مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

خطة ماكينزي..إلى أين سنذهب؟ - سليمان الغامدي

طباعة PDF
خطة ماكينزي..إلى أين سنذهب؟
سليمان الغامدي

“ إن موقفنا من التضخم يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه ولا التواء.. إذا تعارضت متطلبات التنمية مع متطلبات التضخم فيجب دون تردد، أن نطرح التنمية جانباً”  ..”القصيبي التنمية وجها لوجه ص ١٤٢
“ لقد علمونا أننا يجب أن نحصر اهتمامنا في الناتج القومي الكلي وحده على أساس أن هذا الإهتمام كفيل بحل مشكلة الفقر، أما الآن فعلينا أن نقلب الآية، علينا أن نهتم بالفقر وهذا الاهتمام كفيل بحل مشكلة الناتج القومي” محبوب الحق ستارة الفقر ١٩٧٦م
حتى موعد إعلان الميزانية.. كانت الإشاعات والتساؤلات تتزايد حول آثار انخفاض أسعار النفط .. الرسوم الغامضة المحتملة.. أخبار متدولة عن مواعيد لفرض أشكال من ضرائب.. أحاديث حول إعادة إحياء خطة الخصخصة ٢٠٠٢م .. عناوين رنانة لها صلة بالتقشف ورفع الدعم(صرح الوزير النعيمي بعدم وجود حاجة لرفع الدعم قبل أسابيع من الميزانية) .. خطة غير واضحة المعالم للتحول الإقتصادي وتنويع مصادر الدخل .. نشر خطة بعنوان “السعودية والاقتصاد غير النفطي”  لشركة ماكينزي الاستشارية.. ولم يكن لخطة ماكينزي هذه من أهمية تذكر لولا أنها اعتبرت من قبل وزارة التخطيط وثيقة أساسية تغطي مرحلة الـ ١٥ عاماً المقبلة بنيت على مقرراتها “ورش برنامج التحول الوطني” و التي ركزت بشكل رئيسي على تحسين أُطر الكفاءة الإدارية وتطبيق مؤشرات الأداء الكلي وغيرها من الأفكار المتصلة بتخفيض الإنفاق واستخدام التكنلوجيا وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية وغيرها من الآليات.
لقد جاء إعلان الميزانية ومؤتمراته الصحفية المرافقة ليؤكد ماكان في حكم الإشاعة ويزيل اللبس مؤقتاً.. فقد أعلن رسميا عن تخفيض في الإنفاق وزيادة في العجز التقديري .. ثم صدر بيان وزارة المالية متضمنا مجموعة من القرارات التي أكدت ماكان يقال عن مرحلة جديدة: (١) تحرير الأسعار (٢) رفع متدرج للدعم عن الوقود والماء والكهرباء (٣) إضافة رسوم جديدة (٤) إعلان عن فرض الضرائب ( بالتحديد ضريبة قيمة المُضافة– التبغ ) (٥) فتح بعض الاسواق للمستثمر الأجنبي (٦) إعلان أكثر من ٢٣ قطاع حكومي كقطاعات صالحة للخصخصة (٧) الاعلان عن مراجعة القوانين بحيث تتوجه لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والمحلية(٨)  البحث عن مصادر دخل جديدة بعيدا عن النفط، وقد أكد وزير التخطيط على إثر إعلان الميزانية في مؤتمره الصحفي عن تساوق إعلان الميزانية وخطة التحول الوطني مع خطة ماكينزي كاتجاهات إصلاح تصب جميعاً في اتجاه جديد تنتهجه الحكومة، وفلسفة تستهدف من خلالها مواجهة الفترة الصعبة المقبلة في ظل الانخفاض الرهيب للمدخولات النفطية.

تحدث الكثيرون عن خطة ماكينزي والمعروفة بالخطة ٢/٤/٦ وانتقدها البعض ولكن بشكل إجرائي غالباً، و قد راوحت التساؤلات حول الخطة التعريض بتفاؤل توقعاتها أو تشاؤمها.. وبالتساؤل حول قدرة المؤسسات الحكومية بوضعها الحالي على تبني خطة بهذه الجرأة من عدمها.. ومن حيث الحماس لها أو التحفظ العام عليها .. ومن حيث التشديد على محوريتها أو هامشيتها من الأساس.. ولكن أغلب التناول كان ينطلق تقريباً من ذات المنطلقات وبنفس اللون بدرجات متفاوتة (ولهذا أسباب ليس هنا محلّ نقاشها) .. إلا أن من المهم الإشارة هنا إلى أثر غياب مدرسة اقتصاد يساري محلية فاعلة على المشهد.. ومقدار ما يحرمنا إياه هذا الغياب من التناول المختلف النكهة لكثير من التوجهات/ التقارير/ البرامج والخطط الاقتصادية المطروحة في المرحلة الحالية..
سأحاول في هذه التدوينة الإشارة إلى ما أراه من وجهة نظري نقاطاً أكثر أهمية تتصل بالخطة ومن ثمّ بالتوجه الحكومي الجديد الذي يتبناها.. خصوصاً بعد وضوحه بشكل جلي من خلال القرارات الأخيرة..
تضع الخطّة في صفحاتها الأولى السيناريو المظلم الذي ينتظر السعودية.. وتؤكد على أن تحدي الزيادة السكانية والبطالة يفوق في صعوبته تحدي انخفاض أسعار النفط.. لقد وضعت ملامح سيناريو لمشهد اقتصادي قاتم سيحدث في حال اتخذت الحكومة إجراءات تقليدية بتخفيض الإنفاق الرأسمالي للمشروعات والإحلال الفوري للسعوديين في بعض القطاعات كما فعلت في أزمات سابقة (سيناريو شبيه بمافعلته الدولة في الثمانينات الميلادية ) وتؤكد الخطة بأن السعودية في هذه الحالة لن تتمكن من توليد أكثر من ٣ مليون وظيفة خلال ١٥ عاماً في أحسن الأحوال.. وهو ماسيجعل البطالة تصل إلى ٢٠٪ نظراً للتزايد السكاني و معدل النمو في الناتج الذي سيكون بلا شك منخفضا عند معدل ٣٪ سنويا وذلك اعتماداً على إنفاق الدولة المتردي والشحيح بالنظر إلى أسعار النفط .. وبذلك سيتأثر معدل الدخل الحقيقي بمعدل ٢٠٪ بسبب اثار الركود .. وكذلك فإن الدين العام سيقفز إلى ٨٥٪ من إجمالي الناتج الذي لن يتجاوز حاجز الترليون و٢٠٠ مليار دولار خلال ال ١٥ عاما.. كما ستتقلص بالنتيجة الاحتياطيات الأجنبية للدولة بصورة كبيرة.
وفي ظل حديث الخطة عن هذه السيناريوهات المخيفة .. وهذه الخيارات المحدودة للحكومة لمواجهة الأزمة من خلال إجراءاتها التقليدية يأتي الحل في خطة ماكينزي الواقعة في ١٥٦ صفحة .. واضعة مجموعة من الأهداف الطموحة خلال سقف زمني يصل إلى ١٥ عاماً وهي :مضاعفة حجم الناتج للضعف – استثمار ١٦ ترليون ريال ( ٤ ترليون دولار) في القطاع غير النفطي يساهم فيها ثلاثي الحكومة– القطاع الخاص المحلي– المستثمر الأجنبي – توليد ٦ مليون فرصة عمل– رفع دخل الأسرة Household income بنسبة ٧٥٪ بالنظر إلى رفع مساهمة المرأة في قوة العمل – تقليل الاعتمادية على النفط بالوصول لنسبة ٧٠٪ من دخل الموازنة من خارج النفط بشكل متدرج –المحافظة على مستويات دين منخفضة – المحافظة على معدل احتياطي عالي). تذكرت خلال قراءة منطق الخطة العبارة الشهيرة والتي لطالما كررتها رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر لمعارضي سياستها الاقتصادية القائمة على رفع الدعم وزيادة الضرائب القريبة من توجهات خطة ماكينزي التي نحن بصددها.. إذ كانت تكرر في كل مناسبة عبارة “ ليس ثمّ من خيار “ .. There is no alternative
فلسفة الخطة أهم من التفاصيل..
أعتقد أن الملمح الأهم والذي يجب أن يأخذ حقه في النقاش خلال هذه المرحلة هو فلسفة الخطة وتوجهها الاقتصادي.. وليس مجرد التركيز على تفاصيل الأرقام التي يمكن أن يتفق على بعضها ويختلف على الاخر.. أزعم هنا بأن فلسفة الخطة هي ترجمة لروشتة صندوق النقد الاقتصادية المعروفة .. غير الشعبية والمجربة على نطاق واسع .. وأنها تحتوي على ذات المزيج الاصلاحي المتكون من: (١) خفض الدعم (٢) تحرير الاسواق (٣) الخصخصة (٤)  ترشيد الإنفاق (٥) تقليل دور الدولة في الاقتصاد والبعد عن السياسات التدخلية– (٦) تهيئة التشريعات الجاذبة للاستثمار الأجنبي .. بل من اللطيف أن بيان وزارة المالية الخاص بالميزانية وضع ١٤ إصلاحًا تحت عنوان “الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية” والتي جاءت وكأنها ترجمة وتقريباً بنفس التفاصيل لعنوان الروشتة المعروفة لصندوق النقد الدولي المسماةSAPs وهي ال Structural Adjustment Programs   .. الفريق الأكاديمي الاستشاري لخطة ماكينزي أيضاً يشهد على توجه الخطة وفلسفتها .. وهم في أغلبهم من مؤسسة بروكنقز و جامعة هارفارد، وبالخصوص المستشارين الأكاديميين للتقرير وهم: مارتن بيلي..بيرنارد شواردز .. ريتشارد كوبر.. والذين وعلى اختلاف توجهاتهم البحثية جميعا من المتحمسين لسياسات السوق.. والنظر إلى أيديولوجيا النمو بصفتها الحل الأمثل للمشكلات الاقتصادية.. بشكل أساسي ترى هذه المدرسة بأن توجيه الاقتصاد إلى القطاع الخاص (المحلي والخارجي) بدل العام سيزيد من فعاليته.. وبأن ديناميكية السوق القائمة على تفاعلات العرض والطلب قادرة من خلال ” اليد الخفية” على رفع الكفاءة وإعطاء أفضل النتائج والعوائد وتصحيح ذاتها بشكل مطلق.

ليس هذا مجال الحديث عن النقد الموجه لمدرسة ” تحرير الأسواق» أو روشتة صندوق النقد والتي كتب حولها الكثير..إلا ان مالايختلف عليه الأغلب ( وحتى داخل صندوق النقد مؤخرا) هو انتقاد الآثار حتميّة السلبية لهذه السياسات على الأفراد. وبالذات تلك الخاصة بـ :
(١) التضخم والتفقير المنظم (٢) تدمير منطق العدالة الاجتماعية و التأسيس لزيادة الفروق في توزيعات الدخل بين الطبقات..
بل وتعتبر هذه المدرسة الاقتصاديةمعاناةالأفرادآلاممخاضضرورية لامناصمنتحملهاكثمنللإصلاحالاقتصادي .. هذا مع التأكيد على قدرة هذا النوع من الإصلاحات في كثير من الحالات على تحسين الأرقام الكلية للاقتصاد . معادلة اقتصادية يمكن أن تتلخص أخيرا صورتها في مقاربة” الدولة الثرية والمواطنين الفقراء”.. أي وبصورة أوضح يمكن أن تحقق الدولة بتبنيها سياسات السوق تحسناً ملحوظاً في معدلات النمو و معدلات الدين العام ومعدلات عجز الموازنة ومعدلات تنويع القاعدة الانتاجية على حساب معدلات أخرى لاتقل أهمية كمعدلات التضخم (غلاء الأسعار) ومعدلات العدالة الإجتماعية ومعدلات الفقر و معدلات جودة الحياة .. ويمكن بذلك تلخيص الانتقادات الموجهة لهذه المدرسة الاقتصادية في :  (١) رفضها القاطع لمساهمة فاعلة للدولة في الاقتصاد (٢) انتقادها لمفهوم العدالة الاجتماعية وتبرير الفروقات الرهيبة في توزيع الثروة بين الأفراد (٣) انتقادها لفكرة شبكات الأمان الاجتماعي وتقليل أهمية البرامج الاجتماعية..(٤) عدم المبالاة بمستويات الفقر..(٥) نظرتها المتصالحة مع فكرة الديون.. وتبقى بعد كل هذا تجارب الدول التي تبنت هذا النوع من إصلاحات الاقتصاد خير شاهد على الآثار المتوقعة ( تشيلي السبعينات– تجربة اندونيسيا– تجربة الانفتاح الاقتصادي في مصر السادات– تجربة تونس– تجربة تاتشر ريغان–تجربة كوريا الجنوبية) … هامش: يمكن مطالعة /
The Effects of Structural Adjustment Programs on Poverty and Income Distribution
http://www.wiiw.ac.at/the-effects-of-structural-adjustment-programs-on-poverty-and-income-distribution-paper-dlp-2017.html

أعود إلى ماكينزي ..
نظرة أكثر هدوءًا ستقودنا حتماً إلى ان شركةً استشارية –وبرغم كل الهالة المتعلقة بالاسم العريق في عالم الاستشارات– لايمكن لها أن تسّلم قيادة الماستر بلان لاقتصاد كامل.. خصوصاً بالنظر إلى سِجلّ ماكينزي الذي حمل إلى جانب الكثير من الإنجازات الكثير من قصص الفشل .. فمن تورط الشركة استشاريا في فضيحة إنرون وكون رئيس إنرون السابق ” كين لي” مستشارا سابقا في ماكينزي، إلى تورطها في توصيات لبنوك وول ستريت ضاعفت من حجم أزمة الإئتمان التي وقعت لاحقاً، إلى نصائحها التي جانبها التوفيق مع AT&T بخصوص عدم الاستثمار في مجال الهاتف المحمول ( إذ لم ترى ماكينزي له الكثير من الحظوظ المستقبلية في بدايات انطلاقه رغم أنه كان قد طور أساساً في مختبراتها) إلى غيرها من القصص التي أدت إلى عدد من الخسائر الضخمة، ما حدى بصحيفة الاندبندت البريطانية الشهيرة إلى إفراد تقرير في فبراير ٢٠١٤م تحت عنوان “ كيف لماكينزي أن تنجو في كل مرة؟ “ والذي جاء على خلفية فضيحة رئيس ماكينزي“راجات قوبتا” في تسريب معلومات تجارية إلى صناديق تحوط، ولكن وبعيداً عن هذا كله .. فإن خطة إقتصادية على هذا المستوى من الحساسية كان يجب أن تشارك فيها جهات بحثية سعودية وفعاليات محلية، خصوصاً إذا ماتذكرنا قصصاً سابقة لمجهودات بحثية تعثرت لأسباب ليس أولها التعارض، وليس آخرها عدم تبني الجهات المنفذة  ( استراتجية ٢٠٠٢م – استراتيجية الصناعة السعودية – خطة الاقتصاد المعرفي وغيرها)  ( يمكن الاطلاع على تفاصيل حول ماكينزي في كتاب دوف ماكدونالد The Firm: The Story of McKinsey and Its Secret Influence on American Business
قطاعات الحلب السريع
كيف ستجلب الخطة استثمارات بقيمة ٤ ترليون دولار في القطاع غير النفطي؟ الإجابة باختصار تكمن في الثالوث (الحكومة ٨٠٪ أول خمس سنوات و ٤٠٪ في الخمسية الثانية و ٢٦٪ في الخمسية الثالثة – المستثمر الأجنبي والقطاع الخاص المحلي في بقية الاستثمارات) .. لقد استهدفت الخطة القطاعات الصالحة ” للحلب السريع” Low Hanging Fruits .. وهذا هو مدخلها الاستراتيجي لاختيار القطاعات الثمان المولدة للنمو المأمول.. و بالنظر للقطاعات الأكثر جاذبية للمستثمر الخاص الأجنبي والمحلي.. بعيداً عّن كونها قطاعات مستدامة أم لا( ما أثار تخوف البعض من تحولنا من ريع النفط إلى ريع النفط و المعادن والبتروكيمايات.. كونها مصادر دخل إيجارية ومتذبذبة و ناضبة تحمل ذات الإشكال المتعلق بالنفط !) .. وهذه هي النقطة المفصلية هنا.. فالقطاعات الجالبة للعملة الصعبة والقابلة للتصدير في الخطة هي النفط والمعادن .. والبتروكيماويات المتأثرة والمعتمدة على النفط والمعادن..فالقطاعات التي اختارتها ماكينزي لقيادة التحول وتحقيق النمو نوعين :
أ. قطاعات تملك فيها السعودية بالأساس ميزة تنافسية نسبية وهي :
(١) قطاع البتروكيماويات مثل سابك صدارة بترورابغ وهو قطاع تعدالسعودية فيه من اللاعبين الكبار (٢) قطاع التعدين وبالخصوص مشروعات وعد الشمال ومعادن وفتح أبواب التنقيب للشركات الأجنبية (٣) قطاع السياحة وبالخصوص الدينية باعتبار وجود الأماكن المقدسة بشكل رئيسي (٤) قطاع البنوك والمؤسسات المالية وذلك لمزايا السيولة العالية و معدلات الربحية الضخمة و نسب الدين إلى الاحتياطيات الجاذبة، خصوصاً وأن فرص توسع التمويل ومنتجاته خلال سنوات التحول تعتبر فرصة ضخمة لنمو القطاع ..(٥) قطاع الصناعات المحلية (الاستفادة من الطلب المحلي العالي نسبيا على السيارات وبعض المعدات الكهربائية وذلك خدمة الطلب الداخلي وتقليل فاتورة الواردات فقط وليس لأغراض التصدير.

ب. قطاعات تدفعها الزيادة السكانية و سبب إمكانية مضاعفة حجمها هو كثافة الإنفاق المتوقع و ضعف تنظيمها وقلة فاعليتها وهي : (٦)قطاع الصحة (٧) قطاع المقاولات (٨) قطاع الجملة والتجزئة.. ومن خلال تحليل عام مبني على عدد من الفرضيات لكل قطاع من القطاعات الثمان من حيث الاستثمار والنمو من خلال تحليل الفجوة في الربحية وفاعلية اليد العاملة و إمكانات النمو مقارنة بدول أخرى ( منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – دول مجلس التعاون الخليجي) باعتبارها Benchmark أساس مرجعي .. فإن فتح المجال وتقليل عوائق دخول المستثمرين الأجانب والمحليين لهذه القطاعات المغرية بعد تحريرها من القوانين الضارة بالمنافسة سيحقق بالضرورة نمواً، خصوصاً إذا ترافق مع استعداد الدولة للمساهمة في الإنفاق بسخاء هذا ماسيوفر عوائدَ لاتحلم بها كثير من الشركات الكبرى في بلدانها التي تعاني من ضعف النمو والتشبع والمنافسة الشرسة.

تميزت الخطة بكونها وضعت نموذجًا أشمل للإصلاح الاقتصادي قائم على ( استهداف قطاعات معينة للاستثمار والنمو – مصادر للتمويل–تعديلات تشريعية وتنظيمية – رؤية لإصلاح السياسة المالية – فرضيات قابلة للتحقق فيما يخص معدلات النمو والتوقعات المستقبلية) ..وهذا النموذج ورغم الانتقادات التي يمكن أن تثار عليه يبقى مجهوداً مهما في ظل أكوام الطروحات والخطط الاقتصادية المحلية السابقة التي لاتقدم نموذجا متكاملا للإصلاح الاقتصادي فخطة صناعية مستقلة تصدر من جهة في وجهه خطة اقتصاد معرفي تصدر من جهة أخرى إلى خطة خمسية تصدر من جهة ثالثة إلى غيرها ..و لكل خطة أولوياتها وواقتراحاتها ورؤيتها لتخصيص الموارد مايجعلها متضاربة وغير قابلة للتنفيذ… يبقى أن الخطة في تناولها لقطاعات النمو الثمان لم تزد على أن وضعت سيناريو “الإستغلال الكامل” Full potential وهي بهذا تفتح المجال لإمكانات الاستثمار والنمو المتاح.. وبهذا التصور فإن امكانات النجاح للخطة ليست صفرية (بمعنى إما النجاح الكامل أو الفشل) بل تفترض حصول النجاح بشكل نسبي مرتبط بمقدار تبني الدولة لخيارات التغيير على مستوى “تحرير الأسواق”و الاستثمار وتغيير التشريعات .. 
الفجوة الزمنية واللاتأكد .. مواجهة التضخم ….
هناك غياب لجزء مهم في الخطة وهو ذلك الخاص بمواجهة الآثار المتوقعة خلال مراحل التنفيذ.. الخطة لاتقدم إطارًا زمنيا إلا فيما يخص التمويل المتوقع خلال مراحل التنفيذ.. ولكنها لاتفصل ” الجداول الزمنية” لإحداث الإصلاحات.. وللتمثيل على الفجوات الزمنية بدأت الدولة خلال هذا الأسبوع وفور إعلان الميزانية في رفع الدعم عن الطاقة والمياه وفرض مجموعات من الرسوم وتخفيض بنود في الإنفاق سيكون لها أثر مباشر وفوري على دخول الأفراد.. فيما سيمر وقت طويل قبل أن يلمس الفرد شيئا من وعود المستقبل مثل أثر إصلاحات الاسواق على الأسعار وازدياد نوعية وعدد الوظائف المأمولة وزيادة العوائد الغير نفطية المتوقعة وهكذا….  أما “أثر السياسات” فيعد أحد أهم الإشكالات التي لم تلتفت لها ماكينزي .. فالإجراءات المتخذة وتفاعلاتها المتوقعة لها ” ثمن غامض”.. خصوصا وأن مجمل الإصلاحات المروج لها تأتي على أرضية تشوهات اقتصادية موروثة في أسواق الانتاج والعمل والمال السعودي يمكن لها أن تزيد مخاطر اللاتأكد ..إن رفع أسعار الطاقة و إقرار الفاتورة الضريبية وإزالة الحواجز عن الاستثمار الأجنبي ستؤدي من ناحية إلى سعار تضخمي سيستفيد منه الكبار بنسب ستتجاوز كثيراً الأثر الفعلي للتكلفة، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار حالة “احتكارات القلة” التي يعاني منها القطاع الخاص المحلي أصلاً، كما ستؤدي هذه السياسات لضرر محقق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ظل عدم تأهلها لمجاراة الحيتان المحلية والقادمة من خلف الحدود (الخطة ترى مثلاً احدى الاصلاحات الضرورية تكمن في دعم التجميعية consolidation مقابل التشظي للاعبين الصغار في القطاع الخاص حالياً !!) .. هنا يثور التساؤل حول جاهزية الدولة لتمويل شبكات أمان اجتماعي، وبرامج لمراقبة دائمة للأسعار و مراقبة أثرها على الدخل وملاءة الأفراد المالية، والإستعداد للتدخل في الوقت وبالقدر المناسب..
الإصلاح المؤسسي
تتحدث الخطة عن تفاصيل واقتراحات ذات علاقة بتحسين كفاءة الأجهزة الإدارية مِن حيث تقليل الإجراءات وتبني آليات الحكومة الالكترونية واستخدام آليات الرقابة الذكية وتحسين التشريعات وتطوير الربط بين التعليم وسوق العمل.. ولكنها لا تشير أبداً إلى إصلاحات أكثر ضرورة مِن نوّع تأسيس المؤسسات اللازمة لأحداث الفرق .. أو توجهات ذات علاقة بتعزيز استقلال المؤسسات القضائية أو أهمية توسيع قاعدة المشاركة والرقابة الشعبية عبر التمثيل البرلماني أو غيره، وهذا بالرغم من أن هذه الإصلاحات لاغنى عنها في سياق جذب رؤوس الأموال الأجنبية ومكافحة الفساد وهما أساس نجاح الخطّة وضمانة إمكان تطبيقها.. وقد أثبتت التجربة بأن عدم وجود هذه المؤسسات قد أثر فعلاً على موقع السعودية في “تقرير الشفافية” الدولي الذي مازالت تقع في مرتبة متأخرة، وهو مالم يمكن المملكة طوال الفترة الماضية من جلب كثير من الإستثمارات النوعية التي تبحث عن أكثر البيئات أماناً استثمارياً .. لقد ظلت محاربة الفساد توصية متكررة في جميع التقارير التي تصدرها المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي في روشتاته للإصلاح الاقتصادي .. فاالعودة إلى أسس بنية مؤسسات الدولة (الجهاز الوزاري– التشريعي– القضائي)ككل وإعادة تصميمها بشكل يجعل قراراتها متكاملة و أكثر ترشيداً وكفاءةً لا يمكن التعامل معه بمعزل عن خطط التحول الوطني والتغيير الاقتصادي، و لابد لحصول ذلك من التمكين لمبادئ مثل: الفصل بين السلطات Separation of powers، عدم تضارب المصالح Conflict of Interest ، وقواعد الضبط والموازنة Checks And Balances ، وبتظافر هذه العناصر جميعاً ستخلق البيئة الصحية للإصلاحات الإقتصادية المستدامة . إن النظام الإقتصادي لكي يكون فعالاً أيضاً فإنه أحوج مايكون لإعطاء المساحات تسمح لوقوع التدافع الطبيعي بين أصحاب المصالح في المنظومة الاقتصادية، وهو ما لايمكن أن يتحقق في ملف العمل مثلا إلا عبر السماح بالوجود النقابي (التمثيل العمالي) وهو ماغاب عن الخطة عند حديثها عن إصلاحات سوق العمل وتحسين بيئته وظروفه التي تعتبر أساساً لنجاح الخطة..
الإصلاح في أوقات الأزمات أشدّ ايلاما..
يقال ان “أفضل أوقات الاقتراض هو الوقت الذي لاتكون فيه مضطرا إلى القرض” .. ويظهر أن ذات القاعدة تنطبق على الإصلاح الاقتصادي.. إن مواجهة ملفات الأجور والبطالة والدعم و مشكلات هيكل القطاع الخاص وضعف كفاءة المؤسسات الحكومية وإصلاح البنية التشريعية وإيقاف الإدمان النفطي وغيرها كانت ستكون أسهل بمراحل في الفترة الماضية.. لا أريد ان أكون متشائما ولكن يظهر أن أياماً صعبة تنتظر الطبقة المتوسطة والفقيرة في السعودية.. يظهر أنهم و–كالعادة –من سيدفع في النهاية جميع الفواتير المتراكمة.. فاتورة تاخير الإصلاحات وفاتورة تحرير الاسواق وفاتورة التقشف .. في الثمانينات وعلى اثر الإجراءات التقشفية كان المواطن البسيط هو من تحمل الثمن الأقسى ..فقدت تضاءلت فرصه للحصول على المسكن أو المقعد لابنه في الجامعة أو السرير في المستشفى أوالترقية في العمل ..وهو الآن على موعد بمعاناة جديدة وإن بلافتات أكثر بريقاً وتوهّجاً .. 


المصدر: مدونة سليمان الغامدي


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها .