مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الدولة الرّيعية اختيار سياسي - إيمان القويفلي

طباعة PDF
إيمان القويفلي
24 ديسمبر 2015

بتعبير أكثر دقة، الدولة الريعية اختيار سياسي (أكثر) من كونها غلطة اقتصادية. قد تبدأ الدولة الريعية في التّشكل غلطة اقتصادية، من دون قصدية أو تخطيط، وتحت وطأة التّدفّق غير المتوقع للريع وجهل السياسي مخاطر الاعتماد المفرط عليه. لكن، حالما ينبني نموذج الدولة حول الريع الذي يصير بمثابة عمودها الفقري، يتشكل نظام الحكم وتترسّخ العلاقة السياسية بين المواطنين والحكومة على هذا الأساس، وهو أساسٌ مُريحٌ مؤقّتاً لكلا الطرفين، وإن كان أكثر راحة للحكومة بالذات التي ستسعى، غالباً، إلى استمرار تدفّق الريع أكثر من سعيها إلى موارد اقتصادية مُستدامة. قد تبدأ الدولة الريعية غلطة اقتصادية غير مقصودة، لكن التحوّل عن النموذج الريعي الراسخ لا يمكن أن يحدث إلا إصلاحاً سياسيّاً مقصوداً.
تتموّل الدول من أموال دافعي الضرائب أو من ريع المواد الخام، والفرق بين النموذجين جذري. في الدولة الريعية، يتمثل دور الحكومة الأساسي في جني أرباح الخام الذي تحتكر حق استخراجه (النفط، المعادن، وسواها من مصادر توجد بشكلٍ طبيعي، لا ثمرة جهد وإبداعٍ بشري) وتوزيعها على المواطنين. يأتي الريع من خارج الدولة، ولا يُساهم فيه المواطنون، لا بجهدهم قوة بشرية ولا عبر دفع الضرائب. تقتضي مساهمة المواطن المعدومة في إنتاج الموارد أن تكون مشاركته معدومة أيضاً في إدارتها، حيث يعني احتكار الحكومة الريع بشكلٍ مُطلق، احتكارها السلطة أيضاً وبشكلٍ مُطلق. تنشأ حالة من المقايضة بين المواطن والحكومة، تقوم على أن يقبل المواطن تفرّد الحكومة بالإدارة، في مقابل تمتّعه بمنافع دولة الرفاه، وتتحوّل الحكومة إلى الـمُوظِّف الأكبر للمواطنين في هيكل بيروقراطي ضخم وغير مُنتج، ومصدَر المنافع المجّانية في التعليم والرعاية الصحية والإسكان، ويتحوّل المواطن إلى زبون دولة الرفاه الذي يقتصر دوره على تّلقي المنافع والهبات والامتثال للقرارات والسياسات الحكومية. أما القطاع الخاصّ، فيكون عالة على الحكومة التي تمثل مضخة الأموال الرئيسة فيه عبر المعونات والدعم والمناقصات، وتتشكل أنماط ملتوية من الرأسمالية، مثل رأسمالية الدولة التي تخصخص بعض القطاعات الضخمة، لكنها تظل مالك أغلب أسهمها أو كلها، أو رأسمالية المحاسيب والأتباع والأقارب التي تكون نُخبتها الاقتصادية مجرّد امتدادٍ للنخبة السياسية وتحالفاتها ومصالحها وثرواتها. سيكون هذا الوضع مُريحاً عموماً للمواطن الذي لن يتوجّب عليه بذل الكثير من أجل العيش، لكنهُ أكثر راحة بكثير للحكومة التي ستُحكم سيطرة مُطلقة ومتحرّرة من الرقابة والمحاسبة على إدارة الدولة والـموارد، ومن دون أيّ اضطرار إلى الدخول في عملياتٍ سياسية وشراكات ومفاوضات مع المجتمع وقواه. فهم كثيرون ما يعنيه التحول عن نموذج الدولة الريعية اقتصادياً. إنه يعني التوقف عن 
الاستخراج الجائر للنفط، والبدء في استخراج القوة البشرية الـمُنتجة من مواطني البلاد. لكن عدداً أقل يفهم ما يعنيه ذاك التحوّل سياسياً، وهو التغيير الجذري في علاقة المواطن بالحكومة، وفي موقع المواطن من الدولة، بل إن إصلاح الدولة الريعية إصلاحٌ سياسيّ أصلاً، وليس اقتصاديّاً، كما تقول تيري لين كارل، مؤلفة "مفارقة الوفرة". فأن تبتغي حكومة الدولة الريعية إزاحة الريع من مكانه عموداً فقرياً للدولة، وإحلال القوة البشرية للمواطنين محلّه، يعني، أولاً، أن العقد الاجتماعي الذي أرسته مع هؤلاء المواطنين على أساس الريع، سيتغيّر وسيُعاد إرساؤهُ على أسسٍ أخرى أقل راحة للجميع، وأقل سلطوية للحكومة. المواطن الـمُنتج الذي سيُصبح هو الثروة الحقيقية والمستدامة في الدولة لن يبقى هو نفسه المواطن الخامل الذي يلعب دورَ الـمُتلقي والـمُمتثل. ولن يقبل االمواطن الذي سيدفع الضرائب إلا أن يكون له رأي في طريقة إدارتها، والمواطن الذي سيُسدد فاتورة التأمين الصحي، ويكدّ من أجل الادّخار للتعليم الجامعي، لن يفكر بطريقة المواطن الذي يحصل على مكافأة من الحكومة لقاء ذهابه إلى الجامعة. كما لن تتمكن الحكومة من ممارسة أسلوبها المعهود في إلقاء المال على المشكلات لتغطيتها. 
وتقول كارل إن التحول عن نموذج الدولة الريعية يعني، بشكل أساس، تجزئة السلطة التي تحتكرها الحكومة، وتوزيعها بالتساوي على المواطنين ومفاصل المجتمع، وإذا كانت حكومات الدول الريعية تتطلّع، تحت وطأة انخفاض أسعار النفط أو نضوب النفط إلى "تنويع مصادر الدخل"، ولا تجد في ذلك أمراً مربكاً (نظرياً)، إلا أنها تنظر إلى الإصلاح السياسيّ، اللازم لإتمام هذا التحول الاقتصادي، خطراً وجوديّاً يتهدّدها جذرياً. لهذا، يجب أن يكون السؤال الأول أمام أي مشروع للتحول عن الدولة الريعية هو ما إذا كان السياسي قد اختار أن يتخلى عن هذا النموذج سياسياً، قبل أن يتخلى عنه اقتصادياً؟ 
حتى الآن، يبدو برنامج التحول الوطني الـمُعلن عنه في السعودية، غامضاً، فهو لم يصل إلى الإعلام المحلي والعالمي، إلا على هيئة تسريبات وشائعات وشذرات من العصف الذهني، لكن هذه التسريبات إجمالاً تُجمع على الطبيعة الاقتصادية والإدارية للتحول، لا السياسية. بالإضافة إلى السؤال الأساسي السابق، هناك أسئلة أخرى، يجب وضعها أمام الدعاية الجامحة للبرنامج. كيف سينجح هذا البرنامج في تنويع مصادر الدخل، بينما فشلت في ذلك كل المحاولات والخطط في السعودية؟ لم تكن خطط الدولة وبرامجها خالية قط من حلم "تنويع مصادر الدخل" منذ عقود، وفي العقد الأخير وحده، مرت السعودية بالمحاولة المزعومة لتحويل الدولة إلى بيئة جاذبة للمستثمرين العالميين الذين سيضخّون الأموال في الاقتصاد الوطني، وينهون البطالة بين المواطنين، إلى جوار مشاريع المدن الاقتصادية التي اندثر أغلبها اليوم، حتى كفكرة، لن تتحول إلى واقع مطلقاً. 
كان نقد فكرة المدن الاقتصادية والتشكيك بجدواها، في العام 2007، موضوعاً محظوراً في الصحافة السعودية، وكانت هيئة الاستثمار بطل الاقتصاد الوطني. بعد أعوامٍ قليلة، شنّت الصحف حملة جماعية في غاية الشراسة على هيئة الاستثمار التي فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق وعودها. وطالب مجلس الشورى بفتح تحقيق بشأن "تعثر" المدن الاقتصادية. تجعل هذه الذاكرة الوطنية الثقيلة قبول الدعاية وحدها، مهما كانت ضخمة، أمراً متعذراً. 
سؤالٌ إضافيّ أخير: كيف يتأتّى أن يبدو التحول عن الدولة الريعية وتنويع مصادر الدخل أمراً قريباً وممكناً في الوقت الذي يبدو فيه إصلاح إدارة الريع أمراً متعذراً؟ لأنه لا يمكن فهم الحديث عن مناخ اقتصادي صحّي، تسوده الشفافية، ويُدار بنزاهةٍ تحمي من الفساد، في الوقت الحاضر نفسه الذي يبدو فيه مُستبعداً أن يُدار ريع النفط بالمعايير نفسها، إذ تعبر الشفافية في إدارة ريع النفط أول عتبات الإصلاح الجدّي في الدولة الريعية.


المصدر: العربي الجديد




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها