مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.6 المستجدّات السياسية في دولة قطر - ماجد الدوحان

طباعة PDF
ماجد الدوحان
 
على الرغم من العبء الناجم عن استمرار تداول النفط بأسعار منخفضة، فقد مر عام 2016 إجمالًا على قطر دون مفاجآت كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. ففي المجال العربي والتغيرات التي شهده خلال العام الماضي، واصلت قطر أداء دورها المعهود في معالجة الملفات الراهنة على هذه الساحة، من القضية الفلسطينية ومحاولات المصالحة المستمرة بين حماس وفتح، إلى الملفين السوري واليمني، حيث استمرت في دعمها لبعض الفصائل السورية المعارضة، رغم الحديث الدائر عن تسليمها لملف الصراع السوري إلى الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية. وعلى الصعيد الداخلي، شهدت قطر تغييرات على المستوى الهيكلي للوزارات، بما فيها وزارتي الداخلية والخارجية، كما أنها مستمرة على نهج الأعوام السابقة في التجهيز لاستضافة كأس العالم 2022، تماشياً مع ما جاء في الرؤية الوطنية 2030، التي وُضعت في عهد الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني، والطامحة إلى تحقيق التنمية المستدامة والرفاهية للفرد القطري، والتي كانت قد أنهت مرحلتها الأولى 2011-2016 بنهاية العام الماضي. إلا أن تأثير الهبوط الحاد في أسعار النفط بدى واضحاً على كافة الأصعدة، إذ تتجه قطر، وإن كانت أقل من جاراتها تضرراً على المدى المنظور، نحو المزيد من سياسات التقشف ورفع الدعم. فكيف تعاملت قطر مع هذه التغيرات الداخلية والخارجية؟ ستقوم هذه الورقة باستعراض أهم المتغيرات والقرارات في دولة قطر في عام 2016.
 
عام جديد وتشكيلة وزارية جديدة
 
شهدت بداية السنة الميلادية تغييرات كبيرة في الحكومة القطرية، حيث أصدر الأمير تميم بن حمد آل ثاني أمراً أميرياً بتعديل وزاري شمل غالبية الوزارات وقطاعاتها. ونص الأمر الأميري رقم “1” الصادر في يناير 2016 على تعيين الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني وزيراً للخارجية، وتعيين خالد العطية وزير الخارجية السابق وزيراً للدولة لشؤون الدفاع. وقد تم تعيين العديد من الوزراء الجدد في وزارات مثل وزارة الثقافة والرياضة، ووزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية، ووزارة البلدية والصحة. الجدير بالذكر أن التشكيل الوزاري الجديد شمل حنان الكواري وزيراً للصحة، فكانت بذلك ثاني امرأة تتولى وزارة الصحة، ورابع امرأة قطرية تدخل مجلس الوزراء، كما كان من أهم التغييرات التي أحدثتها التشكيلة الوزارية الجديدة إبعاد وزير الدفاع القطري السابق، اللواء ركن حمد بن علي العطية، وتولي الأمير تميم منصب وزير الدفاع.
 
كما دمِجت ثمان وزارات لتصبح بذلك أربع وزارات، إذ دمجت وزارة البلدية مع وزارة البيئة، ووزارة المواصلات مع وزارة الاتصالات، ووزارة الثقافة مع وزارة الرياضة، ووزارة التنمية الإدارية مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. ورأى بعض المحللين أن الدمج الوزاري يأتي كمحاولة لتقليل الصرف الحكومي، حيث انخفض الناتج الإجمالي القطري إثر هبوط أسعار النفط. فيما علق إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن الدمج يأتي كمحاولة لتقليم البيروقراطية المتضخمة التي باتت تعاني منها الوزارات القطرية[1].
 
العمالة الوافدة في قطر وقانون الكفالة الجديد
 
ما زال وضع العمالة الوافدة في قطر ونظام الكفالة يشكلان أكثر المواضيع إثارة للجدل على الصعيد الدولي منذ أن فازت قطر في عام 2010 باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم. ففي ديسمبر 2016، بدأ العمل في قطر بقانون "تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم"، الذي وصفته الجهات الرسمية بأنه إلغاء لنظام الكفالة.
 
ومنذ إعلان فوز قطر بالاستضافة، بدأت الصحافة العالمية بتسليط الضوء على قطر، وبالأخص على قضايا العمالة الوافدة ونظام الكفالة الذي يمنح أرباب العمل سلطة مهيمنة على العمال. وقد سبب ملف العمالة في قطر حرجاً كبيراً للدولة ومسؤوليها في المحافل الدولية، أهمها الشكوى المرفوعة عليها من قبل الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية. وفي تقرير لمنظمة العفو الدولية (Amnesty International) صدر في مارس  2016[2]، أكدت المنظمة حسب تعبيرها على التمييز الممنهج الذي تتبناه الحكومة القطرية تجاه العاملة الوافدة. في المقابل، كانت وزارة العمل القطرية قد تعهدت في 2012 بأنها ستلغي هذا النظام بحلول نهاية 2016، وأعلنت الوزارة أيضاً آنذاك أنها ستقيم نقابة منتخبة للعمال، تمثل العمال من القطريين والأجانب، وفي حين لا يسمح بالترشّح إلا للقطريين فقط، فإن حق التصويت يُكفل للجميع. كما قال الوكيل السابق لوزارة العمل القطرية حسين الملا معلقاً على ذلك بأن إنشاء نقابة منتخبة للعمال يعتبر أحد مقومات خطة 2022 لاحتضان كأس العالم[3]. وقد وافق مجلس الوزراء القطري على هذا المقترح، إلا أن القرار ما زال ينتظر موافقة الديوان الأميري منذ ذلك الحين[4].
 
كما أصدر مجلس الوزراء مؤخراً قانوناً معنياً بحماية العمالة المنزلية، إذ كانت قطر قد ناقشت إصدار قانون  مماثل منذ عدة سنوات، ولكن تم تجاهل الموضوع في 2014 عندما قرر مجلس دول التعاون الخليجي إصدار قانون موحد بشأن العمالة المنزلية[5]. وتأتي هذه الخطوة بعد عدة أشهر من تلقي سفارة الفلبين في قطر رسالتين خطيتين من عاملات منزليات يطلبن النجدة[6]. وينص القانون الجديد الذي أصدره مجلس الوزراء على عدة نقاط، أهمها أن العامل/العاملة يوقع عقد العمل، كما يملك العامل/العاملة حق  العيش خارج المنزل، إضافة إلى يوم إجازة واحد، وست ساعات عمل يومية. وقد اقتصر هذا القانون الجديد على العمالة المنزلية، أما بالنسبة لعمال الشركات والمؤسسات، فقد فعّلت وزارة العمل إلغاء قانون الكفالة في ديسمبر 2016، حيث استبدل النظام الجديد الكفيل بالجهة المتعاقدة مع العامل، وعلق وزير العمل القطري عيسى الجفالي النعيمي على ذلك قائلاً: "القانون الجديد يُعتبر آخر المستجدات في سبيل تحسين وحماية حقوق كل عامل في قطر، فالقانون الجديد يغير نظام الكفالة بنظام أكثر حداثة، مرتبط بالعقد الذي يضمن للعامل حقوقه ويزيد من مرونة تغيير الوظيفة" [7]. إلا أن القانون الجديد الذي أصدرته قطر بخصوص الكفالة قوبل بالنقد من المنظمات المعنية بحقوق العمال، كما علّقت  العفو الدولية بأن القانون الجديد "يلامس فقط القشرة الخارجية للمشكلة"، إذ علّق جيمس لينش من المنظمة ذاتها قائلاً: "قد يكون النظام الجديد قد تخلص من كلمة ‘كفالة’، إلا أنه لازال يحمل نفس إشكالات النظام القديم"[8]، حيث لازالت المنظمات الحقوقية تطالب بتعديلات حتى على النظام الجديد. وبصورة إجمالية، يمكن القول إن سنة 2016 شهدت تحركًا في ملف العمالة الوافدة في قطر، تمثل في عدة محاولات من السلطات القطرية لحل مشاكل العمالة الوافدة وتحسين أحوالها المعيشية والقانونية، مع استمرار الضغط من المنظمات الدولية التي لم تر في هذا السعي تغييرا حقيقيًا.
 
الاعتقالات والعفو وحرية الصحافة

فيما يتعلق بالحريات السياسية، لم يطرأ على المشهد السياسي القطري أي تغيير جوهري. فقد أطلقت السلطات القطرية سراح الشاعر القطري محمد ابن الذيب، الذي تم اعتقاله في 2011 إثر قصيدة كان قد كتبها تضامناً مع الربيع العربي في 2010، حيث صدر عليه حكم بالسجن 15 سنة في محاكمة مغلقة في 2012. وتم إطلاق سراحه في مارس 2016 بعفو أميري.
 
وفي مقابل ذلك، تم اعتقال فهد بن عبدالله بن جاسم آل ثاني، وإصدار حكم بسجنه 7 سنوات مع غرامة مالية قيمتها٥٠ ألف ريال قطري. وتفيد إحدى الروايات أن سبب الاعتقال هو هجوم مسلح قام به على محطة للشرطة في حي الريان، أدى إلى إصابة 3 من رجال الشرطة، بعد أن اعتقلت الأخيرة اثنين من أبناءه على أثر قضية اعتداء بالضرب على عامل وافد[9]. إلا أن البعض، مثل عائلة المعتقل وبعض الشهود والمحامي نجيب النعيمي، يقدم رواية مختلفة، حيث تشير تلك المصادر إلى أن قوات الأمن داهمت منزل المعتقل في الدوحة في نهاية يناير الماضي، واعتقلته وابنيه بعد الاعتداء عليهم بالضرب[10]. وقد عُرف فهد آل ثاني بمعارضته لحكم الأمير تميم آل ثاني، ويعزو البعض ذلك إلى أن الحكومة القطرية كانت قد صادرت بعض ممتلكاته من الأراضي، فيما نسب البعض الآخر العلاقة المتوترة بينهم إلى أن فهد آل ثاني، ابن عم أمير قطر الحالي، لديه سياسيات مغايرة لتلك التي تدار بها البلاد، حيث قام فهد آل ثاني في عام 2011، بالاشتراك مع 19 قطري، برفع عريضة إلى أمير قطر تميم آل ثاني، تطالب بتعديلات سياسية واقتصادية، وإصلاحات ديموقراطية[11]. بالرغم من ذلك، لم تلق حادثة فهد آل ثاني صدى كبيراً داخل المجتمع القطري، حيث يراها البعض مشاكل داخلية تخص الأسرة الحاكمة ولا تعبر بالضرورة عن رأي أو معارضة شعبية.
إجمالاً، وكما هو الحال على مدى السنوات الماضية، فإن النشاط السياسي الداخلي في قطر يمكن وصفه بشبه المعدوم، بحيث تندر مطالب المواطنين العلنية المعنية بالإصلاح السياسي، ومن ضمنها انتخاب مجلس الشورى الذي بشّر به الدستور القطري.

أما على صعيد حرية الصحافة، فقد قامت الحكومة القطرية في نهاية نوفمبر من عام 2016 بحجب موقع Doha News الإخباري، والمعني بتغطية أخبار قطر باللغة الإنجليزية، واتهم القائمين على الموقع الحكومة القطرية بالحجب، لكن لم يعلّق أي من المسؤولين حيال ذلك.

رؤية 2030
 
أصدرت الأمانة العامة للتخطيط التنموي قطر رؤية 2030  الوطنية في يوليو 2008 بتقديم من تميم بن حمد آل ثاني، حيث حددت ركائز الرؤية في أربع نقاط رئيسية هي: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية[12]. وطرحت الرؤية عدة إشكالات تواجه قطر وحددت طرق التعامل معها، ولكنها ركزت بشكل كبير على المشاكل الاقتصادية، وعلى رأسها اعتماد قطر على النفط والغاز، ووجوب استبدال ذلك النموذج بالنجاح الاقتصادي الحقيقي المعني بالـ "التعامل والتفاعل مع النظام العالمي الجديد الذي يقوم على المعرفة ويتسم بالتنافسية الشديدة"[13].

وقد أكدت الرؤية على وجوب الاستغلال المسؤول للنفط والغاز وأهمية التنويع الاقتصادي. ومنذ ذلك الحين، قامت قطر بعدة استثمارات خارج قطاع النفط تحت مظلة جهاز قطر للاستثمار، إما في شركات وبنوك عالمية، أو في عقارات أجنبية. ومع ذلك، لم تحرز قطر أي تقدم يذكر في عام 2016 بشأن تقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر لصادرات وإيرادات الدولة، واقتصرت سياستها الاقتصادية على تقليل الصرف الحكومي والاستثمارات الخارجية وإكمال مشاريع استضافة كأس العالم 2022 الإنشائية.

النفط وسياسات التقشف

من أهم التحديات التي تواجه الرؤية التنموية في قطر انخفاض أسعار النفط، حيث كانت قطر، بجانب روسيا وفنزويلا والسعودية، قد قررت تجميد الإنتاج في يناير في اجتماع لوزراء النفط من الدول الأربع في منتصف فبراير 2016، وقد عزز هذا القرار المخاوف المتعلقة بشأن مستقبل الاقتصاد في الدول المنتجة للنفط.[14] ومع ذلك، شدد الأمير تميم في كلمة ألقاها في الأول من نوفمبر 2016، أنه رغم انخفاض أسعار النفط إلا أن قطر مازالت تتمتع باقتصاد متين حسب تعبيره، حيث حققت مستويات عالية نسبياً من النمو الاقتصادي، على عكس باقي الدول النفطية في المنطقة.

ورغم محافظة قطر في 2016  على معدل بطالة يعد الأكثر انخفاضاً في العالم، والأقل في تاريخ قطر، بنسبة تقارب 0.2% بعدما كان0.3%  في 2014 [15]، إلا أن الاقتصاد القطري عانى الكثير في 2016، إذ أعلن وزير المالية القطري علي العمادي عن عجز في ميزانية عام 2016 بقيمة 46.5 مليار ريال قطري، ويعتبر هذا أول عجز تواجهه قطر منذ15 عاماً[16]. ومن المفترض أن تتراجع قيمة العجز في 2017، حيث اعتمدت قطر موازنة للسنة الجديدة في ديسمبر2016 بلغت فيها قيمة العجز 28.3 مليار ريال قطري[17]، كما تتوقع وزارة التنمية والإحصاء القطرية أن يستمر العجز إلى عام 2018  بسبب انخفاض العوائد النفطية.

 
دفع انخفاض أسعار النفط والعجوزات المتوقعة في ميزانية الدولة إلى الشروع في عمليات إعادة هيكلة في العديد من المؤسسات والجهات التي تقوم بتمويلها الدولة، كشبكة الجزيرة الإعلامية، وراس غاز وقطر غاز، ومؤسسة حمد الطبية، وغيرها من المؤسسات[18]. فعلى سبيل المثال، قامت شركة بترول قطر بتسريح الآلاف من موظفيها إثر تراجع أسعار النفط،[19] وقررت الابتعاد عن الأنشطة غير الأساسية ضمن خطّة "إعادة الهيكلة"، كما أسماها سعد شريده الكعبي، الرئيس التنفيذي لقطر للبترول. كما أكد الكعبي أنه لم يتم تسريح أي مواطن قطري ضمن خطة إعادة الهيكلة، لكنه رفض أن يصرح بعدد المسرحين عن العمل. ولم يقتصر الأثر على قطاع النفط فقط، بل نال قطاع الغاز نصيبه من "إعادة الهيكلة"، إذ أعلنت الحكومة القطرية في ديسمبر الماضي عن قرار دمج شركتي "راس غاز" و"قطر غاز" المملوكتين للدولة في شركة واحدة. كما أكد الكعبي أن عملية الاندماج ستستغرق سنة، مضيفاً أنه لن يتم تسريح أي عامل في الوقت الحالي، لكن دون أن ينفي حدوث ذلك مستقبلاً[20]. كما أشار موقع الدوحة نيوز نقلاً عن موظفين في مؤسسة قطر Qatar Foundation  أن المؤسسة تعتزم تسريح 800 موظف بسبب الضغوط على الميزانية[21]، على أن تشمل عملية التسريح موظفي جامعة حمد بن خليفة أيضاً.

وحتى مع العجز الذي تواجهه قطر في الميزانية، وتقلص الكثير من المشاريع في عدة قطاعات رئيسية كالنفط والغاز، فإن مشاريع استضافة كأس العالم لم تتأثر، حيث تأتي الاستضافة على قائمة أولويات الدولة. فقد صرح وزير المالية القطري أن قطر تنفق 500 مليون دولار أسبوعياً على مشاريع البنى التحتية المعنية باستضافة كأس العالم، وأن معدّل الصرف قد يستمر على نفس الوتيرة حتى عام 2021.[22] كما قامت قطر بعدة استثمارات خارجية خلال 2016، إذ اشترى بنك قطر الوطني الحصة الأكبر في بنك فاينانسبانك في تركيا، من بنك اليونان الوطني، بسعر قارب الثلاثة مليارات دولار، مقابل استحواذه على99,81%  من البنك[23]. وفي ديسمبر 2016، أعلن عبدالله بن سعود آل ثاني، الرئيس التنفيذي لجهاز قطر للاستثمار، أن الجهاز يخطط لاستثمار 10 مليار دولار في البنية التحتية في الولايات المتحدة[24]. وبهذا يكون الاستنتاج أن سياسات قطر الاقتصادية لهذا العام اقتصرت على تقليل المصروفات العامة في قطاعات متعددة، كالنفط والغاز والإعلام والصحة، فيما واظبت على إكمال المشاريع المتعلقة باستضافة كأس العالم بنفس الوتيرة، كونها تشكل أولوية للحكومة القطرية.

مآلات التنمية

وفي ظل التوسع العمراني الذي تشهده قطر في إطار هذه الرؤية، والتركيز على البنى التحتية للبلاد تأهباً لاستقبال مونديال كأس العالم 2022، تسببت أمطار الوسمي بغرق الكثير من الشوارع العامة والأنفاق، مما جعل بعض المواطنين يتساءلون على مواقع التواصل الاجتماعي عن معايير هذه التنمية، وكيفية الرقابة التي تفرضها الدولة لتتحقق من إكمال مشاريع البنى التحتية بحرفية[25]. كما كانت قضية وفاة المواطنة شروق السليطي أثناء عملية الولادة قد حركت الرأي العام القطري، واتّهم زوج السليطي مستشفى النساء والولادة بمؤسسة حمد الطبية بالتسبب في مقتل زوجته نتيجة الإهمال الطبي[26]. وانطلقت على إثر تلك الاتهامات حملة في تويتر بوسم #كلنا_اخوان_شروق_السليطي، طالب فيها المغردون بالتحقيق العاجل في ملابسات القضية، فيما ذهب البعض إلى اتهام وزارة الصحة بالتقصير والتستّر على الأخطاء الطبية في المؤسسة الطبية الحكومية. ونتيجة لذلك، قامت مؤسسة حمد الطبية بإصدار بيان تعقيبي على القضية، تعلن فيه أنها قامت بإجراء التحقيقات اللازمة في قضية وفاة شروق السليطي[27]، إلا أنها لم تنشر نتائج التحقيقات في القضية.

الملفات الخارجية: سوريا واليمن وفلسطين

بالنسبة للسياسة الخارجية، حاولت قطر خلال 2016 الموافقة بين سياستها الخاصة وسياسة دول مجلس التعاون. ففي أبريل 2016، وقعت قطر اتفاقية عسكرية مع تركيا تعتبر الأولى من نوعها في المنطقة، تقضي ببناء قاعدة عسكرية –بجانب قاعدة العديد الأمريكية – تؤوي ثلاثة آلاف عسكري تركي، متجاهلة بذلك التوتر في العلاقات الخليجية–التركية. وعلى صعيد آخر، بقيت قطر متمسكة بموقفها إزاء الأزمة السورية، المطالب بإيقاف فوري لإطلاق النار، فقد دعمت الاتفاق التركي الروسي حول سوريا، مؤكدة على ضرورة التزام النظام في سوريا بهذا الاتفاق[28]. كما رحب السفير أحمد الرميحي، مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية، بدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إنشاء “مناطق آمنة” للمدنيين في سوريا[29]. ومن جهته، اتهم الرئيس السوري بشار الأسد قطر بكونها أحد أسباب اندلاع الحرب في سوريا في عام 2011، حسب ما قال. حيث علّق في لقاء مع صحيفة "إيل جورنالي" الإيطالية قائلاً إن رد سوريا على قطر بـ"لا" لإنشاء خط الأنابيب "كان أحد العوامل المهمة، لكنه لم يعرض علينا بشكل علني، لكني أعتقد أنه كان مخططا له".[30] “في المقابل، فقد كانت قطر إحدى أولى الدول المشاركة في عملية عاصفة الحزم، التي شنتها السعودية على اليمن في مارس 2015، إضافة لإرسال ألف جندي قطري إلى اليمن في سبتمبر 2015، استكمالاً للدعم ضد قوات صالح والحوثيين.

وفي أكتوبر الماضي، اجتمع الأمير تميم بكل من محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، وإسماعيل هنية، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، وخالد مشعل، رئيس حماس، حينما كان عباس في زيارة إلى قطر للتعزية في وفاة أمير قطر السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. وتولى وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني تنظيم اللقاء مع خالد مشعل. وعلى صعيد آخر، عبرت سلطة الكيان الصهيوني عن امتعاضها من الدعم المالي الذي قدمته قطر لمؤتمر حملة مقاطعة إسرائيل (BDS) في تونس في أغسطس 2016[31].
 
قطر والتطبيع

في أبريل من عام 2016، شارك منتخب الكيان الصهيوني لكرة الطائرة في منافسات الدوري الثالث الذي أقامه الاتحاد القطري لكرة الطائرة، إذ تمت استضافة اللاعبين الصهاينة شون فايغا وإيريال هيلمان، بالإضافة إلى رئيس اتحاد كرة الطائرة الصهيوني، يانيف نيومان، والمدرب شاكيد حايمي[32]. الجدير بالذكر أنه هذه ليست أول مشاركة رياضية للكيان في قطر بل الثالثة من نوعها، حيث كانت أول استضافة في عام 2008 للاعبة التنس شاهار بير، التي عادت لتلعب مرة أخرى في 2012 أيضاً. وقد أثارت الزيارات الثلاث غضباً شعبياً عارماً في قطر والخليج عموماً، حيث أصدرت منظمة شباب قطر ضد التطبيع بياناً استنكارياً بعنوان "رسالة لرئيس الاتحاد القطري لكرة الطائرة"[33].

وفي مارس 2017، فاز المخرج الصهيوني شاؤول شوارتز بتمويل من مؤسسة الدوحة للأفلام لإخراج فيلم وثائقي بعنوان "كأس الانتصار"، مما سبب ضجة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وانطلق على أثر ذلك وسم #نرفض_تطبيع_الدوحة_للأفلام، فيما عبرت شريحة واسعة من القطريين عن رفضهم لهذا الدعم[34]. ومن جهتها، أصدرت مؤسسة الدوحة للأفلام بياناً توضيحياً، تشير فيه إلى أن المؤسسة تختار "الأفلام التي تحصل على تمويل وفق مجموعة من المعايير، منها مدى تركيزها على القصص العالمية الطابع التي تبحث في مواضيع عن الأمل وإحداث التغيير الإيجابي"[35]، ما أثار حفيظة الكثير. ووصفت جريدة الراية القطرية البيان بأنه "ضعيف وغير مقنع"، مستشهدة بخدمة المخرج في جيش العدو الصهيوني، ومطالبة المؤسسة بدراسة السير الذاتية للمخرجين قبل دعمهم[36]. فيما أصدرت منظمة شباب قطر ضد التطبيع رسالة من السينمائيين والفنانين في قطر، يشجبون فيها قرار المؤسسة الدوحة  دعم الفيلم[37].

وعلى صعيد آخر، أكد الأمير تميم في خطاب ألقاه خلال الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين على إدانة الكيان الصهيوني واستحالة التطبيع معه، حيث قال أن "إسرائيل لا تكتفي برفض قرارات الشرعية الدولية بل تعمل على فرض أمر واقع"، مؤكداً في موضع آخر على "استحالة التطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق حل عادل لقضية فلسطين"[38]. كما رحبت قطر بإدانة مجلس الأمن للاستيطان  الصهيوني. وعلق وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني قائلاً: "مهما بلغت التحديات التي تحيط بمنطقتنا العربية إلا أنها لن تثنينا عن دعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه في نضاله للدفاع عن أرضه وأبنائه ومقدساته". كما قامت قطر بدعم المقترحات التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لإيجاد حل نهائي لما أسماه بـ"النزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وأكدت قطر على ضرورة إنهاء الاحتلال الصهيوني، وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، كما تنص مبادرات السلام العربية وقرارات مجلس الأمن. وعلى الصعيد الداخلي، صوت المجلس التمثيلي الطلابي لجامعة قطر لصالح المقاطعة في نوفمبر 2016 وعدم المشاركة بأي شكل من الأشكال في أي مشروع مع  الدولة العبرية، وركز على ضرورة إقامة علاقات أكاديمية مع المؤسسات التعليمية الفلسطينية، لكسر العزلة التي يعانيها الفلسطينيون[39].

خاتمة

شكل انخفاض أسعار النفط المحرك الرئيسي للتغيرات الداخلية في قطر في العام 2016، من إعادة هيكلة الوزارات إلى تقليل الإنفاق الحكومي. وبجانب ذلك، فقد أدى فوز قطر باستضافة كأس العالم إلى وضعها تحت المجهر من قبل الصحافة العالمية ومنظمات حقوق الإنسان، ما مثل أحد دوافع التغيير، كي تحافظ قطر على استضافة الكأس. أما على الصعيد الخارجي، فكان للأزمتين السورية واليمنية الحضور الأقوى خلال العام، حيث تحاول قطر أن تقارب بين سياساتها وسياسات دول الخليج بشكل أكبر من السابق. ذلك بجانب الاهتمام المستمر الذي توليه قطر للقضية الفلسطينية، التي كانت وما زالت تشكّل أحد أهم محاور السياسات القطرية الخارجية. ولكن خلال عام 2016، زادت وتيرة التطبيع الذي تقوم به المؤسسات القطرية مع الكيان الصهيوني. وفيما قد يرى البعض أن هذه المؤسسات مستقلة، إلا أن التطبيع قوبل بالرفض الصريح من كافة أطياف المجتمع القطري، فيما آثرت الحكومة القطرية السكوت وعدم التعليق عن التطبيع مع هذه المؤسسات.
 
 
 

[1]-“Qatar Reshuffles Cabinet, Appointing New Foreign and Defense Ministers,” Wall Street Journal, 27 January 2016 < https://goo.gl/enfhSv >.
[2]-“Qatar: Abuse of World Cup workers exposed,” Amnesty International, 31 March 2016 <https://www.amnesty.org/en/latest/news/2016/03/abuse-of-world-cup-workers-exposed/ >.   
[3]-"قطر تعتزم إلغاء نظام الكفيل وإقامة «نقابة للعمال»،" صحيفة الإمارات اليوم، 2 مايو 2012 <http://www.emaratalyoum.com/politics/news/2012-05-02-1.481157 >.
[4]-"بناء كأس عالم أفضل: حماية العمالة الوافدة في قطر قبل كأس العالم لكرة القدم 2022،" هيومان رايتس ووتش، 12 يونيو 2012 <https://www.hrw.org/ar/report/2012/06/12/256330 >.
-[5]“Qatar’s Cabinet approves draft law to protect domestic workers,” Doha news, 9 February 2017 <https://dohanews.co/qatars-cabinet-approves-draft-law-protect-domestic-workers/>.
[6]- “Domestic workers in Qatar plead for help in handwritten note,” Doha News, 26 July 2016 <https://dohanews.co/domestic-workers-qatar-plead-help-handwritten-note/>.
[7]-"Qatar abolishes ‘kafala’ labor system," Arab News, 13 December 2016 <http://www.arabnews.com/node/1023416/middle-east >.
[8]-“Qatar Announces Labor Reforms But Critics Pounce,” DW News, 13 December 2016 <http://www.dw.com/en/qatar-announces-labor-reforms-but-critics-pounce/a-36745020>.
-[9]“Court sentences man to seven years in prison after police shooting,” Doha News, 30 December 2015 <https://dohanews.co/court-sentences-man-seven-years-prison-police-shooting/>.
[10]-“Doha’s Domestic Troubles,” New York Times, 13 Jan 2016 <https://www.nytimes.com/2016/01/14/opinion/mohamed-fahmy-doha-qatar.html >. 
[11]-“Doha’s Domestic Troubles”, New York Times, 13 Jan 2016 <https://www.nytimes.com/2016/01/14/opinion/mohamed-fahmy-doha-qatar.html>.
[12]- تقرير رؤية قطر 2030 (الأمانة العامة للتخطيط التنموي، 2008) <http://www.mdps.gov.qa/ar/qnv/Documents/QNV2030_Arabic_v2.pdf >.
- نفس المصدر السابق.
[14]-“Oil Output Freeze Has a Catch: Attracting OPEC Unity”, New York Times, 16 Feb 2016 <https://www.nytimes.com/2016/02/17/business/energy-environment/opec-oil-production.html >.
-[15]Qatar Unemployment Rate (Trading Economics, 2017) <http://www.tradingeconomics.com/qatar/unemployment-rate
>.
-[16]“Qatar publishes 2016 budget, projects 46.5 bln riyal deficit," Reuters, 15 December 2015 <http://www.reuters.com/article/qatar-budget-idUSL8N14532X20151216>.
[17]-“قطر تعتمد موازنتها لعام 2017 بعجز 7.6 مليار دولار،" العربي الجديد،15  ديسمبر 2016<https://www.alaraby.co.uk/economy/2016/12/15/قطر-تعتمد-موازنتها-لعام-2017>.
[18]-“مسايرة التقشف وحفظ المال العام لتحقيق رؤية سمو الأمير،" صحيفة الشرق،31 ديسمبر2016 <http://www.al-sharq.com/news/details/400393>.
[19]-"تسريح آلاف الموظفين في قطر بسبب تدني أسعار النفط،" آرابيان بزنس، 23 مايو 2016،  <http://arabic.arabianbusiness.com/business/energy/2016/may/23/413971/>.
[20]-"دمج شركتي ‘راس غاز’ و’قطر غاز’ الحكوميتين،" العربية،11  ديسمبر 2016 <https://www.alarabiya.net/ar/aswaq/2016/12/11/دمج-شركتي-راس-غاز-و-قطر-غاز-الحكوميتين-.html>.
[21]-"تسريح 800 موظف من مؤسسة قطر،” آرابيان بزنس،25 مارس2017 <http://arabic.arabianbusiness.com/society/culture-society/2017/mar/25/436131/>.
-[22]“Qatar spending $500m a week on World Cup projects,” The Guardian, 7 February 2017 <https://www.theguardian.com/football/2017/feb/08/qatar-spending-500m-a-week-on-world-cup-projects-2022>.
-[23]“National Bank of Greece to Sell Turkish Lender to Qatar Bank,” New York Times, 22 Dec 2016 <https://goo.gl/QX0vCp>.
[24]-“Qatar plans to invest $10 billion in US infrastructure,” Business Insider, 13 December 2016 <http://www.businessinsider.com/qatar-to-invest-10-billion-in-us-infrastructure-2016-12>.
[26]-"التفاصيل الكاملة لوفاة شروق السليطي أثناء الولادة،" صحيفة الراية، 12 يوليو<http://www.raya.com/home/print/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/60c209a1-2d5b-48ac-9de1-0120faa89d04>.
[27]- "قضية وفاة شروق السليطي تحرج الصحة القطرية"، صحيفة العربي الجديد، 13 يوليو 2016<https://goo.gl/b3YXnb>.
[28] -“دولة قطر ترحب بالاتفاق التركي الروسي حول سوريا،" وزارة الخارجية القطرية، 29 ديسمبر  2016<https://goo.gl/xCfRmS>.
[29]-“قطر وتركيا ترحبان بدعوة ترامب لـ"مناطق آمنة" في سوريا"، سي إن إن العربية، 25 يناير 2017 <http://arabic.cnn.com/middleeast/2017/01/26/qatar-turkey-syria-safe-zones-trump>.
[30]-“الأسد: أحد أسباب الحرب في سوريا رفضنا لمد خط أنابيب اقترحته قطر"، آر تي العربية، 30 ديسمبر 2016 <https://arabic.rt.com/news/856710-الأسد-أحد-أسباب-الحرب-في-سوريا-رفضنا-لمد-خط-أنابيب-اقترحته-قطر/>.
[31]-“Israeli anger as Qatar backs campaign for global boycott,” The Telegraph, 3 August 2016 <http://www.telegraph.co.uk/news/2016/08/03/fury-as-qatar-announces-plan-to-support-anti-israel-group/>. 
[32]-“Israeli beach volleyball duo make history in Qatar”, The Times of Israel, 4 April 2016 <http://www.timesofisrael.com/israeli-beach-volleyball-duo-win-in-qatar/>.
[33]-"رسالة لرئيس الاتحاد القطري لكرة الطائرة"، شباب قطر ضد التطبيع، 5 أبريل 2016<http://bit.ly/2psur35>.
[34]-"رواد تويتر يهاجمون مؤسسة الدوحة للأفلام”، صحيفة الراية،25  مارس2017<http://bit.ly/2nDnsrA>.
[35]- “الدوحة للأفلام: تمويل كأس الانتصار يتوافق مع برنامج المنح بالمؤسسة”، العرب،25 مارس2017<http://bit.ly/2ofzVNU>.
[36]-“رواد تويتر يهاجمون مؤسسة الدوحة للأفلام”، صحيفة الراية، 25 مارس 2017 <http://bit.ly/2nDnsrA>.
[37]-"رسالة من السينيمائيين/ات والفنانين/ات في قطر لمؤسسة الدوحة للأفلام”، شباب قطر ضد التطبيع،26 مارس2017 <http://bit.ly/2orIo3q>.
[38]“أمير قطر: النظام السوري بات يستورد المنظمات والمليشيات التي تشكل خطرا على الأمن الإقليمي”، قناة الجزيرة، 20 سبتمبر 2016 <https://goo.gl/0dztqw>.
[39]- “المجلس التمثيلي الطلابي يصوت لصالح المقاطعة"، شباب قطر ضد التطبيع، 15 نوفمبر 2016 <https://goo.gl/i6ekKY>.