مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.6 القوى العاملة الوافدة في اقتصاديات ورؤى دول مجلس التعاون - دلال موسى

طباعة PDF
دلال موسى
 
يتركز جلَّ الحديث عن الأيدي العاملة الأجنبية، أو الوافدة، في دول مجلس التعاون الخليجي على كونها إحدى أهم مظاهر التركيبة السكانية فيها، التي تتميز بها هذه الدول عن غيرها حول العالم، حيث يُشكل السكان من غير المواطنين نسبة عالية من إجمالي سكان دول المجلس، يصل أدناها إلى نحو النصف وأعلاها إلى نحو 90% من إجمالي السكان. وغالباً ما يدور الحديث حول هذه الفئة من المجتمع بوصفها "خللاً" سكانياً ناجماً عن سياسات سوق العمل، التي استقطبت أفواجاً كبيرة من القوى العاملة الأجنبية مع اكتشاف النفط وارتفاع أسعاره وزيادة وتيرة التنمية الاقتصادية في القرن العشرين.  
 
وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون لا تمثل حالة نادرة فيما يتعلق باستقطاب الأجانب، إلا أن نسبة هؤلاء في المجتمع وموقعهم الدائم كعمالة وافدة عربية وغير عربية قلما تُدمج عن طريق التجنيس، يُمثل ظاهرة شاذة نسبياً عند مقارنتها ببعض الدول الأخرى، الأمر الذي دعا العديد من باحثي المنطقة والمؤسسات الدولية إلى التعمق في دور هذه الفئة من المجتمع وآليات التعامل معها.
 
وفضلاً عن ذلك، تُقر الرؤى الاقتصادية التي أطلقتها بعض دول المجلس خلال الألفية الثانية، بشكل أو بآخر، بتفشي ظاهرة العمالة الأجنبية في أسواقها. وتطمح هذه الرؤى لإصلاح إقتصادياتها، خصوصاً مع ارتفاع أعداد المشتغلين من المواطنين ونسبة مشاركتهم في سوق العمل وتعاظم طموحاتهم في تحقيق مستويات أعلى من الدخل. ولعل أهم ما أدركته تلك الرؤى هو مدى المقايضة الفعلية في بلدان الخليج بين خيار التنمية الاقتصادية و"التزايد غير المدروس وغير المتوقع في حجم العمالة غير الماهرة"، كما تشير رؤية قطر الوطنية 2030.
 
يهدف هذا المقال إلى تحليل دور العمالة الأجنبية في سوق العمل وفي اقتصاديات دول مجلس التعاون وبعض سبل التصدي لآثارها السلبية. ويُلقي القسم الأول نظرة سريعة على مواصفات العمالة الوافدة بشكل عام وتاريخ استقطابها، فيما يتناول القسم الثاني دور هذه العمالة في التنمية الاقتصادية، ويختتم القسم الثالث المقال بمحاولة للتعرف على تصورات الرؤى الخليجية للأيدي العاملة الوطنية والأجنبية، خصوصاً فيما يتعلق بالقطاع الخاص، مع وضع بعض الاقتراحات للمضي قدماً نحو المزيد من الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد. ويعتمد هذا المقال بشكل رئيسي على الإحصائيات والبيانات الرسمية المتوفرة حول المنطقة، مع تفاوت توافر هذه البيانات من دولة إلى أخرى.
 
نظرة سريعة على الأيدي العاملة الأجنبية في دول المجلس

يُشكل المقيمون من غير المواطنين نسبة كبيرة من التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون الخليجي، تتراوح بين 39% من إجمالي السكان كما في المملكة العربية السعودية، إلى نحو 89% من السكان في حالة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بحسب الإحصائيات الأخيرة لتلك الدول، كما يوضح الرسم البياني (1) أدناه. وتقع الغالبية العظمى من غير المواطنين في الفئة العمرية القادرة على العمل، والمشارِكة فعلياً في سوق العمل. ففي قطر على سبيل المثال، تُشكل الأيدي العاملة الأجنبية نحو 95% من إجمالي المشتغلين في البلاد، تفوقها الإمارات في التقدير المنشور في رؤيتها الوطنية 2021، حيث تصل النسبة إلى 96%.[1] وفي الكويت وعُمان، تتعدى نسبة الأيدي العاملة الأجنبية 80% من إجمالي القوى العاملة، أما في البحرين فتصل النسبة إلى 78%. وقد بلغت نسبة القوى العاملة الأجنبية في المملكة العربية السعودية 57% من إجمالي الأيدي العاملة، وهي النسبة الأدنى حالياً بين دول المجلس، كما يوضح الرسم البياني (2).
 
رسم بياني رقم 3.6.1 – نسبة الموطنين وغير المواطنين من إجمالي السكان بحسب الدولة
المصدر: بوابة البيانات المفتوحة والجهاز المركزي للمعلومات (البحرين)، الهيئة العامة للمعلومات المدنية (الكويت)، بوابة البيانات المفتوحة المركز الوطني للإحصاء والمعلومات (عمان) برنامج سوق العمل والهجرة في الخليج (gulfmigration.eu) وتعداد السكان (قطر)، الهيئة العامة للإحصاء (السعودية)، المركز الوطني للإحصاء (الإمارات)  
 
رسم بياني رقم 3.6.2 – نسبة المواطنين وغير المواطنين من إجمالي المشتغلين بحسب الدولة

المصدر: بوابة البيانات المفتوحة والجهاز المركزي للمعلومات (البحرين)، الهيئة العامة للمعلومات المدنية (الكويت)، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات والكتاب الإحصائي السنوية (عمان)، مسح القوى العاملة ووزارة التخطيط التنمية والإحصاء (قطر)، الهيئة العامة للإحصاء (السعودية).

وبينما يعمل العديد من مواطني دول المجلس في القطاع العام أو الحكومي، يتركز عمل الأيدي العاملة الأجنبية في القطاع الخاص، حيث يشتغل نحو 98% من إجمالي العمالة الأجنبية في البحرين وعمان في القطاع الخاص (بما فيه عاملي المنازل)، بينما يستحوذ القطاع الخاص على 93% من إجمالي العمالة الوافدة في الكويت و90% من إجمالي العمالة الوافدة في قطر، كما يوضح الرسم البياني (3.6.3).
 
رسم بياني رقم 3.6.3 – نسبة المشتغلين في القطاع العام والخاص بحسب الجنسية والبلد
المصدر: بوابة البيانات المفتوحة والجهاز المركزي للمعلومات (البحرين)، الهيئة العامة للمعلومات المدنية (الكويت)، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات والكتاب الإحصائي السنوية (عمان)، مسح القوى العاملة ووزارة التخطيط التنمية والإحصاء (قطر)، الهيئة العامة للإحصاء (السعودية).
ملاحظة: معظم هذه البيانات لا تشمل من هم في الخدمة العسكرية.


استقطبت دول مجلس التعاون الخليجي هذه الأفواج الكبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية أساساً لشغل الوظائف التي نشأت مع فورة النمو الاقتصادي، الناجمة عن اكتشاف النفط وارتفاع أسعار البترول في سبعينات القرن الماضي، ما أسفر أولاً عن استقطاب الأيدي العاملة الغربية في شركات اكتشاف وتصفية النفط، وتالياً عن ضخ مبالغ استثمارية ضخمة لدعم عمليات تشييد البنية التحتية التي نشطت فيها العمالة العربية والآسيوية. ومن بين الأسباب التي دعت دول المجلس لاستقطاب هذه الأعداد من العمالة الأجنبية قلة عدد مواطنيها بشكل عام مقارنة بالقدرات المادية والطموحات الجديدة التي أفرزها اكتشاف النفط، لكون التركيبة السكانية في الخليج تركيبة شابة، يشكل من هم دون سن 15 فيها نحو ثلث السكان حتى اليوم، على الرغم من انخفاض معدلات الخصوبة[2] .
 
وكما أشار عدد من باحثي المنطقة، فإن الأزمات المالية والركود الاقتصادي الذي شهده العالم في تسعينات العقد الماضي، إضافة إلى الحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق للكويت، كان له أثر ملحوظ في تقليل نسبة نمو العمالة الأجنبية في فترة التسعينات (على الرغم من استمرار ارتفاع أعدادها الإجمالية)، تلتها سنوات الألفية الثانية التي بشرت بارتفاع أسعار النفط وبناء المشاريع العقارية الضخمة في المنطقة[3]. ويتضح هذا في تقديرات السكان في البحرين والسعودية والكويت في الرسوم البيانية (4-6). ففي البحرين، تُشير البيانات إلى ارتفاع واضح في عدد الأجانب في سبعينات القرن الماضي، لا يتكرر إلا مع بدايات الألفية الثانية. وفي الكويت يبين منحنى السكان الأجانب ارتفاعاً واضحاً مع بدايات الألفية الثانية، كما هو الحال مع منحنى السكان الأجانب في المملكة العربية السعودية. وقد ساهمت سياسات سوق العمل، ونظام الكفالة بالتحديد، في تسهيل استقطاب الأيدي العاملة الأجنبية في القطاع الخاص، بينما أخذت حكومات المنطقة على عاتقها مسؤولية توظيف الأيدي العاملة الوطنية في القطاع العام[4].
 
رسم بياني رقم 3.6.4 – عدد السكان بحسب الجنسية للبحرين عبر السنوات
المصدر: بوابة البيانات المفتوحة والجهاز المركزي للمعلومات من تعدادات السكان وتقديرات السكان.
ملاحظة: السنوات الأولى في الرسم البياني غير متتالية.


رسم بياني رقم 3.6.5 -  عدد السكان بحسب الجنسية للكويت عبر السنوات (بالآلاف)
المصدر: الهيئة العامة  للمعلومات المدنية (الكويت)
 
رسم بياني رقم 3.6.6 -  عدد السكان بحسب الجنسية للمملكة العربية السعودية عبر السنوات (بالآلاف)

المصدر: الهيئة العامة للإحصاء ومصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، عن طريق gulfmigration.eu
ملاحظة: السنوات الأولى في الرسم البياني غير متتالية


ومما لا شك فيه أن المستويات التعليمية للأيدي العاملة الوافدة في دول المجلس عادة ما تكون متدنية نسبياً، فضلاً عن تركز تلك القوى في قطاعات اقتصادية ذات إنتاجية محدودة للعامل (وإنتاجية محدودة لعوامل الإنتاج). فعلى سبيل المثال، تشير الإحصائيات إلى امتلاك نحو 82% من الأيدي العاملة الأجنبية في قطر لمؤهلات الشهادة الثانوية وما أقل، بينما تصل هذه النسبة إلى 51% بين الأيدي العاملة الوطنية، ما يُشير إلى أن توزيع المستويات التعليمية أعلى بين المشتغلين من المواطنين مقارنة بالأجانب.[5] وفي السعودية تبلغ نسبة المشتغلين الأجانب من حملة الشهادة الثانوية فأدنى نحو 76% من إجمالي المشتغلين الوافدين، بينما تصل إلى 55% من المشتغلين المواطنين[6]. وفي عمان والكويت تشير الإحصائيات إلى نسب مشابهة.

ونُعيد القول هنا بأن تدني نسب تعليم العمالة الوافدة يمثل حقيقة غير مُدهشة، إذا ما نظرنا إلى سياسات سوق العمل وإلى القطاعات الاقتصادية التي تعمل فيها تلك القوى. حيث يعمل أكثر من نصف الأجانب في المملكة العربية السعودية (رسم بياني رقم (7)) على سبيل المثال في قطاعات التشييد (26% من إجمالي المشتغلين الأجانب)، وتجارة الجملة والتجزئة (21%)، وأنشطة الأسر المعيشية التي يتكون غالبيتها من عاملات وعاملي المنازل (13%)، وهي قطاعات لا تحتاج إلى أيدٍ عاملة ماهرة أو ذات تعليم جامعي. وبالمقارنة، يعمل العامل السعودي (رسم بياني رقم (8)) في قطاعات الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي (36%)، والتعليم (23%)، والصحة (7%)، وهي تقع ضمن نطاق عمل الحكومة بشكل عام. كما يعمل أكثر من نصف الأجانب في قطر في قطاع البناء والتشييد وقطاع تجارة الجملة والتجزئة،[7] وهي نسب شبيهة ببقية دول المجلس. وتشير بعض الإحصائيات الرسمية إلى ثبات أوجه توزيع المشتغلين على بعض القطاعات الاقتصادية عبر السنوات. فقد استمر تمركز العمالة الأجنبية في الكويت، على سبيل المثال، في قطاعات التشييد وتجارة الجملة والتجزئة والصناعات التحويلية بين عامي 2001 و2015، على الرغم من اختلاف الكويت نسبياً عن بقية دول المجلس من حيث اشتغال العمالة الأجنبية في الإدارة العامة والخدمات الحكومية أيضاً.
 
رسم بياني رقم 3.6.7– توزيع المشتغلين غير السعوديين بحسب القطاع الاقتصادي في عام 2016
المصدر: مسح القوى العاملة الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء الربع الثاني لعام 2016، جدول 45-62 و47-62.
 
رسم بياني رقم 3.6.8 – توزيع المشتغلين السعوديين بحسب القطاع الاقتصادي في عام 2016
المصدر: نفس المصدر السابق
 
رسم بياني رقم 3.6.9 -  توزيع المشتغلين غير الكويتيين بحسب القطاع الاقتصادي في عام 2015
المصدر: الإدارة المركزية للإحصاء (مسح القوى العاملة 2015)
 
رسم بياني رقم 3.6.10-  توزيع المشتغلين الكويتيين بحسب القطاع الاقتصادي في عام 2015
 
المصدر: الإدارة المركزية للإحصاء (مسح القوى العاملة 2015)
 

دور العمالة الوافدة في المنظومة الاقتصادية الحالية

على الرغم من ضعف المهارات لدى الأيدي العاملة الأجنبية، فإنها قد ساهمت في تحقيق ازدهار دول المجلس وتنمية شتى قطاعاته بلا شك، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع البنية التحتية والمشاريع العقارية، التي عادة ما يعزف عنها المواطن بسبب أجورها المتدنية أو بسبب النظرة الدونية لهذه الأشغال. ففي العقود الماضية، ساهم قطاع البناء والتشييد وقطاع تجارة الجملة والتجزئة، إضافة إلى قطاع المطاعم والفنادق، في زيادة الإنتاج ونسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والناتج المحلي بشكل عام، الذي غالباً ما تتجه إليه المنظمات الدولية والشركات الأجنبية من أجل تقييم اقتصاديات البلدان واتخاذ قرارات الاستثمار فيها. كما يُمكننا القول بأن توافر الأيدي العاملة الأجنبية بأجور متدنية ساهم في تسهيل البدء في المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول المنطقة.
 
ولعلَّ أهم فوائد وجود الأيدي العاملة الأجنبية هي مساهمتها في إبقاء أسعار السلع والخدمات منخفضة وثابتة إلى حد ما. فتوافر هذه العمالة بأجور متدنية يقلل من تكلفة إنتاج الشركات والمؤسسات، وتكلفة تجارة الجملة والتجزئة، وتكلفة التخزين، الأمر الذي يُساهم في خفض سعر السلع والخدمات التي يدفع ثمنها المُستهلك.[8] وبينما تختلف أسباب ارتفاع أسعار المستهلك (أو التضخم) من بلد إلى آخر، إلا أن إحصائيات صندوق النقد الدولي تعزو انخفاض نسبة التضخم السنوية في دول مجلس التعاون مقارنة بدول المنطقة وبالدول النامية[9] إلى دور العمالة الوافدة فيها[10].

ومن جهة أخرى، فقد أدى استقطاب العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون إلى مجموعة من التبعات السلبية، تطرق إليها عدد من باحثي المنطقة، أهمها ارتفاع نسبة البطالة بين القوى العاملة الوطنية، خصوصاً منذ تسعينات القرن الماضي، في ظل ارتفاع عدد الشباب الداخلين في سوق العمل و"الهبّة الديمغرافية"[11] التي تعيشها دول المجلس اليوم، إضافة إلى ارتفاع نسبة مشاركة النساء في سوق العمل[12]، حيث تُشير الإحصائيات المنشورة مع بدايات الألفية الثانية إلى ارتفاع نسبة البطالة في دول المجلس، حيث بلغت 11.6% في قطر عام 2001[13] ،و12.7% في البحرين بحسب تعداد السكان لعام 2001[14]، و14.4% في سلطنة عمان عام [15]2003، وهي نسب عالية لدول غنية بالنفط تتباهى بتوظيف نسب كبيرة من سكانها في القطاع الحكومي الذي طالما شكل مصدراً للأمن الوظيفي لأجيال المنطقة.
 
كما أشار تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 2013 إلى نسب النمو السلبية لإجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج (total factor productivity) في جميع دول الخليج في الفترة الأخيرة[16]. ويقيس هذا المؤشر مدى مساهمة التقنيات الحديثة والتكنولوجيا في رفع الإنتاج المحلي، الأمر الذي يؤكد تركز نسب النمو الاقتصادية التي حققتها هذه الدول مع استقطاب الأيدي العاملة الأجنبية في قطاعات سطحية تكنولوجياً، لم تُسهم في نقل مستويات الإنتاج إلى مستويات وأساليب العالم المتقدم. كما أشار نفس التقرير إلى انكماش معدل إنتاجية العامل في القطاع غير النفطي في دول المجلس باستثناء الكويت والسعودية، الأمر الذي تؤكده إلى حد ما بعض بيانات هيئة تنظيم سوق العمل في البحرين، التي أشارت إلى انكماش إنتاجية العامل في قطاعي الخدمات والصناعة، في ظل نمو بسيط جداً لإنتاجية عوامل الإنتاج منذ تسعينات القرن الماضي حتى عام 2009[17]. ويمثل هذان المؤشران، أي إنتاجية العامل وإنتاجية عوامل الإنتاج، ظاهرتين من ظواهر "الخلل الإنتاجي" الذي تحدث عنه عدد من باحثي الخليج[18].
 
وبينما يرى البعض بأن وجود القوى العاملة الأجنبية قد يرفع من الطلب على السلع والخدمات في السوق (حيث أن الوافدون هم مُستهلكون إضافيون يمكنهم الدفع بعجلة الاستهلاك وبالتالي الإسهام في رفد عملية التنمية)، إلا أن دخل تلك الفئات المحدود يُقيد قدرتها على رفع الطلب على السلع والخدمات، خصوصاً وأن نسبة كبيرة من هذا الدخل عادة ما تصدّر إلى الخارج عن طريق التحويلات المالية.

كما تطرق عدد من الباحثين إلى الآثار السلبية المتعلقة بتركيبة المجتمع وعاداته وتقاليده ومخاطر الفوبيا أو حالات السلوك العدواني ضد الأجانب، أو من قبل الأجانب ضد المواطنين نظراً للمعاملة غير السوية في العديد من الحالات.[19] وعلى الرغم من أهمية هذه التأثيرات السلبية إلا أنها خارج إطار هذا المقال.
 
العمالة الوافدة والرؤى الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي ومستقبل المنطقة

تتفق الرؤى الاقتصادية (وغير الاقتصادية) لدول مجلس التعاون في تقييم عدد من تحدياتها والطموحات المنوطة بها، إذ تُقر بداية بوجود تحديات سكانية تُحتم إجراء إصلاحات جديدة في اقتصاديات المنطقة من أجل توفير الوظائف المناسبة للمواطنين. فعلى سبيل المثال، تبدأ الرؤية الاقتصادية 2030 لمملكة البحرين بالإشارة إلى أفواج الشباب المقبلين على سوق العمل في الأعوام القادمة بمؤهلات جامعية أعلى نسبياً مقارنة بالأجيال الماضية، حيث ستواجه سوق عمل غير قادر على خلق الوظائف بالأعداد الكافية وبالأجور المناسبة إن لم تُحدَث تغييرات وإصلاحات جذرية في الاقتصاد.
 
إلا أن أبرز ما ترتكز عليه هذه الرؤى هو دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية المستقبلية، وبالتحديد في توظيف الأيدي العاملة الوطنية، حيث شددت رؤية 2030 للسعودية، على سبيل المثال، على تحويل دور الدولة تدريجياً من "مقدم أو مزود للخدمة" إلى "منظم ومراقب للقطاعات"، مع كون صندوق الاستثمارات للدولة "محركاً فعالاً لإطلاق بعض القطاعات الاستراتيجية التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة"، إضافة إلى عدد من الإصلاحات الأخرى، كإعادة هيكلة بعض المدن اقتصادياً والتركيز على الخدمات اللوجستية[20]. كما ذكرت رؤية قطر الوطنية ضرورة "قيام القطاع الخاص بتأدية دور أساسي في تحقيق التنمية المستدامة".
 
تسعى هذه الرؤى إلى التركيز على دور القطاع الخاص في ظل اقتصاد متنوع تنافسي معرفي مزدهر، ترتفع فيه نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل، مع تنمية مؤهلاتهم التعليمية والمهنية وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة مادياً وتشريعياً. وبينما نتفق مع أهمية إعطاء القطاع الخاص المجال للتوسع والتنمية، نرى الواقع يرسم صورة أخرى لاقتصاديات المنطقة، إذ تُشير تقارير صندوق النقد الدولي، على سبيل المثال، إلى إيجاد اقتصاديات دول المجلس لما يقدر بسبعة ملايين وظيفة جديدة خلال العقد الأول من الألفية الثانية، استحوذ القطاع الخاص على نحو 5.4 مليون منها، وقد شغلت العمالة الأجنبية نحو 90% من تلك الوظائف. أضف إلى ذلك هبوط مستويات إنتاجية العامل وإنتاجية عوامل الإنتاج كما ذكرنا سابقاً، ما يعني استمرار ضعف القطاع الخاص تقنياً وتفضيل توظيف العمالة الأجنبية فيه على الوطنية.
 
تشير هذه الوقائع إلى إخفاق جهود بعض دول المنطقة في تحقيق النجاح المطلوب. فقد حللت دراسة جديدة لصندوق النقد الدولي، باستخدام إحصائيات المنطقة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي وحتى عام 2014، مدى مرونة (elasticity) التشغيل على ضوء تغير نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، بحسب جنسية العمال، ووجدت أن ارتفاع (أو انخفاض) الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي له بالغ الأثر على المدى القصير والطويل في تشغيل الأيدي العاملة الأجنبية، بينما يبقى جامداً عندما يأتي الأمر لتشغيل الأيدي العاملة الوطنية[21]. معنى ذلك أنه على الرغم من قدرة القطاع الخاص على التحكم في عدد الأيدي الأجنبية العاملة فيه بطريقة تُناسب تكاليف الإنتاج والمبيعات، حسب وتيرة النمو والركود الاقتصادي، إلا أنه يبقى عاجزاً عن تغيير نسب تشغيل الأيدي العاملة الوطنية – وهو أمرُ بديهي إذا ما التفتنا للحقوق التي يضمنها المواطن في حال تشغيله، كعقد عمل طويل الأمد على سبيل المثال. وترى الدراسة أن نسب المرونة تدل على مدى مرونة سوق العمل بشكل عام وقدرته على النمو والانكماش متى ما استدعى الأمر، وهو ما يدعو للالتفات إلى تلك النسب بشكل جاد، سيما في ضوء التقديرات المتعلقة بأعداد المواطنين المقبلين على سوق العمل في السنوات القادمة، التي قُدرت بنحو مليوني باحث جديد عن العمل سنوياً في دول مجلس التعاون ككل بين أعوام 2014-2020.
 
يتطلب التحكم في مستويات ونسب نمو الأيدي العاملة الأجنبية مجموعة من الأدوات التي تعني بجانبين: جانب عرض القوى العاملة، من جهة العاملين والباحثين عن عمل، وجانب الطلب على القوى العاملة، من جهة القطاع العام والخاص. وقد تعرضت مجموعة من الكتاب والباحثين إلى عدد من هذه الأدوات. فمن جانب عرض القوى العاملة، تركز الحديث في شتى البحوث، فضلاً عن الرؤى الاقتصادية لدول المجلس، على رفع مستويات مشاركة المواطنين في سوق العمل. فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة مشاركة المواطنين من الرجال في سوق العمل القطرية 69% فقط حسب إحصائيات عام 2015،[22] مقارنة بمعدلات تقترب من 90% في بعض الدول المتقدمة. كما تتناول المقترحات ضرورة رفع نسبة مشاركة المرأة المواطنة في سوق العمل، إذ لا تزال تلك النسبة أقل من 50% في معظم دول الخليج باستثناء الكويت.[23] وقد وضعت رؤية الإمارات 2021 هدفاً واضحاً يتمثل في رفع نسبة المواطنين العاملين من إجمالي القوى العاملة المحلية، من 3.93% بتقديرات عام 2015 إلى 8% مع حلول عام 2021[24]. كما أشارت مجموعة من الباحثين إلى ضرورة رفع مستويات التعليم والتدريب المهني للمواطنين، بغرض تمكينهم من شغل بعض وظائف الأيدي العاملة الأجنبية وريادة الأعمال بأنفسهم، وهو ما شددت عليه جميع رؤى الخليج. لكن الخلل الرئيسي الذي أدى إلى التداعيات سالفة الذكر يكمن في سياسات الطلب على القوى العاملة وفي هيكلة الاقتصاد بشكل عام، وهو ما سنحدده في الفقرات التالية. 
 
وإن أكثر ما يُلاحظ في اقتصاديات دول مجلس التعاون هو اختلال الأسعار (أو القِيم) في شتى المجالات: سواء قيمة عمل الفرد، أي الأجور، أو قيمة السلع والخدمات. ففي الاقتصاديات المتقدمة وحتى تلك النامية غير النفطية، يجني الشخص أجراً مقابل عمله ومقابل القيمة التي يُساهم بها في إنتاج الشركة أو المؤسسة أو البلد، وهو مبدأٌ يسير عليه الفكر الاقتصادي الحديث. ويبدو أن رؤية 2030 للمملكة العربية السعودي تهدف إلى إعادة غرس ذلك المبدأ، حيث تكررت في عدد من أقسامها عبارة "ثقافة الجزاء مقابل العمل".[25] وبينما لا تتوفر الدراسات التي تقارن القيمة المضافة للأيدي العاملة الأجنبية أو الوطنية بمستويات الأجور (أو حتى مدى إسهامها في إجمالي الإنتاج للبلد)، إلا أنه يمكننا التكهن بضعف صلة أجور الأيدي العاملة الوطنية في القطاع العام بجهودهم أو قيمة عملهم، خصوصاً في ظل مفهوم الدولة الريعية التي بُنيت عليها اقتصاديات المنطقة، والتي ضمنت وظائف حكومية لعدد كبير من المواطنين دون الارتكاز على مدى فاعليتها، الأمر الذي أدى إلى انتشار البطالة المقنعة، أو كما قال د. علي الكواري، تفشي ثقافة "روح بيتك وخذ راتبك"[26].
 
كما يمكننا القول بطغيان اختلال قيم الأجور على القطاع الخاص أيضاً، خصوصاً فيما يتعلق بالأيدي العاملة الأجنبية. فإن وجود هذا العدد الكبير من الأيدي الأجنبية العاملة بأجور متدنية، إضافة إلى تفشي ظاهرة العمالة السائبة وظاهرة العمال غير النظاميين (التي حاولت المملكة العربية السعودية الحد منها في حملتها عام 2013، ورحلت جراء ذلك أكثر من مليون شخص)[27] يؤكد على وجود فائض من الأيدي العاملة الأجنبية التي لا تُقدم للبلد نسبة عالية من الإنتاج، سيما بالنظر إلى اشتغال أعداد كبيرة منها في قطاع تجارة الجملة والتجزئة، الذي يعمل عادة بأساليب متدنية تكنولوجياً (كالبقالات، مثلاً). يعني ذلك أن أسعار السلع والخدمات التي تسهم العمالة الوافدة في إنتاجها وبيعها متدنية بطريقة غير طبيعية (artificial) ولا تعكس قيمتها الحقيقية في السوق، وأن معدلات التضخم المنخفضة التي نعمت بها دول المجلس هي معدلات غير طبيعية لا تعكس القيمة الحقيقية لأسعار السلع والخدمات.
 
أضف إلى ذلك تأثير الدعم الحكومي لشتى أنواع السلع والخدمات، خاصةً دعم استهلاك الغاز والكهرباء للشركات والصناعات، الأمر الذي يؤدي إلى المغالاة في تقدير القيمة المُضافة لإنتاج هذه الشركات، الحكومية وغير الحكومية، وقدرتها على المنافسة في المنطقة وحول العالم. فالعديد من هذه الشركات، وخصوصاً في قطاع الصناعات التحويلية، يعتمد في ربحيته واستمراره إلى حد كبير على توفير النفط والغاز والكهرباء بأسعار مدعومة، لا بأسعار السوق، الأمر الذي يحد من استثمار تلك الشركات في تكنولوجيات ترفع من فعالية الإنتاج. وينطبق ذلك على الشركات المملوكة من قبل الدولة، على الرغم من كونها رائدة في توظيف الأيدي العاملة الوطنية.[28] وقد واجهت البحرين، على سبيل المثال، ردة فعل سلبية نوعاً ما من قبل الشركات الصناعية وغير الصناعية مع إعلان الخفض التدريجي لدعم النفط والغاز في السنوات المقبلة. إن الاقتصاد المزدهر الذي تطمح إليه دول مجلس التعاون في رؤاها الاقتصادية يعتمد في الأساس على مدى قدرة القطاعين الخاص والعام على تقديم قيمة مضافة حقيقية ومُستدامة بغض النظر عن ريع النفط، فضلاً عن قدرتها على الانخراط في سلسلة القيمة الإنتاجية.
 
وللدولة دور مهم في مدى توسع وتنمية القطاع الخاص من ناحية أخرى، يتمثل في أدائها دور المنافس الاقتصادي، ما يُسمى بأثر المزاحمة (crowding out effect). فوجود قطاع عام بحجم ما نجده في دول مجلس التعاون يُزاحم القطاع الخاص في مجالين. المجال الأول هو توفير عدد من السلع والخدمات التي يُمكن للقطاع الخاص أن يوفرها بربحية وبفعالية إن استثمر فيها بالطريقة الصحيحة، ومن ثم يحد القطاع العام من بعض فرص القطاع الخاص. أما المجال الثاني فهو رفع قيمة أجور المشاركة (reservation wage) للمواطنين، وهي الأجور النظرية التي لا يقبل العامل أن يشتغل في أي وظيفة بأقل منها[29]. فارتفاع أجور القطاع العام، خصوصاً للمستويات التعليمية الأقل نسبياً، يرفع من الأجر التحفظي للمواطن ويُشكل ضغطاً إضافياً على القطاع الخاص لرفع قيمة الأجور المُقدمة من قبله. وقد أشارت دراسة لصندوق النقد الدولي إلى وجود أثر تزاحمي للقطاع الحكومي على القطاع الخاص في عدد من مناطق العالم، منها الدول العربية بشكل عام، الأمر الذي يؤثر سلباً على نسب التشغيل في القطاع الخاص[30].
 
وعلى الرغم من محاولة دول المنطقة التأثير على القطاع الخاص من حيث سياسات التوطين، كفرض نسب معينة من الأيدي العاملة الوطنية في الشركات العاملة في بعض القطاعات (كبرنامج نطاقات في المملكة العربية السعودية)، فقد باء العديد من تلك السياسات بالفشل، ما يحتم إعادة النظر فيها. فوضع نظام الحصص النسبية ("الكوتا") هذا بدون مراقبة فعلية وصارمة من شأنه أن يزيد من تفشي ظاهرة العمالة الوهمية، أي وضع عدد من الأيدي عاملة الوطنية شكلياً على لائحة الأجور دون أن تعمل فعلياً في المؤسسات. كما يمكن لأنظمة الكوتا أن تكون تعسفية، توضع بلا دراسة دقيقة حول احتياجات القطاعات ومدى إمكانية إحلال الأيدي العاملة الوطنية فيها. ولعل السياسة الأفضل هي التي اتبعتها البحرين ونصح بها عدد من الباحثين، وهي رفع تكلفة العامل الأجنبي عن طريق الرسوم وتسهيل انتقاله من عمل لآخر وتأكيد حصوله على نسبة أكبر من الحقوق، الأمر الذي يجعله في موضع أقل منافسة مقارنة بالأيدي العاملة الوطنية[31]، مع ضرورة التوسع أكثر في هذه السياسات.
 
ولعل أهم الإصلاحات التي يجب على دول مجلس التعاون الشروع فيها تتمثل في إصلاح القطاع الخاص من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، إذ تطغي الأوليغاركية (أو سيطرة الأقلية من التجار وأصحاب العمل) على القطاع الخاص في شتى دول المجلس. ويتضح ذلك جلياً في وجود ما يُسمى بـ"وكالات" إنتاج واستيراد بعض السلع والخدمات، التي عادة ما تُسيطر عليها فئة من العائلات التجارية مثلاً أو المقربين من دائرة السلطة. وتشير دراسة بسيطة لبعض الشركات المُدرجة في أسواق الأسهم في دول الخليج، من حيث رؤوس الأموال والتمثيل في مجلس الإدارة، إلى الدور المهم الذي تؤديه العائلات التجارية في الكويت، مثلاً، حيث تسيطر تلك العائلات على نسبة عالية من رؤوس الأموال والتمثيل الإداري، والحال ذاته مع أفراد العائلة الحاكمة في قطر، الذين يمتلكون نسبة كبيرة من الأسهم في الشركات المدرجة في السوق.[32]

إن تشابك المال والسلطة[33] له بالغ الأثر في الحد من مقدار التنافسية في القطاع الخاص والحد من قدرة المواطنين على البدء بمشاريع تجارية جديدة وريادة الأعمال. وجديرٌ بالذكر هنا أن رؤى دول الخليج تحدثت كثيراً عن الالتزام بالتنافسية في إقتصادياتها، فهو أحد المبادئ الثلاثة التي بُنيت عليها الرؤية الاقتصادية 2030 للبحرين، وهو أحد دعائم الاقتصاد المرجو في رؤية الإمارات 2021، كما ذكرت رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية ضرورة "رفع مستوى التنافسية" في بيئة الأعمال، و"إتاحة الفرصة للجميع" لتحقيق اقتصاد مزدهر.
 
ويأتي هذا في ظل بعض النزعات التي يشهدها العالم، ودول الغرب بالتحديد، في السنوات الأخيرة، والتي يتبين منها ارتفاع حصة أصحاب رؤوس الأموال من الدخل بشكل عام وانخفاض حصة العمال منها (حيث يُقسم قابضي الدخل إلى أصحاب رؤوس الأموال والعمال)، ما من شأنه التأثير على العدالة الاقتصادية بين الأفراد، خصوصاً وأن غالبية الناس هم ممن يجني دخله عن طريق العمل وليس عن طريق امتلاك رؤوس الأموال. وقد تطرق العديد من الباحثين والكتاب ومشاهير الاقتصاد عن تفاقم مشكلة انخفاض حصة العمال من إجمالي الدخل في السنوات الأخيرة، فخرج الاقتصادي توماس بيكيتي على سبيل المثال ليوضح أن اتجاهات الدخل في فرنسا في القرن الماضي كانت نحو المزيد من الدخل لأصحاب رؤوس الأموال بشكل يُذَكر البلد بتاريخ الارستقراطية القديمة، لا بالنظام الذي يعتمد على المقدرة والعطاء الفردي (meritocracy)، حتى أصبح للإرث على سبيل المثال دور مهم في تحديد دخل الفرد ومستويات معيشته.[34] وقد برزت هذه التداعيات في ظل سياسات قللت من حماية العمال ومشاركتهم في اتخاذ القرار، والاتجاه نحو المزيد من الرأسمالية. كما ركزت مجموعة من كتابات الاقتصادي الحائز على جائرة نوبل، جوزيف ستيغليتز، على آثار هذا المسار الاقتصادي على العدالة الاقتصادية وعلى المجتمع بشكل عام في الولايات المتحدة الأمريكية[35].
 
يعتمد مستقبل الأيدي العاملة الوطنية والعمالة الأجنبية في سوق العمل الخليجية على نوعية الاقتصاد المراد تحقيقه. فبينما تعي دول المنطقة التحديات التي تواجهها وتضع جملة من الإصلاحات والحلول، لا يزال الوصول إلى رؤية واضحة حول الاقتصاد المرجو متعذراً، حيث تتشابك وعود إصلاح القطاع الحكومي كمراقب اقتصادي مع وعود ضخ استثمارات ضخمة في المنطقة، وتختلط آمال رفع نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل وريادة الأعمال مع استمرار توفير فرص عمل واسعة في القطاع الحكومي، وأخيراً تلتبس طموح العدالة والفرص المتساوية مع هيكلة اقتصادية تُشجع على توسعة دائرة المنتفعين و"الواسطة".
 
إن الرؤية المرجوة فيما يتعلق بالقطاع الخاص والأيدي العاملة الأجنبية تحتم الإجابة على سؤال مهم: ما المراد من العمالة الوافدة والأجانب؟ هل هو شغل الوظائف ذات المهارات البسيطة لكي يُفتح المجال للعمالة الوطنية لشغل الوظائف ذات الكفاءات العالية؟[36] أم هل هو إتاحة الفرصة أمام العمالة الوطنية لشغل كافة أنواع الوظائف والاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية في بعض الكفاءات العالية، كما أشارت إليه رؤية البحرين 2030 ورؤية قطر الوطنية 2030؟
 
يتمثل الطريق الأفضل في الاختيار الثاني. فمؤهلات مواطني دول الخليج تتفاوت من الأمي إلى الحاصل على شهادات أقل من الثانوية إلى من هم في مستويات جامعية متقدمة، وما تفتقر إليه دول الخليج هو نوع من التدريب المهني للشهادات الحرفية العالية (كما تفتخر به الدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا واليابان) تُمكِّن العمالة الوطنية، مع تغيير النظرة الدونية المتفشية، من الحلول محل العامل الأجنبي في العديد من القطاعات، مثل الميكانيكا والبناء وتجارة الجملة والتجزئة، بشرط استثمار القطاع الخاص في الرقي بإنتاجية هذه القطاعات، حتى تصل إلى مستويات العالم المتقدم الذي قلما يعتمد على الأيدي العاملة الوافدة في سوق عمله. 
 
وبذلك نقترح السبل التالية لمواجهة التحديات الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية، معتمدين على عدد من التوصيات المطروحة من قبل باحثي المنطقة والمؤسسات الدولية ومضيفين بعض الأدوات الأخرى:
 

1.      الحوافز المتعلقة بعرض القوى العاملة في السوق:

أ. رفع نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل، وخصوصاً النساء، بالاعتماد على مجموعة من السياسات، منها تغيير النظرة حول العمل في القطاع الخاص، وتسهيل البدء بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير بعض وسائل دعم الأجور المدارة بدقة، إضافة إلى سياسات تعني بالمرأة تحديداً كتسهيل توافر الحضانات ومراكز التعليم المبكرة، بما يمكن المرأة من دخول الحياة العملية وتأمين البيئة المناسبة لأطفالها في نفس الوقت.

ب. رفع المستوى التعليمي وتنويع مؤهلات المواطنين لتمكينهم من فتح أبواب جديدة للعمل وإحلالهم محل العامل الأجنبي، بما فيها التدريب المهني والتعليم الحرفي.

جـ. الارتقاء بدور العمالة الوطنية والأجنبية في صنع القرار، عن طريق تعزيز دور النقابات العمالية في الإنتاج، على سبيل المثال، وإشراكها في القطاع الخاص بصورة فعلية ملموسة، بتمثيل رسمي في مجالس إدارة الشركات، سيما الشركات الكبرى، لا على شكل مؤتمرات ونقاشات، وهي التجربة التي تفخر بها ألمانيا والتي حدت من تأثر نسب البطالة فيها بالأزمات المالية والاقتصادية الكبرى في العقد الأول من الألفية الثانية حتى سُميت بـ"المعجرة الألمانية"[37].
 

2.      الحوافز المتعلقة بالطلب على القوى العاملة في السوق:

أ. رفع تكلفة الأيدي العاملة الأجنبية عن طريق فرض الرسوم وإلغاء نظام الكفالة المتبع حالياً، والسماح للعامل الأجنبي باختيار عمله والانتقال إلى أعمال أخرى وإعطائه المزيد من الحقوق التي تتناسب مع المعايير الدولية وقوانين البلد والمبادئ الدينية والأخلاقية التي بُنيت عليها. وستؤثر هذه السياسات بشكل كبير في تركيبة القطاع الخاص واستثماره في التقنيات الحديثة التي ترفع من الإنتاج وفاعلية مدخلاته.

ب. التخلص من مواصفات الأوليغاركية في السوق وتشابك المال والسلطة، عن طريق فتح باب المنافسة على تقديم السلع والخدمات أمام الجميع. ويترتب على هذا المقترح تسهيل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة وحتى الكبيرة، سواء عن طريق الدولة نفسها (كما هو الحال مع مؤسسة تمكين وبنك التنمية في البحرين، مثلاً) أو عن طريق تطوير أسواق المال المحلية، بطريقة تشجع البنوك على تقديم مثل هذه التمويلات بدون فرض معدلات فائدة عالية.
 
جـ. النظر في استخدام الضرائب (مثلاً، على أرباح الشركات) مع سياسات التوطين وغيرها لتحفيز وتغيير هيكلة بعض مؤسسات القطاع الخاص. فمعظم دول العالم تعتمد على الضرائب، منخفضة كانت أم عالية، لإصلاح اختلالات الأسواق الاقتصادية وسوق العمل، وتستغل إيراداتها من الضرائب لإعادة توزيع الدخل للفئات الأكثر حاجة أو الأكثر تضرراً من اختلالات الإنتاج والسوق، أو لاستثماراتها في برامج تدريبية وغيرها.
 
ونذكر، ختاماً، أن النمو الاقتصادي المُستدام هو ذاك الذي يسمح يخلق فرص عمل لجميع فئات المجتمع ويرفع من مستوى معيشة الجميع، وهو ذاك الذي يجعل من دول المجلس ذات التركيبة السكانية الشابة جزءاً لا يتجزأ من سلسلة القيمة التي تقدمها تلك الدول للعالم من ابتكارات وجُهود أبنائها، وليس من ثرواتها الناضبة.
 
 
 

[1]-رؤية الإمارات 2012،<http://bit.ly/2nmFaeH>.
-إحصائيات السكان لدول الخليج (الهيئة العامة للإحصاء في الكويت، بوابة البيانات المفتوحة للبحرين، الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية، بوابة البيانات المفتوحة لعمان).
- د. عمر الشهابي، "تفاقم الخلل السكاني في دول مجلس التعاون: تاريخه وأسبابه ومعوقات مواجهته"، اللقاء السنوي الرابع والثلاثون لمنتدى التنمية، فبراير 2013.
[4]-عمر الشهابي، محمود المحمود، نورة الحسن، الخليج بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، ص 442 < http://bit.ly/2obp5M >.
[5]-مسح القوى العاملة (قطر: وزارة التخطيط والتنمية والإحصاء، 2015).
-[6]الكتاب الإحصائي السنوي (المملكة العربية السعودية: الهيئة العامة للإحصاء، 2015)، جدول 917.
[7]-مسح القوى العاملة (قطر: وزارة التخطيط والتنمية والإحصاء، 2015). جدول 12.
-[8]Omar Al-Ubaydli, “The Economics of Migrant Workers in the GCC,” The Arab Gulf States Institute in Washington, December 11, 2015 < http://bit.ly/2okledf >.
[9]-World Economic Outlook (IMF, 2016).
[10]-Labor Market Reforms to Boost Employment and Productivity in the GCC (IMF, OCT 2013).
[11]- يستخدم الأستاذ محمد ديتو هذا المصطلح في عدد من كتاباته، مثل ورقة "سكان البحرين 2010... نحو إعادة قراءة للخلل السكاني" المُقدمة في منتدى التنمية الرابع والثلاثون، فبراير 2013.
- [12]دلال موسى، الخليج بعد الانتفاضات العربية (الكويت: افاق، 2017)، المرأة وسوق العمل في الخليج، ص 298.
[13]- مسح القوى العاملة (مجلس التخطيط للأمانة العامة في قطر، 2002)، جدول (5).
[14]- التعداد السكاني (البحرين: بوابة البيانات المفتوحة، 2001)، جدول 04- 0801.
[15]- خصائص الباحثين عن عمل (المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، 2015).
[16]-Labor Market Reforms to Boost Employment and Productivity in the GCC (IMF, Oct 2013).
[17]قسم البيانات (البحرين: هيئة تنظيم سوق العمل)، جدول رقم (71) و(7).
-عمر الشهابي، سكان الخليج مظاهر الخلل وآليات المواجهة (الكويت: افاق ومنتدى التنمية، 2014)، ص 15.
-[19]أحمد مبارك سالم، "كثافة العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون وأثرها في سياسات التوطين"، مجلة رؤى استراتيجية، العدد (6)، أبريل 2016.
[20]- المصدر: رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية المتوفرة على الموقع الالكتروني: http://vision2030.gov.sa تحت محور "اقتصاد مزدهر استثماره فاعل".
[21]-Alberto Behar, “Comparing the Employment-Output Elasticities of Expatriates and Nationals in the Gulf Cooperation Council,” IMF 191/15, AUG 2015 < http://bit.ly/2opnwut >.
[22]-مسح القوى العاملة (قطر: وزارة التخطيط والتنمية والإحصاء، 2015).
-[23]دلال موسى، الخليج بعد الانتفاضات العربية (الكويت: افاق، 2017)، المرأة وسوق العمل في الخليج، ص 298.
[25]-"اقتصاد مزدهر فرصه مثمرة"، رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية < http://vision2030.gov.sa >.
-[26]د. علي الكواري، الشعب يريد الإصلاح في قطر... أيضاً (2012).
[27]-علي الصفار، الخليج والاخر (الكويت: آفاق، 2016)، "حملة تصحيح أوضاع العمالة الوافدة في المملكة العربية السعودية"، ص 221.
[28]-محمد ديتو، "نحو أسواق منتجة ومُستدامة في دول مجلس التعاون الخليجي: أبرز التحديات"، المنتدى العربي للتنمية والتشغيل، نوفمبر 2008.
-[29]لاحظ أن هذا يُعد أحد تأثيرات سياسات الطلب على القوى العاملة على مستويات عرض القوى العاملة في السوق، وبذلك تتشابك نتائج أدوات التحكم في سوق العمل.
[30]-Alberto Behar and Junghwan Mok, “Does Public-Sector Employment Fully Crowd Out Private-Sector Employment?” IMF WP/13/146, Jun 2013 < http://bit.ly/2owNzgC >.
[31]-Steffen Hertog, Arab Gulf states: an assessment of nationalisation policies (Gulf Labour Markets and Migration programme publications, 2014).
[32]-عمر الشهابي وآخرون، الخليج بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، طبيعة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون: ترابط المال والسلطة، ص 288.
[33]-Stephen Hertog, Princes, Brokers and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia (Cornell University Press, 2011).
[34]-Thomas Piketty, Capital in the Twenty-First Century (Belknap Press, 2014).
[35]-Joseph Stiglitz, The Price of Inequality: How Today’s Divided Society Endangers Our Future (W. W. Norton & Company, 2013).
[36]-Omar Al-Ubaydli, The Economics of Migrant Workers in the GCC (The Arab Gulf States Institute in Washington, 2015), < http://bit.ly/2nKUOSe >.
[37]- Ulf Rinne, Klaus F Zimmermann, “Another economic miracle? The German labor market and the Great Recession,” IZA Journal of Labor Policy, 9 October 2012 < http://bit.ly/2nZ32Im >.