من يُروج له، ومن يشتغل عليه، ومن ينشغل به ليل نهار. من يقوم بزيادة كثافة خطاب كهذا كلما ذكّر (قلة) من أولئك الناس سلطاتهم بضرورة توفير حقوق الجميع الأساسية وتحسين أدائها بكفاءة؟ وهنا لست متحدثاً عن حقوق سياسية ومدنية، أصبحت تُثير التوتر وعواصف السلطة وأعاصير أجهزتها الإعلامية والأمنية، بل أعني بالتحديد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من تعليم وعمل وسكن وصحة وكلام. ليس "توفَّر" الحقوق هنا، بل "توافرها"، أي اتساعها ووفرتها.
من عطّل الدائرة الإنتاجية في حدودها الدنيا، بداعي كفالة الولاء الآمن على حساب تناقضات التفاعل الضامن؟ العامل البسيط الكادح في باب البحرين، والذي لم يكن يكترث لأي قرار سياسي يعقده أحد شيوخ تلك المنطقة، أين اختفى الآن؟ مالك السفينة الكويتي الذي كان يحرص على استيعاب صراعات دول عظمى في محيط كبير كالمحيط الهندي ليجنِّب البضائع التي يحملها مركبه، هل يستطيع اليوم فهم ما يجري من صراع للعصبويات الصغيرة داخل إمارته؟ المزارع العُماني الذي كان يزرع محاصيله ويُصدّرها للهند والبصرة وسواحل أفريقيا، ويعقد صفقاته في ما وراء البحار والمحيطات دون أن يُلقي كثير اهتمام بأحوال حكومته المركزية، هل له وجود وأثر في راهن الحياة اليومية؟
العلاقة بين الناس اليوم في المنطقة لا تتصف بالعفوية ولا بالطبيعية. شبكة المصالح السلطوية هي التي تحدد ماهيتك، قيمتك، وبالتالي شكل المسار الذي سيمشيه كل فرد في محيطه الاجتماعي وتفاعلاته الإنسانية.
ابن الصياد العُماني، والحداد البحريني، والتاجر الكويتي، والراعي السعودي لا يشعرون بأنهم متساوون في الفرص، ولا في الخيارات مع نظرائهم الذين لأهلهم حظوة وقرب من السلطة السياسية وشركائها في المؤسسة الدينية والاجتماعية والأمنية.
التعليم تكفله الدولة، لكن الجودة فيه يتيمة. الخدمات الصحية توفرها الدولة، لكن أمانة تنفيذها بعيدة عن واقع الحال. وبالتالي فإن جميع الخدمات التي كان من المفترض أن تُبسط للناس جميعاً، وبالمستوى والجودة نفسها، كالتعليم والطِبابة والرعاية الاجتماعية.. كل ذلك لن يتوفر بالدرجة ذاتها، وإن توفرت فلن تكون لهم في الوقت ذاته.
الاستقلال الاقتصادي الذي كان يمارسه الفرد في المنطقة، في شكله البدائي على الأقل، من خلال المهن البسيطة التي تعتبر رأسمالاً حقيقياً ومتجذراً من الأرض، ونابعاً من الطبقات العاملة فيها، رغم ضآلة عوائده، تم التنازل عنه في سبيل تملُّك الدولة (وهي فعلياً الحكومة). جميع عناصر الإنتاج تم تركّزها وتشغيلها واحتكارها من قِبَل الحكومة. ذهب الناس للمدارس والمعاهد الفنية والجامعات وأنهوا مستوياتهم التعليمية المختلفة (في الداخل والخارج) وانتظروا "مكرمات" توظيفهم في وظائف غير منتجة، وغير متجددة، ولا تشكل قيمة مضافة، من الحكومة أيضاً. الكل ينتظر رواتب الحكومة، الجميع يشتغل عند الحكومة. لذلك لا يحق لأحد أن يُشْغل الحكومة ولا أنْ يُزعجها.
الجانب الآخر من الصورة: وفّر النفط تراكمات هائلة للثروة، تضخمت على إثرها فجوة الإنفاق (بين المخطط له والفعلي)، صُرفت أموالٌ طائلة على قطاعات غير منتجة، وعلى طبقات غير مبدعة. كل ذلك أدى وبسرعة إلى "برجوازية" حكومية، أنتجت بدورها اقتصاد "رأسمالية المحاسيب" القائم على الزواج المُقدّس بين التُّجار والمسؤولين في الحكومة، المتستر على المحاباة والفساد. هذا النوع من الاقتصاد نسل مع مرور الزمن أُسراً مركزية مُخْلصة بعضها لبعض، احتكرت معاش الناس وحددت خياراتهم. هي من ينتظر الجميع أن توفر فرص العمل، هي من ترعى المشروعات الصغيرة وهي من تسحقها إنْ أرادت، هي من تتحكم بالأجور، وهي من تستخدم مؤسسات الدولة لتُشّرع القوانين والنظم التي تحفظ مصالحها لأقصى مُدَد.
علينا الاعتراف، أمام ذواتنا، أولاً بأن الخلل بنيوي هيكلي: في بنية النظام الاجتماعي والسياسي الذي سرنا إليه، وسكتنا عنه. ومن ثم في الهيكل الاقتصادي الذي تم تشييده على التبعية والمركزية وأُحادية القرار، حتى اللحظة على الأقل.
وقبل البحث عن حلول لا تُحتَرم، ولا تُقدّر، وتذهب مع رياح الوفورات المالية ونشوة زيادة المضاربات على الأسعار التي لا سند لها على الواقع، الأوجب أن نتعلّم كيف نحفر في (وعن) الخلل بإشاعة ثقافة الأسئلة: أسئلة القيمة، وأسئلة الإنتاج، وأسئلة الإنسان.
في الأسئلة وحدها يكمن "النفط" الحقيقي، لا في عوائده المُتبخّرة.