مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.7 تأثير العمالة الوافدة على الاقتصاد السعودي - عصام الزامل

طباعة PDF
عصام الزامل
 

مقدمة

رغم مرور أكثر من 40 سنة على بداية الطفرة النفطية الأولى في السعودية، إلا أن الاقتصاد السعودي ما زال يعتمد كلياً على صادرات النفط، كما فشلت محاولات تنويع الاقتصاد خلال كل تلك الفترة، حيث لا يزال النفط يمثل أكثر من 80% من الصادرات،[1] كما تشكل إيرادات النفط أكثر من 90% من إيرادات الحكومة السعودية[2]. وتسعى هذه الورقة إلى تفسير أسباب فشل السعودية في التحول من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد منتج مستدام.
 
يعزو بعض الاقتصاديين هذا الضعف في النمو الاقتصادي والفشل في تنويع الاقتصاد إلى المرض الهولندي، وهو المرض الاقتصادي الذي يصيب بعض الدول التي تشكل الموارد الطبيعية نسبة كبيرة من صادراتها، حيث أن زيادة الصادرات من الموارد الطبيعية - كالنفط - تزيد من تدفق النقد الأجنبي وتؤدي إلى رفع الأسعار المحلية ورفع تكلفة الأيدي العاملة، ما ينجم عنه تآكل قطاع التصنيع بسبب ضعف قدرته على المنافسة، جراء ارتفاع تكلفة العمالة[3].
 
تقترح هذه الورقة بأنه على الرغم من تشابه السعودية مع الدول المصابة بالمرض الهولندي لكونها تصدر كميات كبيرة من مورد طبيعي واحد - وهو النفط - إلا أنها تختلف جوهرياً مع تلك الدول، ما يحول دون الجزم بإصابتها بذلك "المرض". ويكمن الاختلاف الرئيسي في سماح السعودية بتدفق أعداد كبيرة من العمالة الوافدة متدنية التكلفة إبان الطفرة النفطية الأولى في السبعينات من القرن الماضي، ما يشير إلى غياب العنصر الأهم للإصابة بالمرض الهولندي - وهو ارتفاع كلفة اليد العاملة - في الحالة السعودية. قد يكون السماح بدخول العمالة متدنية التكلفة بأعداد كبيرة عاملاً رئيسياً في تجنب المرض الهولندي بشكله التقليدي، أو بمعنى أدق إخفائه وليس القضاء عليه، ولكن هذا التدفق المفرط في العمالة الوافدة خلق تشوهات اقتصادية خطيرة أخرى.
 
تدفق العمالة الوافدة متدنية التكلفة والمهارة لم يكن السبب الوحيد الذي أدى إلى المشاكل الهيكلية الاقتصادية في السعودية، فهناك عوامل أخرى مهمة مثل ارتفاع أجور الوظائف الحكومية، وارتفاع أعداد الوظائف الحكومية، بالإضافة إلى الدعم الحكومي الكبير للطاقة وبعض الخدمات العامة. وفي حين أسهم كل من تلك العوامل في إفشال محاولات تنويع الاقتصاد ورفع الإنتاجية في السعودية، إلى أننا سنركز في هذه الورقة على الأثر الاقتصادي السلبي الناتج عن تدفق العمالة الوافدة وسبل معالجة هذا التشوه وتقليل الآثار الجانبية المرتبطة بعلاجه. تكمن أهمية هذا البحث في أنه يأتي في وقت تسعى فيه المملكة، مرة أخرى، لعملية تحول اقتصادي جديدة، خاصة مع الانخفاض الأخير في أسعار النفط، الذي جعل من مسألة الإصلاح الاقتصادي مسألة وجودية أكثر من كونها كمالية. ويمثل هذا البحث مساهمة لدعم هذا التوجه من قبل الحكومة السعودية.
 
تاريخ دخول العمالة الوافدة للسعودية

مع الطفرة النفطية في السبعينات بدأ التدفق المفرط للعمالة الوافدة، وهي عمالة متدنية المهارة في الغالب. ففي عام 1974 لم يتجاوز عدد الأجانب في السعودية 770 ألف، أي ما نسبته 12.5% من سكان السعودية البالغ عددهم 7 ملايين نسمة في ذلك الحين، وبعد عشر سنوات بلغ عدد الأجانب 2 مليون، أي ما نسبته 23% من سكان السعودية، واستمرت الزيادة بلا توقف رغم التباطؤ الاقتصادي في تلك الفترة، ليصل عدد الأجانب إلى حوالي 5 ملايين في عام 1994، أو ما نسبته 38% من السكان، أما اليوم فيبلغ عدد الأجانب أكثر من 10 ملايين، أي ما نسبته 50% من سكان السعودية البالغ عددهم حوالي 20 مليون نسمة[4]. أي أن عدد الأجانب ما بين 1974 و 2016 تضاعف أكثر من 1100%، بينما لم يرتفع عدد المواطنين السعوديين أكثر من 223% في نفس الفترة. وتشكّل العمالة الوافدة اليوم أكثر من 84% من العاملين في القطاع الخاص[5]، كما أن جلّ تلك العمالة متدنية المهارة والتعليم، حيث لا يتجاوز تعليم 80% من تلك العمالة الوافدة المرحلة الثانوية[6].
 
تزامنت الزيادة الكبيرة في أعداد الوافدين مع الطفرة النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية من صادرات النفط، حيث سمح هذا الارتفاع للحكومة بتوظيف غالبية المواطنين في القطاع العام. فمع نهاية الثمانينات، بلغ إجمالي عدد القوى العاملة السعودية حوالي 1.9 مليون، يعمل أكثر من 1.6 مليون منهم في القطاع الحكومي، ما يعادل حوالي 85% من إجمالي القوى العاملة السعودية، بينما لا يعمل أكثر من 300 ألف سعودي في القطاع الخاص، ولا تتجاوز نسبتهم 20% من إجمالي القوى العاملة في هذا القطاع والبالغ عددها نحو 1.5 مليون.[7] وتجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة من السعوديين العاملين في القطاع الخاص تشمل موظفي شركة أرامكو وسابك ومثيلاتها من الشركات شبه الحكومية ذات الوضع الخاص فيما يتعلق بنسب التوطين والمرتبات. وباستثناء مثل تلك الشركات ذات الوضع الخاص، كأرامكو وسابك، فقد بدا القطاع الحكومي أكثر جاذبية بالنسبة إلى المواطن السعودي من جميع النواحي، نظراً لزيادة معدل الرواتب في القطاع الحكومي على نظيره في القطاع الخاص بثلاثة أضعاف على الأقل، في حين تقل ساعات العمل في القطاع الحكومي بمعدل النصف مقارنة بساعات العمل في القطاع الخاص، فضلاً عن اعتبار الوظيفة الحكومية آمنة ومضمونة على عكس غالبية وظائف القطاع الخاص. كل تلك العوامل كانت كفيلة بأن تكون الوظيفة الحكومية هي الخيار الأول لكل السعوديين الباحثين عن عمل. وفي المقابل فتحَت الأبواب على مصراعيها لجلب العمالة الرخيصة من كل بقاع العالم، التي أغرت كلفتها المتدنية أصحاب العمل برغم كونها عمالة متدنية التعليم والمهارة. 

أثر تدفق العمالة الرخيصة على اقتصاد السعودية ودول الخليج

اليوم، وبعد أكثر من 40 سنة من تبني سياسة فتح باب الاستقدام وتوظيف غالبية المواطنين في القطاع الحكومي، ما زال الاقتصاد السعودي ودول الخليج يعتمد كلّياً على إيرادات صادرات النفط، إثر فشل تلك الدول في تنويع الاقتصاد وتنويع الصادرات، في حين يبقى القطاع الخاص في حالة ضعف شديد، مع تدني الأجور في جلّ وظائفه، وارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين، واستمرار التآكل في المستوى المعيشي لغالبيتهم، والتباطؤ الحاد في النمو الاقتصادي حتى اقترب من الصفر بعد انخفاض أسعار النفط عن مستوياتها القياسية. كل هذه الظروف ستزيد من صعوبة التعامل مع دخول أكثر من 4.5 مليون سعودي وسعودية لسوق العمل[8] بحثاً عن وظائف ملائمة في القطاع الخاص وعلى أجور تتناسب مع المستوى المعيشي السائد.
 
في بداية الطفرة الأولى ومع زيادة التدفقات النفطية، برزت حاجة اقتصادية حقيقية للعمالة الأجنبية، وقد كان لهذه العمالة دور حيوي في إنشاء البنى التحتية، التي كان من المفترض أن تمثل بدورها عاملاً مساعداً في رفع إنتاجية المواطن، فالطريق السريعة التي تعبّدها العمالة الوافدة ستسمح بوصول الموظف السعودي لمصنعه أو شركته في وقت أقصر، وسكك الحديد التي سيمدّها العامل الأجنبي ستسمح بنقل البضائع إلى الموانئ التي بناها الأجنبي أيضاً. سيبني العامل الأجنبي المدارس، وقد تكون هناك حاجة أيضاً إلى أن يتولى الأجنبي عملية التدريس، عندما كان كثير من مواطني الخليج لا يقرأ ولا يكتب. ولكن كل هذا كان يفترض أن يصب في اتجاه واحد: رفع إنتاجية المواطن السعودي والخليجي وبالتالي رفع إنتاجية الاقتصاد ككل.
 
يتمثل الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه السعودية ودول الخليج في الانحراف في سبل توظيف العمالة الأجنبية، من المساهمة في رفع سعة الاقتصاد من خلال تطوير البنى التحتيّة ورفع جاهزية المواطنين لاكتساب المعرفة المنتجة من خلال التعليم، إلى اضطلاع تلك العمالة بدور المشغل للاقتصاد بأكمله. لذا نجد العامل الأجنبي نشطاً في خطوط الإنتاج في المصانع، وهو البائع بالمحلات، وهو الحلاق والميكانيكي وسائق الشاحنة وموظف الاستقبال في الفندق، وهو المزارع والممرض والطبيب والمحاسب والمهندس، وهو أيضاً وفي كثير من الأحيان المدير لغالبية تلك المنشآت، بل وأحياناً يكون هو المالك لها أيضاً - على وجه غير قانوني. أصبحت العمالة الأجنبية هي المحرك للاقتصاد، حتى أن اقتصادات السعودية ودول الخليج ستشلّ بل وقد تتضوّر شعوبها جوعاً لو قررت تلك العمالة أن تغادر الخليج لسبب أو لآخر.
 
وقد دفع الإفراط في استقدام العمالة الأجنبية والاعتماد عليها في تشغيل كل الاقتصاد بالمواطن السعودي والخليجي إلى هامش عجلة الإنتاج، ما أدى إلى حرمانه من اكتساب المعرفة المنتجة عبر الانخراط في الأنشطة الاقتصادية. وبدل أن يستفاد من إيرادات النفط في تسريع وتنمية إنتاجية المواطن لتحريك عجلة الاقتصاد، استخدِمت تلك الإيرادات في تهميش المواطن والاعتماد على اليد العاملة الوافدة.
ولا شك في الانعكاس السلبي للاعتماد المفرط على العمالة الوافدة (متدنية التكلفة والمهارة) على قدرة السعودية واقتصادات الخليج على النمو بصيغة صحية، فضلاً عن حرمان مواطني تلك الدول واقتصادها من التحول التدريجي من الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط إلى الاقتصاد المنتج.
 
وفيما يلي، سنسلط الضوء على ثلاثة أضرار رئيسية تسبب بها الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة:
●       ضعف إنتاجية المواطنين
●        ضعف ريادة الأعمال
●       ضعف إنتاجية القطاع الصناعي
 
تأثير العمالة الوافدة على إنتاجية المواطنين

رفع إنتاجية المواطنين هو حجر الأساس للنمو الاقتصادي، وهو أحد أهم أهداف حكومات كل الدول، لأنه السبيل الوحيد لضمان الرفاهية المستدامة، وهو الحد الفاصل، اقتصادياً، بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة. استثمرت الحكومة السعودية - كما هو الحال مع بقية دول الخليج - مئات المليارات في قطاع التعليم، نجحت على إثرها في خفض نسبة الأمية من 60% قبل أربعين سنة إلى أقل من 5% اليوم[9]، ورفعت معدل سنوات الالتحاق الدراسي من 4 سنوات في 1980 إلى حوالي 9 سنوات في [10]2013. لكن رغم هذا النجاح النسبي في مجال التعليم وخفض نسب الأمية، إلا أن ذلك لم يتبلور في اقتصاد متنوع ولم ينجح في تحويل المواطن إلى مواطن منتج. يعزو بعض المختصين هذا الفشل إلى ضعف مخرجات التعليم، التي لم تصنع مواطناً ملائما للقطاع الخاص، لكن هذا الزعم لا يستند إلى أية أدلة ملموسة، خاصة كون أكثر من 75% من العمالة الوافدة لا تحمل أكثر من الشهادة الثانوية، وكثير منهم لا يقرأ ولا يكتب. فضلاً عن أن كثيراً منهم لا يحمل أية مهارات مسبقة، بل يكتسب تلك المهارات بعد قدومه للسعودية أو دول الخليج.
 
إنتاجية المواطن مرتبطة بالمخزون المعرفي الذي يكتسبه. هذه المعرفة التي يحتاجها المواطن هي المعرفة المنتجة وهي تختلف عن أنواع المعرفة الأخرى، وتختلف عن المعرفة التي نكتسبها في المدرسة أو الجامعة. محاولة رفع إنتاجية المواطن من خلال التعليم التقليدي هي كمحاولة تعليم قيادة الدراجة دون ركوبها، أو من خلال جلب متخصص في الفيزياء أو بطل العالم في الدراجات لتدريس طريقة ركوب الدراجة. حتى لو أمضى الراغب في تعلم الدراجة عشر سنوات من التعليم النظري على يد أفضل المختصين فإنه سيسقط من الدراجة مع أول ركوب. فمهارة ركوب الدراجة لا يمكن اكتسابها إلا من خلال الممارسة. لأنها من المهارات التي تصنف كمعرفة ضمنية (tacit knowledge)، وهذا النوع من المعرفة لا يمكن اكتسابه من خلال الكتب أو المحاضرات، ولكنه يكتسب ببطء وتدرج من خلال الممارسة[11]. ويقابلها المعرفة الظاهرة (explicit knowledge)، وهي المعرفة القابلة للانتقال دون ممارسة، كمعرفة قوانين الفيزياء أو معرفة الحقائق كالتاريخ والجغرافيا، وهي المعرفة التي يمكن اكتسابها في الفصول الدراسية والجامعات أو من خلال البحث في الإنترنت، على سبيل المثال.
 
قسمت إحدى الأوراق الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المعرفة إلى أربعة أنواع رئيسية[12]، أولها معرفة-ماذا (know-what)، وهي المعرفة القابلة للترميز والمرتبطة بالحقائق، كالمعلومات التاريخية أو الجغرافية أو غيرها. أم النوع الثاني فهو معرفة-لماذا (know-why)، وهي معرفة لماذا تحدث الأشياء والقوانين التي تحكمها، كعلوم الفيزياء وقوانينها. والنوع الثالث هو معرفة-كيف (know-how)، ويقصد بها المعرفة التي تمنح القدرة على فعل شيء، كقيادة الدراجة، أو تشغيل آلة معقدة. وأخيراً تأتي معرفة-من (know-who)، وهي المرتبطة بمعرفة الأشخاص، ومعرفة من يملك المعلومة أو المهارة المطلوبة. معرفة-ماذا ومعرفة-كيف هي المعارف التي يمكن اكتسابها من خلال التعليم والكتب والمحاضرات، وفي المقابل لا تكتسب معرفة-كيف إلا بالممارسة. وتثبت الدراسات أن معرفة-كيف هي العنصر الأهم في العجلة الإنتاجية،[13] وعادة ما تكون المعرفة المنتجة قائمة على معرفة-كيف.
 
وتثبت الشواهد التاريخية أن تنمية المعرفة المنتجة، وبالتالي نمو الاقتصاد، مرتبط أكثر بالممارسة وليس بالتعليم التقليدي. ففي بداية السبعينات الميلادية من القرن الماضي، قررت غانا زيادة الاستثمار في التعليم، وذلك لتحفيز نموها الاقتصادي على المدى الطويل. وقد كانت غانا وتايلاند بنفس المستوى التعليمي في تلك الفترة - وذلك بمعيار متوسط عدد سنوات الالتحاق بالمدارس - كما كانت في حينها متفوقة على تايلند في معدل دخل الفرد من الناتج المحلي، حيث كانت حصة الفرد في غانا حوالي 257 دولار مقارنة بـ 192 دولار للمواطن التايلندي. وبعد حوالي 15 سنة – أي في عام 1985 - نجحت غانا في التفوق على تايلند بعدد سنوات الالتحاق بالمدارس. في المقابل، ركزت تايلند في نفس الفترة على توسيع القاعدة الصناعية لديها وزيادة صادراتها من السلع للعالم. وبلغت صادرات تايلند في عام 1985 أكثر من 7 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز صادرات غانا في تلك السنة 500 مليون دولار. في الثلاثين سنة اللاحقة استطاعت تايلند أن تنمو باقتصادها ليصل معدل دخل الفرد من الناتج المحلي إلى أكثر من 5700 دولار للفرد، بينما لم يتجاوز الرقم في غانا 1900 دولار للفرد[14]. أي أن دخل الفرد من الناتج المحلي في تايلند وصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف دخل الفرد في غانا.
 
أسباب التفوق التايلندي على غانا نجد تفسيره لدى الاقتصادي الشهير ريكاردو هوزمان الذي يعمل كمدير لمركز هارفارد للتنمية الدولية والرئيس السابق للجنة التنمية في صندوق النقد الدولي. يفسر هوزمان هذا التباين الكبير في النمو الاقتصادي بين غانا وتايلند بأن المعرفة المنتجة أهم بكثير من المعرفة التي نكتسبها من خلال التعليم التقليدي، وهذه المعرفة المنتجة لا يمكن اكتسابها إلا بالممارسة. يقول هوزمان إننا قادرون على توقع النمو الاقتصادي لأي دولة على وجه أدقّ من خلال قياس ما تصنعه تلك الدولة وحجم صادراتها وتنوعه، فما تصنعه الدول يمثل المخزون المعرفي المنتج الأكثر قيمة بالنسبة إلى الاقتصاد[15].
 
تجربة شبيهة مرّت بها بنغلاديش. تُبرز هذه التجربة أهمية المعرفة المنتجة وأثرها البالغ على النمو الصناعي والاقتصادي، حيث تأسست في عام 1978 شركة ديش لصناعة الملابس في بنغلاديش، وعقدت عند تأسيسها اتفاقية شراكة مع دايوو الكورية، وعلى إثر هذه الاتفاقية أرسِل 126 بنغلاديشي إلى كوريا الجنوبية لمدة 6 أشهر للتدريب على تشغيل المصنع. بعد عودة المتدربين بسنتين – أي في عام 1980 - بدأ الإنتاج في مصنع ديش، ولم تتجاوز صادرات بنغلاديش من المنسوجات والملابس 6 ملايين دولار آنذاك. أما اليوم، فتربو صادرات بنغلاديش من المنسوجات والملابس على الـ 25 مليار دولار سنوياً، ممثلة أكثر من 80% من مجموع صادراتها. وبعد أن كانت بنغلاديش تحتل المرتبة الـ 74 في تصدير المنسوجات والملابس، صارت اليوم تحتل المرتبة الرابعة، كما تحتل المرتبة الثانية كأكبر مصدّر لملابس الماركات العالمية[16].
 
في دراسة قام بها باحثان من جامعة كارنيغي ميلون الأمريكية عن أثر المعرفة الضمنية (tacit knowledge) على التنمية الصناعية[17]، يشير الباحثان إلى أن الرحلة التدريبية التي قام بها 126 موظفاً من شركة ديش لكوريا الجنوبية  كانت بمثابة الشرارة التي نهضت بصناعة النسيج بكاملها في بنغلاديش. في هذه الدراسة تتبع الباحثان الموظفين الذين أسسوا شركة ديش وتدربوا في كوريا، ليتبين أنه بعد أربع سنوات من بدء الإنتاج في مصنع ديش، انتقل أكثر من 75% من موظفي المصنع الـ 126 لتأسيس شركات شبيهة في قطاع الملابس والمنسوجات، ونقلوا معهم خبرتهم التي اكتسبوها في شركتهم الأولى. حسب الباحثين، شكّل الـ 126 متدرباً البذرة الرئيسية في تنمية قطاع المنسوجات والملابس في بنغلاديش بأكمله. فبعد أن كان عدد مصانع الملابس يعد على الأصابع عند تأسيس مصنع ديش في 1980، وصل عددها في 1984 إلى أكثر من 294. أما اليوم فيتجاوز عدد مصانع المنسوجات والملابس في بنغلاديش الـ 4000 مصنع. وكان هذا النمو في قطاع المنسوجات سبباً رئيسياً في رفع معدل دخل الفرد في بنغلاديش أكثر من 300% خلال 30 سنة.
 
كما هو الحال مع استنتاج ريكاردو هوزمان، يركز الباحثان على صعوبة نقل المعرفة المكتسبة نظرياً، سواء عن طريق الكتب أو المحاضرات أو الغرف الدراسية، وضرورة اكتسابها بالممارسة. لذلك استعانت المنشآت الجديدة التي تنوي دخول قطاع النسيج والملبوسات بموظفي شركة ديش، كونهم يمتلكون تلك المعرفة المطلوبة لتشغيل خطوط الإنتاج بالمصنع، وهم القادرون على نقل المعرفة المطلوبة لموظفي المصنع الجديد. ومع اكتساب موظفي المصنع الجديد لتلك المعرفة، يستطيع هؤلاء نقل تلك المعرفة إلى مؤسسات جديدة، في دائرة مستمرة من نشر المعرفة لا تتوقف إلا بعد أن يصل حجم القطاع إلى أقصى مداه الممكن اقتصادياً. هذا النوع من المعرفة، الذي مكّن موظفي ديش من تشغيل المصنع وثم نقله لمصانع أخرى وموظفين جدد، يسمى معرفة-كيف (know-how) وهي المهارة أو القدرة على فعل الشيء، وهي من أنواع المعرفة الضمنية التي لا يمكن اكتسابها إلا بالممارسة، كمهارة قيادة الدراجة أو السباحة.
 
بنغلاديش كانت وما زالت من أسوأ دول العالم من ناحية البيروقراطية والفساد وهشاشة البنى التحتية، وهي من أضعف دول العالم تعليماً، كما تفتقر إلى أبسط عناصر التنمية الصناعية كمؤسسات التمويل. كل تلك العوامل لم تقف عائقاً أمام نمو قطاع المنسوجات والملابس، ولم تحل دون اكتساب العاملين في هذا القطاع المعرفة المطلوبة لرفع إنتاجيتهم. فهذه المعرفة ليست مما يدرّس في المدارس أو الجامعات، إنما تكتسب على الأرض من خلال الممارسة، بل إن غالبية المبتعثين من شركة ديش للتدريب في كوريا لم يحملوا إلا الشهادة الثانوية[18].
 
هذه الشواهد التاريخية تبيّن أحد الأسباب الرئيسية لعجز السعودية ودول الخليج عن بناء المواطن المنتج، فالمليارات التي تستثمرها تلك الدول في التعليم وفي ابتعاث مواطنيها لجامعات العالم لن تجدي نفعاً ما دام المواطن بعيداً عن ممارسة العمل المنتج. فقد حرمت الغالبية العظمى من المواطنين من العمل في القطاع الخاص لأكثر من 40 سنة، وذلك بسبب جلب الملايين من العمالة الوافدة متدنية التكلفة والمهارة، بينما يعمل المواطن في القطاع الحكومي الذي لا يسهم في مراكمة المعرفة المنتجة.
 
يعتبر توظيف غالبية مواطني السعودية والخليج في القطاع الحكومي أحد أوجه توزيع الثروة - سيما النفطية - بين المواطنين، ومن ثم رفع رفاهيته. لذا نشهد اليوم، وبسبب هذه السياسة، تضخماً في أعداد العاملين في القطاع الحكومي في السعودية، وارتفاعاً في كلفة المرتبات بلغ أكثر من 3 أضعاف خلال 15 سنة، حيث تجاوزت تكلفة الرواتب الحكومية اليوم الـ 480 مليار ريال[19]، وهو رقم مرتفع جداً ومرهق للميزانية، تحتاج معه الحكومة السعودية لسعر نفط يتجاوز الـ 55 دولار لتغطيته، وهذا مع افتراض أنه لن يكون هناك أي إنفاق على الصيانة ومشاريع الاستثمار، التي دأبت الحكومة السعودية على تخصيص حوالي 400-500 مليار ريال لها في السنوات الماضية.
 
لم يضغط هذا الإفراط في التوظيف الحكومي على ميزانيات السعودية ودول الخليج فحسب، ولم يقتصر ضرره على حرمان الاقتصاد من الاستفادة من إنتاجية هؤلاء المواطنين لإضافة القيمة بدل أن يشكلوا عبئاً على الميزانية، ولكنه أيضاً حرم القوى العاملة الوطنية من اكتساب المعرفة المطلوبة لرفع الإنتاجية. رفع إنتاجية المواطنين بالسعودية ودول الخليج لا يمكن أن يبدأ فعلاً إلا بعد دخول المواطنين بأعداد أكبر للقطاع الخاص، حيث تكتسب المهارات ويرتفع مخزون المعرفة المنتجة من خلال الممارسة.
 
تأثير العمالة الوافدة على ريادة الأعمال

تمثل ريادة الأعمال رافداً أساسياً للنمو الاقتصادي، وهي المصدر الأهم في خلق الوظائف والإبداع والابتكار[20]. لذلك استشعرت السعودية ودول الخليج في السنوات العشر الماضية أهمية ريادة الأعمال، وأطلقت العديد من المبادرات الحكومية لدعمها. كان هذا الاهتمام مدفوعاً برغبة في خلق الوظائف بعيداً عن القطاع الحكومي وتنمية القطاع غير النفطي. ورغم إنفاق مئات الملايين أو ربما المليارات في هذا المجال، إلا أن النتائج ما زالت ضعيفة ولا توازي حجم الاهتمام، وكان التضخيم الإعلامي أكبر بكثير من التأثير الاقتصادي الحقيقي لمشاريع دعم ريادة الأعمال.
 
تتشابه العوامل التي أضعفت ريادة الأعمال في السعودية ودول الخليج مع عوامل إضعاف إنتاجية المواطنين في الخليج، فهناك علاقة مباشرة بين ارتفاع فرص نجاح رائد الأعمال وبين خبراته السابقة المرتبطة بالمنشأة التي يرغب في تأسيسها. فكما أن المعرفة المنتجة لا تكتسب إلا من خلال العمل في القطاع الخاص، فإن المعرفة المطلوبة لريادة الأعمال لا يمكن اكتسابها إلا من خلال العمل بالقطاع الخاص أيضاً. بل إن ريادة الأعمال تتطلب مهارات وخبرات تفوق كثيراً المهارات المطلوبة لكي يصبح الفرد منتجاً كموظف. ورغم ذلك، فقد عملت كثرة من المبادرات الحكومية في السعودية والخليج على إقحام الطلاب حديثي التخرج في مجال ريادة الأعمال وتأسيس أعمالهم الخاصة، وذلك لأن النظرة السائدة بين العديد من المسؤولين ترى في ريادة الأعمال البديل الأمثل للوظيفة لتجنيب المواطن البطالة، ولا ترى فيها وسيلة لتعظيم الاستفادة ممّن يحملون مهارات مسبقة تسمح لهم بإنشاء شركاتهم الخاصة.
 
أحد النماذج الكلاسيكية لصناعة رواد الأعمال من خلال اكتساب الخبرة هو شركة فيرتشايلد سيميكندكتر Fairchild Semiconductor لصناعة المعالجات الإلكترونية، التي أسسها عام 1975 في جنوب سان فرانسسكو ثمانية شركاء كانوا يعملون معاً في شركة شوكلي للمعالجات. استطاعت فيرتشايلد بعد فترة وجيزة أن تحقق نجاحاً كبيراً في مجال صناعة المعالجات والدوائر الإلكترونية. ولكن تأثير نجاح شركة فيرتشايلد كان واسعاً في الغرب الأمريكي، وكان سبباً في نشوء وادي السيليكون. فمع نمو الشركة، بدأ بعض موظفيها الذين اكتسبوا الخبرة اللازمة في هذا المجال بترك الشركة وتأسيس شركاتهم الخاصة. وتم ذلك أحياناً بتشجيع من مالكي شركة فيرتشايلد الذين دعموا تأسيس الشركات الوليدة التي أسسها موظفوها السابقون. عشرات من الشركات الناجحة خرجت من رحم شركة فيرتشايلد، من بينها شركات تعد اليوم من أكبر شركات التكنولوجيا، مثل إنتل Intel وأيه إم دي AMD. وفي تقرير لمؤسسة إنديفور، وهي مؤسسة غير ربحية تهدف لدعم ريادة الأعمال في الدول النامية، حللت فيه نشوء وادي السيليكون وتطوره، ورصدت فيه حجم تأثير شركة فيرتشايلد، تبيّن أن أكثر من 92 شركة مدرجة في السوق خرجت بشكل مباشر أو غير مباشر من رحم شركة فيرتشايلد، ويبلغ مجموع قيمة تلك الشركات اليوم أكثر من 2.1 ترليون دولار، أي أكبر من الناتج المحلي لكندا أو الهند أو إسبانيا[21]. كل تلك الشركات ما كانت لتصل لهذا النجاح لولا اكتساب موظفيها الخبرة اللازمة لتأسيس شركاتهم من خلال العمل في شركة فيرتشايلد.

حالة شبيهة بنموذج فيرتشايلد نرصدها مع نشوء صناعة السيارات في ديترويت، حيث شكلت شركة واحدة في ديترويت، وهي Olds Motor Works، المصدر الرئيسي لغالبية مؤسسي شركات السيارات الناجحة في المدينة. وقد توصلت دراسة لستيفين كليبر، من جامعة كارنيغي ميلون، عن تاريخ نشوء صناعة السيارات في ديترويت[22]، إلى أن أحد أهم العوامل التي ميزت شركات صناعة السيارات الناجحة هي وجود مؤسس له خبرة سابقة في نفس المجال، وأن أهم سبب في تحول ديترويت إلى عاصمة لصناعة السيارات هو وفرة الرواد الذين اكتسبوا خبرة في المجال بفضل عملهم كموظفين في شركات أخرى لصناعة السيارات قبل تأسيسهم لشركاتهم.
 
هذه الدراسات التي تثبت أهمية شركات القطاع الخاص لتأهيل رواد الأعمال تدعمها الأرقام الكليّة لسلوك مؤسسي الأعمال الجديدة، حيث تشير دراسة لمؤسسة كوفمان المتخصصة في دعم رواد الأعمال في أمريكا، إلى أن أكثر من 75% من مؤسسي الأعمال الجديدة في أمريكا عملوا لست سنوات على الأقل كموظفين قبل تأسيس أول شركة لهم، في حين أسس أكثر من 47% شركاتهم بعد ما يربو على الـ 10 سنوات من اكتساب الخبرة كموظفين، كما أن متوسط الأعمار عند تأسيس أول شركة كان 40 سنة[23]. وأشارت دراسة أخرى إلى أن أكثر من 71% من مؤسسي أنجح 500 شركة في أمريكا استنسخوا أو عدلوا فكرة واجهوها خلال عملهم السابق[24].
 
رغم شح الأرقام المتعلقة بريادة الأعمال في السعودية بسبب تحفظ الجهات الداعمة في نشر بيانات تفصيلية وشح الدراسات في هذا المجال، إلا أن بعض المؤشرات تؤيد الاستنتاج القائل بالتأثير الكبير لاكتساب الخبرة العملية والمهنية في زيادة فرص نجاح المشاريع الناشئة، كما تؤيد الفكرة القائلة إن الوظيفة الحكومية لا تمنح الفرد أي مهارات أو معرفة ترفع فرص النجاح في ريادة الأعمال. فقد قمنا بتحليل رواد الأعمال المقبولين في مؤسسة إنديفور Endeavor الفرع السعودي، وهي مؤسسة غير الربحية تقوم باختيار أفضل رواد الأعمال بعد سلسلة من الاختبارات والمقابلات الطويلة، ولا يقبَل إلا الروّاد الذين وضعوا أقدامهم على طريق النجاح بوجه سليم، بهدف الإسهام في تسريع هذا النجاح من خلال توفير شبكة من العلاقات العالمية والمساعدات الاستشارية التي تقدمها إنديفور لهؤلاء. وقد قامت إنديفور منذ تأسيسها في السعودية قبل ثلاث سنوات بقبول 12 رائد أعمال، يمثلون نخبة رواد الأعمال السعوديين. وعند تحليل خلفيات هؤلاء الرواد، نجد أن أحد عشر رائداً منهم عملوا في القطاع الخاص قبل تأسيسهم لشركاتهم، بينما أسس واحد منهم فقط شركته قبل إكمال تعليمه الجامعي، كما لم يعمل أي منهم في القطاع الحكومي قبل تأسيسه لشركته. التركز العالي للرواد الناجحين ممّن عملوا في القطاع الخاص مؤشر إضافي على أن الخبرة والمعرفة المكتسبة بطريق العمل في القطاع الخاص تمثل عاملاً مهماً في زيادة فرص النجاح. وفي المقابل، يدل غياب أي رائد أعمال من القطاع الحكومي على محدودية إسهام القطاع الحكومي في رفع المستوى المعرفي والخبرة لإنجاح المشاريع الريادية. برز هذا التركز الكبير لرواد الأعمال من العاملين في القطاع الخاص على الرغم من قلة أعداد السعوديين في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع الحكومي، حيث لم تتجاوز نسبة السعوديين في القطاع الخاص مقارنة بالقطاع الحكومي أكثر من 20% في سنة تأسيس تلك الشركات.

بسبب تشبع القطاع الخاص بالعمالة الوافدة وانخفاض الأجور، بات من الصعب إقناع المواطن السعودي أو الخليجي بالعمل في هذا القطاع، مما ساهم في زيادة نسب البطالة. وقد اعتقدت الحكومة السعودية، وحكومات الخليج، بكون تشجيع الشباب على تأسيس أعمالهم الخاصة الوسيلة الأفضل لحل ارتفاع معدلات البطالة وتوفير مصادر دخل لهؤلاء الشباب بعيداً عن القطاع الحكومي. وهذه الاستراتيجية صحيحة من الناحية النظرية. ولكن ما لم تستوعبه تلك الحكومات هو أن السيطرة شبه الكاملة للعمالة الوافدة على قطاع الأعمال الخاصة، التي أضعفت بدورها من مستويات دخل الكثير من مؤسسات القطاع الخاص أيضاً، خاصة المؤسسات الصغيرة (وهو أمر مطابق لتأثير العمالة الوافدة على مستويات الأجور في القطاع الخاص)، كانت عاملاً مهماً في إفشال العديد من المشاريع الجديدة للمواطنين. كما أخطأت الحكومات عندما روّجت لريادة الأعمال في أوساط شرائح الشباب كافة، بما فيهم الشباب حديث التخرج، ومنهم من لم يعمل ليوم واحد في حياته، وتشجيعهم على أخذ القروض الحكومية لتأسيس أعمالهم الخاصة والهرب من شبح البطالة، لينتهي بهم المطاف بعد فترة قصيرة عاطلين عن العمل ومدينين لصناديق التمويل.
 
لن تنجح السعودية أو دول الخليج في بناء جيل من روّاد الأعمال الناجحين إلا بعد دفع كل المواطنين القادمين إلى سوق العمل للاشتغال في القطاع الخاص واكتساب الخبرة اللازمة. وهذا كفيل بأن يجعل أعداداً كبيرة منهم على استعداد لتأسيس أعمالهم الخاصة وخلق فرص استثمارية حقيقية تسهم في نمو الاقتصاد واستحداث الوظائف ذات القيمة العالية.
 
تأثير العمالة الوافدة على إنتاجية القطاع الخاص

تبرز وسائل رفع الإنتاجية باستخدام الآلة كإحدى أهم أسباب القفزات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها دول العالم المتقدم، تلك الآلة التي ساهمت في رفع إنتاجية اليد العاملة إلى مستويات غير مسبوقة، بواسطة تسريع العمليات الإنتاجية وأتمتة كثير منها، وقد ارتبط الاستثمار في الآلة بارتفاع مستويات الأجور للعمالة والرغبة في البقاء ضمن اقتصاد السوق التنافسي.
 
في بداية القرن التاسع عشر، عملت الغالبية العظمى من القوى العاملة في القطاع الزراعي. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عمل أكثر من 80% من القوى العاملة في قطاع الزراعة. أما اليوم، فلا تتجاوز نسبة العاملين في القطاع الزراعي في الولايات المتحدة 3%. نفس الأمر ينطبق على غالبية الدول المتقدمة، حيث لا تتجاوز نسبة العاملين في قطاع الزراعة في الدول المتقدمة 5%. ولم يأت هذا الانخفاض نتيجة لانخفاض إنتاج القطاع الزراعي في تلك الدول، إذ ارتفع الإنتاج الزراعي في الدول المتقدمة بنسب كبيرة خلال تلك الفترة. ففي عام 1900، عمل أكثر من 11.5 مليون أمريكي في القطاع الزراعي[25]، وسخّروا أكثر من 22 مليون حيوان من الماشية للمساهمة في الإنتاج[26]. ولم تتعد قيمة الإنتاج الزراعي الإجمالية آنذاك الـ 13 مليار دولار.[27] أما اليوم، فيوظف القطاع الزراعي في أمريكا أقل من 3 ملايين أمريكي[28]، إلا أنهم ينتجون ما قيمته أكثر من 230 مليار دولار.[29] ويعود السبب في انخفاض نسبة العاملين في القطاع الزراعي في الدول المتقدمة إلى الارتفاع الكبير في إنتاجية القطاع الزراعي، وهو ارتفاع يشكل الاعتماد المتزايد على الآلة أحد أهم أسبابه[30]، مما رفع من إنتاجية المزارع الواحد اليوم وجعله قادراً على إنتاج ما كان ينتجه 20 مزارعاً قبل مائة سنة.
 
وينطبق نفس الأمر على قطاع التصنيع، حيث عمل أكثر من 22 مليون أمريكي في قطاع التصنيع عام 1979، ممثلين حوالي 21% من إجمالي القوى العاملة في الولايات المتحدة[31]. أما اليوم، فقد انخفض عدد العاملين في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة لأقل من 13 مليون، وباتوا يشكلون أقل من 9% من إجمالي القوى العاملة[32]. يعزو البعض السبب الرئيسي لهذا الانخفاض في أعداد العاملين في قطاع التصنيع في الدول المتقدمة إلى هجرة هذا القطاع إلى الدول ذات اليد العاملة الرخيصة، ولكن الأرقام لا تؤيد هذا الاعتقاد، حيث لم يتوقف الإنتاج الصناعي في الدول المتقدمة عن النمو خلال العقود الماضية. فرغم انخفاض أعداد العاملين في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، مثلاً، إلا أن إنتاجها في هذا القطاع استمر في الارتفاع ليصل لذروته اليوم بإنتاج تتجاوز قيمته 2 ترليون دولار[33]. والسبب وراء ذلك هو الارتفاع الكبير في إنتاجية عامل المصنع، التي ارتفعت منذ 1950 أكثر من 300%[34].
 
ظهرت هذه الارتفاعات الكبيرة في مستويات الإنتاجية في بيئة سوق حر يعتمد على القطاع الخاص، وكانت العلاقة بين الرأسمالي الباحث عن الربح والعامل الباحث عن الأجر الأعلى عاملاً رئيسياً في تحفيز الرأسمالي للاستثمار في تحسين الإنتاجية. فالمنافسة في هذا السوق وارتفاع الإنتاجية ترفع مستويات الأجور، والمنشآت التي تتأخر في تحسين الإنتاجية تخرج من السوق. وكان من الصعب في هذه الاقتصادات استقدام العمالة الرخيصة لخفض كلفة اليد العاملة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين. لذلك لم يكن هناك خيار غير رفع الإنتاجية من خلال الاستثمار في رأس المال المنتج، كالمعدات والآلة، بالإضافة إلى التدريب والتحسينات الإدارية التي ترفع كفاءة المنشآت. وخلال القرن الماضي وحتى اليوم، كانت حصة الرأسمالي في الدول المتقدمة مقارنة بحصة العمالة شبه ثابتة، حيث كان الرأسمالي - مالك أو ملّاك المنشأة - يحصلون على ما نسبته 40% من ربح المنشأة، بينما تحصل العمالة على ما نسبته 60%.
 
في المقابل نجد وضعاً مختلفاً تماماً في السعودية والخليج بسبب الوفرة اللانهائية للعمالة متدنية التكلفة. فبينما تضطر الشركات في الدول المتقدمة للتنافس على مصدر ثابت من اليد العاملة - مواطنو الدولة - وبالتالي رفع أجور تلك العمالة بسبب هذا التنافس، فضلاً عن اضطرارها للاستثمار في رفع الإنتاجية بهدف البقاء، فإن الشركات في دول الخليج يمكنها دائماً الوصول لأرخص الأيدي العاملة في العالم. وفرة اليد العاملة الرخيصة أضعفت كثيراً الحوافز التي تدفع تلك الشركات للاستثمار في رفع الإنتاجية من خلال الأتمتة ومراكمة رأس المال المنتج. غياب ضغط تكلفة اليد العاملة يمكن استنتاجه بسهولة من خلال الحصة التي يحصل عليها الرأسمالي في دول الخليج، ففي حين أن المعدل في دول العالم المتقدم لا يتجاوز 40% لصاحب العمل، فإن النسبة في السعودية - وأغلب دول الخليج - تتجاوز 75% كحصة لصاحب العمل[35].
منذ ست سنوات بدأت الحكومة السعودية بفرض قوانين تهدف لرفع نسب التوطين في القطاع الخاص. ورغم أن تلك القوانين لم تكن كافية لعلاج تشوهات سوق العمل بشكل جذري، إلا أنها سمحت بدراسة تأثير التقليص النسبي في تدفق العمالة الوافدة.
 
شركة تمرية، وهي إحدى أشهر شركات إنتاج حلويات التمور في السعودية، مثلّت نموذجاً حياً لتأثير تلك السياسات على تحفيز رفع الإنتاجية. فقد قمنا بدراسة تأثير سياسات التوطين على الشركة، التي كان يعمل بها حوالي 60 عاملاً من غير السعوديين على خط الإنتاج. ورغم النمو السريع في مبيعات الشركة، إلا أن صعوبة الاستقدام بسبب سياسات وزارة العمل حرمت الشركة من التوسع بالسرعة الكافية لتغطية الطلب المتزايد، كما لم يمثل توظيف المواطنين خياراً مجدياً، وذلك لارتفاع تكلفتهم، مما سيؤثر سلباً على ربحية الشركة، خاصة أن الإنتاج يعتمد بشكل شبه كلي على اليد العاملة. وبسبب ذلك اضطرت الشركة للبحث عن وسائل بديلة تمكنها من زيادة الإنتاج دون الاعتماد على زيادة اليد العاملة، فقررت الشركة البحث عن وسائل لأتمتة عملية الإنتاج، وهو ما نجحت فيه الشركة، حيث قامت بشراء معدات صناعية ترفع من قدرتهم الإنتاجية وتقلل من كثافة استخدام اليد العاملة.
 
كانت إنتاجية العامل الواحد في خطوط إنتاج تمرية لا تتجاوز 1 كيلوجرام في الساعة، وفي المقابل كانت الطاقة الإنتاجية لخطوط الإنتاج المؤتمتة تتجاوز 2000 كيلوجرام في الساعة ولا تحتاج لأكثر من 15 عامل لتشغيلها، في حين لم تتجاوز كلفة تلك المعدات 3 ملايين ريال سعودي. وحتى لو افترضنا - من باب التحفظ - أن طاقتها الإنتاجية هي 1000 كيلوجرام فهذا يعني أن ما تنتجه تلك المعدات يوازي ما ينتجه 1000 عامل بالطريقة اليدوية غير المؤتمتة.
 
لو قدّرنا العمر الافتراضي لتلك المعدات بـ 10 سنوات وقمنا بحساب تكلفة العمالة الوافدة الموازية لإنتاجية المصنع، لوجدنا أن تكلفة العمالة خلال عشر سنوات تتجاوز الـ 150 مليون ريال - معدل راتب العامل 1300 ريال - وجلّ هذه المبالغ سيتم تحويلها إلى الخارج، أي أن مصنعا تكلفته 3 ملايين ريال يمكنه إنتاج ما يوازي إنتاج عمالة وافدة تكلفتها 150 مليون ريال. ولا يقتصر التوفير على صاحب العمل. فكل وافد أجنبي يكلف ميزانية الدولة حوالي 5000 ريال سنوياً،[36] أي أن مجموع التكاليف المتوقعة على الدولة خلال 10 سنوات – لو اعتمِد على العمالة الوافدة من دون أتمتة – سيتجاوز الـ 50 مليون ريال، في حين أن مصنعاً تبلغ تكلفته 3 مليون ريال فقط استطاع أن يوفّر أكثر من 200 مليون ريال على الاقتصاد على مدى عشر سنوات. بالإضافة إلى زيادة الربحية لمالك المنشأة وتقليل التكاليف الاقتصادية الكلية على السعودية، فإن ارتفاع هوامش الربح يعني أنه من المجدي توظيف القوى العاملة الوطنية برواتب أعلى، فهي بذلك مجدية للمواطن ومجدية لصاحب المنشأة.
 
ولم تقتصر فائدة الأتمتة في حالة شركة تمرية على صاحب المنشأة من خلال تقليل تكاليف الإنتاج ورفع هامش الربح، ولا على تقليل التكاليف الاقتصادية الكليّة على الدولة، ولا على زيادة الفرص الوظيفية المناسبة للمواطنين فحسب، ولكنها أيضاً أسهمت في خفض التكاليف على المستهلك النهائي. فقد سمح ارتفاع الطاقة الإنتاجية في خفض تكاليف الإنتاج وبالتالي تقليل السعر النهائي على المستهلك. وهو ما حدث فعلاً، حيث خفضت الشركة من أسعار منتجاتها بحوالي 10%.
 
كل تلك المنافع الناتجة من رفع الإنتاجية والأتمتة لم تكن لتتحقق لولا القيود على استقدام العمالة الأجنبية. فوفرة اليد العاملة الرخيصة تقلل الحافز في رفع الإنتاجية والأتمتة، مما يحرم الاقتصاد من أحد أهم أسباب نموه، كما ستؤدي على المدى الطويل إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين وبالتالي تآكل مستويات الرفاهية بينهم.
 
في جميع دول العالم المتقدم، يعتبر سوق العمل مغلقاً نسبياً، ومن الصعب جدا استقدام عمالة غير مواطنة، خاصة العمالة متدنية المهارة. وحتى في حالة وجود عمالة وافدة، فإن أجورها لن تقل عن الحد الأدنى للأجور في تلك الدولة، وهي عادة أعلى بأضعاف من الأجور التي تقبل بها العمالة الوافدة في دول الخليج. لذلك فإن القطاع الخاص في الدول المتقدمة، وضمن نظام السوق الحر، لم يملك خياراً غير رفع إنتاجية منشآته، ابتداءً من القطاع الزراعي ووصولاً إلى القطاع الصناعي، مدفوعاً بالارتفاع المستمر في مستويات الأجور لمواطني تلك الدول.
 
لأكثر من أربعة عقود، غاب الحافز الاقتصادي الذي يدفع القطاع الخاص في السعودية ودول الخليج لمراكمة رأس المال المنتج، ولم يضطر القطاع إلى أتمتة عملياته لرفع الإنتاجية وتقليص الاعتماد على اليد العاملة، التي كانت متوفرة دائماً. وقد أدى ذلك إلى إضعاف نمو القطاع الخاص، خاصة القطاع الخاص غير المرتبط بالإنفاق الحكومي، وقطاع التصنيع الذي يمثل أهم قطاع لتقليص الاعتماد على النفط. إلا أن تقليص قدرة القطاع الخاص على استقدام العمالة الوافدة كفيل بإعادة التوازن وزيادة حافز رفع الإنتاجية وتقليل الاعتماد على اليد الرخيصة، كما سيأتي.
 
كيف نحل مشكلة العمالة الرخيصة؟

سوف تحتاج الآثار السلبية البالغة جراء فتح باب استقدام العمالة على مصراعيه في السعودية ودول الخليج إلى سنوات طويلة لعلاجها، كما سيكون لهذه الإصلاحات تكاليف اقتصادية وسياسية واجتماعية باهظة على المدى القصير والمتوسط. ولكن تأخير العلاج سيعمّق تلك الآثار السلبية وسيزيد من تشوّه الهيكل الاقتصادي للسعودية ولدول الخليج، وستكون آثار تأخير العلاج أشدّ كلفة من جميع النواحي، وقد يؤدي هذا التأخير إلى تهديد حقيقي لاستقرار تلك الدول.
 
أولى خطوات علاج المشكلة تبدأ عبر البدء الفوري في تقليص أعداد العمالة الداخلة لسوق العمل في السعودية ودول الخليج إلى حدها الأدنى. وأنجح الطرق وأكثرها فاعلية لتحقيق هذا الهدف من دون خلق تشوهات أخرى هو فرض ضريبة تدفعها منشآت القطاع الخاص على كل عامل لديها من غير المواطنين، بحيث تكون الضريبة مرتفعة بدرجة كافية لتقلص من حجم صافي الطلب على العمالة الوافدة، وفي نفس الوقت لا تكون مرتفعة بدرجة تؤدي إلى أضرار فادحة على القطاع الخاص. ومع تلك الضريبة يفترض مبدئياً إزالة شروط نسب التوطين، وذلك لأنها أدت إلى تشوهات أكبر في سوق العمل، كالتوطين الوهمي بهدف الحصول على تأشيرات لاستقدام العمالة. فارتفاع التكلفة كفيل في المراحل الأولى بتقليص الفجوة بين تكلفة العمالة الوافدة وبين تكلفة المواطن، وهو حافز لشركات القطاع الخاص لكي ترفع من إنتاجيتها، مما سيمكنها من دفع أجور أعلى للمواطنين لاحقاً.
 
الخطوة التالية تتمثل في تحرير تنقل العمالة داخل الدولة وإلغاء نظام الكفيل، لأن أحد الآثار السلبية للنظام الحالي هو حؤوله دون نشر المعرفة المنتجة المكتسبة في أرجاء الاقتصاد الوطني. فالعامل الوافد يراكم المعرفة المنتجة من طريق الشركة التي يعمل فيها، ولكنه لا يستطيع في غالب الأحوال الانتقال لمنشأة أخرى ونشر المعرفة التي اكتسبها، حيث أن قدرة القوى العاملة على نشر المعرفة المنتجة يعدّ عاملاً مهماً للنمو الاقتصادي، كما اتضح سالفاً في حالة قطاع النسيج والملبوسات في بنغلاديش أو قطاع التقنية والسيارات في الولايات المتحدة الأمريكية.
 
بالتوازي مع تقليص استقدام العمالة الأجنبية، يجب على الحكومة السعودية وحكومات دول الخليج أن تقلّص من التوظيف الحكومي، وتتوقف عن استخدام تلك الوظائف كوسيلة لتوزيع الدخل، حيث يفترض أن يكون التوظيف الحكومي مبنيّاً على الاحتياج الحقيقي من قبل المؤسسات الحكومية. ومع التضخم الحالي في أعداد الموظفين في كل دول الخليج، لا يبدو أن هناك أي حاجة لزيادة أعداد الموظفين الحكوميين، بل قد يكون من الأجدى تقليص أعدادهم. تقليل التوظيف الحكومي سيقلّل بدوره من صعوبة توظيف المواطنين في القطاع الخاص. فما زال الخيار الأسهل والأفضل للمواطن، حسب ما أشرنا في بداية الورقة، هو العمل في القطاع الحكومي. وعلى هذا، يفترض أن تساوي الأجور التي يطلبها المواطنون من القطاع الخاص أجورهم في القطاع الحكومي، إن لم تتجاوزها. وهذا الأمر غير ممكن في كثير من الأحيان، بسبب ضعف القطاع الخاص. لذا فإن عدم وجود خيار التوظيف الحكومي بالنسبة إلى الباحثين عن عمل، سيخفض من الأجر التحفظي Reservation Wage الذي يطلبه الباحث عن عمل. كما يجب على الحكومات أن تسهم في تقليل تكلفة اليد العاملة الوطنية في تلك المرحلة الانتقالية، وذلك عن طريق دعم أجور المواطنين العاملين في القطاع الخاص. وذلك من خلال استخدام إيرادات الضرائب على العمالة الوافدة في دعم أجور المواطنين.
 
كيف نقلل من الآثار الجانبية لسياسات تقليل تدفق العمالة الأجنبية؟

الحلول المقترحة أعلاه، وإن كانت ضرورية، إلا أنها تتضمن آثاراً اقتصادية سلبية على المدى القصير والمتوسط. فكما ذكرنا في بداية الورقة، في حين لا تعاني السعودية ودول الخليج من المرض الهولندي، وذلك بسبب وفرة العمالة الرخيصة، فالواقع أنها لم تعالج المرض وإنما أخفت أعراضه من خلال السماح بتدفق العمالة الرخيصة، التي تسببت بدورها بأضرار أسوأ من أعراض المرض الهولندي.
 
رفع تكلفة العمالة من خلال الضرائب أو غيرها من الوسائل سيعيد ظهور أعراض المرض الهولندي للسطح، وفي الوقت الذي تحتاج فيه السعودية ودول الخليج أن تنوّع اقتصادها وبالتحديد أن تنوع صادراتها، كونها تعتمد حالياً بشكل شبه كلي على صادرات النفط. تنويع الصادرات لن يكون ممكناً إلا من خلال زيادة حجم قطاع التصنيع. وبسبب طبيعة هذا القطاع، فإن تكلفة اليد العاملة تشكل عنصراً أساسياً في قدرته على المنافسة والاستمرار لأنه معرّض للمنافسة الخارجية، خاصة في بداية مراحل نموّه.

لذلك يجب أن تتفاوت ضريبة العمالة الوافدة بناءً على القطاع، فيفرَض الحد الأدنى من الضريبة على القطاعات الضرورية لإصلاح الاقتصاد، سيما تلك التي لا يمكنها النمو في مراحلها الأولى إلا باليد العاملة الرخيصة، كقطاع التصنيع. في المقابل، ترتفع الضريبة إلى حدها الأقصى على القطاعات التي تضيف قيمة محدودة إلى الاقتصاد، كقطاع التجزئة. من شأن ذلك أن يكون كفيلاً بتوفير اليد العاملة الرخيصة لقطاع التصنيع، وفي نفس الوقت لن يكون العامل الأجنبي مجدياً للمؤسسات التي تعمل في القطاعات ذات القيمة الاقتصادية المنخفضة كقطاع التجزئة.
 
ولكن لأن قطاع التصنيع ضروري للتحول الاقتصادي الشامل من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد منتج، ولأنه أيضاً أحد أهم مصادر اكتساب المعرفة المنتجة للقوى العاملة، فإنه يجب دعم أجور القوى العاملة الوطنية التي تعمل في القطاعات المهمة كقطاع التصنيع بشكل أكبر، بحيث لا يحرَم المواطنين من اكتساب المعرفة المنتجة، ولكي تنجَز مهمة بناء جيل جديد من المواطنين ممن يحملون الخبرة في مجال التصنيع والقادرين على تأسيس مصانعهم الخاصة.
 
خاتمة

تمرّ حكومات السعودية ودول الخليج اليوم باختبار حقيقي، فالانخفاض الحاد في أسعار النفط أوقف عجلة النمو الاقتصادي، حيث كان هذا النمو يعتمد بشكل شبه كلي على نمو الإنفاق الحكومي وعلى تدفق اليد العاملة الأجنبية، والوضع مرشح أن يكون أكثر سوءا في حال استمرار أسعار النفط في مستوياتها الحالية (أقل من 60 دولار). وما لم يصلَح الهيكل الاقتصادي المشوّه فإن الاستقرار السياسي والاجتماعي سيكون مهدداً، فتآكل المستوى المعيشي للمواطنين وارتفاع البطالة بينهم ستشكل تهديداً حقيقياً للعقد الاجتماعي بين شعوب الخليج وحكوماتها. وتزداد هذه المشكلة حدة على ضوء فشل كل استراتيجيات التنويع الاقتصادي خلال الأربعين سنة الماضية، حيث لا تزال السعودية وكل دول الخليج معتمدة بشكل أساسي على إيرادات النفط.
 
كانت هناك محاولات كثيرة لتفسير الفشل المستمر للحكومة السعودية وحكومات دول الخليج في تنويع اقتصاداتها وصادراتها وتقليل الاعتماد على النفط. فمن المختصين من يربط هذا الفشل بضعف المؤسسات الحكومية أو الفساد، وهناك من يربطه بضعف التعليم، بينما يعزو آخرون عجزنا عن النمو الاقتصادي إلى إصابتنا بالمرض الهولندي. ولكن السبب الذي أغفله كثير من المختصين هو الضرر الجسيم الذي تسبب به التدفق اللامحدود للعمالة الوافدة الرخيصة متدنية المهارة.
 
فقد فتحت السعودية ودول الخليج أبوابها للعمالة الوافدة في منتصف السبعينات مع بداية الطفرة النفطية الأولى. وارتفعت نسبتهم في السعودية من أقل من 13% من عدد السعوديين في عام 1974 إلى أكثر من 50% من عدد السعوديين اليوم، حيث تضاعفت أعداد الوافدين بأكثر من 1100% بين عامي 1974 و2016، بينما لم يرتفع عدد المواطنين السعوديين بأكثر من 230% في نفس الفترة. وتشكّل العمالة الوافدة اليوم أكثر من 84% من العاملين في القطاع الخاص. جلّ تلك العمالة متدنية المهارة، حيث أن أكثر من 75% من هؤلاء لا يتجاوز تعليمهم المرحلة الثانوية.
 
كان دافع الحكومة السعودية وحكومات دول الخليج لفتح الأبواب للعمالة الوافدة هو المساهمة في الاستفادة من زيادة إيرادات النفط لبناء البنى التحتية لتلك الدول، كما أن تلك العمالة استخدمت كوسيلة لتوزيع الثروة ورفع الرفاهية بين المواطنين. يكمن الخطأ الذي ارتكبته حكومات الخليج في عدم حصر دور العمالة الوافدة في تسريع بناء البنى التحتية، حيث اعتمِد عليها في كل مناحي الاقتصاد، وبشكل شبه كلّي.
 
لم تلتفت الحكومة السعودية ودول الخليج إلى ضرر هذا التدفق المفرط للعمالة الوافدة إلا بعد أن ارتفعت مستويات البطالة بين المواطنين. ولكن تأثير التدفق المفرط للعمالة الوافدة لا يقتصر على ارتفاع مستويات البطالة، فلهذا التدفق تأثير سلبي أشد وأعمق، ساهم في تشويه هيكل الاقتصاد وأعاق النمو الاقتصادي الحقيقي، كما كان عاملاً أساسياً في فشل دول الخليج في التحرر من الاعتماد على إيرادات النفط.
 
أدى التدفق المستمر للعمالة الوافدة إلى إضعاف أهم ثلاثة عناصر للنمو الاقتصادي: تراكم المعرفة المنتجة وريادة الأعمال وتراكم رأس المال المنتج. فلا يمكن أن تتراكم المعرفة المنتجة لدى المواطن في ظل انعدام الممارسة وإبقاء المواطن بعيداً عن القطاع المنتج (القطاع الخاص). كما أن المعرفة المنتجة التي تكتسبها العمالة الوافدة لا يستفاد منها بشكل كاف، لأن تلك العمالة تأتي لدول الخليج بشكل مؤقت ولسنوات معدودة، كما أن صعوبة انتقالها بين مؤسسات القطاع الخاص يبطئ من انتقال المعرفة المنتجة بين مؤسسات القطاع الخاص. هذا وقد أضعف تدفق العمالة الوافدة قطاع ريادة الأعمال، فكما هو الحال مع المعرفة المنتجة، فإن المعرفة المطلوبة لرفع فرص نجاح رواد الأعمال لا يمكن اكتسابها إلا في القطاع الخاص وبالممارسة. ولذلك فإن ضعف تمثيل المواطن في القطاع الخاص قلّل كثيراً من أعداد المواطنين المؤهلين لتأسيس شركات قادرة على النجاح والمنافسة. وأخيراً، فإن انخفاض تكلفة اليد العاملة قتل أي حافز لرفع الإنتاجية في المنشآت، فنجدها لا تستثمر في الأتمتة ولا في التدريب. ثلاثة أركان رئيسية لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو بدونها أدى تدفق العمالة إلى هدمها.
 
لا يمكن للسعودية ودول الخليج أن تضع أقدامها على طريق التنويع الاقتصادي الحقيقي وتبدأ رحلة تقليص الاعتماد على النفط إلا من خلال رفع مستوى الإنتاجية بين مواطنيها وفي قطاعها الخاص. ولن يتهيأ ذلك إلا إذا بدأت حكومات الخليج في تقليص أعداد العمالة الوافدة. والوسيلة الأنجح لذلك هي فرض الضرائب على كل عامل وافد تدفعها المنشآت التي تستفيد من ذلك العامل. هذه الخطوة كفيلة، في المرحلة الأولى، بتقليص تدفق العمالة الوافدة. وفي المقابل، يجب الاستفادة من إيرادات تلك الضريبة في دعم أجور المواطنين لتقليص الفجوة بين أجور المواطنين والوافدين. كما يجب أن يكون هناك تمييز بين قطاعات الاقتصاد المختلفة، حيث يجب أن تفرَض الضرائب بحدها الأعلى في القطاعات الأقل إسهاماً في دفع الاقتصاد السعودي والخليج برفع الإنتاجية، مثل قطاع التجزئة وكثير من قطاعات الخدمات. وفي المقابل، تفرض الضرائب بحدها الأدنى في البداية على القطاعات الأكثر إسهاماً في تنويع الاقتصاد، مثل قطاع الصناعات التحويلية.


 
 

[1]-Callen, M.T., Cherif, R., Hasanov, F., Hegazy, M.A. and Khandelwal, P., Economic diversification in the GCC: Past, present, and future (2014), P. 8.
[2]-McKinsey & Company, Saudi Arabia beyond oil: The investment and productivity transformation (London: McKinsey Global Institute, 2015), P. 12
[3]-Ismail, K., 'The Structural Manifestation of the 'Dutch Disease’: The Case of Oil Exporting Countries' (IMF Working Papers, 2010), pp 1-36.
[4]-مؤسسة النقد العربي السعودي، الاحصاءات السنوية 2016 (مؤسسة النقد العربي السعودي، 2016)، جدول رقم 38
-[5] المصدر السابق، جدول رقم 44
-[6]وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية، الكتاب الاحصائي السنوي لعام 1435 (وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية، 1435)، صفحة 110، جدول 47.
[7]-Al-Asmari, M.G.H., Saudi labor force: Challenges and ambitions (JKAU: Arts & Humanities, 2008), 16(2), pp 26-38.
[8]- McKinsey & Company, Saudi Arabia beyond oil: The investment and productivity transformation (London: McKinsey Global Institute, 2015), p. 15.
[9]- واس، " المملكة تحتفل بخفض نسبة الأمية من 60 % إلى 4 % خلال أربعين عاماً،" جريدة الرياض، 8/9/2012، <http://www.alriyadh.com/766315 >.
[10]-Barro and Lee (2013), (UNESCO Institute for Statistics, 2013), 2013b.
[11]-Hausmann, R., “The Tacit Knowledge Economy,” Project Syndicate, Oct 30, 2013 < http://bit.ly/2plfsLK >.
[12]-OECD, THE KNOWLEDGE-BASED ECONOMY (Paris: ORGANISATION FOR ECONOMIC CO-OPERATION AND DEVELOPMENT, 1996), p. 12.
[13]- Hausmann, R., “The Tacit Knowledge Economy,” Project Syndicate, Oct 30, 2013 < http://bit.ly/2plfsLK >.
[14]-Hausmann, R., Hidalgo, C.A., Bustos, S., Coscia, M., Simoes, A. and Yildirim, The atlas of economic complexity: Mapping paths to prosperity, (M.A: MIT Press, 2014), p. 35.
[15]- المصدر السابق، ص18.
[16]- Paul, R. and Quadir, S.,” Bangladesh urges no harsh EU measures over factory deaths,” Dhaka: Reuters, 4 May 2013, < http://reut.rs/2nQUXqg >.
[17]- Mostafa, R., & Klepper, S., Industrial development through tacit knowledge seeding: Evidence from the Bangladesh garment industry (Mimeo, 2010), < http://bit.ly/2plqCjX >.
  [18]-نفس المصدر السابق.
[19]-وثيقة برنامج التحول، ص 26.
[20]-Valliere, D. and Peterson, R., 2009. Entrepreneurship and economic growth: Evidence from emerging and developed countries. Entrepreneurship & Regional Development, 21(5-6), pp.459-480.
[21]-R. Morris & M. Pendido, How Did Silicon Valley Become Silicon Valley (Endeavor Insight, 2014), <http://bit.ly/2ojtdpI >.
[22]-Klepper, S., The evolution of the US automobile industry and Detroit as its capital (Gainesville, Florida: In 9th Congress of the International Joseph A. Schumpeter Society, March 2002).
[23]-Wadhwa, V., Holly, K., Aggarwal, R. and Salkever, A., Anatomy of an entrepreneur: Family background and motivation (Kauffman Foundation Small Research Projects Research, 2009), (pp. 5-6).
[24]-Bhide, A.V., The origin and evolution of new businesses (Oxford University Press, 2003), p. 55.
[25]-Lebergott, S., Output, Employment, and Productivity in the United States after 1800 (NBER, 1966), p. 20, Labor force and employment, 1800–1960.
[26]-Dimitri, C., Effland, A.B. and Conklin, N.C., The 20th century transformation of US agriculture and farm policy (Vol. 3) (Washington, DC: US Department of Agriculture, Economic Research Service, 2005), p. 2.
[27]-Alston, J.M., Beddow, J.M. and Pardey, P.G., Global patterns of crop yields and other partial productivity measures and prices (2010), p. 203.
[28]- Employment by activity (agriculture) (OECD, 2016).
[29]- Alston, J.M., Beddow, J.M. and Pardey, P.G., Global patterns of crop yields and other partial productivity measures and prices (2010), p. 203.
[30]- Dimitri, C., Effland, A.B. and Conklin, N.C., The 20th century transformation of US agriculture and farm policy (Vol. 3) (Washington, DC: US Department of Agriculture, Economic Research Service, 2005), p. 6.
[31]- Employment by activity (manufacturing) (OECD, 2016).
[32]- Employment Projections program (U.S. Bureau of Labor Statistics, 2015).
[33] Quarterly Gross Domestic Product (GDP) by Industry (Bureau of Economic Analysis, 2016).
[34] Mark P., “Today is Manufacturing Day, so let’s recognize America’s world-class manufacturing sector and factory workers,” AEI, 1/10/2015 < http://bit.ly/1RoBEHs >.
[35]-Bjoern Olaf Utvik and Kjetil Selvik, Oil States in the New Middle East: Uprisings and stability (Routledge, 2015), Steffen Hertog, "Back to the 70s? Saudi youth and the kingdom’s political economy after the Arab uprisings".
[36]-حسب أرقام وزارة العمل السعودية.